الفصل الرابع

(المنظر: غرفة فسيحة قديمة الطراز في منزل القبطان هورستر، ويرى في المؤخرة باب (إنجليزي) ذو مصاريع، هي إذ ذاك مطوية، ويرى من ورائها وصيد غرفة أولية. في الحائط الأيسر ثلاث نوافذ، وفي وسط الحائط المقابل الأيمن نصبت منصة، وعلى المنصة منضد صغير عليه شمعتان وزجاجة ماء وكوب وجرس صغير، والغرفة مضاءة بمصابيح موضوعة بين النوافذ، وفي مقدمة المرزح إلى اليسار منضد وشموع وكرسي، وفي اليمين يوجد باب وعدة من كراسي صفت بجواره، والغرفة مملوءة تقريبًا بجمهور من أهل البلدة مختلف الأصناف، بينهم بضع نسوة وتلاميذ مدارس، وإذا أزيح الستار يكون بعض الجمهور آتيًا من الخلف، ولا تلبث الغرفة أن تمتلئ.)
مواطن أول (مقابلًا غيره) : هالو! لامستاد! أنت أيضًا هنا؟
مواطن ثان : إني أحضر كل اجتماع عام، نعم أحضر.
مواطن ثالث : أحضرت معك صفارتك أيضًا، على ما أظن.
مواطن ثان : أظن ذلك، أوَلم تحضر صفارتك أنت؟
مواطن ثالث : بلي، وقد قال أيفنسن العجوز إنه عازم على أن يجيء معه بقرن ثور، أجل قال.
مواطن ثان : أيفنسن العجوز الصالح (ضحك بين الجمهور).
مواطن رابع (يأتي إليهم) : يا أصحابي، خبروني ماذا يجري هنا الليلة؟
مواطن ثان : سيلقي الدكتور ستوكمان خطبة يحمل فيها على العمدة.
مواطن رابع : ولكن العمدة أخوه!
مواطن أول : هذا لا يهم، ليس الدكتور ستوكمان بالرجل الذي يهاب.
مواطن ثالث : ولكنه على باطل، قيل كذلك في «رسول الشعب».
مواطن ثان : نعم. أقدر أنه لا بد أن يكون هذه المرة مخطئًا، فلا جمعية أصحاب المساكن ولا نادي المواطنين قبل أن يعيره بهوه ليعقد فيه اجتماعه.
المواطن الأول : بل ولم يستطع أن يستعير البهو الذي في الحمامات.
المواطن الثاني : لا، محال.
رجل (في جهة أخرى من الجمع) : ترى في أي جانب نكون؟
رجل آخر (في جانبه) : راقب أسلاكسن وافعل كما يفعل.
بيلنج (يفسح طريقه في الجمهور ومعه تحت ذراعه عدة الكتابة) : معذرة يا سادة، أتسمحون لي بالمرور. إني مكاتب جريدة رسول الشعب. أشكركم شكرًا جزيلًا (يجلس إلى المنضد الموضوع إلى اليسار).
أحد العمال : من كان هذا؟
عامل ثان : ألا تعرفه؟ هذا بيلنج الذي يحرر في جريدة أسلاكسن (يأتي هورستر ومعه كاترين وبترا من الباب الذي إلى اليمين ويتبعهم إيليف ومورتن).
هورستر : رأيت أن تجلسوا هنا جميعًا. في استطاعتكم أن تنسلوا من هنا بسهولة إذا احتدم الأمر.
كاترين : أتظن أن سيحدث شجار؟
هورستر : من يدري؟ في مثل هذا الجمهور، ولكن اجلسي لا يساورك قلق.
كاترين (جالسة) : لقد كان فضلًا منك عظيمًا أن تعير زوجي هذه الغرفة.
هورستر : إذا لم يسمح أحد أن يعيره مكانًا …
بترا (وقد جلست بجوار والدتها) : ولقد كان من الشجاعة ما فعلت يا قبطان هورستر.
هورستر : ليس الأمر من العظم عند هذا (يدخل هوفستاد وأسلاكسن مخترقين الجمهور).
أسلاكسن (ذاهبًا إلى هورستر) : ألم يأت الدكتور بعد؟
هورستر : إنه في الغرفة المجاورة ينتظر (حركة في الجمهور عند الباب الذي في الخلف).
هوفستاد : انظروا، لقد حضر العمدة.
بيلنج : نعم، لعنت إن هو لم يأت على كل حال!

(يخترق بيتر ستوكمان الجمهور وينحني تجلة ويجلس بالقرب من الحائط الأيسر، وبعد ذلك بقليل يأتي الدكتور ستوكمان من الباب الأيمن وهو مرتد ثياب السهرة السوداء (الفراك) ورباط رقبته الأبيض، يصفق بعض الناس تصفيقًا ضعيفًا يخفته على الفور صوت «هس» ويتم السكوت.)

الدكتور (بصوت منخفض) : كيف حالك يا كاترين؟
كاترين : أنا بخير، شكرًا لك (تخفض صوتها) املك عواطفك يا توماس.
الدكتور : إني أعرف كيف أضبط نفسي. (ينظر إلى ساعته ويرتقي المنصة وينحني تحية للجمهور) لقد تجاوزنا الموعد بربع ساعة فلأبتدئ (يستخرج صورة الخطبة من يده).
أسلاكسن : أظن أنه يجدر بنا أولًا أن نختار رئيسًا للاجتماع.
الدكتور : لا، ليس هذا ضروريًّا جدًّا.
بعض الجميع : بلى، بلى.
بيتر : أعتقد، في الواقع أنه يجدر أن يكون للاجتماع رئيس ليدير المناقشات.
الدكتور : ولكني إنما دعوت إلى هذا الاجتماع لألقي محاضرة يا بيتر.
بيتر : قد تؤدي محاضرة الدكتور ستوكمان إلى اختلاف كبير في الرأي.
أصوات من بين الجمهور : رئيس! رئيس!
هوفستاد : الظاهر أن الرغبة العامة تقول باختيار رئيس.
الدكتور (كابحًا نفسه) : حسن! ليكن للحاضرين ما شاءوا.
أسلاكسن : أيتفضل حضرة العمدة بقبول هذه المهمة؟
بيتر : لأسباب شتى ستدركونها بلا عناء ألتمس منكم إعفائي. بيد أن بيننا اليوم لحسن الحظ رجلًا أعتقد أنكم تقبلون رياسته. أعني به رئيس جماعة أرباب المساكن. السيد أسلاكسن.
أصوات عدة : نعم. أسلاكسن، مرحى لأسلاكسن.

