الفصل السابع

اكتشاف المجرات

منذ قرنين ونصف القرن، قبل أن يبني الفلكي الإنجليزي سير ويليام هيرشل أول تلسكوب كبير عملي، كان الكون المعروف يتألف من لا شيء أكثر من النجوم والشمس والقمر والكواكب وبضعة أقمار للمشتري وزحل، وبعض الأجرام الغائمة، إلى جانب مجرة درب التبانة (أو اللبانة) التي تشبه حزامًا من قطرات اللبن المتساقط عبر سماء الليل. في الحقيقة إن كلمة مجرة أو galaxy بالإنجليزية مشتقة من الكلمة اليونانية galaktos أو اللبن. حملت السماء أيضًا أجسامًا غائمة تسمى علميًّا بالسُّدم أو nebulae، وهي كلمة مشتقة بالإنجليزية من كلمة لاتينية بمعنى السُّحب، وهي أجسام ذات أشكال مبهمة على غرار سديم السرطان في كوكبة الثور، وسديم أندروميدا، الذي يوجد بين نجوم كوكبة أندروميدا.

كان لتلسكوب هيرشل مرآة عرضها ثمانٍ وأربعون بوصة، وهو حجم لم يصل إليه أي تلسكوب حتى ذلك الوقت، في عام ١٧٨٩، حين جرى بناؤه. وقد جعل نظام الروافد المعقد الذي كان يدعم التلسكوب عملية استخدامه عسيرة للغاية، لكن حين وجهه هيرشل إلى السماء استطاع بسهولة أن يرى عددًا لا حصر له من النجوم يؤلف مجرة درب التبانة. تمكن هيرشل وأخته كارولاين — بالاستعانة بالمرآة ذات الثمانية وأربعين بوصة، إلى جانب تلسكوب آخر أصغر وأسهل في الاستخدام — من وضع أول دليل فضائي مصور شامل للسدم الشمالية. واستمر سير جون، ابن سير ويليام هيرشل، في السير على خطى أسرته، وأضاف إلى قائمة السدم الشمالية التي وضعها والده وعمته، ثم أثناء إقامته الطويلة في رأس الرجاء الصالح في الطرف الجنوبي لقارة أفريقيا أدرج نحو ١٧٠٠ جسم غائم يمكن رؤيتها من نصف الكرة الجنوبي. وفي عام ١٨٦٤ جمع سير جون جميع الأجسام الفضائية المعروفة في مؤلفه «الدليل المصور العام للسدم وعناقيد النجوم»، الذي ضم أكثر من خمسة آلاف مدخل.

بالرغم من البيانات الكثيرة المتاحة عن السدم، لم يعرف أحد في ذلك الوقت ماهيتها الحقيقية، أو مقدار بعدها عن الأرض، أو الاختلافات بين بعضها وبعض. ومع ذلك فقد أتاح الدليل الصادر عام ١٨٦٤ إمكانية تصنيف السدم حسب أشكالها. أطلق الفلكيون، متبعين في ذلك منهج «إننا نسمى الأشياء حسبما نراها» الذي يتبناه حكام لعبة البيسبول (الذين حصلوا على الاعتراف الرسمي في حدود الوقت عينه الذي نشر فيه دليل هيرشل العام)، على السدم ذات الشكل الحلزوني ﺑ «السدم الحلزونية»، أما تلك الشبيهة بالشكل البيضاوي فقد أسموها ﺑ «السدم البيضاوية»، وأطلقوا على السدم العديدة ذات الأشكال غير المنتظمة — التي لا هي حلزونية ولا بيضاوية — اسم «السدم غير المنتظمة». وأخيرًا، أطلقوا على السدم التي بدت صغيرة ومستديرة، مثل الصورة التلسكوبية للكوكب، اسم «السدم الكوكبية»، وهو ما دأب على التسبب في حيرة كبيرة لكل الوافدين الجدد على علم الفلك.

