مُلحق

مقتطفات من المراسلات العديدة التي دارت بين الخديو (إسماعيل) ونوبار باشا في أمر إنشاء المحاكم المختلطة.

***

كنت، أسوة بمعظم الملأ من المؤرخين، أعتقد أن معظم الفضل في إنشاء المحاكم المختلطة يجب أن يُنسب إلى الوزير الكبير نوبار باشا، وإلى حسن مساعيه.

ولكن صاحب الجلالة الملك (فؤاد الأول) — حفظه الله — تفضل وأكد لي أن نوبار باشا لم يعمل في ذلك إلا بإشارة (إسماعيل) وإرشاده، وأنه حتى في دقائق عمله لم يتنكب قيد شعرة عن السبيل الذي كانت ترسمه له تعليمات الخديو الفخيم.

ولكي أكون على بينة من أن هذا التأكيد قائم على أساس الاطلاع أكثر منه على رغبة جلالته في تعظيم ذكر أبيه — وهي رغبة ممدوحة تنم ببر جلالته بذكر والده — تفضل مولاي الملك وكلفني بمطالعة المكاتبات التي دارت بين (إسماعيل) ونوبار في شأن إنشاء المحاكم المختلطة — وهي مكاتبات لا تزال محفوظة في دفترخانة السراي الملكية — وقال لي: «إنك لن تجد من كتب (إسماعيل) إلى نوبار إلا صورًا للبعض منها، لأن تلك الكتب حفظها نوبار لديه، ولكنك تجد جميع المكاتبات المرسلة من نوبار إلى والدي، فيمكنك أن تفهم منها ما كان في الحقيقة عمل (إسماعيل)، وما كان عمل نوبار، فإذا اقتنعت بصحة ما أقول، أمكنك أن تضيف إلى كتابك ملحقًا تثبت فيه ما يصل إليه اقتناعك.»

فصدعت بأمر جلالته — وأنا مبتهج ابتهاج النفس بميدان يفتح أمامها لتصل منه إلى حقيقة تبتغيها — وأقبلت أقرأ تلك المكاتبات، وأدرسها درسًا دقيقًا، بالرغم من كثرة عددها — فإنها تتناول مدة ما بين سنة ١٨٦٨ وسنة ١٨٧٣ وتكون أربعة ربط ضخمة مجلدة — وبالرغم من قلة وقت الفراغ لدي لاشتغالي — فوق قيامي بمهام وظيفتي — بترجمة الكتاب إلى اللغة الفرنسية، وتقرير مصادره صفحة صفحة، عملًا أيضًا بإشارة مولاي صاحب الجلالة، الذي تفضل وقال لي: إنه بدون ذلك لا يكتسب المؤلف قيمة علمية.

وأخذت أنقل من تلك المكاتبات كل ما أراه شاهدًا على صحة تأكيد مولاي، حتى إذا فرغت منها، قدمتها للقراء بصفتها المحلق المطلوب، وأنا واثق من أنهم، بعد اطلاعهم عليها، سيشاركونني في اقتناعي بأن معظم الفضل في إنشاء المحاكم المختلطة يجب في الحقيقة أن ينسب إلى (إسماعيل)، وأن الخديو الفخيم لجدير بأن توضع صورته فوق صورة نوبار في القاعة الكبرى لمداولات محكمة الاستئناف المختلطة بالإسكندرية، وأن يوضع تمثاله في مدخل كل من هذه الدور التي أنشأها للعدالة في بلاده.

•••

كتب نوبار بتاريخ ٨ يناير سنة ١٨٦٨ إلى إيرام بك، سكرتير (إسماعيل) الخاص: «إني أحتفظ تمامًا بجميع حقوق سمو الخديو، فلسموِّه متسع من الوقت دائمًا، لكي يشرفني بما يرى من الأوامر فيما بعد، وقد كان من أهم أركان ما بنيت عليه دحضي لما لا يحسن الموافقة عليه في تقرير المندوبية ما ورد في كتاب سموه، وأعني به (إني لا أستطيع إدخال القاضي الأوروبي في محاكم البلاد، إذا كان في غير استطاعتي أن أقدم لشعبي إبطال التجاوزات التي يتألم منها، بمجرد إدخال ذلك القاضي الأوروبي)، وأيضًا (إني لا أستطيع إخضاع شعبي لمحكمة مشكلة من أوروبيين، طالما يرفض الأوروبيون الخضوع لهذه المحكمة).»

«إن جميع هذه المناقشات التي أقوم بها والتي سأتعرض لها في المستقبل هنا، الغرض منها تحديد مسائل المبادئ، بحيث إن عمل المندوبية المطلوب انعقادها في الإسكندرية ينحصر في البرنامج الذي يرغب فيه سموه أي في التقنين، والإجراءات القضائية (المرافعات) … إني أطلب أوامر سموه تلغرافيًّا في شأن تشكيل المحكمة، هل يوافق سموه على التشكيل الذي اقترحته المندوبية، أم يلزمني أن أعمل على تعديله؟ أرجو سموه أن يبت في الأمر ويبلغني أوامره.»

فكتب (إسماعيل) إلى نوبار بتاريخ ٩ يناير سنة ١٨٦٨، عقب اطلاعه على التقرير الذي وضعته مندوبية باريس الأولى، لما عرض عليها مشروع إنشاء المحاكم المختلطة: «يمكننا بدون ضرر علينا أن نقبل تشكيل المحكمة بالكيفية التي تقترحها المندوبية، وأراني أطالع بكل انتباه التقرير الذي أرسل إلي بالبريد الإنجليزي، وسأكتب لك؛ لأبدي لك رأيي في أهم النقط الدائر عليها البحث.»

وكتب نوبار بتاريخ ٢٨ يناير سنة ١٨٦٨: «سَيرى سموه أني لم أحنف عن المذكرة المؤرخة ٣ ديسمبر سنة ١٨٦٧ التي حازت تصديقه. وقد أجلت تبليغ الحكومة الإنجليزية بناء على برقية سموه التي قال لي فيها: إنه مع موافقته على تشكيل المحكمة حسب اقتراح المندوبية سيبلغني رأيه فيما يتعلق بباقي المشروع.»

وكتب (إسماعيل) إلى نوبار بتاريخ ٢٩ يناير سنة ١٨٦٨ «إني لما فضلت أن أبدي لك رأيي بعد اطلاعي على إجابتك على تقرير المندوبية، قد اضطررت أن أُأَجل ردي إلى بريد ٢٩ الجاري، فالإيضاحات التي أبديتها في إجابتك صحيحة، ولو أنها لا تخلو من شيء من الشدة، فإذا أضفت إليها بعض الاعتبارات التي أنبأتني بأن شارل دي لسبس عامل على تجهيزها، فإن إجابتك ستكون تامة. وبما أنك تقول لي في كتابك إن قرار المندوبية سيبعث إلى الدول الأجنبية، فهل تجد من مانع في أن آمر بإعطاء نسخ منه إلى القناصل العامة قبل أن تصلهم عن طريق آخر؟ لا سيما وأنهم طلبوا مني ذلك.»

وكتب نوبار في تاريخ ٣ فبراير سنة ١٨٦٨ ضمن كتاب ما يأتي: «أرجو سموه أن يبلغني تعليماته، واعتراضاته، وأوامره بالتلغراف.»

وفي ٥ فبراير سنة ١٨٦٨ أرسل الخديو التلغراف الآتي إلى نوبار باشا: «زارني الكولونيل ستانتن اليوم، فأسرني بأن الحكومة الپروسية قبلت أن توفد عنها نائبًا في المندوبية الدولية حيثما ترغب مصر في انعقادها. وعليه فإن لدينا الآن قبولين، قبول إنجلترا وقبول پروسيا، وستكون النمسا معنا كذلك، لأنا نعلم أنها لم تكن تنتظر سوى قرار پروسيا لتسير معها يدًا بيد. وأما الروسيا فقد أكد لي المسيو دي لكس (قنصلها) رسميًّا أن حكومته عينته مندوبًا لها في حال اجتماع المندوبية في القطر المصري. ومن جهتي، حيث إني أرى أن من مصلحتنا انعقاد المندوبية في بلدنا، فقد أصبحنا جميعًا متفقين على هذا الأمر الهام.»