(يتناول الدكتور ستوكمان المسودة ويسير ذهابًا وجيئة على منصته.)

أسلاكسن : لا يسعني الرفض وقد رأى إخواني المواطنون أن يعهدوا إليَّ هذه المهمة.

(تصفيق شديد، يعتلي أسلاكسن المنصة.)

بيلنج (وهو يكتب) : «وقد انتخب أسلاكسن لرياسة الاجتماع بتحمس عظيم».
أسلاكسن : والآن إذ أنا في هذا المقام أريد أن أقول بضع كلمات موجزة. إني رجل هادئ مسالم، أومن بفضل الاعتدال الحكيم و… و… وبالحكمة المعتدلة، ويشهد جميع أصدقائي بذلك.
أصوات شتى : نعم، نعم، يا أسلاكسن.
أسلاكسن : لقد تعلمت في مدرسة الحياة والتجاريب أن الاعتدال أعلى فضيلة يتحلى بها المواطن.
بيتر : بخ. بخ.
أسلاكسن : وفضلًا عن هذا فإن الحكمة والاعتدال هما اللذان يساعدان الرجل على أن يكون أشد صلاحية لخدمة المجتمع. ولذلك أنصح لحضرة مواطننا المحترم الذي دعا إلى هذا الاجتماع أن يبذل جهده حتى لا يخرج عن حدود الاعتدال.
رجل (بجوار الباب) : اهتفوا ثلاثًا لجمعية الاعتدال.
صوت : اخرس!
عدة أصوات : س. س.
أسلاكسن : لا تقاطعوا يا سادة من فضلكم. هل يريد أحدكم أن يتقدم بملاحظات؟
بيتر : يا حضرة الرئيس.
أسلاكسن : العمدة، يلقى كلمة.
بيتر : كنت أحب، نظرًا إلى علاقة القربى الشديدة التي بيني — كما تعلمون جميعًا — وبين مفتش صحة الحمامات الحالي، أن لا أتكلم هذه العشية. ولكن مركزي الرسمي فيما يختص بالحمامات وعنايتي بالمصالح الحيوية التي للبلدة، تلزمني أن أقدم اقتراحًا بقرار. إني لأجرؤ على الظن أنه لا يوجد بين مواطنينا الحاضرين هنا من يرى من المستحسن أن تذاع بيانات غير موثوق بها، بل مبالغ فيها، عن الحالة الصحية في الحمامات وفي البلدة.
عدة أصوات : كلا، كلا. بالتأكيد كلا. نحتج على ذلك.
بيتر : لذلك أريد أن أقترح أن لا تسمح الهيئة المجتمعة للمفتش الصحي بقراءة محاضرته التي نواها، أو أن يعلق عليها.
الدكتور (بغضب) : لا تسمح! أي شيطان …
كاترين (ساعلة) : إحم، إحم.
الدكتور (ضابطًا نفسه) : حسن، استرسل.
بيتر : في بلاغي الذي أرسلته إلى رسول الشعب، أوضحت للشعب الحقائق الجوهرية، بحيث يسهل على كل عاقل أن يكون لنفسه منها رأيًا. منها يتضح لكم أن اقتراحات المفتش الصحي تتلخص — بصرف النظر عن تضمنها اقتراحًا بتأنيب ذوي الأمر في البلدة — في أنه يريد أن يحمل من يدفعون فيها ضرائب مقدار نفقة غير ضرورية تبلغ على الأقل عدة ألوف من الجنيهات.

(أصوات استنكار من بين الحاضرين، وبعض أصوات موائية كالهررة.)

أسلاكسن (يدق جرسه) : سكوتًا، من فضلكم أيها السادة. إني ألتمس أن أزكي اقتراح العمدة. إني على تمام الاتفاق معه على أن هناك شيئًا وراء هذه الدعاية التي بدأها الدكتور. إنه يتكلم عن الحمامات، ولكن الواقع أنه يريد ثورة. يريد أن يضع مقاليد إدارة البلدة في أيد أخرى. لا يشك أحد في خلوص مقاصد الدكتور من رغبة الأذى، فلا يمكن أن يكون بين الناس اثنان يقولان بذلك، إني أنا نفسي ممن يقولون بضرورة الحكم الذاتي للشعب، بشرط أن لا يكون فيه إرهاق لمن يدفعون الضرائب، بيد أن هذا ما يراد بنا اليوم. وهذا الذي من أجله أود أن تسقط اللعنة على رأس الدكتور ستوكمان — أستميحكم عذرًا — قبل أن أسايره في الأمر، قد يدفع الإنسان في الشيء ثمنًا فادحًا في بعض الأحيان، هذا رأيي.

(تصفيق عال من جميع النواحي.)

