الرسائل المجهولة

في صباح اليوم التالي الْتقى الأصدقاء الخمسة. ولم يكد الجميع يجلسون حتى قال «عاطف»: أيها المغامرون … هناك لغزٌ مهم في انتظاركم. ثم أخرج المنديل الأصفر من جيبه وقال: أريد أن أسألكم، منديل من هذا؟

مد «تختخ» يده وأمسك بالمنديل ثم قال: بلا أدنى شك هذا منديل الشاويش «علي» المشهور باسم «فرقع». فأين وجدته؟

رد «عاطف»: لقد وجدته في ظروفٍ غريبة جدًّا، فأنتم تعرفون «سوسن» قريبة والدتي، وهي يتيمة الأبوين، وكانت تقيم معنا … لقد اختفت «سوسن» من البيت أمس، ولم تقبل والدتي أو الست «فتنة» أن تقول لنا أي شيء عنها … وأنتم تذكرون أن الشاويش «فرقع» حضر إلى شارعنا أمس، وكان واضحًا أنه كان متجهًا إلى منزلنا، ولا شك أنه دخل منزلنا لسببٍ لا نعلمه، وربما كان له صلة باختفاء «سوسن» لأننا وجدنا هذا المنديل، الذي نظن جميعًا أنه منديله في غرفتها.

سكت «عاطف»، وهبط صمتٌ ثقيل على الأصدقاء، فلم يتحدَّث أحدٌ لفترة، وأخذوا ينظرون معًا إلى المنديل وكأنه حشرة غريبة سقطت من القمر.

و… أخيرًا قال «تختخ» في صوت جاد: إن أمامنا مغامرةً هامة … فنحن جميعًا نحب «سوسن»، إنها فتاةٌ رقيقة جميلة … وكانت صديقةً لنا جميعًا، ويهمنا أن نعرف أين ذهبت! أليس كذلك؟ ورد الجميع في صوتٍ واحد: طبعًا.

عاد «تختخ» إلى الحديث بعد قليلٍ فقال: ما دامت والدة «عاطف» رفضت الحديث، وكذلك الست «فتنة»، فلم يبقَ أمامنا ممن يعرفون السر سوى الشاويش «فرقع»، وسوف أقوم بزيارته فورًا لأحاول أن أجره إلى الحديث. أمَّا أنت يا «لوزة» فعليك محاولة دفع الست «فتنة» إلى الحديث، فهي ثرثارة، وتحب الكلام عن الناس … وعلى بقية الزملاء الانتظار حتى أعود.

ووضع «تختخ» المنديل في جيبه، ثم قفز إلى دراجته، واختفى في لمح البصر في اتجاه منزل الشاويش.

ولحسن الحظ كان الشاويش في المنزل، فلمَّا دق «تختخ» الباب فتحته الست «محفوظة» التي كانت خارجةً للسوق، فدعته إلى الدخول، وأبلغت الشاويش بحضوره، ثم خرجت.

تأخَّر الشاويش في الحضور بعض الوقت، وأخيرًا ظهر، وهو يحمل في يده كوبًا من الشاي، وبدا واضحًا عليه أنه مصابٌ ببرد.

قال الشاويش بصوتٍ غاضب: ماذا تريد مني؟ لماذا حضرت؟ إنك بالطبع تريد أن تحكي لي بعض الحكايات السخيفة عن الألغاز … و…

فقاطعه «تختخ» قائلًا: لا أظن يا حضرة الشاويش أن الناس تستقبل ضيوفها بهذا الشكل. وعلى كل حال أنا لم أحضر لحديثٍ عن لغز … ولكن عن شيءٍ واضح جدًّا وقع منك أمس في مكانٍ غريب.

ثم مد «تختخ» يده في جيبه، وأخرج منديل الشاويش، ورفعه إلى فوق ليراه الشاويش جيدًا … ثم قال: ما هذا؟ وملك من؟ ولماذا سقط في ذلك المكان؟

نظر الشاويش إلى المنديل، وانفتحت عيناه كأنه يرى ثعبانًا، وبلع ريقه بضع مرات قبل أن يقول: من أين أحضرت هذا المنديل؟ ولكن «تختخ» لم يردَّ على السؤال، بل قال متظاهرًا بأنه يعلم أشياء كثيرة: إننا نعرف لماذا ذهبت أمس إلى منزل «عاطف»، وحكاية «سوسن»، ودخولك غرفتها … وكل هذه الأشياء التي تريد أن تخفيها! …

احمرَّ وجه الشاويش حتى أصبح كالطماطم ثم قال: أولًا لا دخل لكم بي، ولا رقابة عليَّ أين أذهب … وهذه الأشياء من اختصاصي وحدي.

