لم ينقد عبد الناصر إلا اليساريون

بقلم  فيليب جلاب

على غير عادة الدكتور فؤاد زكريا، جاءت دراسته حول «جمال عبد الناصر واليسار المصري» مثل بعض عمارات هذه الأيام: تبدو في غاية الدقة والإحكام، ولكن عيبها الخفي في عمودها الفقري!

فأساس دراسة الدكتور فؤاد زكريا أن اليسار المصري يُدافع بالحق وبالباطل عن تجربة عبد الناصر والعهد الناصري، ويرفض أيَّ نقدٍ أو تقييمٍ لهذه التجربة، ورغم أن الدكتور فؤاد زكريا، وهو باحث مدقق، لم يقدِّم أمثلةً لإثبات أهمِّ أركان دراسته، إلا أنه واصل شرح أسباب هذا الموقف «الوهمي» ليساريين «وهميين»، حتى نسب إليهم دون حرجٍ وجود دوافع أو «مصالح شخصية» وراء موقفهم هذا.

ونحن لن نناقش الأسس النظرية التي تحول بين اليساري (الجدير بهذه الصفة) وبين اتخاذ موقف سياسي على أساس مصالح شخصية (مما ينفي عنه تمامًا صفة اليسارية) ولن نتعرض في البداية لعدد اليساريين الذين حصلوا على «مناصب رفيعة» كما يقول إبان «العهد الناصري» فسنرى في النهاية من هم وأية مناصب «رفيعة» احتلوها.

ليس رفضًا للتقييم ولكن … خلاف حوله

لكننا نبدأ بتوضيح مسألتين، لم نكن نتوقع أن تغيبا عن الدكتور فؤاد زكريا:

  • الأولى: أنه لم يحدث في حدود علمِنا ومتابعتِنا لما نشر في الصحف والمجلات ومختلف المطبوعات أن رفض اليساريون نقد وتقييم عبد الناصر وثورة ٢٣ يوليو، أو هاجموا من يتصدَّى لعبد الناصر والثورة بالنقد والتقييم، وذلك شريطة أن نضع حدًّا فاصلًا واضحًا بين الشتائم والبذاءات ومحاولات الارتداد إلى العهد الملكي، وبين أي نقد أو تقييم موضوعي، لعبد الناصر والثورة.
  • والثانية: أن أحدًا لم يقدِّم نقدًا أو تقييمًا لتجرِبة عبد الناصر يمكن أن يكون جديرًا بصفة الموضوعية سوى اليسار، بقدر ما أُتيح له من «مساحة» أو «فرصة» في صحفنا.

أما أن يكون تقييم اليسار لتجربة عبد الناصر وثورة ٢٣ يوليو مختلفًا في كثير أو قليل مع تقييم الدكتور فؤاد زكريا لنفس التجربة (وهو تقدمي ويساري أيضًا) فهذه قضية أخرى، لا يصح أن تختلط بمبدأ التقييم ذاته.

واليساريون في النهاية ليسوا حزبًا موحد الفكر والموقف، ولا تجمعهم إلا الخطوط النظرية العامة، والتي لم تعد هي أيضًا بمنأى عن الخلاف بين تيارات اليسار المتعددة.

أين هو النقد والتقييم لعبد الناصر الذي اتخذ منه اليسار موقف الهجوم والرفض؟ هل هم الذين يقول عنهم الدكتور فؤاد زكريا: «هناك بالفعل نقاد للعهد الناصري كانوا ممن يحرقون له البخور طوال أعوامه الثمانية عشر، وكانوا طول تاريخهم ممن يجيدون تغييرَ جلدهم بتغير الحاكم … بل إنهم سبق أن مارسوا مثل هذا التحول في أوائل عهد عبد الناصر لصالح عبد الناصر ذاته وضد أسيادهم السابقين.» أو من يسميهم أيضًا: «مدخني السيجار من أصحاب المصانع السابقين أو … أصدقاء آل صيدناوي وأفرينو»؟

… حسنًا! هل يمكن أن يقبل نقد لعبد الناصر من جانب تلك الفئات؟ وهل يمكن أن يصدر أي نقد أو تقييم موضوعي لثورة أو زعيم ثورة من جانبهم.

وهل إذا رفض اليسار الإسفاف والافتراء على الثورة، وهو إسفاف وافتراء على شعب مصر قبل أن يكون على جمال عبد الناصر … أصبح رافضًا «للنقد»؟

لقد كتب رجل من كبار الرأسماليين، وهو محمد فرغلي «باشا» نقدًا وتقييمًا للقطاع العام في صحيفة الأهرام، ذكر فيه ما له وما عليه من وجهة نظره، بموضوعية وتجرد، فلم يلقَ ترحيبًا إلا من اليسار (في مجلتي روز اليوسف والطليعة).

وإذا كان رجل كفرغلي استطاع أن يسموَ على مصالحه الشخصية، ويقدِّم تقييمًا موضوعيًّا، فهل «يدان» اليسار في رأي الدكتور فؤاد زكريا؛ لأنه ارتفع على آلامه الذاتية وما أصابه شخصيًّا متمسكًا بالدفاع عن إيجابيات الثورة في عهد عبد الناصر قبل وبعد وفاته؟!