هوفستاد : أنا أيضًا أشعر أن من واجبي أن أشرح موقفي، لقد لاحت الحركة التي قام بها الدكتور ستوكمان في أول الأمر كأنما يشايعها بعض المناصرين، ولذلك ناصرتها بلا أقل تحيز، أما اليوم فقد لاح لنا من الأسباب ما حملنا على توجس أننا سمحنا لأنفسنا أن تضل بتلبيس حقائق الواقع.
الدكتور : تلبيس!
هوفستاد : إذن فلنقل بتمثيل الحقائق في صورة لا يوثق بصحتها تمام الثقة. ولقد أثبت لنا ذلك بلاغ العمدة. إني لأرجو أن لا يكون في الجمع من يخامره الشك في مبادئي الحرة، فإن خطة «رسول الشعب» حيال المسائل السياسية الخطيرة معروفة لكل إنسان. ولكن نصيحة الرجال أولي الخبرة والبصيرة قد دلتني على أنه يجب في المسائل المحلية البحتة أن لا تخطو الجريدة خطوة إلا بالحذر.
أسلاكسن : إني أوافق الخطيب تمام الموافقة.
هوفستاد : ومما لا شك فيه أن الرأي العام في المسألة التي أمامنا ضد الدكتور ستوكمان. والآن ما هو أول واجب على الصحفي أيها السادة؟ أليس هو أن يعمل وفاق قرائه. ألم يعطوه نوعًا من التوكيل الضمني ليعمل بالمثابرة والجد في سبيل مصلحة من يعبر عن آرائهم؟ أم يمكن أن أكون مخطئًا في هذا؟
أصوات : لا. لا. إنك على تمام الحق.
هوفستاد : لقد قاسيت عراكًا نفسيًّا كبيرًا لاضطراري أن أخرج على رجل كنت في بيته منذ عهد قريب ضيفًا كثير التردد عليه؛ رجل كان من حقه حتى اليوم أن يفخر بحسن رأي مواطنيه فيه — رجل عيبه الوحيد — أو على كل حال، عيبه الجوهري أنه مطواع لقلبه لا لعقله.
بعض أصوات مبعثرة : هذا صحيح. مرحى يا ستوكمان.
هوفستاد : ولكن واجب المجتمع عليَّ ألزمني أن أخرج عليه. وهناك اعتبار آخر يدفعني إلى مناهضته، وإلى منعه بقدر الإمكان، عن السير في الطريق الخطر الذي اخطته لنفسه ألا وهذا الاعتبار هو عيلته.
الدكتور : الزم من فضلك موضوع مياه الشرب والصرف!
هوفستاد : أكرر القول بأنه اعتبار مصلحة زوجته وأولاده الذين لم يعمل لهم حسابًا.
مورتن : أهو يعنينا يا أمي؟
كاترين : صه.
أسلاكسن : سآخذ الأصوات الآن على اقتراح حضرة العمدة.
الدكتور : لا ضرورة إليه، ليس في عزمي الليلة أن أتناول كل تلك القاذورات المزدحمة في الحمامات. كلا، إن لدي للقول شيئًا آخر يختلف عن ذلك كل الاختلاف.
بيتر (لنفسه) : ماذا يقصد يا ترى؟
سكران (عند باب الدخول) : أنا أحد دافعي الضرائب ولذلك لي الحق أن أتكلم أنا أيضًا. ورأيي الشامل … الثابت غير المفهوم …
عدة أصوات : أقفل فمك أنت يا من عند الباب.
غيرهم : إنه سكران، أخرجوه (يخرجونه).
الدكتور : أمسموح لي أن أتكلم؟
أسلاكسن (يدق جرسه) : الكلمة للدكتور ستوكمان.
الدكتور : كنت أشتهي لو جرؤ أحد منذ بضعة أيام أن يسكتني كما حدث الليلة. يومئذ كنت أستطيع أن أدافع عن حقوقي المقدسة كإنسان، دفاع الأسد، أما الآن فالأمر عندي سواء. لديَّ شيء أراه أجدر أن يقال لكم جدارة أعظم وأهم (يزدحم الناس صوبه ويرى مورتن كيل ظاهرًا بينهم).
الدكتور (مستمرًّا) : لقد فكرت كثيرًا وتأملت مليًّا، مدى بضعة الأيام الماضية، تأملت في عدة من أمور شتى حتى رأيت فؤادي في النهاية قد امتلأ ولم يعد يسع مزيدًا.
بيتر (بسعال) : إحم.
الدكتور : ولكن راقت أفكاري في النهاية، وإذ ذاك تبين لي الواقع برمته في جلاء ووضوح، وهذا الذي من أجله ترونني واقفًا هنا هذه الليلة. إن لديَّ وحيًا عظيم القدر أطلعكم عليه، إخواني المواطنين، سأخبركم عن استكشاف أوسع مدى من القول التافه بأن مورد مائنا مسموم وأن حماماتنا الاستشفائية قائمة على أرض موبوءة.
عدة أصوات (زاعقين) : لا تتكلم عن الحمامات، لا نسمع لك عنها شيئًا. أقصر عن هذا.
الدكتور : لقد قلت لكم الآن توًّا إن ما أريد أن أتكلم عنه هو الاستكشاف العظيم الذي اهتديت إليه قريبًا، استكشاف أن كل منابع حياتنا الخلقية مسمومة، وأن مجتمعنا المدني برمته قائم على أساس موبوء بالأكاذيب.
أصوات مواطنين (بدهشة) : ماذا يقول؟
بيتر : مثل هذا التعريض …
أسلاكسن (ويده على الجرس) : أدعو حضرة الخطيب أن يخفف من لهجته.