وكتب إيرام بك إلى نوبار باشا بتاريخ ٦ يناير سنة ١٨٦٨: «إن سمو الخديو، قبل قيامه إلى مصر العليا، كلفني بأن أرسل لسعادتكم المذكرة المرفقة طيه المحررة بقلم المسيو شرينر عن ترتيب محاكمنا، وقد أخبر سموه المسيو شرينر بأن هذه المذكرة سترسل إليكم قائلًا بأنكم أقرب إلى تقدير ما فيها، فأرجوكم بعد الاطلاع على آراء المسيو شرينر وأفكاره أن تكتبوا عنها ما ترونه لسموه. وصلني اليوم كتابكم المؤرخ ٢٨ يناير، وبما أننا اليوم في ٦ فبراير، والخديو يقوم غدًا صباحًا إلى المنيا، فلست أظن أن سموه يتمكن من إيجاد الوقت الكافي للرد عليكم، فأخبركم بذلك لكي تكونوا على بينة من سبب تأخير أوامر سموه في شأن المسائل المختلفة التي تعرضونها عليه.»

وفي ٨ فبراير سنة ١٨٦٨ نقل نوبار في كتابه إلى إيرام بك ما قاله للمسيو أوتريه وهو «إن سمو الخديو لدى أول مطالبة تقدمها له القنصلية الفرنساوية، كان مصممًا على أن يجيب أنه اقترح إنشاء محاكم للبت في أمثال هذه المطالبات، وأن فرنسا لم تقبل، فبما أنه، من وجهة العدالة، ليس بتابع لأحد، فلا يستطيع — والحالة هذه — أن يعير أي مطالبة تقدم له شيئًا من الاعتبار، فإذا لم يرق هذا في نظر المطالب، فما عليه إلا أن يرفع أمره إلى مجلس الأحكام». وزاد على ذلك ما يأتي: «قلت للمسيو أوتريه: انظر يا مولاي إلى المركز الذي تضعوننا فيه، والذي نصبح حتمًا فيه نحن وفرنسا، فإن سمو الخديو مصمم على رأيه، والبلاد كلها تعضده فيه.» «أرجوك يا سيدي البك، أن تبلغني أوامر سموه تلغرافيًّا، فإذا لم أنجح في مساعي، فأي سير يلزمني اتباعه؟ ما هي أوامر سموه؟»

وعاد في كتاب مؤرخ ١٠ فبراير سنة ١٨٦٨، وكتب أيضًا «إني أطلب بإلحاح أوامر سموه، فيما يلزمني عمله في حال عدم إذعان المسيو دي موستييه إلى طلباتي.»

وكان نوبار قد أعلم (إسماعيل) في كتاب تالٍ أن الحكومة الفرنساوية قد تقبل المشروع إذا نالت بعض امتيازات نوهت بها، فأرسل (إسماعيل) برقية إلى وزيره جاء فيها ما يأتي: «لا يلزم أن يتخذ قبول فرنسا بالمشروع شكل المساومة، بل يلزم أن يتخذ القبول شكل اعتراف فرنسا بحق لنا لا يقبل أن يختلف عليه اثنان. وأما أن فرنسا تقبل بطلباتنا لهذا السبب أو ذاك، فهذا أمر لا يهمني، لأن المهم في الأمر أن ندرك غرضنا، وأما الباقي فلست أعلق عليه أهمية ما، على شرط أن يبقى مكتومًا بيننا وسريًّا، وهذا التكتم، ولو أنه في مصلحتنا إلا أنه مرغوب فيه لمصلحة فرنسا أيضًا فإن المسألة مسألة شرف لها، ويهم شرفها أن لا ترى أنها ساومت على التسليم بحق عدل ومساواة. ومن المفهوم أنه يلزمك أن تعمل بحيث يكون الاتفاق مع دي لسبس بشأن نفاذ بيوع الأطيان محررًا بمنتهى الفطنة فتحفظ فيه جميع حقوق حكومتي حتى لا تنجم لنا في المستقبل مصاعب وإشكالات جديدة، فأوصيك بهذا الموضوع، فإنه في منتهى الأهمية.»

وكتب نوبار باشا إلى إيرام بك بتاريخ ٨ فبراير سنة ١٨٦٨ «إني سأسلم إلى اللورد ليونز (سفير بريطانيا العظمى في باريس) مذكرة تبين مطالب سمو الخديو نقطة نقطة، بكل تفصيل … وقد استلمت في الوقت ذاته خطاب سموه الخاص بالسلوك الذي عليَّ أن أسلكه فيما إذا لم أستطع نيل اختصاص المحكمة الإلزامي.»

وكتب في ٣ مارس سنة ١٨٦٨: «إذا تشبث اللورد ستانلي (وزير الخارجية البريطانية) بمعنى خطابه الأول، وأبى أن يفصح عن رأيه قبل التئام مندوبية التحقيق بالإسكندرية، فما الذي يلزم عمله؟ ما هي أوامر سموه وقراراته؟ … وعلى فرض أن اللورد ستانلي يتشبث بعدم البت في الأمر قبل التئام المندوبية التي أبدى رغبته في أنها تلتئم بالإسكندرية، فهل يلزم لحمل موستييه على الرضا بالتئام هذه المندوبية في مصر، هل يلزم قبول ما يشير به تقرير مندوبية باريس؟ إني أرجوك يا سيدي البك أن تبلغني أوامر سمو الخديو في هذا الشأن … إني أرجو سموه التفضل بتبليغي أوامره في شأن الطوارئ الاحتمالية التي تشرفت وعرضت بيانها عليه.»

وكتب في ٨ مارس سنة ١٨٦٨ إلى ايرام بك «تشرفت بكتابك المؤرخ ٢٧ فبراير الذي تبلغني به أوامر سمو الخديو فيما يتعلق بالسير الذي يتعين عليَّ اتباعه فيما لو أبى المسيو دي موستييه جعل المحكمة إلزامية فإن سمو الخديو يرى أنه يلزمنا أن نطلب تفويض البت في ذلك للمندوبية في الإسكندرية.»

وكتب (إسماعيل) إلى نوبار بتاريخ ١٦ مارس سنة ١٨٦٨: «اطلعت على بريدك الرقيم ٣ مارس، فيلزم العمل بحيث تقبل الحكومة الفرنساوية التئام المندوبية في مصر بذات الشروط التي أقرتها الروسيا وإنجلترا، لأنه إذا لم تخول المندوبية حرية مطلقة في العمل، وإذا حتمت الحكومة الفرنساوية بقاءه داخل الدائرة التي رسمها تقرير مندوبية باريس بعمل الحكومة الفرنساوية عينها، فإنا لن ندرك غرضًا، وما ينالنا سوى العناء. ولكنه يخيل إليَّ أن إنجلترا وروسيا قابلتان اجتماع المندوبية بالإسكندرية بدون ما أن يكون لها برنامج وضع سابقًا، ولست أرى أن لفرنسا حقًّا في تحتيم شروط كهذه. وقد جرت محادثة بيني وبين المسيو شراينر (قنصل الاتحاد الألماني الشمالي بالإسكندرية)، فقال لي: ما حملني على الفهم بأن المذكرة التي وضعها في تشكيل المحاكم وترتيبها لم تكن بنت أفكاره وآرائه الشخصية فقط، بل إن حكومته تشاركه فيها؟»