ثم أين هو النقد والتقييم الذي يرى الدكتور فؤاد زكريا أن اليسار قد رفضه؟ هل «النقد» هو أن يقال إن مصر لم تستقل أو تتحرَّر إلا بعد وفاة عبد الناصر، وإن إسرائيل والولايات المتحدة وغيرَهما من الدول الاستعمارية أو العميلة ليست مسئولة عما أصاب شعب مصر من عدوان متكرر، لكن مصر بعد ثورة ٢٣ يوليو وبقيادة عبد الناصر هي المسئولة؟

هل النقد والتقييم لعشرين عامًا من تاريخِنا هو أن يقال إن مصر كانت أسعد حالًا قبل التأميم والتصنيع وإنشاء السد العالي والإصلاح الزراعي؟ وإن الفلاحين والعمال في مصر الملكية عاشوا في نعمة ورضاء لم ينتزعهم منهما إلا عبد الناصر والثورة؟!

هناك فرق كبير بين النقد وبين نفث سموم الأحقاد الطبقية، وفرق كبير بين تقييم مرحلة حاسمة في تاريخنا المعاصر بالدراسة والبحث والأرقام، وبين التعبير عن مطامع شخصية في ثروات قديمة غير مشروعة، أو ثروات جديدة مأمولة بالأصالة عن النفس أو بالوكالة عن الغير.

إن ما يقوله هؤلاء وأولئك هو ما يرفض اليسار أن يقبله كنقد «للعهد الناصري» لأنه كلام معادٍ لمصر، ولثورة ٢٣ يوليو، ولكل نظام وطني سواء قاده عبد الناصر أو السادات.

اليسار نقد أيضًا

أما اليسار — وهو ما فات الدكتور فؤاد زكريا أن يتابعه للأسف — فقدَّم أكثر التقييمات موضوعية على قدر استطاعته، وفي حدود «الفرص» المتاحة في الصحف كما أشرنا في البداية. وإذا كان من الصعب حصر بعض المقالات الفردية المتباعدة لكتَّاب اليسار في هذا الشأن، أفليس من التجني على اليسار تجاهل الدراسة التي قدمها يساري ماركسي مصري معروف هو الدكتور «محمد فريد شهدي» تحت عنوان «تأملات في الناصرية».

وإذا كانت الطبعة الأولى من هذه الدراسة قد ظهرت في يوليو ١٩٧٣م، إلا أن ندوة مجلة «الطليعة» القاهرية حول تقييم تجربة عبد الناصر بين اليسار المصري وتوفيق الحكيم لا تزال مستمرةً حتى كتابة هذه السطور، وهي من الموضوعات الرئيسية في أعداد المجلة.

هل غابت هذه المحاولات المتواضعة لليسار عن ملاحظة الدكتور فؤاد زكريا؟

لنكن أكثر صراحة ونؤكِّد أن الدكتور فؤاد زكريا (من واقع دراسته) ليس غافلًا عما يقدِّمه اليسار من تقييم لتجربة عبد الناصر، وعما يقدمه بعض اليمينيين من بذاءات وينفثونه من أحقاد ضد الثورة، وضد إيجابياتها على وجه الخصوص، لكن المشكلة التي أوضحها الدكتور فؤاد زكريا بجلاء، ليست هي رفض اليسار لتقييم عبد الناصر، وإنما هي اختلاف تقييم الدكتور فؤاد زكريا عن تقييم اليسار لعبد الناصر.

ولو كان الدكتور فؤاد واضحًا في هذه النقطة منذ البداية لَوفَّر الكثير من الجهد، ولما اضطر إلى اعتسافِ المنطق وتجريحِ اليسار واتهامه بالدفاع عن «مصالح شخصية» وهمية، لمجرد أن اليسار يرفض أن يدخل في مزايدةٍ مفتوحةٍ مع اليمين المتطرف؛ لكي يكسب قصب السبق في إهالة التراب على ثورة وطنية، وعلى واحد من أعظم أبطالنا القوميين طوال تاريخنا!

تقدمية أو رجعية

يقول الدكتور فؤاد زكريا دون أي لبس: إن اليسارَ ظلَّ متمسكًا «بالدفاع عن تجربة يتمسَّك بأنها كانت اشتراكية تقدمية بينما يثبت الواقع اليومي عكس ذلك» ثم يعود ويتساءل: «ما الذي جعل اليسار يتخذ هذا الموقف ويدافع دفاعًا عن تجربة لم تكن في حقيقتها يسارية بالمعنى الصحيح، ولم يكن لها من مقومات الاشتراكية بالمقاييس العلمية الصحيحة إلا أقل القليل؟!»

وتساؤلات الدكتور فؤاد محيرة فعلًا؛ لأنها لا تتسق مع منطقه السائد في الدراسة كلها.