ظل علم الفلك، طوال الجزء الأعظم من تاريخه، علمًا صريحًا، يستخدم طرقًا وصفية في البحث تشبه كثيرًا تلك المستخدمة في علم النبات. وقد عمد الفلكيون، بالاستعانة بقوائم مجموعات النجوم والأجرام الغائمة الآخذة في التزايد، للبحث عن أنماط، ثم صنفوا هذه الأجرام وفقًا لها. وهذه خطوة منطقية أيضًا. فأغلب البشر، منذ الطفولة، يرتبون الأشياء في مجموعات حسب المظهر والشكل، حتى دون أن يُطلب منهم ذلك. بيد أن هذا الأسلوب لن يفيد إلا بدرجة محدودة. وبما أن الأجسام الغائمة تحتل مساحات تبدو بالحجم نفسه تقريبًا في سماء الليل، افترض آل هيرشل أن جميع السدم تقع على نفس المسافة من كوكب الأرض؛ لهذا بدا لهم أن تصنيف جميع السدم باستخدام القواعد نفسها أمر ملائم ومنصف من الناحية العلمية.

لكن المشكلة كانت أن الافتراض بوقوع جميع السدم على نفس المسافة من الأرض كان خطأً كبيرًا. يمكن للطبيعة أن تكون محيرة، بل خداعة أحيانًا. فبعض السدم التي صنفها آل هيرشل ليست أبعد كثيرًا من النجوم؛ لذا فهي أصغر نسبيًّا (هذا إذا أمكن وصف مساحة قدرها تريليون ميل بأنها «أصغر نسبيًّا»). بينما اتضح أن سدمًا أخرى أبعد بكثير؛ لذا لا بد أنها أكبر بكثير من الأجسام الغائمة القريبة نسبيًّا منا إذا كان الاثنان يبدوان بالحجم نفسه في السماء.

الدرس المستفاد هنا هو أنه في نقطة ما عليك التوقف عن التركيز على ما يبدو عليه الشيء، والبدء في التساؤل عن ماهيته. ولحسن الحظ، بحلول القرن التاسع عشر، مكن التقدم العلمي والتكنولوجي الفلكيين من عمل هذا الأمر، وأن يفعلوا ما هو أكثر من مجرد تصنيف محتويات الكون. أدى هذا التحول إلى مولد علم الفيزياء الفلكية، المعنِيِّ بالتطبيق المفيد لقوانين الفيزياء على المواقف الفلكية.

•••

إبان الفترة نفسها التي نشر فيها سير جون هيرشل دليله المصور الواسع عن السدم، انضمت أداة علمية جديدة، هي منظار التحليل الطيفي أو المطياف، إلى رحلة البحث عن السدم. إن وظيفة المطياف الوحيدة هي تحليل الضوء الأبيض إلى ألوانه الأساسية التي يتألف منها. من شأن هذه الألوان، والسمات التي تحملها، ألا تكشف عن التفاصيل الدقيقة للتركيب الكيميائي لمصدر الضوء فقط، بل أن تكشف أيضًا، بفضل الظاهرة المعروفة باسم تأثير دوبلر، عن تحرك مصدر الضوء إما نحو الأرض أو بعيدًا عنها.

كشف التحليل الطيفي عن شيء مذهل: فالسدم الحلزونية، التي تهيمن على النطاق المحيط بمجرتنا، تتحرك جميعها تقريبًا مبتعدة عن كوكب الأرض، وبسرعات كبيرة. وعلى النقيض فإن جميع السدم الكوكبية، إضافة إلى أغلب السدم غير المنتظمة، تتحرك بسرعات بطيئة نسبيًّا؛ البعض منها يتجه نحونا والبعض الآخر يبتعد عنا. هل وقع انفجار كارثي في قلب مجرة درب التبانة متسببًا في طرد جميع السدم الحلزونية؟ إن صح هذا، فلماذا لا ترتد أي منها إلينا مجددًا؟ هل رصدنا هذه الكارثة في وقت خاص؟ على الرغم من التقدم الذي شهده علم التصوير وأنتج لنا سوائل تحميض أسرع، ما مكن الفلكيين من قياس الطيف الضوئي للسدم الأكثر إعتامًا، على الرغم من هذا التقدم تَوَاصَلَ ابتعادُ السدم هذا وظلت هذه الأسئلة دون إجابة.