الدكتور : لقد أحببت هذا البلد الذي ولدت فيه، حب الإنسان داره التي قضى فيها أيام صباه، ولم أكن كبير السن يوم رحلت عنها، ولقد خلعت الغربة والشوق والذكرى عليه وعلى ساكنيه مطرفًا آخر من البهاء (بعض تصفيق واستحسان ضعيف) وهناك بقيت سنوات عدة، في جحر شنيع في الشمال النائي، فلما اتصلت ببعض الناس الذين يعيشون مبعثرين بين الصخور، كنت كثيرًا ما أرى خيرًا لأولئك المساكين الذين يعيشون في شبه مجاعة لو أرسل إليهم طبيب بيطري بدلًا من رجل مثلي (تذمر بين الجمع).
بيلنج (واضعًا قلمه) : علي اللعنة إذا كنت قد سمعت …
هوفستاد : هذه إهانة لجماعة محترمة.
الدكتور : تمهل قليلًا، لا أظن أحدًا يتهمني بأني وأنا هناك قد نسيت بلدي، فلقد كنت أشبه شيء بالإوزة الراخمة في عشها وكان ما أفرخت لكم هو مشروع هذه الحمامات (استحسان واحتجاج) ثم إذ كتب لي القدر عظيم السعادة بالعودة إلى الوطن، أؤكد لكم يا سادة خُيِّلَ إليَّ أني قد بلغت غاية المنى، فلم يعد لي ما أشتهي، اللهم إلا شيء واحد، أشتهيه بحمية وبلا ملل وهيام، وذلك هو أن أوفق إلى خدمة مسقط رأسي ونفع مواطني.
بيتر (ناظرًا إلى السقف) : لقد اخترت لذلك طريقة عجيبة، إحم.
الدكتور : وإذ عميت عيناي عن حقائق الواقع، أغرقت في السعادة. ولكن أمس صباحًا — لا بل للتحقيق — أمس عصرًا، تفتحت عيون عقلي تفتحًا واسع المدى، وأول شيء أدركته هو عظيم ما انطوى عليه أولو الأمر من البلادة (ضجيج وصياح وضحك، وكاترين تسعل باستمرار).
بيتر : حضرة الرئيس!
أسلاكسن (داقًّا الجرس) : بما لي من السلطة …
الدكتور : إنه لجميل أن تأخذ عليَّ الطريق من أجل كلمة يا مستر أسلاكسن. ليس ما أعنيه سوى أنني تبينت ما لا يكاد يصدقه العقل من خطل القادة الذين يتولون شئون الحمامات وجمودهم. إني لأمقت من يتولون أمور الناس. لقد تحملت في حياتي من أمثالهم فوق حد الكفاية. إنهم أشبه بالتيوس المسومة في حقل حديث الزرع حيثما سارت أحدثت تلفًا. يقفون في وجه الرجل الحر حيثما يمم. وأقصى أماني نفسي أن أراهم يبادون كما تباد الهوام السامة الأخرى (ضجيج).
بيتر : حضرة الرئيس! أنجيز مثل هذا الكلام؟
أسلاكسن (ويده على الجرس) : يا دكتور!
الدكتور : ليس في استطاعتي أن أدرك كيف أني لم أتبين إلى الآن حقيقة هؤلاء السادة على حين أن لدي كل يوم في هذه البلدة مثلًا أي مثل لهم، أخي بيتر، البطيء الإدراك الجامد النفس كالبهم بتعصبه (ضحك وضجيج وصياح، وتأخذ كاترين في السعال بلا انقطاع، ويقرع أسلاكسن جرسه بعنف).
الرجل السكران (وقد تسلل ودخل) : أعني يتكلم؟ اسمي بيترسون، لا بأس، ولكن ليأخذني الشيطان إذا …
أصوات مغضبة : أخرجوا هذا السكران، أخرجوه (يخرجونه مرة أخرى).
بيتر : من كان هذا الرجل؟
مواطن أول : لا أدري من هو يا حضرة العمدة.
مواطن ثانٍ : ليس من أهل البلدة.
مواطن ثالث : أظن أنه بحار من بلدة … (لا يسمع باقي الكلام).
أسلاكسن : الظاهر أنه شرب كثيرًا من الجعة. استمر يا دكتور ولكني أرجو منك أن تعمل على تخفيف لهجة كلامك.
الدكتور : حسن يا سادة، لن أتكلم بعد ذلك شيئًا عن قادتنا. وإذا خيل إلى أحد منكم أنني عنيت — بما قلت الآن — الطعن في هؤلاء الناس هذه الليلة، فليعلم أنه مخطئ بعيد كل البعد عن القصد، لأني مملوء القلب بالاعتقاد المسعد المغذي للنفس أن هؤلاء الطفيليين تراث العهد القديم المحتضر، إنما يمهدون السبيل بأيديهم أحسن تمهيد لفناء أنفسهم وزوالها. وما هم بحاجة إلى نطاسي خبير لتعجيل آخرتهم، بيد أن ليس هؤلاء الناس بالذين يخشى منهم الخطر الداهم على المجتمع، ليسوا أنشط العاملين على تسميم موارد حياتنا الخلقية وتلويث الأرض التي نحن عليها بصنوف الأوبئة، ليس أولئك أعدى أعداء الحق والحرية بيننا.
صائحون من جميع الجهات : من إذن؟ من هم؟ اذكرهم. سمهم.
الدكتور : تمهلوا وثقوا أني سأسميهم. هذا هو الاستكشاف الذي وفقت إليه بالأمس (يرفع صوته) أخطر أعداء الحق والحرية بيننا، هم الغالبية المتراصة، نعم، الغالبية المتراصة الملعونة، الغالبية الحرة، أولئك هم فاعرفوهم (ضجيج عال جدًّا، غالب الجمهور يصيح، ويضرب الأرض برجليه ويصفر ويتناول النظرات بعض كبار السن من بينهم وتلوح عليهم سيما الارتياح، وتنهض كاترين قلقة، وإيليف ومورتن يتقدمان مهددين. بعض تلاميذ يصيحون صياح الهررة والكلاب وغيرها. ويقرع أسلاكسن جرسه ويلتمس من الحاضرين أن يسكتوا، وهوفستاد وبيلنج يتكلمان في وقت واحد ولكن لا يسمع كلامهما، وأخيرًا يعود الجمع إلى السكون).