وكتب إليه في ٢٩ مارس سنة ١٨٦٨: «عزيزي نوبار: إني أرى بمزيد الأسف، يا عزيزي نوبار، أنه لم يعد لك، إزاء عزم المسيو دي موستييه النهائي، سوى انتظار رد اللورد ستانلي لتتخذ عزمًا نهائيًّا، على أنه إذا طال الأمد على ورود هذا الرد، فلا يحسن بك أن تطيل مدة إقامتك في باريس. وعليه فإني آذن لك منذ الآن بالعمل بما تراه موافقًا للمناسبات والظروف، ولكن أليس من مصلحة حكومتنا أن نجهز، حالًا، العناصر اللازمة لتكوين محكمتنا؟ لا سيما وإنا مقتنعون تقريبًا أن معظم الدول الغربية لا تكتفي بعدم المعارضة في ذلك فحسب، بل تكون مسرورة بإحالة النظر في قضايا رعاياها إلى محاكمنا؟ وعليه فإنا نرحب بالذين يرغبون في الخضوع لقضاء محاكمنا. وإنا إذا وجد من القناصل من لا يرغب في التسليم بهذا الترتيب القضائي الجديد، فإنا سنخوِّل له الحق في الرجوع إلى محاكم الأستانة كما هو المتبع حتى اليوم، وليس في ذلك من خروج عن دائرة حقوقنا … إني أعطيك هذه التفصيلات بسرعة لتكون على بينة منها، فإذا وجدت أن آرائي تتفق مع مصلحة حكومتي فأقدم على تعيين الأشخاص اللازمين لتشكيل محاكمنا تشكيلًا لائقًا بها، ويمكنك أن تختار القضاة في پروسيا والبلجيك وسويسرا، وفي البلاد الأوروبية الأخرى، ولكن إذا وجدت أن مشروعي لا يمكن لأي سبب من الأسباب تحقيقه، فأفدني في الحال، وبيِّن لي ما هي الموانع.»

وكتب نوبار بتاريخ ١٨ مارس سنة ١٨٦٨ إلى إيرام بك: «استلمت الآن البرقية المؤرخة ١٦ مارس التي تفضل سمو الخديو بإرسالها إلي، على أني لم أنتظر ورودها لأقوم بالمساعي التي يأمرني الخديو بها في تلك البرقية. وبناء على الأوامر التي سبق لك إبلاغها إليَّ منذ زمن قريب، والتي رسمت لي الخطة الواجب اتباعها، ذهبت إلى المسيو دي موستييه.»

وكتب (إسماعيل) إلى نوبار في ١٠ أبريل سنة ١٨٦٨ «وصلني بريدك الرقيم ٢٧ مارس، وقرأت بإمعان كتابك المرسل إلى اللورد ستانلي، فالمرجو أن يرد عليك الوزير الإنجليزي بسرعة ردًّا مرضيًا. على أنه لو فرضنا وكان رد اللورد ستانلي في غير مصلحتنا، فيلزمك — بالرغم من ذلك — البقاء في باريس لتطلب من الحكومة الإنجليزية التئام المندوبية الدولية بالإسكندرية … نحن لا نخسر شيئًا في إلحاحنا بوجوب التئام المندوبية، لأنه من المؤكد أن المندوبية ستقرر نظامًا قضائيًّا ما، وهذا النظام لا يمكن إلا أن يكون أفضل من قضائنا الحالي. ففي حال إقدام اللورد ستانلي على تغيير قراره الأول، وفيما لو أبى أن يرسل المندوب الإنجليزي إلا بالشروط ذاتها التي تحتمها فرنسا، فإنه يتعين قبول ذلك بدون اعتراض. أما شروط فرنسا فنحن نعرفها، وستحتم على مندوبها بأن لا يخرج البتة من الدائرة التي رسمها تقرير مندوبية باريس، على أننا بنزولنا — ولو مرغمين — على هذا القرار النهائي الذي قد يجمع عليه موستييه وستانلي، فإنا قد نرى في ذلك فائدة لنا، لأن المندوبية الدولية باجتماعها في الإسكندرية قد تقرر حتمًا نظامًا قضائيًّا على قواعد متينة، ولا يمكن لقطرنا إلا أن يستفيد من ذلك فائدة كبيرة … على أني مع إبدائي لك رأيي في هذا الموضوع الهام، ومع إعطائي لك تعليماتي، أرغب أن أقف منك على ما إذا كانت وجهة نظرك في الموضوع مخالفة لرأيي فيه، فإذا كانت كذلك، فأرسل إليَّ ملحوظاتك تلغرافيًّا.»

وكتب نوبار في ١٧ أبريل سنة ١٨٦٨ إلى إيرام بك: «إنك تدرك جيدًا يا سيدي البيك، إنه إذا ما استتبت محاكمنا واشتغلت مدة أربع أو خمس سنوات، فإنها تصبح دائمة … وقد قال لي الجنرال فليري: إن الإمبراطور معتقد الآن أني لا أعمل شيئًا سوى تنفيذ أوامر مولاي، وتحقيق أفكاره. وأضاف إلى ذلك قوله: إنه — هو — لا يستطيع أن ينتظر مني أن أشير أبدًا على مولاي بقبول شرط أراه في عرفي أنكر ما يستنكر من الأمور، وأعني به الشرط الذي ترغب فرنسا بمقتضاه أن المصري في مصر يكون كل شيء سوى مصري … وقد قال لي فلوري: (وأيم الحق، إني أرى أنك لا تعمل شيئًا بخفة رأي، وأن هناك في سياسة الخديو وأفكاره خطة سير مخطوطة بحزم وتدبر تام) … إن الخديو لم يفتأ منذ خمس سنوات يقاتل قتالًا شديدًا لتسوية التركة السياسية المنكوبة التي أخلفها له سلفاه، ولكنه قاتل ويقاتل بدون قاعدة يستطيع الركون إليها، فهو كبهلوان تحته أرض غير ثابتة، ومضطر في الوقت عينه إلى المهاجمة والدفاع عن نفسه، أما الباب العالي فليس في مركز كهذا. نعم إنه ضعيف، ولكن القاعدة التي يرتكن عليها ثابتة، لأن تركيا حكومة معترف بها، نحن ننضم إلى تركيا للمطالبة بحقوقنا التي هي حقوق الباب العالي أيضًا، وسنخاطب السفارات، وهي قد تعترف بحقوقنا وقد تنكرها علينا، على أنهم سواء أَختاروا الاعتراف أو الإنكار، فإنهم مضطرون إلى إجابة الباب العالي إجابة رسمية. فإذا كانت إجابتهم إيجابية فقد كسبنا قضيتنا، واسترد الخديو حقوقه، وإذا كانت الإجابة سلبية فإنا نقبل إذ ذاك النتائج التي أقرتها المندوبية الباريسية، ولكنه يتقرر حينئذاك أن مصر غير مقيدة بالمعاهدات المبرمة مع الباب العالي، وسيقرر ذلك بصفة الأمر الراهن رسميًّا. وعليه، فإن الخديو باستناده من جهة على قناة السويس، ومن الأخرى على ماليته التي سيفرغ عن قريب من تنظيمها، سيغتنم هذا التقرير الرسمي وسيعمل لدى سنوح أول فرصة موافقة على قطع المسافات البعيدة. وإني أعرف سموه معرفة كافية لأكون متأكدًا من أنه موطن عزمه على السير إلى أقصى ما يمكن من المخاطرات قبل أن يرضى بفقدان حق، ما فتئ يسعى إلى اكتسابه منذ زمن مديد … وإني أرجوك أن تقبِّل عني يدي سيدنا الجليل لأجل الفكرة البديعة التي جادت بها قريحته …»

وكتب في ٢٨ أبريل سنة ١٨٦٨ من باريس إلى إيرام بك: «لم يعد يهمنا آلانجليز هم المعارضون أم الفرنساويون؟ مذ تكرم سمو الخديو وبت في المسألة نهائيًّا بالفكرة السعيدة التي جادت بها قريحته.»

وكتب (إسماعيل) إلى نوبار بتاريخ ٧ مايو سنة ١٨٦٩ من الجيزة، في شأن عدم الموافقة على أن تكون مباحث اللجنة الدولية بالإسكندرية على قاعدة تقرير المندوبية الباريسية «تفضل بدون أن تطلب مقابلة خصيصة لهذا الغرض، وقدم هذه الملحوظات إلى المسيو دي لاڨاليت (وزير خارجية فرنسا الذي أخلف المسيو دي موستييه) من جهتي، وقل له إني أثناء رحلتي لن أتأخر عن المطالبة بإلحاح أن تخول المندوبية الدولية حق البت في الأمور، وحق بحث المسألة بحثًا جديدًا، بدون أن تقبل أي عمل سابق إلا بصفة مستند يحسن درسه فقط، هذا كان أبدًا رأي الحكومة البريطانية، وقد كرره لي مرارًا الكولونيل ستانتن، وهذا هو أيضًا رأينا الذي اجتهدنا في تغليبه على ما سواه.»