تحققت أغلب الطفرات في علم الفلك، والعلوم الأخرى، بفضل ظهور أشكال جديدة من التكنولوجيا. وفي مستهل العقد الثالث من القرن العشرين ظهرت أداة جوهرية على الساحة؛ تلسكوب هوكر المهول البالغ قطره ١٠٠ بوصة في مرصد جبل ويلسون بالقرب من باسادينا بكاليفورنيا. وفي عام ١٩٢٣ استخدم الفلكي الأمريكي إدوين بي هابل هذا التلسكوب — الأكبر في العالم في ذلك الوقت — للعثور على نوع جديد من النجوم، المتغير القيفاوي، الموجود في سديم أندروميدا. تتباين شدة سطوع النجوم المتغيرة وفق أنماط معروفة، والنجوم المتغيرة القيفاوية، المسماة على اسم أول نجم اكتُشف من هذه الطبقة من النجوم، وكان نجمًا في كوكبة الملتهب (قيفاوس)، تتسم بالسطوع الشديد، ومن ثم يمكن رؤيتها من على مسافات بعيدة. ولأن سطوعها يتباين على دورات يمكن تمييزها يستطيع المراقب الحريص اكتشاف عدد كبير منها. وقد وجد هابل عددًا من هذه المتغيرات القيفاوية داخل مجرة درب التبانة، وقدر مسافاتها، بيد أنه دُهش من أن المتغير القيفاوي الذي وجده في أندروميدا كان أخفت بكثير من غيره.

كان التفسير الأرجح لهذا الخفوت هو أن المتغير القيفاوي الجديد، وسديم أندروميدا الذي يوجد فيه، يقع على مسافة أبعد من القيفاويات الأخرى الموجودة في مجرة درب التبانة. أدرك هابل أن هذا يضع سديم أندروميدا على مسافة بعيدة للغاية حتى إنه يستحيل أن يوجد بين نجوم كوكبة أندروميدا، ولا في أي مكان داخل مجرة درب التبانة، ومن المستحيل أيضًا أن يكون قد خرج منها، إلى جانب إخوته من السدم الحلزونية، أثناء الانفجار اللبني الكارثي.

كانت تبعات اكتشاف هابل مذهلة؛ إذ إنه بيَّن أن السدم الحلزونية هي نظم كاملة مستقلة بذاتها من النجوم، وأنها لا تقل عن مجرة درب التبانة في الحجم أو في عدد النجوم. وإذا استعرنا تعبير الفيلسوف إيمانويل كانط يمكن القول إن هابل بَيَّنَ لنا أن عشرات «الجزر الكونية» تقع خارج مجرتنا، خاصة وأن أندروميدا كانت بداية لقائمة من السدم الحلزونية المعروفة. إن سديم أندروميدا، في واقع الأمر، ما هو إلا «مجرة» أندروميدا.

•••

بحلول عام ١٩٣٦ اكتُشف عدد كافٍ من الجزر الكونية، وصورت من خلال التلسكوب هوكر وغيره من التلسكوبات، وهو ما دفع هابل إلى تجربة حظه، هو الآخر، في محاولة تصنيفها حسب الشكل. ارتكن تحليله لأنواع المجرات على الافتراض غير المختبر القائل إن الاختلافات في الشكل من مجرة لأخرى إنما يرمز لمراحل تطورية في حياة المجرة، من المولد وحتى الفناء. وقد صنف هابل، في كتابه الذي صدر عام ١٩٣٦ بعنوان «عالم السُّدم»، المجرات من خلال وضع الأنواع المختلفة على امتداد مخطط أشبه بالشوكة الرنانة، التي يمثل مقبضها المجرات البيضاوية، مع المجرات البيضاوية الكروية عند الطرف الأقصى للمقبض، بينما المجرات البيضاوية المسطحة قرب نقطة التقاء فرعي الشوكة. وعلى امتداد أحد الفرعين توجد المجرات الحلزونية العادية؛ على أن تكون القريبة من المقبض لها أذرع حلزونية ملتفة بإحكام، والقريبة من طرف الفرع لها أذرع حلزونية مفتوحة أكثر. وعلى الفرع الثاني توجد المجرات الحلزونية التي يظهر في مركزها «قضيب» مستقيم من النجوم، لكنها فيما عدا ذلك تشبه المجرات الحلزونية العادية.