فإذا كان الواقع اليومي يُثبت أن التجربة الناصرية ليست «اشتراكية تقدمية»، بل رأسمالية رجعية … فأي مبرر في رأيه يدفع اليمين إلى الهجوم الدائب والمستميت ضد هذه التجربة؟ وما معنى قوله إن «الاتجاهات اليمينية انتعشت بعد موت عبد الناصر»، متصورة أنها تستطيع أن «تعيد عقارب الساعة إلى الوراء»؟

كيف يعلن اليمين سخطه على تجربة رأسمالية رجعية، وكيف يحاول اليمين إعادة عقارب الساعة إلى الوراء إذا لم تكن تجربة عبد الناصر بإيجابياتها وسلبياتها تمثل دفعة إلى الأمام في إطار التطور الوطني والاجتماعي المستقل، وإذا لم يكن عبد الناصر وثورة يوليو قد حركا عقارب الساعة إلى الأمام؟!

لكن لندع منطق المخالفة ولنذكر شيئًا عن موقف اليسار من ثورة يوليو وعبد الناصر منذ قيام الثورة إلى وفاة عبد الناصر. لقد أيَّدت الثورة فور قيامها بعض تيارات اليسار عن اقتناع وعارضتها تيارات أخرى عن اقتناع أيضًا.

وبعد سلسلة من الصدام بين الثورة وتيارات اليسار، وبعد أخطاء متبادلة من الجميع بدرجات متفاوتة استقر رأي جميع اليساريين على أن ما حدث في ٢٣ يوليو ليس انقلابًا عسكريًّا ولكنه ثورة وطنية بأسلوب غير تقليدي، لا بد أن يعمل اليساريون مع بقية الفئات الوطنية على تأييدها، دون أن يحرمَهم هذا من حقهم الطبيعي في انتقادها من موقع المساندة؛ من أجل التقدُّم بالثورة الوطنية نحو الأفضل.

ثم إن عشرين عامًا من ثورة يوليو وقيادة عبد الناصر لم تكن مرحلة واحدة من حيث تطورها وتجاوبها مع مطامح الفئات الشعبية والمطالب الاجتماعية؛ ولذلك فلم يكن موقف اليسار من الثورة واحدًا في كل مراحلها.

فبينما اتسمت الفترة منذ قيام الثورة عام ١٩٥٢م حتى بدايات سنة ١٩٥٥م بالتخبُّط من كل الأطراف، كان تأييد اليسار للثورة واضحًا بعد الموقف الحاسم من حلف بغداد وصفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية (أو السوفيتية) وتأميم قناة السويس وتمصير المصالح الأجنبية وغيرها. ورغم الحملة المعروفة من جانب الثورة ضد اليسار عام ١٩٥٩م والتي انتهت باعتقال المئات، لم يتغير موقف غالبية اليساريين في المعتقلات من تقييمهم لطبيعة الثورة الوطنية، ذلك أن اليساريين، كما يعلم الدكتور فؤاد زكريا، لا يغيِّرون مواقفهم المبدئية بسبب ما ينالهم من اضطهاد أو حظوة شخصية.

وفي داخل المعتقلات ازداد اليساريون تأييدًا للثورة عندما أممت بنك مصر والبنك الأهلي وما تلاه من إجراءات التأميم الكبرى عام ١٩٦١م، والتي انتهتْ بالميثاق كوثيقةٍ تؤكد الرغبة في اتباع الاشتراكية «العلمية» كطريق وحيد للتنمية في مصر لصالح الغالبية العظمى من الشعب.

ولعلَّ أكثر الأمور اعتسافًا في دراسة الدكتور زكريا هو محاولته استخدام هذه المسألة بالتحديد لكي يثبت أن الإفراج عن اليساريين بعد عامين ونصف عام من قرارات التأميم «التي ربما لم يخطر ببالهم التفكير فيها» لم يكن بسبب اقتراب قرارات التأميم مما ينادي به اليساريون!

ومرة أخرى لم تكن مسألة الاعتقال أو الإفراج هي الفيصل في موقف اليسار الأساسي من أي نظام … وإلا فهل ينفي عدم اعتقال الحكومة الإنجليزية لأعضاء الحزب الشيوعي البريطاني صفة الرجعية أو الاستعمار عن مثل تلك الحكومة؟!

أما القول بأن الإفراج عن اليسار تم رغبة في مجاملة طرف رئيسي في التوازن الدولي فهو تفسير يستحق أكثر من مجرد «النفور». فقد تكون الرغبة في مجاملة هذا الطرف عاملًا من العوامل، لكن من المستحيل أن يكون العامل الأساسي في هذا الشأن إلا عاملًا داخليًّا. ومن المؤكد كما يعرف الجميع وكما أعلن عبد الناصر أن شيئًا لم يتغير في تعهدات الاتحاد السوفيتي العسكرية والاقتصادية والسياسية باعتقال اليساريين، بل إن أبرز الاتفاقيات حول المرحلة الثانية للسد العالي وغيرها تم توقيعها بينما كان اليساريون يقطعون الحجارة في «أبي زعبل» ومرة أخرى لم يكن هذا الموقف، من عبد الناصر أو من الاتحاد السوفيتي، يغير بالسلب أو الإيجاب من اتجاهات اليسار بالنسبة للنظام، إذ إن موقف اليسار يرتكز أساسًا على تحليل الظاهرة الكلية دون التوقف عند بعض الجزئيات التي تبدو مثيرة للوهلة الأولى، ثم لا تلبث أن تتبدد أمام أي تحليل أكثر دقة، وشمولًا، وواقعية.