أسلاكسن : بصفة كوني رئيسًا أكلف الخطيب أن يسحب ما تعجل به لسانه من القول بلا روية.
الدكتور : محال يا سيد أسلاكسن، إنها هي الغالبية في مجتمعنا التي أنكرت عليَّ حريتي وعملت على منعي من أن أنطق بالحق.
أسلاكسن : الحق دائمًا في جانب الغالبية.
بيلنج : والصدق كذلك وربي.
الدكتور : لا يكون الحق في جانب الغالبية بتاتًا — أقول لكم بتاتًا — تلك إحدى الأكاذيب الاجتماعية التي يجب على كل رجل مستقل حصيف أن يحاربها. ممن تتألف غالبية السكان في هذا القطر يا ترى؟ أمن الألباء أم من السفهاء؟ لا يخامرني الظن بأنكم تنكرون الواقع وهو أن السفهاء هم الآن أصحاب الغالبية الغامرة في الدنيا برمتها، ولكن يا إلهي! فهل منكم من يستطيع أن يقول إن من الحق أن يتولى السفهاء حكم العقلاء؟ (صياح وضجيج).
أجل، أجل. يمكنكم أن تخفتوا صوتي بالصياح، ولكنكم لا تستطيعون أن تحيروا جوابًا. الغالبية في جانبها القوة نعم وا أسفاه، أما الحق فلا. إني على الحق — أنا وبضعة أفراد متوزعين — القلة دائمًا على حق. (ضجيج وصياح).
هوفستاد : آها، إذن فقد أصبح الدكتور ستوكمان ارستقراطيًّا منذ أمس الأول.
الدكتور : لقد سبق لي القول إنني لا أريد أن أنفق كلمة واحدة في الكلام عن الفئة الضئيلة، الضيقة الصدر، القصيرة النفس، التي تتولى الزمام. لا، لم تعد الحياة النابضة تشغل نفسها بأمرهم؛ إنما أنا أفكر في العدد القليل من الرجال المبعثرين بيننا الذين اشتفوا حقائق جديدة عفية؛ أولئك الرجال يقفون في الطليعة، على مدى أبعد من أن تلحقهم لديه الغالبية المتراصة. وهناك هم يقاتلون في سبيل الحقائق التي لم تتمخض دنيا العقل عنها إلا منذ عهد قريب جدًّا فلم يتيسر أن يكون لها من الأنصار عدد يذكر.
هوفستاد : ها قد أصبح الدكتور الآن ثوريًّا.
الدكتور : يا إلهي! بالطبع أنا كذلك يا سيد هوفستاد! في عزمي أن أثير ثورة على الأكذوبة السائرة؛ أكذوبة أن الغالبية هي وحدها صاحبة الحقيقة. وما نوع هذه الحقيقة التي تنصرها الغالبية عادة؛ إن هي إلا حقيقة قدم عهدها حتى أخذ بنيانها يتداعى. وإذا كانت هناك حقيقة من القدم عند هذا الحد فهي توشك أن تنقلب أكذوبة (ضحك ومواء وعواء) أجل هذا هو الواقع صدقتم أم لم تصدقوا. ولكن الحقائق ليست كما يتوهم البعض طويلة العمر كنوح في السالفين. فالحقيقة المؤسسة على بنيان صحيح لا يطول عمرها، فيما تقول، أكثر في العادة من سبعة عشر عامًا أو ثمانية عشر، وعلى الأكثر عشرين. وقلما زادت عن ذلك. ولكن الحقائق التي تبلغ من العمر هذا القدر تكون قد هزلت حتى بدت كلاها، ومع ذلك فهي لا تبدو لعين الغالبية إلا وهي في هذه الصورة، ويومئذ يتواصون بها في المجتمع ويرونها غذاء عقليًّا صالحًا. لا يا سادة. ليس لمثل هذه المادة قيمة غذائية هذا ما أؤكده لكم، ومن حقي إذ أنا طبيب أن أعرف ذلك. هذه الحقائق التي تقول بها الغالبية هي أشبه شيء باللحم المملح من العام الماضي، مثل لحم الخنزير الزنخ العفن، وهي مصدر الأسقربوط النفسي الشائع في مجتمعاتنا.
أسلاكسن : يخيل إليَّ أن الخطيبب قد شرد شرودًا كبيرًا عن موضوعه.
بيتر : أنا على رأي حضرة الرئيس بتمامه.
الدكتور : أزايلك الرشد يا بيتر؟ إني ملتزم جانب موضوعي تمام الالتزام، لأن موضوعي هو هذا: إن هذه الغالبية المتراصة السافلة، هي التي تسمم موارد حياتنا الخلقية وتعدي بوبائها الأرض التي نحن عليها.
هوفستاد : وكل هذا لأن الغالبية العظيمة الواسعة العقل هي من الصواب بحيث لا تقر إلا الحقائق الممحصة، الحقائق المقررة.
الدكتور : آه، يا سيد هوفستاد، خل عنك الكلام الفارغ عن الحقائق الممحصة. إن الحقائق التي تسلم الدهماء بها اليوم، هي الحقائق التي ناصرها المجاهدون في الطلائع أيام أجدادنا. أما نحن المجاهدين في الطلائع في هذه الأيام، فلم نعد نقرها، ولست أظن أن هناك حقيقة ممحصة مجربة غير ما أقول لك: وهو أنه لا يستطيع مجتمع أن يحيا حياة سليمة إذا هو لم يطعم إلا تلك الحقائق النخرة.
هوفستاد : ولكن بدلًا من وقوفك هكذا تلقي نظريات عامة، يحسن بك أن تذكر لنا ما هي هذه الحقائق النخرة، التي جعلناها غذاء لنا.