تخيل هابل أن المجرات تبدأ حياتها كمجرات بيضاوية كروية، ثم تصير أكثر تسطحًا مع الوقت، وفي النهاية تظهر بنية حلزونية تبدأ في الانتشار مع مرور الوقت. فكرة عبقرية، جميلة، وأنيقة. لكنها خاطئة تمامًا. فهذا النظام لا يتغاضى عن مجموعات كاملة من المجرات غير المنتظمة وحسب، بل إن علماء الفيزياء عرفوا لاحقًا أن أقدم النجوم في كل مجرة كانت جميعها لها العمر نفسه، وهو ما يعني أن المجرات جميعها ولدت إبان حقبة وحيدة من تاريخ الكون.

لثلاثة عقود (مع ضياع بعض فرص البحث بسبب الحرب العالمية الثانية)، رصد الفلكيون وسجلوا مواقع المجرات بما يتوافق ومخطط شوكة هابل الرنانة كمجرات بيضاوية وحلزونية وحلزونية قضيبية، مع وضع العدد القليل من المجرات غير المنتظمة كمجموعة فرعية، تقع خارج المخطط تمامًا بسبب أشكالها الغريبة. بالنسبة للمجرات البيضاوية يمكن أن نقول عنها نفس ما قاله رونالد ريجان عن أشجار كاليفورنيا الحمراء: إن رأيت واحدة فقد رأيتها كلها. تشبه المجرات البيضاوية بعضها بعضًا من حيث إنها لا تملك تلك الأذرع الحلزونية المميزة للمجرات الحلزونية، ولا السحابة العملاقة من الغاز والغبار النجمي التي تتولد منها النجوم الجديدة. ففي تلك المجرات انتهى تكون النجوم منذ مليارات الأعوام، وما تبقى هو مجموعات من النجوم تأخذ شكلًا بيضاويًّا أو كرويًّا. تحتوي أكبر المجرات البيضاوية، شأن أكبر المجرات الحلزونية، على مئات المليارات من النجوم في كل مجرة منها — بل قد يصل العدد إلى تريليون نجم أو أكثر — ويمتد قطرها لمئات الآلاف من السنوات الضوئية. وباستثناء الفلكيين المحترفين، لم يتلهف أحد لمعرفة تاريخ الأنماط الرائعة والتكوينات المعقدة من النجوم في المجرات البيضاوية؛ وذلك لسبب وجيه هو أن المجرات البيضاوية — على الأقل مقارنة بالمجرات الحلزونية — أشكالها بسيطة، وعملية تكون النجوم بها مفهومة: فجميعها حولت الغاز والغبار الموجود بها إلى نجوم، إلى أن توقفت عن فعل هذا تمامًا.