وكتب نوبار إلى إيرام بتاريخ ١٠ مايو سنة ١٨٦٩ من باريس: «إن هذا الفكر الذي أبداه الوزير، وهذا التعبير الذي بدا منه موافقان تمام الموافقة لما قاله سموه في كتابه الرقيم ٢١ أغسطس سنة ١٨٦٨، أي أنه يتعين على المندوبية الدولية أن ترى ما هو صالح وناجم عن روح المعاهدات فتقرره … على أني أؤكد أن سموه بكتابه المؤرخ ٢١ أغسطس المرسل من الأستانة، قد أبلغ وحده المفاوضة إلى النجاح.»

وأرسل (إسماعيل) إلى نوبار بتاريخ ١٢ يولية سنة ١٨٦٩ البرقية الآتية: «إننا في مسألة المحاكم المختلطة، لم ندخل للآن — كما تعلم جيدًا — في مفاوضات مع أمريكا، على أنه يحسن أن نتلافى هذا. فاكتب لي عما إذا كنت توافق أن نتفاهم مباشرة في هذا الشأن مع سفير أمريكا في باريس، لتعبر له عن رغبتنا في أن نرى الولايات المتحدة مشتركة في أشغال المندوبية الدولية التي ستلتئم في الإسكندرية.»

وكتب نوبار إلى إيرام بتاريخ ٢٨ يولية سنة ١٨٦٩ «إني رددت على مسامع لاتوردوڨرني — وقد كان أخلف المسيو دي لاڨالت على الخارجية الفرنساوية بعد دخول نابوليون الثالث في الطور السياسي الذي عرف باسم «الإمبراطورة الحرة» — الكلمات بنصها التي قالها لي الخديو، وأعني (أرجو أن تبعث فرنسا إلى المندوبية ليمثلها فيها رجلًا تكون لديه غيرة على حسن سمعة فرنسا وعلى شرفها).»

ثم مرت السنوات التي توقفت المفاوضات الحثيثة فيها بسبب الحرب السبعينية، وما تلاها من تقلبات دولية، وأتى عام ١٨٧٢ الذي أعيدت فيه تلك المفاوضات وأرسل الخديو (إسماعيل) نوبار باشا إلى الأستانة للقيام بشئونها.

فكتب نوبار باشا إلى إيرام بك بتاريخ ١٤ أغسطس سنة ١٨٧٢ أنه قال لأحد السفراء في الأستانة: «أما أنا فإني أصرح بأني مقيد بأوامر صاحب السمو الخديو.»

وكتب إلى دي لسبس بتاريخ ٢٤ أغسطس سنة ١٨٧٢: «تأكد يا عزيزي دي لسبس، أني في المسألة الجزائية لا أعمل سوى اتباع أوامر الخديو، أما أنا فإني، مبدئيًّا، قد كنت أرضى بما خولت المحاكم من الاختصاص بالنظر في الجنح المرتكبة ضد القضاة، وضد الضباط القضائيين، وهم قائمون بشئون وظائفهم، ولكني اضطررت إلى التنازل عن رأيي أمام إرادة الخديو، وهي إرادة أراني مضطرًّا إلى القول إنها قائمة على قاعدة متينة من التعقل التام.»

وكتب في ٢ سبتمبر سنة ١٨٧٢ من الأستانة إلى إيرام بك: «إني أرجو سمو الخديو أن يتفضل ويبلغني أوامره وتعليماته بالدقة في هذا الموضوع الخطير.» (موضوع اختصاص المحاكم الجديدة بالنظر في المواد الجزائية بعد مضي ١٨ شهرًا على تأسيسها).

وكتب في ٣ سبتمبر سنة ١٨٧٢: «أرجو أن الفكرة التي حولها سموه إلى اقتراح ستذلل جميع الصعاب، فإني أعتقد أنها توفق بين جميع المطالب، وترضي جميع المصالح.»

وكتب في ٤ سبتمبر سنة ١٨٧٢ إلى إيرام بك: «إن سمو الخديو قد عمل بحكمة عمل سياسي حقيقي بأن حول إلى اقتراح ما لم يكن في فكري سوى إيعاز إلى دي لسبس، فجميع الفضل سيكون له، وجميع الفائدة ستكون لحكومته، وأرجو أننا بموجب هذا الاقتراح سنكسب قضية الإصلاح، وسنزيد اعتبارًا في نظر الحكومات، واعتبار الحكومات لنا قاعدة كل مستقبل سياسي … ففي اليوم الذي أفقد فيه الأمل في النجاح، سأفيد بذلك سموه لكي يرى رأيه، ويشرفني بأوامره … وبما أني اعتدت أن أعلم سموه بكل ما يحدث تلغرافيًّا، فإني أرسل لك صور جميع البرقيات التي بعثت بها، لكي يتمكن سموه بالاطلاع عليها من معرفة جميع دقائق الحال التي نحن فيها.»

وكتب (إسماعيل) إلى نوبار باشا بتاريخ ١٧ سبتمبر سنة ١٨٧٢ «إني أوصيك بأن لا تبدي رأيك لأحد في الحل الذي عرفك به دي لسبس، وأن لا ترد على دي لسبس قبل أن تعرض عليَّ تلغرافيًّا ذلك الحل مرفقًا بملحوظاتك.»

وكتب نوبار إلى إيرام بك بتاريخ ١٣ سبتمبر سنة ١٨٧٢: «إني سأرسل بالتلغراف إلى سموه كتاب دي لسبس، والتعليمات المعطاة إلى السفير الفرنساوي، وسموه يبلغني أوامره، على أني لن أبدي بتًّا في شيء قبل أن تبلغني هذه الأوامر.»

وكتب إليه بتاريخ ١٨ سبتمبر سنة ١٨٧٢ «إذا خالفت اقتراحات السفير الفرنساوي اقتراحات سموه … فإني سأخطر سموه بذلك حالًا بالتلغراف ليتفضل علي بأوامره، وليعرفني ما هو عزمه، وماذا يريد أن يقرر.»

وكتب إليه بتاريخ ٢٢ سبتمبر سنة ١٨٧٢: «قد استلمت وفهمت برقيتي سمو الخديو الخاصتين بالسير الذي يلزمني اتباعه إذا رفضت الدول … إني لا أرى هناك سوى طريقة واحدة يصح الأخذ بها، وهي أن يخاطب القوم باللسان الذي أقره مولانا، وأعني به أن يقال للقناصل إن عموم الدعاوى بلا استثناء المقامة على الحكومة سترسل إلى الأستانة بدون أن تدخل الحكومة المصرية في المناقشة في موضوعها، وأن نحتفظ بحقنا في أن تقاضي شركة السويس أمام محاكمنا، ولا نفتأ مقررين بأن أول قضية ترفع على الشركة سيصدر فيها الحكم ولو غيابيًّا من المحكمة المصرية، وستقوم الإدارة بتنفيذه في الحال.»

وأرسل الخديو إلى نوبار البرقية الآتية في ٢٧ سبتمبر سنة ١٨٧٢: «إني أعربت مرة أخرى للكولونيل ستانتن عن عزمي على عدم تقرير المحاكم المدنية إلا إذا سلم مبدئيًّا الاختصاص الجزائي، وإذا خولت تلك المحاكم اختصاصًا تامًّا كاملًا بالنظر في جميع الجنايات والجنح التي تقترف في حق القضاة والضباط القضائيين، وهم في أثناء تأديتهم وظائفهم.»

