الفصل الأول

(١) مَلِكُ الْجيادِ

لمْ تَشْهَدْ بِلادُ الْهِنْدِ مَلِكًا ذاعَ صِيتُهُ، واسْتَفَاضَتْ شُهْرَتُهُ — بَيْنَ مُلُوكِ عَصْرِهِ — فِي تَرْوِيضِ الْخَيْلِ الْجامِحَةِ (الْعاصِيَةِ)، كهذا الْمَلِكِ الْجَبِّارِ الَّذِي تُحَدِّثُكَ هذِهِ الْقِصَّةُ بِهِ. فقَدْ أَحَبَّ الْخَيْلَ — مُنْذُ نَشْأَتِهِ — حُبَّا جَمَّا، وَلَمْ يَدَّخِرْ فِي سَبِيلِ اقْتِنَاءِ كَرائِمِ الْجِيادِ شَيْئًا مِنْ جُهْدِه ومالِهِ وتَفْكيِرهِ.

وقَدْ هابَتْهُ الْخَيْلُ (خافَتْهُ)، فَكانَ يُلْجِمُها بِيَدِهِ، ثُمَّ يَعْتَلِي صَهْوَتَها (ظَهْرَها) في مِثْلِ لَمْحِ الْبَصَرِ، وَيُسَابِقُ الرِّيحَ بِها، فلا يَلْحَقُ بِهِ لَاحِقٌ. فَلا عَجَبَ إِذَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ — في جميِع أَرْجاءِ الْهِنْدِ — لَقَبَ: «مَلِك الْجِيادِ»؛ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ لَهُ أَعْدَاؤُهُ — قَبْلَ أَصْدِقائِهِ — أَنَّهُ سَيِّدُ الْفُرْسانِ، ونادِرةُ الشُّجْعانِ.

(٢) حُزْنُ الْمَلكِ

وَكانَتْ أَحْكامُ هذا الْمَلكِ نافِذَةً علَى إِقْلِيمٍ كَبيرٍ، مِنْ أَقاليمِ الْهِنْدِ الْغَنِيِّةِ الْواسِعَةِ. وَقَدْ حَباهُ اللّهُ (أَعْطاهُ) — إلى ثَرْوَتِهِ الْعَظِيمَةِ — زَوْجَةً جَمِيلةً كرِيمَةً عَاقِلَةً. ولَمْ يَكُنْ — عَلَى هذا كُلِّهِ — هانِئَ الْبالِ، ولمْ يَذُقْ لِلسَّعادَةِ طَعْمًا فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْزَقْ وَلَدًا يَرِثُ مُلْكَهُ مِنْ بَعْدِهِ

وَقَدْ حَزِنَ الشَّعْبُ لِحُزْنِ مَلِيكِه، وشارَكهُ فِي دُعائِهِ وَصَلاتِهِ الَّتِي كان يُقِيمُها — كلَّ يَوْمٍ — ضارِعًا إلى اللَّه أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَدًا صالِحًا يَخْلُفُهُ عَلَى عَرْشِهِ.

(٣) نَصيحة «نارادا»

وَلَمَّا نَفِدَ صَبْرُهُ لَجَأَ إلَى وَزِيرِهِ الْحَكِيمِ: «نارادا»، أكْبَرِ فلاسِفَةِ الْهِنْدِ فِي عَصْرِهِ؛ فَبَثَّهُ شِكايتَهُ قائِلًا: «لَقَدْ تَزَوَّجْتُ — كما تَعْلَمُ — مُنْذُ سَنَوَاتٍ خَمْسٍ. وَلَكِنِّي حُرِمْتُ النَّسْلَ، عَلَى حاجَتِي إِلَيْهِ.