على العكس من ذلك نجد أن المجرات الحلزونية والحلزونية القضيبية تمدنا بالإثارة البصرية التي تفتقر إليها المجرات البيضاوية. وأكثر صورة قد تستثير مشاعرنا من صور المجرات التي قد نراها يومًا ستكون صورة مجرتنا، درب التبانة، الملتقطة من خارجها؛ فمن المؤكد أنها ستحرك قلوبنا وعقولنا، لكن هذا لن يحدث إلا حين نتمكن من إرسال كاميرا تصوير لمسافة مئات الآلاف من السنوات الضوئية أعلى أو أدنى من السطح المستوي لمجرتنا. لكن اليوم، حيث لم تقطع أبعد مجساتنا الفضائية إلا واحدًا على مليار من هذه المسافة، يبدو هذا الهدف بعيد المنال، وفي الواقع حتى المجس القادر على التحرك بسرعة تقارب سرعة الضوء سيتطلب منا انتظارًا طويلًا — أطول بكثير من تاريخ البشرية المدون بأسره — كي يمدنا بالنتائج المرغوبة. وفي الوقت الحالي على الفلكيين الاستمرار في رسم خريطة مجرتنا من الداخل، بحيث يرسمون غابتنا الكونية من خلال فك طلاسم أشجارها النجمية والسديمية. تكشف هذه الجهود عن أن مجرتنا تشبه كثيرًا أقرب جاراتها؛ مجرة أندروميدا الحلزونية العملاقة. لقد أمدتنا مجرة أندروميدا — بفضل وقوعها على مسافة قريبة قدرها ٢٫٤ مليون سنة ضوئية — بثروة من المعلومات بخصوص الأنماط البنيوية الأساسية للمجرات الحلزونية، إضافة إلى أنواع النجوم المختلفة ومراحل تطورها. ولأن جميع نجوم مجرة أندروميدا تبعد بنفس المسافة عنا (بزيادة أو نقصان بنسبة مئوية بسيطة)، يدرك الفلكيون أن اللمعان الظاهري للنجوم يرتبط مباشرة بسطوعها؛ أي مقدار الطاقة التي تبعثها كل ثانية. مكنت هذه الحقيقة — التي لا تفيد الفلكيين عند دراسة الأجرام الموجودة في مجرة درب التبانة، لكنها قابلة للتطبيق مع كل المجرات خلاف مجرتنا — الفلكيين من استخلاص نتائج جوهرية بشأن تطور النجوم بسهولة أكبر مما هو الحال مع النجوم الموجودة في مجرتنا درب التبانة. إضافة إلى ذلك وفرت لنا المجرتان البيضاويتان التابعتان اللتان تدوران حول مجرة أندروميدا — اللتين تحتوي كل منهما على نسبة مئوية بسيطة من النجوم الموجودة في المجرة الرئيسية — معلومات مهمة بشأن حياة النجوم والبنية المجرية الكلية للمجرات البيضاوية. وفي ليلة صافية بعيدًا عن أضواء المدينة يستطيع المراقب قوي الملاحظة — الذي يدري أين ينبغي أن ينظر — تحديد الشكل الخارجي العام لمجرة أندروميدا؛ أبعد شيء يمكن رصده بالعين المجردة، وهي تشع ضوءًا خرج منها بينما كان أسلافنا يجوبون أرجاء أفريقيا بحثًا عن جذور النباتات وثمار العليق.

إن مجرة أندروميدا، مثل درب التبانة، تقع في منتصف المسافة على امتداد أحد فرعي شوكة هابل الرنانة؛ لأن أذرعها الحلزونية ليست بالمغلقة أو المفتوحة. لو كانت المجرات حيوانات موضوعة في حديقة حيوانات فسيكون هناك قفص واحد للمجرات البيضاوية، وأقفاص عديدة للمجرات الحلزونية البهية. إن دراسة صور تلسكوب هابل الخاصة بإحدى هذه المجرات، في المعتاد تلك الواقعة على بعد ١٠ أو ٢٠ سنة ضوئية (للمجرات القريبة)، تفتح الباب لعالم من الاحتمالات الغنية؛ عالم بعيد للغاية عن الحياة الموجودة على سطح الأرض، عالم ذي بنية معقدة قد تجعل العقل غير المتأهب لها يتحير، أو يدافع عن نفسه بتذكير صاحبه بأن أيًّا من هذه الأشياء لن يفيد في إنقاص وزن أو شفاء كسر.