وبعث إليه في اليوم التالي بالكتاب الآتي: «وصلني الآن كتاب من دي لسبس جعلني أشعر بارتياح إلى حل قريب ممكن، ففرنسا — بحسب نص هذا الكتاب — تسلم بمبدأ الاختصاص القضائي الجزائي. وعليه، فإن أهم نقطة في الموضوع باتت مكسوبة لنا، وليس هناك سوى تعديلين لمشروعنا:
  • الأول: أن فرنسا تطلب أن لا يطبق المبدأ إلا إذا نجح اختبار القضاء المدني مدة خمس سنوات، فيمكننا القبول بأن تطبيق المبدأ سيعمل في برهة من الزمن لا تزيد على خمس سنين، وبذلك نتمكن من تطبيقه حالما تظهر الضرورة لذلك، ولو قبل انقضاء الخمس السنوات. هذا لا يغير مركزنا، لأن الدول يمكنها دائمًا، حتى لو حدد المشروع مهلة الثمانية عشر شهرًا، أن تأتي في بحر المدة وتقول إن الاختبار لم يكن كافيًا، وتطالب بمد الأجل لأي سبب من الأسباب.
  • الثاني: أن المحاكم المدنية يمكنها في الأثناء أن تقوم بتنفيذ أحكامها، ولها — بهذه المناسبة — أن تحكم في الجنح المرتكبة ضد القضاة، على أن تكون مرتكبة والجلسات معقودة، فنحن لا نستطيع قبول هذا القصر، لأننا لا نستطيع أن نأخذ على أنفسنا مسئولية تنفيذ الأحكام، إن لم نكن قابضين في أيدينا على حق المحاكمة في جميع الجنح والجنايات التي قد ترتكب خارج الجلسة ضد القضاة بسبب حكم يصدرونه، أو ضد الضباط القضائيين المكلفين بتنفيذ الأحكام، ومع ذلك فجميع السفراء قد سلموا لك بهذا المبدأ، وأعتقد أنه في استطاعتك اقناع السفير الفرنساوي بضرورة جعل اختصاص محاكمنا شاملًا لهذا الموضوع، وحمله على قبول تحرير نص لا يترك مجالًا للشك والريب في حقوقنا، وإني سأتكلم في هذا المعنى مع القناصل الإنجليزي، والفرنساوي، والإيطالي، لكي يكتبوا لحكوماتهم، وسأقنعهم فوق ذلك بأنه سيتعذر علينا بدون هذا تنفيذ الأحكام، وإقامة صروح عدالة محترمة كما هي الحال في باقي البلاد.

وبما أن هذا الموضوع هو الجزء الحيوي في أمر إنشاء المحاكم، وأن كل جدال مخالف إن هو إلا سفسطة إرادة سيئة، فإني مقتنع أن الحكومات ستستحسن عملنا، وسأرسل برقية مفصلة إلى دي لسبس أقيم فيها الأدلة على جميع النقط المطلوبة، لكي يؤثر من جهته على حكومته.»

وكتب نوبار في ٢٩ سبتمبر سنة ١٨٧٢ إلى إيرام بك ضمن كتاب طويل ما يأتي: «وقد أيدت براهيني بقراءة الكتاب المرسل من الخديو، وبتهديد أبديته بقفل محكمة التجارة … وكان وقع هذا التهديد كبيرًا جدًّا على السفير الإنجليزي، ولكنه لم يبرق به لحكومته، لأنه لا يعتقد أن سمو الخديو يلجأ إلى هذا الإجراء، لا لأن الوسيلة خطرة، ولكن لأن الحال التي قد تنشأ عن ذلك لا تتفق مع عظمة الأفكار التي يتغذى بها سموه في مصلحة بلاده.»

وأرسل (إسماعيل) إلى نوبار في أول أكتوبر سنة ١٨٧٢ الكتابة الآتية: «إني قد أحطت متولي أعمال القنصلية الفرنساوية العامة علمًا بعزمي على قفل محكمة التجارة، وهو سيكتب عن ذلك لحكومته، ولكني لم أستطع إبلاغ هذا العزم عينه إلى قنصل إنجلترا العام، لأنه كان قد سافر لما أتت رسالتك، ولكني سأراه بعد ثلاثة أيام أو أربعة، فأكلمه في هذا الشأن.

قد تكلمت مع المسيو روستان عن التضييقات التي ترغب الحكومة الفرنساوية في إدخالها على أمر اختصاص محاكمنا فيما يتعلق بالجنح والجنايات المرتكبة ضد القضاة والضباط القضائيين، وصرحت له بأني لا أستطيع قبولها، ولا التسليم بها، وقد وافقني على فكري بأننا لا يمكننا أن نحتم على أنفسنا مهلة خمس سنوات بصفة مدة اختبارية، وهو يرى مثلي أن الأوفق عدم تحديد مهلة، والاكتفاء بالقول فقط بأن المحاكم الجديدة ستخول حق النظر في الأمور الجزئية في بحر مدة لا تزيد على خمس سنوات وهو ما قلته لك في إحدى رسائلي السابقة. فإن ذلك قد يمكن من تخويلها الحق المذكور حالما تظهر المضار الناجمة عن عدم تخويلها إياه ضرورة المبادرة إلى جعل اختصاصها شاملًا المواد الجزائية أيضًا. وحالما يجعل حسن سير محاكمنا الضمانات المعطاة منا أكيدة، والمسيو روستان سيكتب إلى حكومته في هذا المعنى على هذين الموضوعين … وصلني التقرير الإيطالي على مجمل المسألة، وقد أمرت بترجمته، ولكن بما أنه عمل طويل، فإني لا أقدر أن أرسله لك مع هذا البريد، على أنك ستستلمه بالبريد القائم على الباخرة «مصر» المسافرة إلى الأستانة.»

وكتب نوبار في أول أكتوبر من الأستانة إلى إيرام بك: «إن المفاوضة بين يدي سمو الخديو، وهي ليست هنا، فهناك طور أول وهو طور البيان إذا أمكنني استعمال هذا التعبير، فسموه هو الذي بين المسألة للسفراء وفي الاجتماعات. وأما أنا فإني إنما قمت بتحرير وتقديم أفكار سموه كتابة … قد كان أمامنا عمل تحضيري لدى الدول، وهذا العمل قد قام به سمو الخديو مباشرة لدى الحكومة الإيطالية بمكاتباته المرسلة إلى ملك إيطاليا، وبتأثيره على القناصل وقام به بواسطتي بتأثيره على السفراء … ومن المؤكد أن الفضل في رضا إيطاليا بالمشروع للخديو وحده، ولعمله الحكيم … وفي هذه الأثناء وردت برقية مولانا الأولى فقطعت جهيزة قول كل خطيب، أي أن البت الذي أبداه سموه وضع حدًّا ونهاية لكل نوع من أنواع التخرصات والتخمينات فيما عسى يكون السلوك في المستقبل … وقد أطلعت السير هنري إلْيُت (سفير بريطانيا العظمى في الأستانة) على جميع مضمون برقية سموه … بحيث إن البرقية والكتاب لم يقعا على خبزي كزبدة فحسب، بل كمربى أيضًا، وكمربى من أفخر الأنواع … وقلت لإليت إنه ليس في استطاعتي البتة أن أعدل إرادة سموه … وقد أطلعت على «زادي» أي برقية الخديو وكتابه، باقي السفراء، فيرى سموه من ذلك أني ألجأ في كل حين وبسعة إلى البراهين التي تفضل بوضعها تحت تصرفي، حتى لقد حفظت كتابه وبرقيته على ظهر قلبي، وأستطيع تلاوتهما كما يتلو تلميذ مجتهدًا أمثولة غيبًا.»

وبعث نوبار إلى إيرام من الأستانة في ١٦ أكتوبر سنة ١٨٧٢ البرقية الآتية: «قد أطلعت حينئذ بربولاني (سفير إيطاليا لدى الباب العالي) على نص برقية سمو الخديو الرقيمة ٤ الجاري التي تمهد كل صعوبة، وقلت له إني سأعرض الأمر على سموه … وعدت من جديد، وأكدت للكونت دي ڨوجييه (السفير الفرنساوي) مضمون برقية الخديو.»