والأغرب من هذا هو أن يتوقَّع الدكتور فؤاد زكريا أن يطالب اليسار بالتأميم وبالإصلاح الزراعي، وبالاتجاه نحو الاشتراكية، وبموقف واضح وحازم من القوى الاستعمارية والصهيونية وبصداقة أو علاقة استراتيجية مع الدول الاشتراكية والمعادية للاستعمار، فإذا فعلت ثورة ٢٣ يوليو وقيادة عبد الناصر نفس الشيء لا يجب في عرف الدكتور فؤاد زكريا أن يظن اليسار (قصير النظر كما يقول) أن الثورة تقترب من اليسار. كلا ففي رأيه أن اليسار هو الذي يقترب من الثورة!

خرافة المناصب

لقد اقترب اليسار من الثورة فعلًا … ما المانع في ذلك؟! واقتربت الثورة من اليسار بهذه الإجراءات! وإلا فهل تخضع التطورات الاقتصادية والاجتماعية الجذرية للمزاج الشخصي؟

إن اليسار لم يؤيد هذه الإجراءات بعد خروجه من المعتقل؛ بسبب «المناصب الرفيعة» التي قدمها عبد الناصر لبعض أقطابه في مجالس الإدارات، الأمر الذي أدى، كما يقول الدكتور، إلى اضطراب في أحكام اليساريين «لأن عددًا كبيرًا من أقطابهم عينوا في مراكز رئيسية في الدولة وفي ميادين الإعلام والثقافة بوجه خاص.»

قلنا إن تأييد اليسار لهذه الإجراءات لم يرتهن بالخروج من المعتقل … أما حكاية «المناصب الرفيعة» والرئيسية في الدولة فتثير التساؤل حول مفهوم الدكتور فؤاد «للمنصب الرفيع»!

كان المنصب الرفيع بعد الثورة هو عضوية مجلس قيادة الثورة. وقد استقال العضوان اليساريان في المجلس وهما خالد محيي الدين والمرحوم يوسف صديق؛ بسبب خلاف مع غالبية المجلس وعبد الناصر حول «مفهوم الديمقراطية» بصرف النظر عن المخطئ والمصيب … وحتى وفاة عبد الناصر لم يصل أكثر اليساريين خبرة وثقافة وتخصصًا إلى منصب وزاري واحد، رغم ما نعرفه عن «كفاءة» بعض الذين تولوا منصب الوزارة في ذلك الوقت.

ومن بين مئات الأكْفاء وغير الأكْفاء من غير اليساريين الذين تولوا رئاسة مجالس الإدارات في مصر لا يمكن أن نجد أكثر من واحد أو اثنين في وقت واحد من بين اليساريين. أما رئاسة مجلس الإدارة فهي في النهاية ليست إغراءً لمثقف أو أستاذ جامعي لديه الحد الأدنى من الكفاءة، فما بالك بيساري يفترض ألَّا تغريه هذه الوظائف ويضطر إزاءها إلى التنازل عن وجهات نظره أو «إغماض عينيه» كما يقول الدكتور.

إن التفسير الوحيد لمثل هذا «الدليل» الذي أفرط الدكتور فؤاد في التمسك به والحديث عنه هو واحد من اثنين: إما أنه يرى أن المكان الوحيد لليساري هو المعتقل، أو أن كفاءة اليساري لا ترقى به إلى مستوى الحد الأدنى من الوظائف المتوسطة، وأن عودة الصحفي إلى عمله تعد من قبيل الرشوة والمجاملة التي لا يستحقها!

ولعل الدكتور فؤاد لا يعرف الكثير عن جداول المرتبات والمكافآت، مما دعاه إلى الاعتقاد بأن الثورة أو عبد الناصر قد وضعا بين أيدي اليسار «المال والنفوذ بلا حساب» لانتزاع المخالب الثورية من الثائر كما قال.

وإذا كانت المخالب الثورية تنتزع بهذه الطريقة … لماذا إذن يصرُّ اليساريون، كما يقول، على الدفاع عن تقييمهم لثورة ٢٣ يوليو والتجربة الناصرية ما دام عبد الناصر قد مات وضاعَت من بين أيديهم هذه المكاسب أو المصالح الخاصة؟

لكن الدكتور فؤاد زكريا على غير طريقة الباحث المدقِّق، لم يتابع مواقف اليسار من تأييد التجربة الناصرية في حياة عبد الناصر … لقد كان الموقف الأساسي كما قلنا هو التأييد على أساس الإجراءات العملية والثورية التي قامت بها الثورة، لكن هذا التأييد لم يكن ثابتًا وبنفس الدرجة، في كل المراحل ولقد كان اليساريون من خلال وسائل الإعلام، هم الذين انتقدوا محاولات الإبطاء في التنمية وفي التغيير الاجتماعي، ومن أجل ديمقراطية أوسع للجماهير الشعبية ومن أجل ضرب الطبقة الجديدة التي بدأت تطل برأسها من ثنايا التطور الاقتصادي الجديد.