تُشكل المجرات غير المنتظمة؛ أيتام نظام التصنيف المجري، نحو ١٠ بالمائة من جميع المجرات، بينما تنقسم النسبة المتبقية بين المجرات الحلزونية والبيضاوية، مع أفضلية واضحة للمجرات الحلزونية. المجرات غير المنتظمة، خلاف البيضاوية، تحتوي عادة على نسب من الغاز والغبار أعلى من المجرات الحلزونية، وهي بهذا أنشط المواقع التي تتكون بها النجوم على نحو متواصل. تدور حول مجرة درب التبانة مجرتان تابعتان كبيرتان تسميان، على نحو قد يثير الحيرة، بسحابتي ماجلان؛ لأن أول من رصدهما من البيض — وكانوا بحارة في رحلة ماجلان التي دار فيها حول الأرض في عام ١٥٢٠ — ظنوا في البداية أنهم يرون خيوطًا من السحب في السماء. حظيت رحلة ماجلان بهذا الشرف لأن سحابتي ماجلان تقعان بالقرب من القطب الجنوبي السماوي (النقطة التي تعلو القطب الجنوبي لكوكب الأرض مباشرة) ولا ترتفعان قط فوق الأفق للراصدين الموجودين في دوائر العرض الشمالية الأكثر ازدحامًا بالسكان، بمن في ذلك الموجودون في أوروبا وغالبية الولايات المتحدة الأمريكية. تحوي كل واحدة من سحابتي ماجلان مليارات عدة من النجوم، لكن عددها لا يصل إلى مئات المليارات مثلما هو الحال في مجرة درب التبانة وغيرها من المجرات الكبيرة، كما تظهر بها أيضًا مناطق كثيفة لتكون النجوم، أبرزها «سديم العنكبوت» الموجود في سحابة ماجلان الكبرى. لهذه المجرة أيضًا شرف الكشف عن أكثر المستعرات العظمى سطوعًا على مدار الثلاثة قرون الماضية، المسمى بالمستعر الأعظم ١٩٨٧ إيه، الذي لا بد أنه انفجر قبل الميلاد بمائة وستين ألف عام تقريبًا حتى يصل ضوءه الأرض عام ١٩٨٧.

حتى الستينيات كان الفلكيون قانعين بتصنيف كل المجرات إلى مجرات حلزونية أو حلزونية قضيبية أو بيضاوية أو غير منتظمة. وكانوا محقين في ذلك؛ إذ إن أكثر من ٩٩ بالمائة من المجرات كافة كانت تندرج تحت هذه الأنواع. (وفي ظل وجود مجموعة منها تحمل اسم «مجرات غير منتظمة»، تبدو هذه النتيجة مؤكدة.) لكن خلال ذلك العقد الجميل، صار الفلكي الأمريكي هالتون آرب مناصرًا للمجرات التي لم تتوافق مع هذا التصنيف البسيط المكون من شوكة هابل الرنانة إلى جانب المجرات غير المنتظمة. استخدم آرب — متحليًا بروح كلمات القصيدة المنقوشة على تمثال الحرية التي تقول: «إليَّ بالجماهير المتعبة المسكينة المحتشدة» — أكبر تلسكوبات العالم، التلسكوب هال البالغ قطر مرآته ٢٠٠ بوصة الموجود في مرصد بالومار بالقرب من سان دييجو بكاليفورنيا، لتصوير ٣٣٨ من الأنظمة النجمية المشوهة بشكل كبير. وسرعان ما صار «أطلس آرب للمجرات الغريبة»، المنشور في عام ١٩٦٦، صندوق كنز حقيقي من الفرص البحثية لكل شيء سيئ يمكن أن يحدث في الكون. ومع أن «المجرات الغريبة» — المعروفة على أنها تلك المجرات ذات الأشكال العجيبة حتى إن صفة «غير منتظمة» لا تفيها حقها — لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من كل المجرات، فإنها تحمل معلومات مهمة بشأن ما يمكن أن يحدث للمجرات حين لا تسير الأمور على نحو سليم. وقد اتضح، مثلًا، أن العديد من المجرات الغريبة الموجودة في أطلس آرب هي اندماج لبقايا مجرتين منفصلتين اصطدمت إحداهما بالأخرى. هذا يعني أن تلك المجرات «الغريبة» ليست أنواعًا مختلفة من المجرات، تمامًا مثلما لا نعتبر السيارة اللكزس المحطمة نوعًا جديدًا من السيارات.

•••

لتتبع ما ينجم عن مثل هذه الاصطدامات ستحتاج إلى أكثر من مجرد ورقة وقلم رصاص؛ لأن كل نجم في كلا النظامين المجريين له جاذبيته الخاصة، التي تؤثر في الوقت نفسه على بقية النجوم الموجودة في المجرتين. إن ما تحتاجه، باختصار، هو حاسب آلي. اصطدام المجرات بعضها ببعض حدث درامي جليل، يستغرق مئات الملايين من الأعوام من بدايته حتى نهايته. وباستخدام المحاكاة الحاسوبية يمكنك بدء عملية اصطدام بين مجرتين، أو وقفها مؤقتًا، ثم التقاط صور لما سيحدث بعد ١٠ ملايين عام، أو ٥٠ مليون عام، أو ١٠٠ مليون عام. في كل مرة ستبدو الأمور مختلفة. وحين تدلف إلى أطلس آرب — مكان تجمع هذه المجرات — ستجد في مكان ما اصطدامًا في مرحلة مبكرة، وآخر في مرحلة متأخرة، واصطدام خفيف عابر، وآخر مباشر عنيف.