وقَدْ دَعَوْتُ اللَّهَ مِرارًا وتَكْرارًا أَنْ يَرْزُقَنِي خَلِيفَةً لِي مِنْ بَعْدِي، فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِدُعائِي. فَكَيْفَ أَبْلُغُ هذهِ الْغايَةَ؟»

فقال لهُ الْفَيْلَسُوفُ الْحَكِيمُ: «إنَّ دُعاءَكَ لا يُسْتَجابُ، إِلَّا إِذا شَفَعْتَهُ بِأَثَرٍ نافعٍ، مِنَ الْآثارِ الْباقِيَةِ الَّتِي يَذْكُرُكَ بِها النَّاسُ، فِي حَياتِكَ، وبَعْدَ مَوْتِك.

والرَّأْيُ عِنْدِي أنْ تَبْنِيَ مَعْبَدًا كَبِيرًا، تَتَقَرَّبُ بهِ إلَى اللهِ، لِيَسْتَجِيبَ دَعْوَتَكَ، وَيُحقِّقَ طِلْبَتَكَ.»

(٤) المَعْبَدُ الكبيرُ

فابتَهَجَ «مَلِكُ الْجِيادِ» لِهذِهِ الْفِكْرَةِ الْجَمِيلَةِ، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ؛ فَأَسْرَعَ إلَى تَلْبِيِتَهِ اثْنا عَشَرَ عَبْدًا مِنْ أَرِقَّائِهِ، وَخَرُّوا أمامَهُ — إلَى الْأَرْضِ — راكِعينَ، لِيَتَلَقَّوْا أوامِرَهُ. فَقالَ لَهُمْ: «أَحْضِرُوا أَبْرَعُ الْمُهَنْدِسِينَ، وَأَمْهَرَ الْصُّنَّاعِ.»

فَلمَّا حَضَرُوا إِلَيْهِ أَمَرَهُمْ بِتَشْيِيدِ مَعْبَدٍ عَظِيمٍ، يَزِيدُ ارْتِفاعُهُ عَلَى ثَلاثِ نَخَلاتٍ طَوِيلَاتٍ، وَأَنْ يَتَفَنَّنُوا فِي نَقْشِهِ بالذَّهَبِ — مِنَ الدَّاخِلِ والْخارِجِ — وَأَنْ يَجْلُبُوا لَهُ مِنَ الرُّخامِ الأَبْيَضِ النَّاصِعِ أَغْلَاهُ، ويُزَيِّنُوا سُقُوفَهُ وبُروجَهُ وَأقْبِيَتَهُ — الَّتي لَا تُحْصَى — بِأَنْفَس الرَّوائعِ الْفنِّيِّةِ؛ حَتَّى يُصْبِحَ أجْمَلَ مَعْبَدٍ فِي الْعالَمِ كلِّهِ، لا فِي الْهِنْدِ وَحْدَهَا.

وَأَمَرَ حَكِيمَهُ «نارادا» أَنْ يُشْرِفَ عَلَى تَشْيِيدِ هذا الْمَعْبَدِ الْكَبِيرِ؛ فَأجابَهُ بالسَّمْعِ والطَّاعَةِ.

(٥) الْمَعْبَدُ وحَدِيقَتُهُ

وَمَرَّتْ أَشْهُرٌ قَلائِلُ، تَمَّ بَعْدَها بِناءُ الْمَعْبَدِ، وارْتَفَعَتْ مَنارَاتُهُ وبُرُوجُهُ عالِيَةً، ذاهِبَةً فِي الْجَوِّ. وَقَدِ اكْتَنَفَتْهُ (أحاطَتْ بهِ) حَديقَةٌ حالِيَةٌ بِأَبْدَعِ الْأَزْهارِ، حافِلةٌ بِمُخْتَلِفِ الْأَشْجارِ، مُحَمَّلَةٌ بِلَذائِذِ الثِّمارِ. وَقَدْ جُلِبَ إلى تِلْكَ الرَّوْضَةِ الْغَنَّاءِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْشابِ النَّافِعَةِ؛ تُسْتَخْرَجُ مِنْها الْعَقاقِيرُ الطِّبِّيَّةُ، وَالْأَدْوِيَةُ النَّباتيَّةُ النَّادِرَةُ، الَّتي تَشْفِي الْمَرْضَى مِنَ الدَّاءِ العُضالِ (الْمَرَضِ الَّذِي يَعْجِزُ الْأَطِبَّاءُ عَنْ مُدَاواتِهِ).