وكتب في ١١ أكتوبر سنة ١٨٧٢ إلى إيرام بك ضمن خطاب العبارات الآتية: «إن هناك بعض تفاصيل قليلة الأهمية يمكنني بدون ضرر أن آخذ على نفسي البت فيها، ولكنه قد تنجم مسائل لا يقدر إلا سمو الخديو على تقديرها كما يجب، وعلى الحكم فيها.»

وكتب له في ١١ أكتوبر سنة ١٨٧٢: «الشيء الوحيد الخطير كان أمر المحلفين. فقلت لبربولاني إني لا أستطيع الفصل فيه مطلقًا، وأنه يتحتم عليَّ البتة الرجوع إلى الخديو لأستمد أوامره، أما فيما يتعلق بالمواد الأخرى فإني مضطر أيضًا إلى عرضها على سموه، على أني أعرف مقدمًا ما هو رأيه فيها.»

وأرسل الخديو في ١٤ أكتوبر سنة ١٨٧٢ الرسالة الآتية إلى نوبار «إني موافق تمام الموافقة على ردك على السفير الفرنساوي، فلست أستطيع أن أتعدى الاقتراح الأخير الذي أبديته، وقد أصبت تمام الإصابة لما قلت إن طريقة التراضي الوحيدة هي الامتناع عن تعيين قضاة وضباط قضائيين من الفرنساويين، فأنت بقولك هذا للسفير قد سبقت إليه فكري. أنا أبديت الاقتراح الأخير للدلالة على رغبتي في الوصول إلى تسهيل نتيجة يقبل بها الإنصاف، ففرنسا برفضها إياه تظهر لي أن المصاعب التي تختلقها إن هي إلا وسائل خفية لمنع إنشاء المحاكم الجديدة، فلا سبيل لها إلى التشكي إذًا من أن معاملتنا لها تختلف عما نعامل به باقي الدول، التي بدلًا من أن تبدي لنا تعنتًا في منعنا عن تقديم القطر في معارج الرقي والنجاح، تبدو لنا بالعكس راغبة في مساعدتنا في هذا الطريق، لأنها تعترف بأننا إنما نعمل في مصلحة الأوروبيين بقدر ما نعمل في مصلحة الأهلين.»

وكتب نوبار إلى إيرام في ١٣ أكتوبر من الأستانة: «قد وجدت كلام الخديو من الصواب والثبات والحزم والاعتدال ما جعلني أطلع السير إليت على كتاب سموه برمته، والسير إليت موافق جدًّا عليه، ومعجب به.»

وأرسل الخديو في ٢٢ أكتوبر سنة ١٨٧٢ إلى نوبار البرقية الآتية: «ردًّا على رسالتك لا أستطيع سوى تأكيد ما سبق أن قلته لك، أي إنه لا يمكنني مطلقًا أن أبدي قل تسامح جديد، لأن طلباتي ضرورية ضرورة قصوى لحسن سير المحاكم وانتظامها، ولضمانة نفاذ الأحكام، إني أفضل الرجوع إلى تنفيذ المعاهدات تنفيذًا دقيقًا، وإلغاء محكمة التجارة ولا القبول بإنشاء المحاكم على حال لا تضمن لها الحيوية، وتجعلنا مسئولين عن نفاذ الأحكام بدون ما أن يكون لدينا وسائل تنفيذها، فكل تسامح جديد محال بالمرة. وإني أصرح لك أن تُطلِع على برقيتي هذه سفير الروسيا، لأنها تعبر عن عزمي الذي لن يتحول.»

وكتب نوبار إلى إيرام في ٢٣ أكتوبر ضمن كتاب أرسله له من الأستانة العبارة الآتية: «وبالاختصار فإن سمو الخديو يقدر أن يرى أن الأوامر التي يصدرها إليَّ تنفذ بكل دقة.»

وكتب إليه في اليوم التالي: «وصلتني برقيات الخديو المتعددة. فتقديراته فيما يتعلق بالتفصيلات وبالمبادئ في منتهى الصواب، وإني لسعيد أني اشتغلت في معناها.»

وكتب نوبار في ٢٩ أكتوبر سنة ١٨٧٢ إلى المسيو لودلف (سفير النمسا لدى الباب العالي): «وصلتني منذ ثلاثة أيام برقية من لندن سمو الخديو ردًّا على بعض ملحوظات أبداها لي الجنرال أجناتييف من قبل حكومته، وأمرني سموه بأن أطلع الجنرال على تلك البرقية، فتركت له صورة منها، على أنك يا صاحب السعادة لا تستطيع أن تعتقد مقدار الشعور المؤلم الذي يشعر به سموه، إذ يرى حكومتك لا تضحي، لاعتبارات لا حق له في تقديرها، تقدم مصر التجاري ورقيها فقط، بل مصالح النمسا التجارية ذاتها التي تربطها ببلادنا، فسموه يرجوك بنوع خاص، ومن باب الصداقة، التفضل باعتبار الحال التي لا تطاق الناجمة لمصر عن عدم وجود عدالة منظمة فيها.»

وفي تاريخ ٣١ أكتوبر سنة ١٨٧٢ أرسل الخديو إلى نوبار الرسالة الآتية: «قد أعدت البارحة مطالعة مذكرة الحكومة الألمانية، وقابلت المسيو چاسمند (قنصل ألمانيا العام في مصر)، فهذه المذكرة وكلام قنصل ألمانيا يتفقان بسهولة على ما يخيل إليَّ مع نصوص الاقتراح الذي بدا لي الفكر في برقيتي المرسلة لك أول من أمس أن أجعلك تقدمه إلى المؤتمر المزمع انعقاده … فقابل السفير الألماني، وقل له إنا نعمل لرأي حكومته أكبر حساب، ولكنه يلزمه أن يفهم بسهولة بأننا لا نتقدم البتة بتسليمنا بطلباتها، لأن كل دولة إذ ذاك تتقدم إلينا الواحدة بعد الأخرى، مطالبة بتسامحات جديدة، بين أنه لو استطاع الوصول إلى اتفاق مع باقي الدول على رأي الحكومة الألمانية، فإن هذا الاقتراح سيصبح حلًّا نكون سعداء جدًّا بقبوله.»

وفي أول نوفمبر سنة ١٨٧٢ أجاب نوبار على برقية أرسلها له الخديو بتاريخ ٢٩ أكتوبر بما يأتي: «قد استلمت برقية الخديو المؤرخة ٢٩ أكتوبر، وفهمت مضمونها، فسموه مع الحق تمامًا فيما يتعلق بضرورة البت هنا في مسائل المبادئ الخاصة بالجنح المرتكبة ضد القضاة والضباط القضائيين، وضد تنفيذ الأحكام.»

وأرسل (إسماعيل) في ٦ نوفمبر سنة ١٨٧٢ البرقية الآتية إلى نوبار: «إني أرى الاقتراح الألماني متفقًا مع آرائي تمام الاتفاق، فيلزمنا إذًا العمل على الاتفاق مع ألمانيا، فنفوز بذلك بموافقة إيطاليا وألمانيا، وتأكد أن النمسا ستتبع ألمانيا، وتوافق هي أيضًا، ألا تعتقد أن موافقة هذه الدول لا تجلب موافقة غيرها؟ على أي الأحوال، لو فرضنا أنه لن يكون لدينا إلا هذه الدول فإنا سنتفق معها على طريقة سير خاصة، وهي تمثل في الحقيقة أكثر من نصف الجالية التابعة للقنصليات.»

وبمطالعة رسائل نوبار باشا وبرقياته إلى إيرام بك في بحر شهر نوفمبر سنة ١٨٧٢ نرى أنه يطلع الخديو يوميًّا على سير مفاوضاته مع السفراء، وعلى ما تصل إليه هذه المفاوضات من نتائج، فما من كبيرة ولا من صغيرة إلا ويطلب فيها رأي الخديو وأوامره.

