الفصل الخامس عشر

بعد ليلةٍ بلا نومٍ حافلةٍ بالأحداث، ذهب تي إكس في صباح اليوم التالي ليقدِّم تقريره إلى رئيس الشرطة. كانت الصحف المسائية تعج بأخبار «حادث تشيلسي المثير»، ولكن المعلومات المتضمنة كانت شحيحة.

مع اختفاء فيشر، كان الكثير من التفاصيل التي كان من الممكن الحصول عليها بواسطة الصحفيين المغامرين غيرَ متاح. لم يكن ثمَّة أي إشارة إلى زيارة السيد جاذركول، ودفاعًا عن نفسها، لجأت الصحافة إلى تصريح، تسرَّب في وقتٍ سابق إلى الصحف في واحدة من تلك الفقرات الحافلة بالثرثرة التي تبدأ ﺑ «لقد رأيت صديقي كارا في جيروس» وتنتهي بملخَّص موجز ولكنه يفتقر إلى الدقة لهواياته. كانت الفقرة تشير في مضمونها إلى أن السيد كارا كان يخشى على حياته فترةً؛ نتيجةً لثأرٍ كان بينه وبين عائلةٍ ألبانية أخرى. لذا لم يكن مستغربًا أن تُوصف الجريمة في كل مكان ﺑ «جريمة القرن السياسية».

قال تي إكس لرئيسه: «حتى الآن لم أتمكَّن من العثور على جاذركول أو الخادم. الشيء الوحيد الذي نعرفه عن جاذركول أنه أرسل مقاله إلى جريدة «ذا تايمز» مرفقًا به بطاقته. لم يُدلِ الخَدَم العاملون في ناديه بأي معلوماتٍ ذاتِ قيمة عن مكانه. إنه رجل غريب الأطوار للغاية، لا يأتي إلا بين حين وآخر، والخادم الذي استجوبته يقول إنه كثيرًا ما يتصادف أن يصل جاذركول ويغادر دون أن يلاحظ أحد ذلك. ذهبنا إلى مسكنه القديم المستأجَر في لينكولنز إن، ولكن يبدو أنه قد باع ممتلكاته هناك قبل أن يرحل إلى براري باتاجونيا، وتنازل عن حيازته.

الدليل الوحيد الذي بين يدَيَّ هو أن رجلًا يطابق أوصافه إلى حدٍّ ما قد غادر إلى باريس على متن قطار الحادية عشرة الليلة الماضية.»

قال رئيس الشرطة: «بالطبع قابلت السكرتيرة.»

كان تي إكس يخشى هذا السؤال.

فأجاب باقتضاب: «رحلت هي الأخرى؛ بل إنها لم تُشاهد منذ الخامسة والنصف من مساء أمس.»

أسند السير جورج ظهره في مقعده وأخذ يجعِّد خصلات شعره الرمادي الكثيف.

ثم قال بسخرية لاذعة: «يبدو أن الشخص الوحيد الباقي هو كارا نفسه. هل تودُّ أن أكلِّف شخصًا آخر بهذه القضية — فهي ليست من اختصاصك بالمعنى الدقيق — أم ستواصل التحقيق فيها؟»

قال تي إكس بنبرةٍ جادة صارمة: «أفضِّل أن أواصل العمل بها يا سيدي.»

«هل اكتشفت أي شيء آخر بشأن كارا؟»

أومأ تي إكس إيجابًا.

ثم قال: «كل ما اكتشفته عنه مخزٍ وشائن إلى حدٍّ كبير.» وتابع: «يبدو أنه كان يتطلع لشغل منصب مهم للغاية في ألبانيا. وفي سبيل ذلك قدَّم رشاوى وتمويلات إلى مسئولين أتراك وألبان، وكان لديه قاعدة كبيرة إلى حدٍّ ما من الأنصار في ذلك البلد. لقد أخبرني بارثولوميو أن كارا قد جسَّ نبضه بشأن إمكانية اعتراف الحكومة البريطانية بالأمر الواقع في ألبانيا، وكان يحثُّه على استخدام نفوذه مع مجلس الوزراء للاعتراف بنتائج أي ثورة تندلع. لا شكَّ إطلاقًا في أن كارا كان العقل المدبِّر لكل الاغتيالات السياسية التي كانت سمةً مميزة في الأخبار القادمة من ألبانيا خلال العام الفائت. وجدنا أيضًا في المنزل مبالغَ ضخمة جدًّا من المال، ووثائق قمنا بتسليمها إلى وزارة الخارجية لحل شفرتها.»