وَقَدْ بَنَتِ الطُّيورُ عِشَاشَهَا فِي أَعالِي الشَّجَرِ، وَرَتَّلَتْ أَلْحانَها الْبَدِيعَةَ عَلَى أَغصَانِه، فَمَلأَتْ نُفُوسَ زائِرِيها بَهْجَةً وَحُبورًا.

(٦) في عالَمِ الأَحْلامِ

وواظبَ «مَلِكُ الْجِيادِ» عَلَى زِيارَةِ هذا الْمَعْبَدِ ثَمانيَةَ عَشَرَ عامًا كامِلَةً، لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ — فِي أَثْنائِهَا — يَوْمًا واحِدًا، وَلَمْ يَكْفَّ عَنِ الدُّعاءِ: أَنْ يَمْنَحَهُ اللَّهُ وَلَدًا يَرِثُ مُلْكَهُ مِن بَعْدِهِ، حَتَّى فَقَدَ الْأَمَلَ فِي اسْتِجابَةِ دُعائِهِ، أوْ كَادَ.

وَذاتَ لَيْلَةٍ رَأَى — في مَنامِهِ — نُورًا يَنْبَعِثُ مِنَ الْمَعْبَدِ الَّذِي شَيَّدَهُ، فَلمَّا داناهُ رَأَى نارًا مُشْتَعِلَةً، وشَبَحًا يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ لَهيبِها المُنْدَلِعِ. وَسَمِعَ صَوْتًا عَذْبًا يُكَلِّمُهُ، فَخيِّلَ إلَيهِ أَنَّ مَلَكًا كَريمًا هَبَطَ عَلَيْهِ مِنَ السَّماءِ فَمَلأَ الْمَعْبَدَ الْكَبِيرَ ضَوءًا وَهَّاجًا.

ورَأَى فَتاةً ملَائِكِيَّةَ الْمَنْظَرِ والصَّوْتِ، وسَمِعَها تَقُولُ لَهُ: «لا شَكَّ فِي أنَّكَ تَعْرِفُني، فَأَنا «سَڨِتْرِي»: زَوْجَةُ «بَرَهْما». وقَدْ جِئْتُ لِأُبَشِّرَكَ بِبِنْتٍ سَتَلِدُها زَوْجُكَ، فَتَمْلأُ عَلَيْكما الدُّنْيا بهْجَةً وسُرُورًا.

ويَجِبُ أَنِّ تُسَمِّيَها بِاسْمِي، وتُطْلِقَ عَلَيْها لَقَبَ بِنْتِ السَّماءِ.»

ثُمُّ اسْتَخْفَى الشَّبَحُ، وأُطْفِئَتِ النَّارُ، وتَجَمَّعَ رَمادُها فِي صُورَةِ طِفْلٍ صَغِيرٍ.

(٧) بِنْتُ السَّماءِ

فاسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ مَسْرُورًا، ودَعا إِلَيْهِ الْحَكِيمَ «نارادا»، وَقَصَّ عَلَيْهِ رُؤْياهُ؛ فَبَشَّرَهُ بِأَنَّهُ سَيُنْجِبُ فَتاةً، لا نَظِيرَ لَها فِي عالَمَيِ الْإِنْسِ والْجِنِّ، وأنَّها سَتَأْتي بِالْأَعاجِيبِ.

وبَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ اسْتَوْلَتِ الْبَهْجَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ فِى الْقَصْرِ الْمَلَكِيِّ، وَشَارَكَهُمُ الشَّعْبُ فِي سُرُورَهِمْ بِتِلْكِ الْمَوْلُودَةِ السَّعِيدَةِ. وكانَ شَعْرُها فِي مِثْل لَوْنِ الشَّمْسِ، وعَيْناهَا يَنْبَعِثُ مِنْهُما نُورٌ عَجِيبٌ.