أدرك «تختخ» أنه أصاب الهدف، فأسرع يقول: كل شيء يخص «سوسن» يخصنا أيضًا … ولا بد أن تسرع في العمل من أجل إنقاذها … أو تتركنا نساعدك!

صاح الشاويش: تساعدونني أنا؟ أنا الشاويش «علي»! إنكم لا تعرفونني إذن … إن الرسائل التي وصلت لا دخل لكم بها، و«سوسن» ليست في خطر … ولكن من أين عرفت كل هذه الأشياء؟

حينئذٍ أيقن «تختخ» أنه أصاب الهدف، ويجعل الشاويش يصرِّح بما يخفي، فوقف قائلًا: إلى اللقاء يا سيادة الشاويش … أمَّا الأشياء التي تتحدَّث عنها، فنحن نعرف عنها أكثر ممَّا تعرف.

وقبل أن ينطق الشاويش بحرفٍ واحد … وضع «تختخ» المنديل في يده وأسرع خارجًا.

قفز «تختخ» إلى دراجته مرةً أخرى وهو يقول لنفسه: إذن فالحكاية فيها رسائل … ولكن أي رسائل يا ترى …؟ لعل «لوزة» تحصل على معلوماتٍ أخرى.

وفي هذه الأثناء كانت «لوزة» تقوم بواجبها. لقد اتجهت فورًا إلى منزلهم لمقابلة الست «فتنة»، وأخذت تقترب من المطبخ في هدوء وهي تفكر في شيء تقوله لها حتى تدفعها إلى الكلام … ولكن المصادفة منحتها فرصةً لم تكن تحلم بها … فلم تكد تقترب من المطبخ حتى سمعت صوت الست «فتنة» وهي تتحدث إلى سيدةٍ أخرى، عرفت من صوتها أنها «محفوظة» التي تخدم الشاويش «فرقع». كانت «فتنة» تقول: مسكينة هذه الفتاة، لقد قلبت هذه الرسائل حياتها … إنها تذكرها بأخطاءٍ ارتكبتها في عملها … وتشتمها … وتحقِّرها. شيءٌ لا يفعله إنسانٌ عاقل …

وردَّت الست «محفوظة»: فعلًا … ثم لا أحد يعرف من هو! من الذي يرسل هذه الخطابات؟! يُذكِّر الناس بأخطاء الماضي التي يريدون أن ينسوها … وأن ينساها الآخرون … تصرُّفٌ يتنافى مع الأخلاق … أعوذ بالله من هؤلاء الأشرار!

وعادت «فتنة» تتحدَّث: لقد بكت الفتاة المسكينة حتى احمرَّت عيناها … ثم أعطت الخطاب للأستاذ «شوكت» والد «عاطف» الذي اتصل بذلك الشاويش الغبي «علي» وأبلغه بأمر الرسائل.

احتجت «محفوظة» على تسمية الشاويش ﺑ «الغبي» وقالت: أرجوك يا «فتنة»، فالشاويش ليس غبيًّا على الإطلاق … إنه رجلٌ ذكي وطيب القلب … وقد اشتغلت عنده حتى الآن أربع سنوات، فلم أسمع منه خلالها كلمةً واحدةً سيئة … والشيء الوحيد الذي يثير أعصابه هم هؤلاء الأولاد الخمسة وكلبهم «زنجر» … إنه لا يحب تدخُّلهم في عمله.

قالت «فتنة»: فعلًا … وعندما جاء وقرأ الخطابات طلب من والد «عاطف» ووالدته أن يقسما بألا يخبرا الأولاد بأي شيء، ثم نصح بعودة «سوسن» إلى قريبتها حتى لا يراها الأولاد ويتحدثون إليها.

ظلت «لوزة» تسمع حديث السيدتين، حتى أحست بخطواتٍ تقترب، فغادرت مكانها بسرعة، وعادت للأصدقاء حيث وجدت «تختخ» قد وصل في نفس اللحظة، وأخذ يروي للأصدقاء ما حدث بينه وبين الشاويش … ولمَّا انتهى «تختخ» من حديثه، سأل «لوزة» أن تروي ما فعلت، فلمعت عيناها، وهي تقص عليهم ما سمعته من حديث بين «فتنة» و«محفوظة». وكان الأصدقاء يستمعون إليها بأعينٍ مفتوحة، وقد بدأت تتضح تفاصيل اللغز الغامض بهذا الحديث بين الشغَّالتين.

وعندما انتهت «لوزة» اقترب منها «تختخ»، وأخذ يمتدحها قائلًا: إنك أحسن مغامرة … ولولاك لما استطعنا حل كل هذه الألغاز.