(استحسان من جميع الجهات.)

الدكتور : أوه، في إمكاني أن أعطيك ركامًا من هذه الحثالات، ولكني سأقتصر في المبدأ على إحدى الحقائق المسلم بها، وهي في أساسها أكذوبة فظيعة، يتغذى بها السيد هوفستاد ورسول الشعب، وجميع أنصار هذه الجريدة.
هوفستاد : وتلك الأكذوبة هي …؟
الدكتور : هي تلك العقيدة التي ورثتموها عن آبائكم، ونشرتموها بلا روية في الخافقين، عقيدة أن الجمهور، أن الدهماء الغوغاء، هي الجزء الجوهري من سكان كل بلد، وأنهم هم الذين يتألف منهم الشعب، وأن الناس العاديين الجهلة، العنصر الناقص التكوين في المجتمع، لهم من الحق في الحكم والتقدير، وفي الإدارة والحكومة، مثل ما للأفذاذ أولي الذاتية الفكرية العليا.
بيلنج : عليَّ لعنة الله إن كان قد سبق لي …
هوفستاد (في نفس الوقت، صائحًا) : أيها الإخوان المواطنون تنبهوا إلى هذا الكلام جيدًا.
بعض أصوات (مغضبة) : أووهوو! ألسنا نحن الشعب؟! لا يحكمنا إلا السراة! هم فقط!
أحد العمال : أخرجوا هذا الرجل من هنا، جزاء كلامه الفارغ.
غيره : أخرجوه.
غيره (صائحًا) : انفخ في القرن، يا أيفنسون!

(ينفخ في قرن بصوت عال جدًّا، بين أصوات صفير وضجيج من مغضبين.)