وَقَدْ أَيْقَنَ أَبَوَاهَا وَأَهْلُهَا ورِجالُ الْقَصْرِ، أَنَّ هذِهِ الطِّفْلَةَ لَيْسَتْ مِنْ بَناتِ الْإِنْسِ. فَلا عَجَبَ إذا وَجَدُوا أَنَّ لَقَبَ «بِنْتَ السَّمَاءِ» لائِقٌ بِها.

(٨) مُعَدَّاتُ السَّفَرِ

وَتَوالَتِ الْأَعْوامُ، وانْتَقَلَتْ «سَڨِتْرِي» — بِنتُ السَّماءِ — مِنَ الطُّفُولَةِ إلَى الصِّبا، وبَرَعَتْ فِي الْعُلُومِ والْفُنُونِ، ولا سِيَّما فُنونُ السِّحْرِ، حَتَّى فاقَتِ الْحَكِيمَ «نارادا» في تَعَرُّفِ أَسْرارِ النُّفُوسِ. لِهَذَا رأَى وَالِدُها أَنْ يَعْهَدَ إِليْها بأَنْ تَخْتارَ زَوْجَها — كَما تَشاءُ — مِنْ بَيْنِ الْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالنُّبَلاءِ. فَأَعَدَّتْ عُدَّتَها — تَلْبِيَةً لِأَمْرِهِ — لِسَفَرٍ طَوِيلٍ. وَاخْتارَتْ أَرْبَعًا مِنْ وُصَائِفِها (جَوارِيها) الَّلائِي وَثِقَتْ بِهِنَّ، وَأَمَرتْهُنَّ أَنْ يُعْدِدْنَ لَها مَرْكَبَةَ السَّفَرِ، وَيَشْدُدْنَ إِليها الثَّوْرَيْنِ الْأَبْيَضَيْنِ، وَيُحَلِّينَها بالْفُرُشِ وَالْأَسْتارِ الْمُوَشَّحَةِ بِنَفائِسِ الْحُلِيِّ.

(٩) غابَةُ النُّسَّاكِ

ولَمَّا تَمَّتْ مُعَدَّاتُ السَّفَرِ وَدَّعَتْ أَباها، وَأَمَرَتْ سَائِقي الْمَرْكَبَةِ أَنْ يَذهَبُوا بِها إلَى غَابَةِ النُّسَّاك — وهِيَ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ مِنْ مَمْلَكَةِ أبيها — حَيْثُ يَقْضِي كَثيرٌ مِنَ الزَّاهِدين أَوْقاتَهُمْ فِي الْعِبادَةِ وَالصَّلاةِ وَالصَّوْمِ، وَمَا إلى ذلِكَ مِنْ صالِحِ الأَعْمالِ، بَعِيدِينَ عَنْ مَفَاسِدِ الْحَياةِ وَشُرُورِ النَّاسِ.

وَقَدِ اعْتَزَمَتْ «سَڨِتْرِي» أَنْ تَخْتارَ زَوْجَها مِنْ بَيْنِ هؤُلاءِ النُّسَّاكِ الزَّاهِدينَ، وَفَضَّلَتْهُمْ عَلَى الأُمَراء وَالنُّبَلاءِ — مِنْ أَصْدِقاء أَبيها — الطَّامِعِينَ فِيما لَها مِنْ ثَرْوَةٍ وَجاهٍ.

•••

وَبَعْدَ سَفَرٍ طَوِيلٍ اقْتَرَبَ مَوْكِبُها مِنْ غابَةِ النُّسَّاكِ. وحِينَئِذٍ نَزَلَتْ «سَڨِتْرِي» وَوَصِيفاتُها الْأَرْبَعُ مِنَ الْمَرْكبَة الْمَلَكِيَّةِ.