مع أن أولى عمليات المحاكاة الحاسوبية جرت في أوائل الستينيات (ومع أن الفلكي السويدي إريك هولمبرج أجرى محاولة بارعة في الأربعينيات لإعادة تخليق اصطدام مجري على سطح طاولة باستخدام الضوء كمكافئ للجاذبية)، فإننا انتظرنا حتى عام ١٩٧٢ لينتج لنا الأخَوان آلار ويوري تومر، اللذان يدرِّسان في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أول صورة مقنعة لاصطدام «مبسط بشكل متعمد» بين مجرتين حلزونيتين. كشف نموذج الشقيقين تومر عن أن قوى المد — أي الاختلافات في الجاذبية من مكان لآخر — مزقت المجرتين إربًا. وبينما تقترب إحدى المجرتين من الأخرى، تزداد قوة الجاذبية بدرجة كبيرة عند أطراف الاصطدام، مسببة تمدد المجرتين وتشويههما وإحداهما تمر بجوار الأخرى أو عبرها. هذا التمدد والتشويه مسئولان عن أغلب الحالات الغريبة المذكورة في أطلس آرب للمجرات الغريبة.

كيف يمكن أيضًا للمحاكاة الحاسوبية أن تساعدنا على فهم المجرات؟ تميز شوكة هابل الرنانة بين المجرات الحلزونية «العادية» والمجرات الحلزونية التي يظهر بها قضيب كثيف من النجوم في مركزها. تبين المحاكاة أن هذا القضيب يمكن أن يكون ملمحًا انتقاليًّا، وليس علامة مميزة لنوع مغاير من المجرات. إن راصدي المجرات القضيبية المعاصرين ربما رصدوا هذه المجرات في مرحلة من حياتها قد تنتهي في غضون ١٠٠ مليون عام أو نحو ذلك. لكن بما أننا لن نستطيع الانتظار حتى تختفي هذه القضبان، فسيتحتم علينا مشاهدتها وهي تختفي على الحاسب الآلي، حيث يمكن أن تمضي مليارات الأعوام في غضون دقائق قليلة.

•••

لقد ثبت أن مجرات آرب الغريبة ما هي إلا قمة جبل جليد لعالم عجيب من أشباه المجرات، التي بدأ الفلكيون في تمييز أشكالها خلال الستينيات، وبدءوا يفهمونها بعد ذلك بعقود. لكن قبل الانشغال بحديقة الحيوان المجرية الجديدة هذه، علينا استئناف قصة التطور الكوني من حيث تركناها. علينا دراسة أصل المجرات جميعها — العادية وشبه العادية وغير المنتظمة والغريبة وفائقة الغرابة — لنعرف كيف ولدت، وكيف أسعدنا الحظ بالوجود في موقع هادئ نسبيًّا في الفضاء، على أطراف مجرة حلزونية عملاقة، على بعد ٣٠ ألف سنة ضوئية من مركزها وعشرين ألف سنة ضوئية من حافتها الخارجية المشتتة. وبفضل النظام العام للمجرة الحلزونية، الذي انطبق أولًا على السحب الغازية التي تولدت عنها النجوم، تتحرك شمسنا في مدار شبه دائري حول مركز مجرة درب التبانة، قاطعة كل رحلة خلال ٢٤٠ مليون عام (وهي المدة التي تسمى أحيانًا ﺑ «السنة الكونية»). واليوم، بعد أن قطعت الشمس عشرين رحلة كهذه منذ مولدها، من المفترض أن تتمكن من القيام بعشرين رحلة أخرى قبل أن ينتهي أجلها. لكن في الوقت الحالي، دعونا نلق نظرة على نشأة المجرات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