فكَّر السير جورج فترةً طويلة.

ثم قال: «أنا واثق من أنك إذا عثرت على السكرتيرة، فستقطع نصف الطريق نحو حل اللغز.»

خرج تي إكس من المكتب في حالةٍ أبعدَ ما تكون عن الابتهاج. كان في طريقه لتناول الغداء حين تذكَّر وعدَه بزيارة جون لكسمان.

هل يمكن أن يقدِّم مفتاحًا من شأنه حل هذا الموقف المأساوي العسير؟ انحنى من مقعده بالخلف في السيارة الأجرة التي يستقلها وأعاد توجيه السائق. وتصادف أن توقَّف السائق أمام باب فندق جريت ميدلاند وقت خروج لكسمان منه.

قال تي إكس: «تعالَ وتناول معي الغداء.» وأضاف: «أظنك قد سمعت كل الأخبار.»

قال الآخر: «قرأت عن مقتل كارا، إن كان هذا ما تقصده.» ثم قال في اضطراب: «كانت مصادفة أن كنتُ أناقش الأمر الليلةَ الماضية في اللحظة نفسها التي رنَّ فيها جرس هاتفه، كنت أتمنى من الرب ألا تتورَّط في هذا الأمر.»

تساءل مفوَّض الشرطة المساعد في دهشة: «لماذا؟ وماذا تقصد ﺑ «أتورط في هذا الأمر»؟»

قال الآخر في كآبة: «في الواقع تمنيت ألا تكون موجودًا حين عُدت، لقد أردت أن أنتهي من هذا الأمر الحقير برمَّته دون أن أورِّط أصدقائي بأي صورة.»

ضحك الآخر وربَّت على كتفه قائلًا: «أعتقد أنك حساس أكثر مما ينبغي.» وأردف: «أريدك أن تفضي لي بهمومك، يا صديقي العزيز، وتخبرني بأي شيء يمكنك أن تخبرني به ومن شأنه أن يساعدني في استجلاء هذا اللغز.»

نظر جون لكسمان أمامه مباشرةً وعلى وجهه تقطيبة قلق.

ثم قال في هدوء: «أنا على استعداد لفعل أي شيء من أجلك، يا تي إكس، خاصة أنني أعرف ما أبديته من شهامةٍ تجاه جريس، ولكن لا أستطيع مساعدتك في هذا الأمر»، ثم صاح قائلًا: «لقد كرهت كارا حيًّا، وأكرهه وهو ميت»، وكان في صوته غضبٌ لا يخطئه أحد، ثم أضاف: «لقد كان أقذرَ مخلوق على وجه الأرض. ما من خسة بشعة ولا وحشية شنيعة إلا وتباهى بأن له يدًا فيها. إن كان للشيطان تجسيدٌ على الأرض، فقد اتخذ شكل رمينجتون كارا وهيئته. لقد مات مِيتةً أرحمَ مما يستحق بكل المقاييس. ولكن إذا كان هناك عدل، فسيعاني هذا الرجل في الجحيم بسبب جرائمه إلى الأبد.»

نظر تي إكس إليه في دهشة. وحبست الكراهيةُ البادية على وجه الرجل أنفاسه. فلم يرَ أو يختبر من قبل قط مثل هذه الكراهية العارمة المحتدمة.

سأله قائلًا: «ماذا فعل لك كارا؟»

نظر الآخر من النافذة.

ثم قال في نبرةٍ أقلَّ حدة: «آسف، فهذه نقطة ضعفي. يومًا ما سوف أخبرك بالقصة كاملة، ولكن في الوقت الحالي من الأفضل ألا تُروى. سوف أخبرك بشيء»، ثم التفت وواجه المحقِّق مباشرة وقال: «لقد قام كارا بتعذيب زوجتي وقتلها.»

لم يقل تي إكس أي شيء آخر.

في منتصف الغداء عاد بطريقٍ غيرِ مباشر إلى الموضوع.

سأله قائلًا: «هل تعرف جاذركول؟»

أومأ تي إكس إيجابًا.

«أظنك قد سألتني هذا السؤال من قبل، أو ربما كان شخصًا آخر. نعم، أعرفه، إنه رجل غريب الأطوار نوعًا ما ذو ذراع اصطناعية.»