(١٠) النَّاسِكُ الضَّرِيرُ

واقْتَرَبْنَ خَاشِعاتٍ مِنْ أَحَدٍ مَعَابِدِهَا — وقَدْ بُنِيَ إلَى جانبِه كُوخٌ مِنْ غُصُونِ الشَّجَرِ وَأَوْراقِها — فَرَأَيْنَ شَيْخًا طاعِنًا في السِّنِّ، جالسًا في الْكُوخِ؛ فَتَحَدَّثْنَ إِلَيْهِ قَلِيلًا، ثُمَّ تَرَكْنَهُ إِلَى غَيْرِهِ منَ النُّسَّاكِ والزَّاهِدِين. وَما زِلْنَ يَتَحَدَّثْنَ إلى شُيوخِ الْغابَةِ، وَاحدًا بَعْدَ واحِدٍ — وكانُوا جَمِيعًا مِمَّنْ عَلَتْ بِهِمُ السِّنُّ — حَتَّى بَلَغْنَ صَوْمَعَةً أَكْبَرَ قَلِيلًا مِمَّا رَأَيْنَهُ فِي تِلْكَ الْغابَةِ مِنْ صَوامِعَ وَأَكْواخٍ، وَرَأَيْنَ شيخًا كَفِيفَ الْبَصَرِ، مَهِيبَ الطَّلْعةِ. فَما إِنْ رَأَتْهُ الْأَمِيرَةُ «سَڨِتْرِي»، حَتَّى عَرفَتْ أَنَّهُ شَيْخ الْغابَةِ الَّذِي حَدَّثَها النُّسَّاكُ بِقصَّتِهِ الْعَجِيبَةِ:

كانَ مَلِكًا، ثُمَّ كُفَّ بَصَرُهُ وَائْتَمَرَ بِهِ عُصْبَةٌ مِنَ الْغادِرِينَ، فَطَرَدُوهُ مِنْ مُلْكِهِ شَرَّ طَرْدَةٍ، وَهَدَّدُوه — إذا عَادَ إلَى مَمْلَكَتِه، هُوَ أَوْ أَحَدُ أَتْباعِه — بالْقَتْل.

(١١) النَّشِيدُ الْهِنْدِيُّ

فَوَقَفَتِ الْأَمِيرَةُ مُفَكِّرةً فِي قِصَّةِ هذا الشَّيْخِ الْمَكْفُوفِ، تُقابِلُ بَيْنَ حالَيْهِ — فِي قُوَّتِه وَضَعْفِهِ، وَفِي مُلْكِهِ وَصَعْلَكَتِهِ، وَفِي غِنَاهُ وَفَقْرِهِ — وتَرَى جَلالَ الْمُلْكِ وَهَيْبَةَ السُّلْطانِ لَمْ يفارِقاهُ لَحْظَةً وَاحِدَةً، برَغْمِ ما عَرَضَ لَهُ مِنَ الْأَحْدَاثِ والْمَصَائِبِ الْجِسامِ.

وَبيْنما هِيَ مُسْتَغْرِقَةٌ في تَأَمُّلاتِهَا، أَبْصَرَتْ فَارِسًا تَنْبَعِثُ الشَّجاعةُ مِنْ بَرِيقِ عَيْنَيْهِ، وَسَمِعَتْهُ يُغَنِّي — وهُوَ سائِرٌ فِي طَرِيقِهِ — أُنْشُودَةً هِنْدِيَّةً، رائِعَةَ الْمَعْنَى، بديعَةَ التَّلْحِينِ.

فَأَنْصَتَتْ إِلَى نَشِيدِهِ، فَسَمِعَتْهُ يقُولُ:

«نَفْسِيَ تُبْدِي — في الْخَطْبِ — قُوَّتَها
ولِلرَّدَى تُعْلِنُ ابْتِسَامَتَها
والشَّمْسُ لا أَتَّقِي أَشِعَّتَها
وليْسَ يَخْشَى وَجْهِي حَرارَتَها
وَلا أُبالِي — فِي الصَّيْفِ — لَفحَتَها
تَقُولُ نَفْسِي وَالْحَرُّ يَسْتَعِرُ:
«الْفَوْزُ لِلْعامِلِينَ إنْ صَبَرُوا
وَبَعْدَ حِينٍ سَيَطْلُعُ الْقَمَرُ
وَثَمَّ يَخْلُو — في ضَوْئِهِ — السَّمَرُ
والصَّبْرُ يُدْنِي لِلنَّفْسِ غايتَهَا.»