وبعد عام ١٩٦٧م، ودون تجاهلٍ لظروف المعركة الوطنية لم يكفَّ اليسار عن إثارة كل الأمور الخاصة باقتصاد الحرب والتقشف والتعبئة الشعبية والعسكرية وتصفية الطبقة الجديدة، وكل ما من شأنه سرعة إعداد البلاد للحرب الوطنية الاجتماعية من أجل التحرير والتنمية … ولعل اليسار هنا لم يقل كل ما كان يجب، وهو ما لا ينكره اليساريون أنفسهم ولكن أحدًا لا ينكر أنه بسبب تمسُّك اليسار بحق النقد، وممارسته له، كان اليساريون ضيوفًا دائمين — وعلى دفعات — على المعتقلات والسجون حتى وفاة عبد الناصر، ولست أذكر رقمًا محددًا بدقة، لكن البعض يقدر العدد في ذلك الوقت بأكثر من ١٢٠يساريًّا ونحن نشعر بالأسف إذا كانت هذه الحقائق لا تساعد على إثبات صحة التحليل الذي قدَّمه الدكتور فؤاد زكريا.

إن مصدر الخلاف الطبيعي بين الدكتور فؤاد زكريا وبين اليسار هو خلافٌ في التقييم كما ذكرنا، فهو يرى من خلال جزئيات لا تصمد كثيرًا أن الرجل البسيط في مصر أُضيرَ من الإجراءات الثورية الاقتصادية والاجتماعية … وهو يُناقش التراكمات والمشاكل التي تجمعَت في عام ١٩٧٥م، متجاهلًا أن الإجراءات التي اتخذها عبد الناصر رفعت مستوى البسطاء من الناس في الستينيات خاصة، بعد الخطة الخمسية الأولى وقرارات التأميم والإصلاح الزراعي وغيرها … ومتجاهلًا أيضًا أن ظروف المعركة والإعداد للحرب والإبطاء في إجراءات التغيير الاجتماعي تبعًا لذلك، وإن كان اليسار قد عارض ذلك في حينه في حياة عبد الناصر، قد أدَّت إلى هذه التراكمات.

إن أحدًا لا ينكر كل ما حدث من تجاوزات، ومن تضخُّم في دور أجهزة القمع، ومن افتقار للتنظيم الديمقراطي لجماهير الشعب، ومن إهمالٍ لدور الشعب في مساندة النظام، ومن الخشية أحيانًا من مواجهة تكاليف المعارك بالطريقة المثلى … لكن هذه كلها لا تغير من وضع عبد الناصر كبطل قومي قاد ثورة قضت على الملكية وقلَّمت أظافر الرأسمالية والإقطاع، وتحدَّت أعتى الدول الاستعمارية، وأيقظت الروح القومية على مستوى مصر والوطن العربي كله، وخلقَت أمام جماهير شعبنا لأول مرة — وعمليًّا — أملًا محسوسًا في العدالة الاجتماعية بعد قرون من الظلم والاستبداد.

ثم إن عبد الناصر نفسه لم يزعم أنه أقام نظامًا اشتراكيًّا لكنه أكد أكثر من مرة أنه يستهدف الوصول إلى الاشتراكية، وأنه يعمل من أجل التحوُّل الاشتراكي أو التطبيق العربي للاشتراكية.

وفي هذه الحدود قاد عبد الناصر تجربةً وطنيةً وثوريةً واجتماعيةً تُضاف إلى رصيد التقدُّم المصري والعربي والعالمي بكل إيجابياتها وسلبياتها.

الأبيض والأسود

لقد كان من الممكن دائمًا أن تكونَ تجربةُ عبد الناصر أفضلَ مما كانت، وكان ذلك دائمًا هو محور نضال اليسار المساند والناقد للثورة … ولكن ما حدث كان إنجازًا بكل المقاييس. وهذا بالتحديد هو مصدر خلافنا مع الدكتور فؤاد زكريا هو يرى الأسود فقط ونحن نرى الأبيض والأسود معًا.

وهو يناقِض نفسه بطريقةٍ مثيرة بضرب مثال بقصة «الكتاب الأسود» الذي ألَّفه مكرم عبيد لكشف بعض حالات استغلال النفوذ أو فضائح الوفد … فيقول إنه كان يفضِّل لو أن مكرم عبيد «لم يختم جهاده الطويل بمثل هذا الكتاب» … الذي لا يرى في حكم الوفد غير الأسود فقط.

أي أن الدكتور يعتبر أن ذكر بعض مثالب أو سلبيات عهد مصطفى النحاس أمرٌ ضار، إزاء الإيجابيات المعروفة لحكم الوفد في ذلك العهد … أما في حالة زعيم للثورة كعبد الناصر، فالدكتور فؤاد زكريا يرى أن من علامات النضج السياسي التركيز على السلبيات فقط، ما دام قد اتخذ الاحتياطات اللازمة لكيلا يستفيد اليمين مما كتب، بقوله: «وأنا أرفض بشدةٍ أية محاولة من جانب اليمين لاستغلال ما أكتب … ومن المستحيل أن أقبلَ ما أكتب لصالح أصدقاء صيدناوي وأفرينو … إلخ.»