ثم التفت إلى الأصدقاء: والآن … عندنا مجموعةٌ من الحقائق … نريد أن نصل عن طريقها إلى حل اللغز … أولًا: أن هناك رسائل تهديد وتحقير وصلت إلى «سوسن». ثانيًا: كاتب هذه الرسائل مجهول الاسم؛ لأنه لا يوقع عليها … ثالثًا: أن الشاويش لم يصل بعدُ إلى حل اللغز … فما هي خطتنا؟

قالت «نوسة»: إن هذا اللغز يذكرنا «بلغز الألغاز»؛ ففيه فتاةٌ مختفية … وهناك مشتبهٌ فيهم.

تختخ: تمامًا.

لوزة: ولكن من هم المشتبه فيهم؟! إننا لم نتهم أحدًا بعد!

مُحب: هذا هو عملنا القادم … أن نضع قائمةً بالمشتبه فيهم.

تختخ: هذا صحيح … ولكن من الأفضل أن نرى أهم دليل في هذا اللغز كله!

عاطف: ما هو؟

تختخ: الرسائل التي وصلت إلى «سوسن». ولكي نرى هذه الرسائل، علينا أن نعرف أين هي «سوسن» الآن … هل تعرفون عنوانها؟!

عاطف: للأسف لا … ولكن من الممكن سؤال ماما.

تختخ: لا أعتقد أنها ستوافق على أن تعطيك العنوان ما دام الشاويش قد طلب منها إخفاء المعلومات عنا.

لوزة: دعوني أحاول أنا الحصول على العنوان، وسوف أجد طريقةً لهذا الغرض.

تختخ: هذا عظيم. والآن، علينا جميعًا أن نبحث عن المشتبه فيهم، ونكتب قائمةً بأسمائهم.

وانصرف الأصدقاء، وفي رأس كلٍّ منهم فكرة عن المشتبه فيهم، أمَّا «لوزة» فقد فكرت في حلٍّ ممتاز لمعرفة عنوان «سوسن»؛ فقرَّرت أن تقول لوالدتها إنها أخذت كتابًا من «سوسن»، وتريد أن ترده إليها. وهكذا عادت إلى البيت واختارت كتابًا لفَّته في الورق بعناية، ثم نزلت إلى والدتها.

كانت ساعة النوم قد حانت، فقالت الأم: والآن … ما هذا الذي في يدك؟

قالت «لوزة»: إنه كتابٌ كنت قد استعرته من «سوسن»، وأريد الآن أن أرده إليها … ولكني لا أعرف العنوان وأرجو أن تذكريه لي لأكتبه على المظروف وأرسله إليها.

قالت الأم: لا داعي لأن تتعبي نفسك، هاتي الكتاب، وسوف أتولى أنا كتابة العنوان عليه، وإرساله غدًا صباحًا.

أحست «لوزة» أن خطتها ستفشل، فقالت: أرجو أن تتركي لي هذه المهمة، فأنا أحب الكتابة كما تعرفين.

تضايقت الأم لهذا الإلحاح فقالت: «لوزة» … لا تضيعي وقتي، إنني لا أتذكر العنوان الآن … فقط اتركي الكتاب وسوف أكتب عليه العنوان غدًا … واذهبي الآن لتنامي.

لم تجد «لوزة» كلامًا آخر تقوله، فتركت الكتاب مع أمها على أمل أن تستيقظ مبكرةً في الصباح وتقرأ العنوان على المظروف … وصعدت لتنام.

وفي الصباح، نزلت هي و«عاطف» مسرعين إلى تحت للبحث عن المظروف وقراءة العنوان، ولكن المظروف كان موجودًا ولم يكن هناك أي كتابة عليه.

وعندما جلسا إلى مائدة الإفطار، حاولت «لوزة» أن تلفت نظر والدتها إلى العنوان الذي لم يُكتب، ولكن قبل أن تبدأ المحاولة دق جرس التليفون في الصالة، فأسرعت الأم لترد عليه، وأغلقت باب غرفة الطعام حتى لا يسمعا إلى من تتحدَّث.

لوزة: أليس من الممكن فتح الباب قليلًا؟ لعل والدتنا تتحدَّث عن شيءٍ يتعلَّق بتلك الرسائل.

رد «عاطف» في لوم: هذا لا يصح طبعًا، فما دامت والدتنا لا تريد أن نسمع حديثها، فلا يجب أن نتصنَّت عليها!

عادت الأم بعد قليل، وقد بدا على وجهها الاهتمام، فعادت «لوزة» إلى المحاولة قائلة: والآن، هل ستكتبين العنوان يا ماما؟!

الأم: لا داعي لكتابة عناوين، فهناك شخصٌ سوف يذهب لزيارة «سوسن» وسيأخذ الكتاب معه.

نظرت «لوزة» إلى «عاطف» في حزن، فأشار إليها أن تستعد بسرعةٍ لمغادرة المنزل. وفعلًا، انتهى الشقيقان من الإفطار سريعًا، ثم خرجا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