قال تي إكس بتنهيدة خفيفة: «ذاك هو مَن أقصده، إنه واحد من القلائل ممن أرغب في مقابلتهم في التو واللحظة.»

«لماذا؟»

«لأنه يبدو أنه آخر شخص رأى كارا وهو لا يزال حيًّا.»

نظر جون لكسمان إلى الآخر بهزةٍ من كتفَيْه تنم عن نفاد صبره.

سأله قائلًا: «أنت لا تشكُّ في جاذركول، أليس كذلك؟»

قال الآخر بجفاء: «مطلقًا؛ فالرجل الذي ارتكب هذه الجريمة كان له يدان، وكان بحاجةٍ إلى كليهما. كلا، أنا فقط أريد أن أسأل ذلك السيد عن موضوعِ حديثهِ معه. وأريد أيضًا أن أعرف مَن كان بالغرفة مع كارا حين دخل جاذركول.»

قال جون لكسمان: «إممم.»

«حتى لو عرفتُ مَن يكون هذا الشخص الثالث، فما زلتُ في حيرةٍ بشأن الكيفية التي خرج بها وأحكم إغلاق المزلاج الثقيل خلفه.» ثم قال مداعبًا: «في الأيام الخوالي يا لكسمان، كنتَ ستُبدع قصةً بوليسيةً رائعةً من هذه الجريمة. كيف كنتَ ستجعل بطل قصتك يهرب؟»

فكَّر لكسمان وهلةً.

ثم سأله: «هل عاينت الخزنة؟»

قال الآخر: «نعم.»

«هل كان بها الكثير؟»

نظر إليه تي إكس في دهشة.

«لم يكن بها سوى الدفاتر والأشياء العادية المتعارف عليها. لماذا تسأل؟»

«لنفترض أن لتلك الخزنة بابَين؛ أحدهما خارج الغرفة والآخر في الداخل، هل سيكون من الممكن أن تمر عَبْر الخزنة وتهبِط من الحائط؟»

قال تي إكس: «فكَّرت في ذلك.»

قال لكسمان وهو يتكئ إلى الخلف ويعبث بملعقةٍ مخصصة للملح: «بالطبع عند كتابة قصة، حيث لا يتعامل المرء مع احتمالاتٍ قاطعة، بإمكان الكاتب دائمًا أن يجعل لكارا خزينةً بهذا الوصف كي يستطيع الهرب حال تعرُّضه لخطر. يمكنه أن يخزِّن بداخلها سلَّمًا من الحبل، ويفتح الباب الخلفي، ويلقي بسلَّمه هذا إلى صديقٍ وبتدبيرٍ ماكر يمكنه أن يفصل السلَّم ويسمح للباب بأن يغلق مجددًا.»

قال تي إكس: «فكرةٌ بارعة للغاية، ولكنها للأسف لا تجدي في هذه القضية. لقد رأيتُ تصميم هذه الخزنة ولا يوجد بها أي شيء غريب عدا أنها تُستخدم كما هي. هل يمكنك تقديم اقتراح آخر؟»

فكَّر جون لكسمان مجددًا.

ثم قال: «لن أقترح أبوابًا خفية، أو ألواحًا سرية، أو أي شيء سخيف من هذا القبيل، ولا نوابض خفية في الحائط تكشف عن سلالم سرية عند لمسها.»

وابتسم ابتسامةً خفيفة.

«لا بد أن أعترف أنني في بداياتي كنت حريصًا إلى حدٍّ ما على هذا النوع من الأشياء، ولكن الزمن جلب معه الخبرة، واكتشفت استحالة جلب مهندس معماري حسب هوى المرء حتى في مسألةٍ عادية كموقع حجرة لغسل الصحون. سيكون من الأصعب كثيرًا أن تقنعه بإنشاء منزل بجدران مزدوجة وغرف سرية.»

انتظر تي إكس في صبر.

قال لكسمان ببطء: «بالطبع يوجد احتمال أن يكون المزلاج الصلب قد رُفع بواسطة شخص من الخارج بأداة ممغنطة بارعة، وأُنزِل بطريقة مماثلة.»