أما إذا استخدم اليمين ما كتب الدكتور فؤاد كما يقول فسيكون الخطأُ خطأَ اليسار ذاته؟ ولعل مما يُؤسَف له، وقد لا يطمئنه أيضًا، أن اليمين لن يستخدم ما كتب الدكتور فؤاد؛ لسبب بسيط: وهو أن الدكتور فؤاد قد استخدم ما كتب اليمين!

ولعل ذلك واضح في أهم أجزاء الدراسة، وخاصة عندما يقول إن استقبال نيكسون كان «استفتاء غير رسمي على التجربة الاشتراكية المزعومة.»

وبماذا تفسر إذن — يا دكتور — خروج الملايين يوم اعتزال عبد الناصر بعد الهزيمة مباشرة؟ وبماذا تفسِّر أيضًا خروجَ أعدادٍ أكبر بعد أن عرف نبأ وفاته، وحتى ووري جثمانه التراب؟!

هل هكذا يفسِّر باحثٌ مثل الدكتور فؤاد زكريا أي حشدٍ مهما بلغت ذروته في استقبال ضيف أجنبي لحكومته؟ وهل نحن في حاجة إلى تفاصيل في هذا الشأن؛ لكي ننقذ شرف وكرامة الشعب المصري من مثل هذا الامتهان؟

لقد ذكر الدكتور فؤاد أن تجربة عبد الناصر أدَّت إلى تخريبٍ داخليٍّ لنفس الإنسان المصري وعقله، لكن هذا الإنسان «المخرب» هو الذي حقَّق الانتصار في ٦ أكتوبر كما يشهد الدكتور فؤاد في دراسته! هل يعتقد الدكتور أن هناك شكًّا في أن قيادة الرئيس السادات لمعركة العبور لا تقلِّل من عمليات الإعداد الجادِّ للمعركة منذ هزيمة ١٩٦٧م، كما أعلن الرئيس السادات نفسه، عندما ذكر أنه شارك عبد الناصر بعد ١٩٦٧م في التركيز الأساسي على إعادة بناء القوات المسلحة وإعدادها للحرب؟

إن الذين يحاربون ويعبرون أو يقتحمون القناة بالحديد والنار لا يخرجون في صفوف ذليلة، ليُقدِّموا أنفسهم وبأنفسهم إلى الرئيس نيكسون استفتاء معاديًا لتجربة الثورة المصرية، ولواحدٍ من أعظم أبنائها، الذي عاش ومات من أجل مصر، ومن أجلهم أيًّا كانت الأخطاء والهزائم.

إن مثل هذا المنهج الذي أراه «جديدًا» في كتابات الدكتور فؤاد زكريا يمكن أن يجرد أبطال مصر وقادتها الوطنيين جميعًا من أهم منجزاتهم … وإلا فكيف سنحاسب صلاح الدين وعرابي ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول ومصطفى النحاس؟!

دار الحديث بين فتحي ونجيب محفوظ حول دراسة د. فؤاد زكريا عن اليسار المصري وعبد الناصر.

بقلب شاب تحدث نجيب محفوظ. لم تكن إجاباته إملاءً ولكن في صيغة الأخذ والعطاء واحترام العقل.

ليت أمورَ ثورتِنا سارت على هذا «النهج» … إذن لسارت الأحداث على خير ما تمنى نجيب محفوظ صباح ٢٣ يوليو ١٩٥٢م وحين استمع إلى مبادئ الثورة الستة قال: هذه ثورتنا.

أنفي عن الماركسيين تمامًا شبهة الرشوة.

نجيب محفوظ
تناول حديثنا مسألتين:
  • تقييم د. فؤاد زكريا لثورة يوليو باعتبارها تجربة فاشلة من وجهة نظره.

  • اتهام د. زكريا لليسار الماركسي بأنه خضع للرشوة فاتخذ موقف الدفاع عن التجربة.

قال نجيب محفوظ: أحب أن أسجل منذ البداية أن المعاصرين يعتبرون أسوأ المؤرخين؛ لأن اندماجَهم في التجربة يحول بينهم وبين الحكم الموضوعي السليم.

يصح لهم أن يعطوا شهادة … وهذه الشهادة تنفع مستقبلًا كوثيقةٍ للمؤرخ.

لذلك أنا لا أستطيع أن أعطي حكمًا تاريخيًّا بالمعنى الحقيقي لفترة عشتها وما زلت أعيشها … ولكنني سأدلي بشهادة.

هي شهادة بكل المعنى؛ فيها الذاتية، وقد يكون فيها التحيُّز، وكل عيوب الشهادة، رغم توخي الصدق والموضوعية.

إن أي تجربة سياسية يمكن أن نصدر عليها حكمًا مؤقتًا عن بدايتها وخط سيرها وما حصل فيها … وهناك حكم على نتائجها البعيدة وهو ما لا يتأتَّى إلا مع الزمن.

مثالُ ذلك الثورة الفرنسية … لو حكمنا عليها بعصر الإرهاب وعودة الملكية يمكن القول بأنها تجربة فاشلة.

لو حكمنا عليها بعد ذلك بما أنجزتْه على طريق الديمقراطية يمكن أن نقول إنها تجربة ناجحة، بل هي ثورة من أنجح الثورات على المستوى المحلي والعالمي.