(١٢) ابْنُ النَّاسِكِ

فَقالَتِ الْأَمِيرَةُ في نَفْسِها: «إنِّهُ يَرْتدِي ثَوْبَ زارِعٍ وصُعْلوكٍ، وَيَجْلِسُ عَلَى ظَهْرِ جَوادِهِ جِلْسَةَ الْأُمَراءِ والْمُلوكِ، وَيُغَنِّي غِناءَ الْمُوسِيقِيِّ الْألْمَعِيِّ، وَيُبْدِعُ — فِي نَشِيدِه — إِبْدَاعَ الشَّاعِرِ الْعَبْقَرِيِّ!»

وَلَمَّا تَبَيَّنَتْ وَجْهَهُ جَلِيًّا ضَحِكَتْ مَسْرُورَةً مُبْتَهِجَةً؛ لِأَنَّها عَرَفَتْ — بِما تَمَيَّزَتْ بِهِ مِنْ صِدْقِ فِرَاسَتِها — أَنِّها قَدِ اهْتَدَتْ إلى الرَّجُلِ الْمُهَذَّبِ الْكامِلِ، الَّذِي كانَتْ فُنُونُ سِحْرِها تُحَدِّثُها بهِ، وتَمْتَدِحُهُ لَها.

وَلَمَّا بَلَغَ الْفَتَى بَابَ الْصَّوْمَعَةِ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَتَرَجَّلَ (مَشَى عَلَى رِجْلَيْهِ)، وَرَبَطَ جَوادَهُ، وَحَيَّا وَالِدَهُ الشَّيْخَ الضَّرِيرَ — فِي لُطْفٍ وأدَبٍ — ثُمَّ دَخَلَ كِلاهُما تِلْكَ الصَّوْمَعَةَ، وَاسْتَخْفيَا عَنِ الْأَنْظَارِ.

(١٣) حَدِيثُ النَّاسِكِ

فَنادَتِ الْأَمِيرَةُ وَصَائِفَها قَائِلَةً: «تَعالَيْنَ يا وَصِيفاتِي الْعَزِيزاتِ، لِنَحُلَّ ضُيوفًا عَلَى هَذَا الشَّيْخِ الْجَلِيلِ: مَلِكِ «شَلْوازَ»: شَيْخِ النَّاسِكِينَ.»

وَقَدْ رَحَّبَ الشَّيْخُ الكَفِيفُ بِهِنَّ أَكْرَمَ تَرْحِيبٍ، وَظَلَّ يُحَدِّثُهُنَّ بِجَمالِ الرِّيفِ، وَوَداعَةِ الْغابَةِ، كما حَدَّثَهُنَّ بِما لَقِيَهُ مِنَ الْمَصَائِبِ الَّتي جَرَّها علَيْهِ سُوءُ حَظِّهِ، وَكَيْفَ طُرِدَ — هُوَ وَزَوْجَتُهُ وَطِفْلُهُ — مِنْ مَمْلَكَةِ «شَلْوازَ»، مُنْذُ عِشْرِينَ عامًا، فَلَجَئُوا إلى هذِهِ الْغابَةِ، حَيْثُ عَاشُوا — مُنْذُ ذَلكَ الْحِينِ — وادِعِينَ بَيْنَ هؤُلاءِ النُّسَّاكِ، آمِنِينَ مِنْ كَيْدِ عَدُوِّهِم الْغاصِبِ الْخَبِيثِ.

واشْتَرَكَ ابْنُ النَّاسِكِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

•••

وَمَرَّتِ الْأَيَّامُ مُتَعاقِبَةً، فازْدَادَتِ الْأَمِيرَةُ يَقِينًا بِصَوابِ مَا ظَنَّتْهُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ، كما اقْتَنَع ابْنُ النَّاسِكِ أَنَّ هذهِ الأميرةَ هِي أَكْمَلُ فَتاةٍ أَنْجَبَتْها بِلادُ الْهِنْدِ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