قال تي إكس منتشيًا: «فكَّرت في ذلك، وأجريت أعقد الاختبارات هذا الصباح فقط. من المستحيل تمامًا رفع المزلاج الفولاذي؛ لأنه بمجرد أن يهبِط لا يمكن رفعه مرة أخرى إلا بواسطة المقبض؛ إذ يؤدي جذبه إلى تحرير السقاطة التي تحكم القبض على المتراس في مكانه. اقترح واحدًا آخر، يا جون.»

رمى جون لكسمان رأسه إلى الخلف وهو يضحك ضحكةً هادئة.

ثم قال: «لستُ أفهم لماذا يجب أن أساعدك في كشف قاتل كارا، ولكن سأقدِّم لك نظريةً أخرى، وفي الوقت نفسه أحذِّرك من أنني قد أجعلك تحيد عن المسار الصحيح. فالرب يعلم أن لديَّ دوافعَ أكثرَ من أي شخص في العالم لقتل كارا.»

فكَّر بعض الوقت.

ثم قال: «بالطبع كانت المدخنة مستحيلة؟»

قال تي إكس موضحًا: «كان هناك نيران كبيرة مشتعلة في المدفأة، وكانت ضخمة للغاية في الواقع لدرجةِ أن جوَّ الغرفة كان خانقًا.»

أومأ جون لكسمان.

ثم قال: «تلك كانت عادة كارا، وفي الواقع أعرف أن اقتراح المغنطة في المتراس الفولاذي كان مستحيلًا؛ لأنني كنت على علاقة طيبة بكارا عند تركيب ذلك المتراس وأعرف جيدًا آليته، مع أنني لا أتذكرها في الوقت الحالي. ما نظريتك، بالمناسبة؟»

زمَّ تي إكس شفتيه.

ثم قال بحذر: «نظريتي لم تتشكَّل بوضوحٍ بعد، ولكن بحسب ما توصلتُ إليه حتى الآن، أتخيَّل أن كارا كان مستلقيًا على السرير، وعلى الأرجح كان يقرأ واحدًا من الكتب التي عُثر عليها بجوار السرير حين انقض عليه قاتله فجأة. أمسك كارا بالهاتف لطلب النجدة، وقُتل في الحال.»

ساد الصمت بينهما مجددًا.

قال جون لكسمان بتروِّيه الغريبِ في الحديث: «هذه نظرية، ولكنني أرفض القطع بشيء، كما قلت، هل عثرتَ على سلاح الجريمة؟»

هزَّ تي إكس رأسه نافيًا.

«هل كان في الغرفة أيُّ ملامحَ غريبةٍ أثارت دهشتك ولم تخبرني بها؟»

تردَّد تي إكس.

ثم قال: «كانت توجد شمعتان، واحدة في منتصف الغرفة والأخرى تحت السرير. الشمعة التي كانت في المنتصف كانت شمعةَ عيد ميلاد صغيرة، والأخرى التي كانت تحت السرير كانت شمعةً تجاريةً عادية، من الواضح أنها قد قُطعت بلا إتقان والأرجح أنها قد قُطعت في الغرفة. فقد وجدنا آثارًا لقِطع شمع على الأرض ويبدو لي أن القطعة التي جُزَّت أُلقيت في النار؛ إذ وجدنا فيها أثرًا لشحم.»

أومأ لكسمان.

سأله: «هل يوجد شيء آخر؟»

«كانت الشمعة الأصغر حجمًا ملتويةً وتتخذ شكلَ مثقابٍ إلى حدٍّ ما.»

فكَّر جون لكسمان ثم قال: ««دليل الشمعة الملتوية»، ذاك عنوان رائع؛ لقد كان كارا يكره الشموع.»

«لماذا؟»

أسند لكسمان ظهره في مقعده، والتقط سيجارةً من علبة فضية.

ثم قال: «خلال جولاتي ذهبت إلى أماكنَ غريبةٍ عديدة. وقد ذهبت إلى البلد الذي ربما لا تعرفه، والذي نادرًا ما يزوره الرحَّالة الذي يؤلِّف كتبًا عن البلاد. توجد قرًى صغيرة غريبة تقع على النتوءات الصخرية لأكثر التلال التي رأيتها على الإطلاق كآبة ووحشة. عشت مع مجتمعات لا تعترف بملِك ولا بحكومة. فلهذه المجتمعات قوانينُها المتوارثة من الأب إلى الابن، وهي أمَّة بلا لغةٍ مكتوبة. ولكنهم يطبِّقون قوانينهم بكل حسم وصرامة. والعقوبات التي يطبقونها قاسية … بل غير آدمية. لقد رأيت المرأة التي تمارس الفجور تُرجم حتى الموت كما في أفضل التعاليم الإنجيلية، ورأيت السارق يُعمى.»