بهذه النظرة، حين ننظر إلى ثورتنا نجد أننا يمكن أن نحكم عليها — ونحن مضطرون في نهاية من نهاياتها الحاسمة — يونيو ١٩٦٧م — بأنها تجربة فاشلة، أنزلت بالبلد هزيمةً لم يسبق لها مثيل، وقفت بنا على شفا الإفلاس، إلى آخر نتائج الهزيمة.

لكن هناك ما لا يستطيع أحد أن يغفلَه مما جاءت به الثورة من معالم التغيير، وإن كانت أمورًا من شأنها أن تفعل فعلها مع الزمن ويصح أن تتبلور فيما بعد.

مثل تغيير التركيب الطبقي للمجتمع حتى لو أن هناك «طبقة جديدة» نشأت.

ومثل تجربة امتلاك الشعب أو الدولة لوسائل الإنتاج … رغم الانحرافات.

ومثل الدعوة إلى التضامن العربي … والدعوة إلى تحرير الشعوب من الاستعمار.

كل هذا بعد ٥٠ سنة يصح أن تكون له نتائج مثل نتائج الثورة الفرنسية … ليس على المحيط المصري والعربي فحسب، بل على المحيط الآسيوي والأفريقي.

أقدر أن أقول إن التصحيح يتمشَّى مع هذا المنطق، مثلًا لم يقم على إلغاء القطاع العام أو الإصلاح الزراعي، ولكن لتوفير حسن الإدارة والنزاهة.

وكذلك كان لها أسلوب جديد في التضامن العربي أثمر أكثر مما أثمرت السياسة السابقة.

هناك فرقٌ بين المبادئ وتطبيق هذه المبادئ، ويجب أن تضع هذا السؤال إذا أردنا تقييم حقيقة ثورة يوليو:

هل مبادئ العدالة الاجتماعية، ومقاومة الاستعمار والتضامن العربي … هل هذه المبادئ نتيجتها المحتومة الفقر والطبقة الجديدة والهزيمة؟

طبيعي لا.

إذن ما الذي حوَّل هذه المقدمات إلى هذه النتائج؟

هذا ما يجب أن نعرفه لا لنؤرخه، ولكن لكي نتجنبه.

أحب قبل الدخول على ما يجب عمله وما يجب تجنبُه أن أضرب مثلًا بالإسلام …

بعد وفاة النبي لو أن من تولَّى كان معاوية لما وُجد شيءٌ اسمه إسلام.

إذن هنا لا بد من دور الناس.

إن كلمة أبو بكر وكلمة عمر هي التي أوجدت أو ضمنت استمرار الإسلام.

بعد هذا أسأل: ما الذي حوَّل المبادئ العظيمة لثورة يوليو إلى هذا الانهيار؟

  • أولًا: الدكتاتورية؛ حتى حرماننا من الديمقراطية في أضيق معانيها … في الهيئة أو النقابة أو حتى الجماعة القليلة العدد.

    إن استئثار فكر واحد، واستئثار شخص واحد بالسلطة جعل الصواب والخطأ مثل الأمور الغيبية، خبطة صح مثل تأميم شركة قناة السويس، وخبطة غلط مثل حرب ١٩٦٧م … وهكذا.

  • ثانيًا: نسينا الحكمة المصرية الصحيحة التي تقول «على قد لحافك مد رجليك.»

    أنا رجل أومن بالتحرير وبالثورة وبالاشتراكية، ولكن كيف أخدم هذه المبادئ؟

    في حدود طاقتي.

    في ثورة مثل ثورة اليمن، ماذا أفعل كمصري؟

    أعترف بالدولة الجديدة.

    أضع في خدمتها جميع وسائلي الإعلامية.

    لا أضن عليها بسلاح مما تنتجه مصانعي.

    أسمح لمن يريد التطوع بأن يلتحق بصفوف الثورة.

    ولسنا دولة عسكرية، ولكن انتصارًا لمبادئ ثورتي أخدم بما أقدر عليه، لا بما هو فوق طاقتي.

    وكذلك أنا اشتراكي وأريد أن أجعل من العالم العربي مجتمعًا اشتراكيًّا.

    هل يكون ذلك بالهجوم على كل سلطة تختلف معي بوسائل مثل المهارات الإعلامية؟

    هناك طريقة أفضل، طريقة أحسن.

    أن أجعل من مصر نموذجًا لمجتمع اشتراكي يشد الشعوب العربية إلى أن تحذو حذو التجربة.

    المؤمنون بالاشتراكية يعطون مثلًا بالاتحاد السوفيتي؛ فلنتأمل هذا المثل …

    الاتحاد السوفيتي لم ينشر الاشتراكية بقوة جيش، ضُربت فيتنام عشرات السنين ولم يتدخَّل الاتحاد السوفيتي.

    ساند، وساعد، ولكن لم يتدخَّل.

  • ثالثًا: التناقض في الرؤية أو العقيدة.

    في الوقت الذي يدعو فيه عبد الناصر إلى الاشتراكية، يعتقل الاشتراكيين، ويسلم القطاع العام لموظفين!

  • رابعًا: المسألة الأخلاقية؛ بصراحة كانت مبادئ الثورة أعظمَ من القائمين على تنفيذها.