ففي ١٩ نوفمبر سنة ١٨٧٢ كتب إلى إيرام بك ما يأتي ضمن رسالة طويلة حررها عقب مفاوضات مملة مع السفراء: «أراني مضطرًّا أن أصارحك يا صديقي بأني متعب، منهوك، والشعور الوحيد الذي يقويني هو شعورالغضب والانفعال من فقدان الكفاءة في الرجال، ومن سوء نية فرنسا الظاهر، ومن عباطة بعض الحكومات الأخرى، وضيق فكرها. إني — على قدر ما استطعت — كسوت البيان المرسل مني إلى سمو الخديو عن الاجتماع الذي حصل كساء يمكن الخديو من تفهم الحال، فيحكم فيما يجب أن يزودني به من أوامر وتعليمات.»

وكتب له في اليوم التالي: «ومع ذلك فإن سموه بفكره الصائب المعروف سيقدر ما أتشرف بعرضه على سموه تقديرًا حقًّا … إني أتجاسر على تهنئة سموه، لأن بتنا عند نهاية متاعبنا، ولسموه لما يفرغ منها أن يتمثل بقول التوراة (لقد أنقذت مصر وشعبي من دار العبودية).»

وكتب له في اليوم عينه: «إن سموه سيرى وسيحكم وسيبرق لي أوامره، فامتثل لها تمام الامتثال، وها أنا في انتظارها.»

وكتب له في ١٤ ديسمبر سنة ١٨٧٢: «إني أكون سعيدًا يا سيدي البيك العزيز في معرفة ما هي آراء سمو الخديو في جميع هذه الأمور.»

وفي اليوم التالي كتب له أيضًا: «إني أرجو فقط سمو الخديو أن يبرق لي أوامره وآراءه في مسألة تشكيل هيأة المحلفين، لأسير بمقتضاها …»

وبتاريخ ٢٣ ديسمبر سنة ١٨٧٢، ذكر ما يأتي في كتاب إلى إيرام بك: «أما فيما يتعلق بإليت فإنه موافق تمام الموافقة على كلام سمو مولانا، وإني من جهتي أقدم لسموه أخلص عبارات تهانئي على هذا الكلام الذي جمع بين أكبر صفات الحزم، وأكبر صفات الاعتدال.»

وفي اليوم عينه كتب له ما يأتي: «وفوق ذلك فإن هذا الكتاب الوارد من سموه يشمل آراء هذا مبلغها من الصواب، وأفكارًا سياسية، واعتبارات هذا مبلغها من السمو أني وضعته في جيبي بصفة زاد لقريحتي. وكلما يدور الحديث على مواضيع عامة مع السفراء، أخرجه وأقرأ منه تارة شذرة وطورًا أخرى، فينتهي الأمر أني أطلعهم على مضمونه بدون قصد أو تعمد خاص، ويمكنني التأكيد بأن آراء سموه الإدارية، وحكمته مقدرة التقدير الذي هي جديرة به، فتراني سعيدًا لذلك ومغتبطًا تمام السعادة والاغتباط، ومفاخرًا بسموه، وإني أرجوك يا سيدي البك أن تعبر عن إحساساتي هذه لسمو مولانا الجليل.»

وكتب نوبار إلى إيرام بتاريخ ٢٨ يناير سنة ١٨٧٣ بخصوص الكتاب المرسل من النجاشي (يوحنا قاصة) إلى ملوك أوروبا يشكو لهم فيه من تعديات أمير مصر المسلم عليه، هو المسيحي، ما يأتي: «إن الجواب الذي أشار أجناتييف على حكومته بإرساله إلى قاصة على ذلك المنشور لمطرب بروحه الملحة، وصوابه الفائق فالحكومة الروسية إذا سألتها باقي الحكومات عن رأيها في الموضوع ستجيب «إنها تفضل أميرًا مسلمًا يقيم للعدالة صرحًا شاهقًا في بلاده على أمير مسيحي يمثل بالأجسام، ويقطع الرءوس كلما بدا له هوى».»

وفي ٢٨ يناير سنة ١٨٧٣ أيضًا كتب نوبار إلى إيرام: «إذًا كل ما تقع جناية أو جنحة ضد قاض أو ضابط قضائي أو ضد نفاذ حكم، يقوم النائب العمومي عن الجناب الخديوي بالتحقيق، ثم يطلع القنصل على ملف الأوراق، طبقًا لما أمرني به سمو الخديو وهو في الأستانة.»

وكتب نوبار باشا بتاريخ ٢٤ فبراير سنة ١٨٧٣ إلى المسيو سيمُس (سفير اليونان لدى الباب العالي) وإلى جميع سفراء الدول بالأستانة تحريرًا جاء فيه ما يأتي: «إن سعادتك ترى أن جميع مندوبي السفارات في الاجتماعات التي تمت وصلوا إلى نتائج واحدة، وأنا عملًا بأوامر سمو الخديو أسرعت إلى قبولها.»

وفي ٢٦ فبراير سنة ١٨٧٣ كتب إلى إيرام بك: «إن الغرض الذي يرمي إليه ڨوجييه وبربولاني وغيرهما هو أن يتعهد الخديو للدول في مسألة تعيين القضاة تعهدًا يؤخذ عليه حجة، فأجبتهم بأن الخديو يتعهد لبلاده وللمتقاضين، لأن ذلك حقه، ولأنه يحسن لديه أن يبدي هذا التعهد، ولكنه لن يتعهد بشيء ما مطلقًا للدول.»

وكتب في اليوم عينه رسالة جاء فيها: «إني أجبت السفير الفرنساوي بأني أول كل شيء أسف أسفًا لا مزيد عليه لرؤيتي الحكومة الفرنساوية يمثلها رجال الوزارة بكيفية سخيفة إلى هذا الحد، وكان هؤلاء الرجال قد أبدوا مخاوفهم من أن تنفيذ الأحكام قد يصطدم بحرمة دور الحريم، فلا يستطيع المحضر القيام بمهمته.»

وفي ٢٨ فبراير كتب إلى إيرام ما يأتي: «إني فهمت تمام الفهم أفكار سمو الخديو، وسأقوم بنفاذها بكل دقة.»

وأرسل الخديو في ٣ مارس سنة ١٨٧٣ إلى نوبار برقية يقول له: «وصلتني برقيتاك، فلا تبد أي تسامح في شأن تدخل الدول في أمر اختيار القضاة — فإن هذا التدخل لو سلمنا به، ينشئ لنا حالًا أسوأ من الأولى.»

وأرسل إليه في ٥ مارس سنة ١٨٧٣ البرقية الآتية: «وصلتني برقيتك المشتملة على ملخص كتاب سفير فرنسا، ففيما يتعلق بالموضوع الأول فإن طلب الحكومة الفرنساوية لا محل له إزاء الضمانات المقدمة منا، وفيما يختص بالموضوع الثاني، فلا تمنح شيئًا غير ما أتى في الكتاب الذي حررته لتعرِّف مقاصدي.»

وأرسل إليه في ١٠ مارس سنة ١٨٧٣ الرسالة الآتية: «وصلتني برقيتك المشتملة على أهم ما جاء في كتاب الجنرال إجناتييف، إني أجد هذا الكتاب مكياڨليًّا جدًّا،١ ولكني مع ذلك أرى أننا نستطيع الاستفادة منه بأن ترد عليه بكتاب في معنى ما يأتي أدناه، وأترك أمر التوسع فيه إليك تمامًا. (إني أشكرك على الكتاب الذي أرسلته إليَّ والذي تعرفني فيه بأنك عرضت على حكومتك مجموع مشروع الإصلاح للتصديق عليه، إني سعيد بأن أرى أنك توافق على هذا المشروع الذي لا اعتراض لك عليه، ولست أشك في أنك ستحمل حكومة جلالة الإمبراطور على مشاطرتك رأيك فيه، فلرغبتي في اجتناب كل سوء تفاهم، أكون ممنونًا لجنابك إذا تفضلت وأعلمتني ما إذا كنت فهمت جيدًا معنى كتابك حتى أتمكن من أن أبرق لسمو الخديو موافقتك على المشروع بعد تأييد من حكومتك، وإني متأكد أن المخاوف التي نجمت عن الاقتراحات المعربة ستتلاشى حالًا، وأشكرك على التمنيات التي تبديها في أن مدة الاختيار تبدي بجلاء مزايا الإصلاح وفوائده للجميع!) «هذا الكتاب يجب أن يحرر بحيث إنه يوجب ردًّا، لأنه سيتعذر على الجنرال أن يجيب إجابة سلبية، فمتى أجاب بالإيجاب حصلنا على موافقة ممثلي إيطاليا وألمانيا وروسيا.»