ارتجفت أوصال تي إكس.

«ورأيت شاهد الزور يقف في سوقٍ بربرية بينما لسانه يُقطَع منه. وفي بعض الأحيان كان الأتراك أو حكومات البلاد المختلطة يرسلون بعض رجال الدَّرك ويجرِّبون نوعًا من الإدارة المشتتة للبلاد. وغالبًا ما كان ينتهي الأمر بسقوط الممثل القانوني للحكومة في بئرِ البربرية، أو الاختفاء من على وجه الأرض، مع وجود جمْع كامل من القَتَلة على أتم الاستعداد للشهادة، بإجماعٍ فريدٍ من نوعه، بأنه إما انتحر، وإما هرب مع زوجة أحد رجال البلاد.

في بعض هذه المجتمعات تلعب الشمعة دورًا كبيرًا. إنها ليست الشمعة التجارية كما تعرفها؛ بل شمعة مصنوعة من دهن الشاه. إنهم يقومون بربط ثلاث شموع بين أصابع يدك مع تثبيت اليد بإحكام بواسطة قطعتين مسطحتين من الخشب، ثم تُشعل الشموع وتتضاءل وتتضاءل … هل تتخيَّل ذلك؟ أو تُوضع شمعةٌ في خيطٍ من البارود ثم يُمد هذا الخيط إلى كومةٍ من البرادة الممزوجة جيدًا بالزيت المكدسة بعنايةٍ وتروٍّ حول قدميك الحافيتين. أو تُثبَّت شمعةٌ برأس رجل حليق … توجد مئات الطُّرق تلعب الشمعةُ دورًا فيها جميعًا. لا أعرف أيها أكثر بغضًا لدى كارا، ولكن أعرف أنه قد استخدم طريقة أو اثنتين.»

تساءل تي إكس: «أكان بهذه البشاعة؟»

ضحك جون لكسمان.

ثم قال: «أنت لا تعلم كم كان بشعًا.»

قُرْب انتهاء الغداء أحضر النادل رسالةً إلى تي إكس أُرسلت من مكتبه.

عزيزي السيد ميرديث

ردًّا على سؤالك، أعتقد أن ابنتي في لندن، ولكني حقًّا لم أعرف بهذا حتى هذا الصباح. أبلغني مدير البنك الخاص بي أن ابنتي جاءت إلى البنك هذا الصباح وسحبت مبلغًا كبيرًا من المال من حسابها الخاص ولكن لا أعرف أين ذهبت وماذا ستفعل بالمال. لستُ بحاجة لأن أخبرك بأنني في غاية القلق بشأن هذا الأمر وسأكون سعيدًا إذا استطعت أن توضِّح لي الأمر برمَّته.

ويليام بارثولوميو

تأوَّه تي إكس.

ثم قال: «فقط لو كنت قد تنبَّهت للذهاب إلى البنك هذا الصباح، لكنت رأيتها.» وتابع: «سوف أفقد عملي بسبب هذا الأمر.»

بدا الآخر مضطربًا.

«أنت لا تعني ذلك حقًّا.»

ابتسم تي إكس قائلًا: «ليس بالضبط، ولكن لا أعتقد أن الرئيس سعيدٌ بي بشدة الآن. أنت تعرف أنني قد تدخلت عَنوةً في هذا الأمر دون أي سلطة تخوِّل لي ذلك؛ فهو ليس من اختصاص إدارتي. ولكنك لم تُدلِ لي بنظريتك بشأن الشموع.»

قال الآخر وهو يطوي منديل المائدة الخاص به: «ليس لديَّ نظرية لأعرضها؛ فالشموع تشير إلى جريمةٍ من الطراز الألباني التقليدي. لا أقول إنها كانت كذلك، فقط أقول إن وجودها يوحي بجريمةٍ من هذا النوع.»

اضطُرَّ تي إكس للاكتفاء بذلك.