    مبادئ عظيمة وناس لهم تكوينهم البشرى بما في ذلك التكوين من ضعف.

    يزيح الإقطاعي، وهذا مفهوم، ولكن يجلس في قصره هذا هو الخطأ.

    لا تتصور كم كنت أنزعج حين أسمع أن هذا القصر هو قصر المسئول فلان.

    ماذا يصنع الموظفون الذين تسلموا القطاع العام … وقد انتفت القدوة؟

    والمؤسف حقًّا أن كل نقاط الضعف هذه كان من الممكن علاجها.

    والمأساة أن تتحمل المبادئ العظيمة مسئولية هذه الأخطاء!

وأخيرًا.

إن نَقدنا لعبد الناصر هو نقد الذين كانوا يتوقعون منه ثلاث خطوات لا خطوة.

وهذا موقف يجب أن يتميز تمامًا عن موقف أعداء الثورة الذين يهاجمون عبد الناصر؛ لأنه خطا هذه الخطوة.

بالنسبة لاتهام د. فؤاد زكريا لليسار الماركسي بأنه خضع لرشوة عبد الناصر، فدافع عن التجربة؛ فإنني أنفي عن الماركسيين شبهة الرشوة تمامًا.

في حدود تجرِبتي الشخصية، أنا عرفت نوعين من الاشتراكيين.

فريق تعاون مع عبد الناصر على اعتبار أن التجربة — حتى لو اختلفوا على الأهداف البعيدة — هي خطوة إلى الأمام.

كانوا مُخلصين تعاونوا عن إخلاص وعقيدة ومن خلال هذا التعاون تولوا مناصب في الدولة وأدوا أمانتها على خير وجه.

وبقيت قلة أرثوذكسية متمسكة بآرائها فلم تتعاون ولم تتوافق.

وأعتقد أنني صورت الفريقين في «المرايا».

كانوا مُخلصين فيما يعتقدون.

في نطاق هذه التجربة لا أستطيع أن أعتبر أن من تعاون منهم كان مرتشيًا. فوق هذا لقد كانوا أكْفاء لهذه المناصب … كل واحد في مكانه المناسب.

اتخذ موقفه من التجربة أولًا، ثم جاء المنصب وليس العكس، وشهدت كثيرين منهم يتركون هذه المناصب عند اختلاف الرأي ولا يحرصون عليها.

الفريق الرافض كان مُخلصًا، رفض التعاون ولم يحتل منصبًا وهو بالطبع أمرٌ لم يكن مُتاحًا.

موقف الاشتراكيين الآن يحتاج إلى وقفة، إن واقعنا يعاني من سلبيات يطحن بها كل مواطن؛ وهي نتيجة حتمية لأخطاء التجربة.

كيف يكون الموقف من هذه السلبيات؟

إما أن ندافع عن المبادئ ولن يتأتَّى ذلك إلا بكشف النقص فيمن كان مسئولًا عن الأمر أيامها.

وإما سنُلقي التبعة على المبادئ نفسها بدفاعنا عن المسئول. الواجب على الاشتراكيين أن يتولوا حملة النقد بهذا المفهوم فهم بموقف الدفاع المطلق يتركون هذه المسئولية للجانب الآخر؛ وبذلك يكونون عونًا له وهم لا يعلمون.

قلت لنجيب محفوظ: الدفاع المطلق لم يعرفه الماركسيون لا أمس ولا اليوم بقدر طاقتهم، وبتضحيات كانت لهم كلمتهم المستقلة، واليوم أيضًا لهم وقفتهم المستقلة، وبتضحيات.

نقف جميعًا عند نكسة ١٩٦٧م.

اعتبرها البعض نهاية الثورة بالهزيمة، بينما صممت أغلبية الشعب الساحقة على أن تقيم عبد الناصر على قدميه، ونهض وأعلن عن أخطاء ولفظ أنفاسه من جهد جهيد كان يبذله لإعادة بناء القوات المسلحة وللوصول إلى تضامن عربي واسع.

هل انتهى نظام سيهانوك بهجمة أمريكا وأعوانها عليه واقتلاعه من الحكم؟ لقد سانده شعبه. ومنذ أيام خرج من الغابات إلى موقعه القديم … فكيف ننفض أيدينا من التجربة لدى أول هزيمةٍ مهما كان حجمها؟ أما الأخطاء والخطايا، فإن علينا تصحيحَها، وتصحيحها لا يتأتَّى إلا بتحديدها والاعتراف بها، على ألَّا يشغلَنا ذلك عن مهام الثورة الأساسية، التحرير والتقدم الاجتماعي.

قال نجيب محفوظ: إذن يميزوا موقفهم ويعلنوا معارضتهم لسياسة الدفاع المطلق، وإلَّا فإن الرأي العام معذور إذا خلط الحابل بالنابل.

إذ يجب الفصل بين قضية الاشتراكية وتجربة عبد الناصر بمعنى رفض الصيغة الغريبة التي تقول: إذا كنت مع الاشتراكية … فأنت ناصري!

نحن اشتراكيون … ولم نوافق عبد الناصر على أسلوبه في تطبيق الاشتراكية.

فتحي خليل

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