الدكتور (لما يهدأ الصياح قليلًا) : ارشدوا! ألا تطيقون صوت الحق مرة! لا أرتقب منكم بحال ما أن توافقوني برمتكم، ولكن لا بد لي أن أقول إني كنت أرتقب أن يسلم السيد هوفستاد بأني كنت على حق، عندما يستجمع قوى نفسه قليلًا، إنه يدعي أنه حر العقيدة.
أصوات (متعجبة) : حر العقيدة! هوفستاد حر العقيدة!
هوفستاد (صائحًا) : أثبت ذلك يا دكتور ستوكمان، متى قلت ذلك في مطبوع؟
الدكتور : كلا، خسئت، أنت على حق، لم يكن عندك الشجاعة لذلك، لا بأس، لا أريد أن أزج بك في مأزق، ولنقل إني أنا ذو العقيدة الحرة إذن. سأثبت لكم بالبرهان العلمي أن جريدة «رسول الشعب» تجركم من أنوفكم بطريقة مخزية حين تقول لكم: إن عامة الناس، الدهماء الغوغاء، هم روح الشعب الحقيقية، ليس هذا الكلام — أؤكد لكم — إلا أكذوبة صحفية، ليس العامة إلا المادة الغفل، التي يصاغ منها الشعب، (تأوهات وضحك وضجيج) ها، أليس هذا هو الواقع؟ أليس هناك فرق عظيم بين نسيلة من الحيوان أحسنت تربيتها وأخرى أسيئت؟ خذوا مثلًا دجاجة عادية من الدجاج المسوم بعيدًا عن الأهراء. أي لحم تصيبون من مثل هذه الجلدة الهزيلة؟ لا تصيبون غير قليل، أؤكد لكم! وأي بيض تضعه؟ خير منه ما يضع الغراب. ثم خذوا دجاجة مرباة إسبانية أو يابانية، أو خذوا دراجًا أو دجاجة رومية وانظروا الفرق، أو خذوا للمثل، الكلاب التي نعيش معها نحن بني الإنسان على شرعة المودة، فكروا أولًا في كلب عادي أعني أحد تلك الكلاب البشعة، الخشنة الشعر، المنحطة التربية التي لا تفعل شيئًا غير الجري في الشوارع وتوسيخ جدران المنازل. قارنوا أحد هذه الكلاب بكريم ربي أبواه مدى أجيال عدة في بيت سري من السراة، كان لها فيه خير طعام، وأجمل فرص الاستماع إلى الصوت الجميل والموسيقى، ألا ترون أن عقل الكريم يكون قد نما وتهذب حتى بلغ درجة تختلف عن عقل الكلب الحطيط؟ لا شك في ذلك. جراء مثل ذلك الكلب الكريم هي التي يعلمها العارضون فتأتي من أفعال المهارة ما لا يكاد يصدقه العقل؛ أشياء يستحيل على الكلب العادي أن يتعلمها ولو وقف على رأسه … (ضجيج وأصوات تقليدية، عواء ومواء … إلخ).
أحد المواطنين (مناديًا) : أتريد أن نستنتج من ذلك الآن أننا كلاب؟
مواطن آخر : لسنا حيوانات يا دكتور!
الدكتور : بل وربي يا صاحبي كلنا كذلك، نعم إننا أرقى الحيوانات طرًّا، ولكن الكرام من بيننا قليل، إن هناك فرقًا شاسعًا بين حطيط الناس وكريمهم، وألطف ما في الأمر أن السيد هوفستاد يتفق معي في الرأي ما دام الكلام خاصًّا بذوات الأربع من الحيوانات.
هوفستاد : نعم هذا حق صراح فيما يختص بها.
الدكتور : حسن جدًّا. ولكني ما أشرع أطبق القاعدة على ذوات الاثنتين من الحيوانات حتى ينكص السيد هوفستاد على أعقابه. لا يجرؤ إذ ذاك أن يطلق عنان فكره مستقلًّا أو يواصل آراءه حتى تنتهي إلى نتيجة منطقية. ولذلك يقلب النظرية على وجهها ويصيح في «رسول الشعب» معلنًا أن الدجاجة السائمة والكلبة الشريدة هما أرقى ما في الحظيرة. بيد أن هذا هو المسلك الطبيعي الذي لا بد أن يسير فيه الإنسان ما دام في بدنه أثر من أرومة منحطة، ولم يُعَبِّد لنفسه دربًا يرقاه إلى مراتب التفوق العقلي.
هوفستاد : أنا لا أدعي الصلة بشيء من هذا التفوق. إني ابن ناس قرويين متضعين، وإني لفخور أن الأرومة التي نسلت منها تضرب جذورها إلى عمق بعيد في صميم الدهماء التي يسبها.
أصوات : مرحى، هوفستاد! مرحى، مرحى!
الدكتور : ليس نوع العامة الذي أعنيه مما لا يوجد إلا عند أسفل درجات السلم الاجتماعية، فإنهم يدبون ويتجمعون فيما حولنا، ونراهم حتى في أرقى المراتب الاجتماعية. ما عليكم إلا أن تنظروا إلى عمدتكم المبرز المحترم، فما أخي بيتر إلا رجل عامي من فرعه إلى قدمه ككل رجل من الدهماء يمشي في حذاءين (ضحك وصفير).
بيتر : إني أحتج على مثل هذه التعريضات الشخصية.
الدكتور (برباطة جأش) : وليس هذا لأنه مثلي متناسل من أحد لصوص البحر الأقدمين في بلاد بوميرانيا أو جيرتها، كما هو الواقع.
بيتر : هذا إفك خرافة، وأنا أنكرها.
الدكتور : بل لأنه لا يفكر إلا كما يفكر رؤساؤه ولا يقول إلا بما يقولون. والذين يجرون هذا المجرى، هم على القول المعنوي، من صميم العامة. وهذا هو السبب في أن أخي المكرم بيتر، هو في الواقع أبعد ما يكون إنسان عن حقيقة التفوق، ومن ثم كان بعيدًا عن الحرية في تفكيره.
بيتر : يا حضرة الرئيس …!
هوفستاد : إذن فالرجال البارزون هم وحدهم أحرار الرأي في هذا القطر؟ إنك لتعلمنا الليلة شيئًا جديدًا (ضحك).
الدكتور : نعم. هذا جانب من استكشافي. وهناك جانب آخر هو أن سعة العقل عبارة تكاد تكون مرادفة للفضيلة. وهذا هو السبب في أنه لا وجه للعذر في أن تكتب جريدة «رسول الشعب» كل يوم وتعلن أن الجمهور والدهماء والغالبية المتراصة هي وحدها صاحبة العقول السمحة الواسعة مجال الفكر، وصاحبة الفضيلة معًا، وإن الرذيلة والفساد وكل نوع من أنواع النقص العقلي هي نتيجة التثقف، كما أن كل القاذورات الناشئة من حماماتنا نتيجة المدابغ القائمة في موليدال (ضجيج ومقاطعة، ولكن الدكتور ستوكمان يظل رابط الجأش فيبتسم ويستمر في كلامه مدفوعًا ببغيته) ومع ذلك فإن جريدة «رسول الشعب» نفسها لا تنقطع عن القول بضرورة ترقية العامة إلى مستوى حياة أرقى مما هي عليه. ولكن يا عجبي لهذا التناقض إذا أخذنا بما تقول به هذه الجريدة، لم يكن معنى هذه الترقية التي تريدها للعامة إلا تركها على الفور في طريق الفساد والشر. ولكن من حسن الحظ أن القول بأن الثقافة مفسدة ليس إلا أكذوبة قديمة؟ آمن بها آباؤنا وورثناها نحن عنهم، لا يا سادة إنما الجهل والفقر وقبح أحوال المعيشة هو الكفيل بأعمال الشيطان! البيت الذي لا يهوَّى ويكنس كل يوم — بل ترى كاترين زوجتي ضرورة مسح البلاط أيضًا، وإن كانت هذه مسألة للجدل — مثل ذلك البيت، أقول لكم، يفقد أهله في مدى سنتين أو ثلاث سنين، ما يكون لديهم من قوة التفكير أو السير الأدبي. قلة الأوكسيجين تضعف الضمير. ويخيل إلي أن كثيرًا من البيوت في هذه البلدة يعوزها الأوكسيجين إعوازًا بالغًا. وذلك حكمًا بما أوجسه من أن الغالبية المتراصة من فقدان الوعي بحيث تريد أن تبني مستقبل البلدة على أوحال الغش والأكاذيب.
أسلاكسن : لا نسمح بإلقاء مثل هذه التهم الخطيرة في وجه مجتمع من المواطنين.
مواطن أول : أقترح أن يأمر الرئيس الخطيب بالجلوس.
أصوات (مغضبة) : مرحى! مرحى! في محله! مره بالجلوس.
الدكتور (فاقدًا رباطة جأشه) : إذن فعلي أن أذهب وأعلن هذا الحق في كل طريق، سأكتبه في جرائد بلدان أخرى، وسيعلم القطر برمته ما هو جار هنا!
هوفستاد : يكاد يكون واضحًا أن الدكتور ستوكمان لا يبغي إلا خراب بلدتنا.
الدكتور : نعم إن لمسقط رأسي من الحب عندي ما أوثر معه خرابه بدلًا من أن أشيد سعادته على أكذوبة.
أسلاكسن : هذا كلام شديد (ضجيج ومواء، تسعل كاترين ولكن بغير جدوى ولا يعود زوجها يستمع لها).
هوفستاد (صائحًا فوق الرءوس) : لا شك في أن الرجل الذي يريد أن يخرب المجتمع برمته هو عدو للشعب.
الدكتور (بتحمس متزايد) : ماذا في هدم مجتمع من الخطورة إذا كان هذا المجتمع يعيش على الأكاذيب، الواجب أن يهدم حجرًا على حجر.
نعم. كل من يعيشون بالأكاذيب جديرون أن يبادوا كما تباد حشرات الأرض. سينتهي بكم الأمر إلى إيصال العدوى إلى القطر برمته، وستجلبون بعملكم على القطر سوءًا يستدعي أن يهدم كله، وإذا بلغت الأمور هذا المبلغ، فلا يسعني إلا أن أقول من صميم القلب دعوا القطر كله يفنى، ودعوا أولئك الناس جمعيهم يبيدون.
أصوات من الجمهور : هذا كلام يدل على أنه عدو للشعب.
بيلنج : ها! لقد صاح صائح الشعب، وحق كل ما هو مقدس.
الجمهور برمته (صائحًا) : نعم، نعم. إنه عدو للشعب، إنه يكره وطنه. يكره أهله أنفسهم.
أسلاكسن : بصفة كوني مواطنًا وفردًا من الأفراد، أشعر بقلق عظيم في نفسي إثر ما قدر لنا أن نستمع له. لقد تبدَّى الدكتور ستوكمان في لون ما كنت أتوهم أن أراه فيه، وأراني مضطرًّا مع مزيد الأسف، إلى إقرار الرأي الذي سمعته الآن من أقوال إخواني المواطنين الموقرين، ولذلك أقترح أن نعبر عن هذا الرأي في صورة قرار تصدره الهيئة، وأقترح أن يكون القرار بالنص الآتي:

يعلن المجتمعون هنا أنهم يعتبرون الدكتور ستوكمان مفتش صحة الحمامات عدوًّا للشعب.

(عاصفة من الاستحسان والتصفيق، ويحيط عدة من الناس بالدكتور ويصفرون في وجهه وتكون كاترين وبترا قد نهضتا، ومورتن وإيليف يتضاربان مع بعض التلاميذ الحاضرين من أجل هذا الصفير، ويفرقهم بعض كبار التلاميذ.)

الدكتور (للأفراد الذين يصفرون في وجهه) : أوه، إنكم مجانين، أقول لكم …
أسلاكسن (داقًّا جرسه) : لا نستطيع أن نستمع لك الآن يا دكتور. نحن على وشك أن نأخذ قرارًا رسميًّا، ولكن سيكون هذا القرار، رعيا لكرامتك، سرًّا بالكتابة لا علنًا بالشفاه. أعندك ورق يا سيد بيلنج؟
بيلنج : عندي النوعان، الأزرق والأبيض.
أسلاكسن (ذاهبًا إليه) : هذا يكفي الغرض على أتمه. سنسرع في عملنا بهذه الطريقة. قسمه قطعًا صغيرة. أجل هكذا (إلى الجمهور) الأزرق معناه لا، والأبيض معناه نعم، وسأمر أنا نفسي وأجمع الأوراق (يترك بيتر ستوكمان محل الاجتماع ويذهب أسلاكسن وواحد أو اثنان مطوفين في القاعة يتناولون قطع الورق المجموعة في قبعاتهم).
مواطن أول : قل لي! ماذا أصاب الدكتور؟ ما معنى هذا كله؟
هوفستاد : عجبًا، ألا ترى أنه صلب متهور؟
مواطن ثان (إلى بيلنج) : بيلنج، إنك تذهب إلى بيتهم كثيرًا ألم تلاحظ أنه يشرب الخمر؟
بيلنج : علي اللعنة إذا كنت أعرف ماذا أقول، كلما ذهبت وجدت على المائدة خمرًا.
مواطن ثالث : يخيل إلي أنه يفقد صوابه في بعض الأحيان.
مواطن أول : ترى هل يعرف في أسرته شيء من الجنون؟
بيلنج : لا أعجب أن يكون ذلك.
مواطن رابع : لا، لا يخرج الأمر عن حفيظة في قلبه على بعضهم لأمر ما؛ فهو يريد أن ينتقم لنفسه منه.
بيلنج : أجل، الواقع أنه اقترح زيادة مرتبه منذ عهد قريب ولم ينل هذه الزيادة.
المواطنون (معًا) : آه، إذن فمن السهل أن ندرك السبب.
الرجل السكران (وقد دخل مرة ثالثة بين الجمهور) : أريد ورقة زرقاء، أريد … وأريد ورقة بيضاء أيضًا.
أصوات : أهذا هو السكران مرة أخرى؟ أخرجوه.
مورتن كيل (ذاهبًا إلى الدكتور ستوكمان) : ها، أرأيت كيف أدت بك هذه الألاعيب القردية؟
الدكتور : لقد أديت واجبي.
مورتن كيل : ما هذا الذي قلته عن المدابغ القائمة في موليدال؟
الدكتور : لقد سمعتها بوضوح تام. قلت إنها مصدر جميع القاذورات.
مورتن كيل : ومدبغتي من بينها؟
الدكتور : مدبغتك لسوء الحظ أشدها أذى.
مورتن كيل : وهل في نيتك أن تنشر ذلك في الجرائد؟
الدكتور : لن أخفي شيئًا؟
مورتن كيل : قد يعود عليك من ذلك ضرر بالغ يا ستوكمان (يخرج).
رجل ضخم (ذاهبًا إلى القبطان هورستر بغير اعتداد بالسيدات) : أنت يا قبطان هورستر تعير منزلك لأعداء الشعب؟
هورستر : أظن أن لي الحق في أن أصنع بملكي ما أريد يا سيد ويك (Vik).
الرجل الضخم : إذن فلن يكون لك اعتراض على أن أصنع بملكي ما صنعت أنت.
هورستر : ماذا تعني بذلك يا سيدي؟
الرجل الضخم : ستسمع مني جواب ذلك في الصباح (يدور على عقبه وينصرف).
بترا : أليس هذا الرجل صاحب السفينة، يا قبطان هورستر؟
هورستر : أجل، هذا هو السيد ويك صاحب السفينة.
أسلاكسن (ومعه أوراق التصويت في يديه. يصعد المنصة ويدق جرسه) : أيها السادة اسمحوا لي بإعلان النتيجة، بأصوات جميع الحاضرين هنا ما عدا واحدًا.
أحد الشبان : هذا صوت الرجل السكران …
أسلاكسن : بأصوات جميع الحاضرين هنا ما عدا رجلا سكران يعلن هذا الاجتماع قراره بأن الدكتور توماس ستوكمان عدو للشعب (صياح وتصفيق) مرحى ثلاث مرات لمجتمعنا القديم الشريف (تصفيق مجدد) مرحى ثلاث مرات لعمدتنا النشيط الذي أخمد لولائه العميق صوت عواطف القرابة. (هتاف) انفض الاجتماع (ينزل).
بيلنج : مرحى ثلاث مرات للرئيس!
الجمهور برمته : مرحى ثلاث مرات لأسلاكسن.
الدكتور : قبعتي ومعطفي يا بترا، يا حضرة القبطان، هل عندك في السفينة مكان لراحلين إلى أرض الدنيا الجديدة.
هورستر : لك ولذويك نفسح المكان يا دكتور.
الدكتور (حين تساعده بترا على ارتداء معطفه) : حسن. تعالي يا كاترين. تعالوا يا أولاد.
كاترين (بصوت منخفض) : توماس عزيزي، دعنا نذهب من الطريق الخلفي.
الدكتور : لا ألجأ إلى الطرق الخلفية يا كاترين (رافعًا صوته) ستسمعون أكثر مما سمعتم عن عدو الشعب هذا، قبل أن ينفض تراب نعليه عليكم! لست عفوًا كبعض الأشخاص فلا أقول: إني أعفو عنكم، لأنكم لا تعرفون ما أنتم فاعلون.
أسلاكسن (صائحًا) : في هذه المقارنة تجديف يا دكتور ستوكمان.
بيلنج : إنها تجديف وربي! ومن الكفر أن يستمع لها رجل تقي …
صوت خشن : يتهددنا الآن هو! يتهددنا!
أصوات أخرى : هلم بنا نذهب ونكسر نوافذ بيته، ونغطه في الخليج.
صوت آخر : انفخ في البوق يا أيفنسون. بيب. بيب (نفخ في بوق، صفير، وصراخ عال، يخرج الدكتور ستوكمان من القاعة، ومعه عيلته وذلك بأن يفسح لهم هورستر الطريق).
الجمهور كله (صارخًا وراءهم وهم ذاهبون) : عدو الشعب، عدو الشعب!
بيلنج (وهو يجمع أوراقه) : عليَّ اللعنة إذا أنا ذهبت لأشرب التودي مع ستوكمان وعيلته الليلة.

(يتجمع الجمهور عند باب الخروج ويستمر الضجيج في الخارج، ويسمع صراخهم قائلين: عدو الشعب!)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١