إذ لم يكن من شأنه أن يشغل نفسه بجريمةٍ عادية — وإن كان مثل هذا الوصف لا يلائم هذه الجريمة — فقد كان جزءًا من المهام الخاصة المنوطة بها إدارته أن تعيد إلى الليدي بارثولوميو علبة سعوط متقنة الصنع للغاية كان قد وجدها في الخزنة.

كان قد عُثِر على خطاباتٍ ضمن أوراق كارا أوضحت الدور الذي لعبه. وعلى الرغم من أنه لم يكن مبتزًّا عاديًّا، فقد احتفظ تحت يده بتلك العلبة المملوكة لليدي بارثولوميو، وبأغراضٍ أخرى كذلك عُثر عليها، ولم يكن هدفه من ذلك، حسبما بدا، سوى إرغام أشخاص بأعينهم من المحتمل أن يكونوا عونًا له في خططه لاستغلال نفوذهم لصالحه.

لم تُسفِر جلسةُ التحقيق في أسباب وفاة القتيل والتي حضرها مفوَّض الشرطة المساعد عن أي شيء يرقى إلى مستوى الأدلة، ولم يكن متوقَّعًا أن يُصدِر قاضي التحقيق قرارًا سوى «قيد الجريمة ضد شخص أو أشخاص مجهولين.»

أمضى تي إكس أسبوعًا حافلًا ومرهقًا للغاية في تعقُّب أدلةٍ محيرة لم تَقُده إلى أي شيء. وتلقَّى من جون لكسمان خطابًا يخبره فيه بأنه قد عزم على الرحيل إلى الولايات المتحدة. فقد تلقَّى عرضًا جيدًا جدًّا من شركةٍ لنشر المجلات في نيويورك وسوف يذهب من أجل قبول العرض.

كانت خطط ميرديث في هذا الوقت قد اتخذت شكلًا معقولًا. فاستقر على المسار الذي سيتحرك فيه وفي سبيل هذا التقى برئيس الشرطة ووزير العدل.

قال ذلك الرجل العظيم في اضطراب: «أجل، لقد راسلتني ابنتي، وقد وضعتني حقًّا في موقفٍ حرجٍ إلى أقصى الحدود. لا يمكنني أن أخبرك بالضبط يا سيد ميرديث كيف فعلت هذا، ولكن يمكنني أن أؤكد لك أنها قد فعلته.»

سأله تي إكس: «هل بوسعي الاطلاع على الرسالة أو البرقية التي أرسلتها؟»

قال الآخر بجدية: «أخشى أن ذلك مستحيل؛ لقد توسَّلت إليَّ أن أحيط رسالتها بالسرية التامة. لقد أرسلتُ إلى زوجتي وطلبت منها أن تعود. أشعر أن التوتر المستمر الذي أتعرض له أكبرُ مما يستطيع بشرٌ أن يتحمله.»

قال تي إكس في صبر: «أظن أن من المستحيل أن تخبرني بالعنوان الذي أرسلت عليه الرد، أليس كذلك؟»

أجاب الآخر: «لم أرسل إلى أي عنوان»، ثم صحَّح كلامه سريعًا وقال: «أعني أنني تلقيت البرقية … أقصد الرسالة هذا الصباح ولم يكن بها عنوان … كي أرسل الرد عليه.»

قال تي إكس: «فهمت.»

في عصر ذلك اليوم أصدر تعليمات إلى سكرتيرته.

وقال: «أريد نسخة من كل الإعلانات الشخصية المنشورة في صحف الغد وفي الطبعات الأخيرة من الصحف المسائية، وأريدها جاهزة لي غدًا عند وصولي صباحًا.»

كانت الإعلانات في انتظاره حين وصل إلى المكتب في التاسعة صباحًا من اليوم التالي، وأخذ يتصفَّحها بعناية. وبعد قليل وجد الرسالة التي كان يبحث عنها.

«بي إم. إنك تضعينني في موقف حرج. منتهى الطيش والرعونة. تلقيت طردًا أُرسل على عنوان والدتك وضعته في حجرةِ جلوسها. لا أفهم لماذا تريدين مني الرحيل في عطلة نهاية الأسبوع وإعطاء الخَدَم إجازة ولكني فعلتُ. أنا بحاجةٍ إلى توضيحٍ كاملٍ ووافٍ. لقد جاوز الأمر المدى. والدك.»

قال تي إكس مبتهجًا، وهو يقرأ الإعلان: «هذه هي البداية التي ينبغي أن أنطلق منها.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١