وفي ١٥ مارس سنة ١٨٧٣ كتب نوبار باشا إلى إيرام بك: «إذا وافق سمو الخديو على ردي على كتاب ڨوجييه، فإني أرجوه أن يعرفني ذلك على لسان البرق، وإذا لم يوافق فإني أرجوه أن يمدني بأوامره.»

وعاد الخديو فأرسل في ١٦ مارس سنة ١٨٧٣ البرقية الآتية إلى نوبار: «استلمت برقيتك الرقيمة ١٥ الجاري، إن شريف باشا بكتابه المرسل إلى قنصل إيطاليا يقول له إن الحكومة الإيطالية كانت منذ سنتين أبدت ارتياحها إلى الكتاب المحرر منك إلى المسيو دي مرتينو بخصوص اختيار القضاة، وإن سمو الخديو لا يفهم الإلحاحات الجديدة التي توجه إليه اليوم، ولا يقدر أن يقبل كتاب السفير الإيطالي لدى الباب العالي، لأنه كتاب لا يتفق مع كرامة سموه، واستقلال حكومته.»

وعاد في ١٩ مارس سنة ١٨٧٣ وأرسل برقية يقول له فيها: «إني أشاطرك تمامًا رأيك في ضرورة عدم اجتماع السفراء إلا إذا كان لجميع ممثلي الدول السلطة اللازمة للبت في المسائل معك وللاتفاق إذا اقتضت الحال، على الاختلافات في تفاصيلها، فإذا خُوَّلوا هذه السلطة كان للاجتماع معنى، وإلا فإنه لن ينجم عنه إلا مضار ربما كان أهمها الرجوع في حلول قررتها مندوبية الوكلاء. إنا اليوم لدينا قاعدة مكتسبة لنا الحق بالارتكاز عليها في أن نطلب ردًّا صريحًا إيجابيًّا أو سلبيًّا. بين أنه في اجتماع لا يكون الغرض منه محددًا تمام التحديد قد تنجم مسائل جديدة تؤجل الحل النهائي بدلًا من تقديمه، وقد يمكن أن يستخدم ذلك الاجتماع لإبطال كل عمل مندوبية الوكلاء، هذا هو رأيي، لكونك في محل المداولات أقرب مني إلى صحة الحكم في المسألة.»

وكتب نوبار إلى إيرام بك بتاريخ ٢٢ مارس سنة ١٨٧٣ ما يأتي: «إني أرجو سمو الخديو أن يبرق لي ما إذا كان يوافق أم لا على طريقة الكتابة والعمل هذه وأتوسل إليه أن يمدني بأوامره.»

وكتب في ٢٣ مارس سنة ١٨٧٣: «قد قابلت المسيو دي ڨوجييه، فكلمني عن الرد الذي يلزمني أن أرسله إليه، والذي يعلم أني أنتظر أوامر الخديو بخصوصه.»

وأرسل (إسماعيل) إلى نوبار في ٨ أبريل سنة ١٨٧٣ البرقية الآتية: «إنه يتعذر علي قبول جواب سفير إيطاليا كما أرسلته لي، لأنه لن يبقى لنا بعد ذلك لا الموضوع ولا الشكل، وتكون الدول قد انتهت إلى إنشاء محاكم دولية بدلًا منها مصرية.»

وفي ١٥ أبريل سنة ١٨٧٣ كتب نوبار إلى إيرام بك: «ليس لدي جديد أبديه في شأن الإصلاح القضائي، فالبرقيات التي أرفق صورها طي هذا قد أطلعت سمو الخديو يومًا فيومًا على ما اطلعت أنا عليه.»

وفي ١٨ أبريل سنة ١٨٧٣ كتب له قائلًا: «إن سمو الخديو سيرى أن هذا التعديل لا يعدل في الحقيقة شيئًا من طبيعة نياته في شأن تشكيل محكمة الاستئناف، فأرجو تعريفي عما إذا كان سموه يوافق على هذه الطريقة في العمل.»

وفي ٢٦ أبريل سنة ١٨٧٣ كتب له بخصوص الفرمان الذي أرادت الحكومة البريطانية أن يصدره السلطان بإنشاء المحاكم المختلطة: «ولنعد إلى البرقية الإنجليزية المرسلة إلى إليت بشأن الفرمان لتقرير الإصلاح، هلا يرى سمو الخديو من الضروري إخطار الصدر الأعظم لكي يجيب إليت شفويًّا بأن التصريح قد سبق إعطاؤه، فلا داعي لفرمان، فإن إليت قد قال لي: إن جوابًا كهذا يمكنه من رفض فكرة حكومته بشأن الفرمان رفضًا باتًّا، فإنه إذا عرضت المسألة على الصدر الأعظم، فأجاب بأن التصريح سبق منحه، فإنا سنتجنب مضايقة وأتعابًا جمة، ونجعل الباب العالي يتجنبها أيضًا، وكذلك الدول الراغبة في الإصلاح رغبة حقيقية، فإذا رأى سمو الخديو أن هذا ضروري فإني أنا وإيرام بك يمكنا أن نكلم الوزير في هذا الشأن … فإني أعتقد أنه يلزم قطع أوصال هذه الفكرة الإنجليزية في الحال قبل أن تأخذ من الاتساع والقوة ما يصبح متعذرًا معه قطعها.»

وكتب في ٣٠ أبريل سنة ١٨٧٣ إلى إيرام بك: «ليهدأ سمو الخديو بالًا، فإن أوامره قد اتبعت بدقة، فإذا جاء للإليت رد فإني سأطلع سموه عليه في الحال دون أن أبدي أي ملحوظة للسفير البريطاني، ومع ذلك فإني متأكد من أنه لن يأتي لإليت رد قبل مجيء سمو الخديو إلى الأستانة، وبناء على ذلك فإن سموه يمكنه أن يكون مرتاح البال.

إن كتابي إلى ڨوجييه يتكلم عن تشكيل المحاكم بالمعنى الذي طلبه سموه، وعليه فإن أوامر سموه قد نفذت بكل دقة واعتناء.»

فيؤخذ من جميع هذا أن (إسماعيل) في مسألة إنشاء المحاكم المختلطة، كان الرأس المفكر والعقل المدبر والرأي المسير، وأما نوبار فإنه لم يكن سوى الوسيط لنفاذ تدبيراته، على أن هذا لا يغمط من فضل نوبار شيئًا، ولا يقلل من الإعجاب بجهوده البتة.

•••

والآن وقد انتهيت من عملي، فإنه لا يسعني أن أختمه إلا بشكر الله على ما تفضل به — سبحانه — من إحاطته بفيوضات عنايته، وأرجو — وقد تحريت الحقائق فيه جهد استطاعتي — أن يحل من قارئيه محل الاستحسان والقبول، وأسأله — جل جلاله — أن يتولى عني شكر حضرة صاحب الجلالة ملك مصر المعظم، الملك (فؤاد الأوَّل)، فقد شملني بفضله، وعمني بإحسانه، وغمرني بجميل أياديه، مدَّ الله عمره، وأحياه حياة طيبة مباركة، ومتع الأمة المصرية بجليل تدبيره، وجميل إخلاصه، وطيب نواياه، وأقرَّ عينه، وشرح صدره، بوليِّ عهد مُلك مصر، ثمرة فؤاده، صاحب السمو الملكي (الأمير فاروق)، أدام الله بهجته، وحفظ الله مهجته، وأنبته للوطن العزيز نباتًا حسنًا.

١  نسبة لمكياڨلي الكاتب الإيطالي الشهير مؤلف كتاب «الأمير»، الذي بين فيه كيف يجب أن يكون دهاء من ولي الحكم. فاشتقت الآداب الغربية من اسمه نعتًا لوصف كل ما ينطوي على دهاء كبير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