لم يقع أحد

قالت «نوسة» للشاويش: لماذا أنت ذاهبٌ إلى «دار السلام» يا سيادة الشاويش؟ هل هناك أحد المشتبه فيهم؟

نظر الشاويش إلى «نوسة» نظرةً غاضبةً ثم صاح في صوتٍ سمعه كل ركاب العربة: لا تتدخلي في شئوني … ومن حقي أن أذهب إلى «دار السلام» أو إلى الآخرة … فهذا شغلي … وأنتم الذين يجب أن أسألهم عن سبب ذهابهم إلى هناك. هل تحاولون حل أحد الألغاز؟ ليست هناك ألغاز هذه الأيام، وكل شيء على ما يرام!

ثم أدار الشاويش وجهه إلى النافذة وهو يتحدَّث، وصفَّر القطار فغطى بصفارته الطويلة على حديث الشاويش، ثم انطلق سائرًا. أحست «نوسة» بالخجل الشديد، فقد تحوَّلت أنظار كل الركاب إليها عندما سمعوا صياح الشاويش، وحمدت الله أن صفارة القطار أنقذتها من صراخه وكلماته المهينة.

أمَّا «لوزة» فلم تجد صعوبةً في الحديث إلى الرسامة الجميلة التي أخذت تتحدَّث إليها عن حياتها، وعن سبب سفرها إلى «دار السلام» … قالت الرسامة: إنني مدرسة رسم في «المعادي»، وقد أعجبني منظر السوق في «دار السلام»، فقرَّرت أن أرسمه، وهكذا أنتهز فرصة إجازتي يوم الجمعة، وأذهب إلى هناك لاستكمال اللوحات التي أرسمها.

قالت «لوزة»: إذن فأنت تسافرين إلى «دار السلام» كل يوم جمعة؟

قالت المدرسة ببساطة: نعم!

وهنا سألتها «لوزة» السؤال الذي اتفق أن يوجهه المغامرون الخمسة إلى كلِّ من يشتبهون فيه. قالت «لوزة»: هل تعرفين صندوق البريد في «دار السلام»؟

فكَّرت المدرسة قليلًا ثم قالت: أظن أنني أعرفه، فقد رأيته في المحطة على ما أذكر، وإن كنت لست متأكدةً تمامًا.

قالت «لوزة» في نفسها: لا أظن أن هذه الرسامة اللطيفة هي التي أرسلت الخطابات … حتى إذا كانت تعرف مكان صندوق الخطابات.

أمَّا «عاطف» فلم يكن في حاجةٍ إلى أن يبدأ الحديث مع السيدة «لطيفة»، فقد كانت جارةً لهم، وتعرف والدته، وهكذا أخذت تتحدَّث معه بمجرد أن جلس بجانبها، وكان حديثها كله عن الجيران، وكانت تعرف أسرارهم جميعًا، وتتحدَّث عنهم في ضيق. فأحس «عاطف» أنه عثر على من يشتبه فيه حقيقة، وظل ينتظر حتى سنحت الفرصة فسألها: هل تعرفين مكان صندوق البريد في «دار السلام»؟

فردَّت السيدة «لطيفة»: طبعًا أعرفه، فوالدتي تسكن هناك، وأنا أزورها كل يوم جمعة، وكثيرًا ما أرسلت خطاباتي في صندوق البريد هناك … ثم قالت: أين ذهبت «سوسن» التي كانت تقيم معكم؟ إنني لم أرها منذ يومين أو ثلاثة أيام، لقد كانت فتاةً مؤدبةً ولكنها متكبرة قليلًا، فلم تكن تتحدَّث مع أحد.

رد «عاطف»: لقد عادت إلى خالتها لتقيم معها.

في هذه الأثناء كان حديثٌ طويل قد دار بين «مُحب» والرجل الغريب المنظر الذي كان يجلس بجواره … كان الرجل ينظر إلى الشاويش في خوف، ويحاول أن يخفي نفسه عنه، وكان يجيب عن أسئلة «مُحب» في كلماتٍ سريعة، وجمل قصيرة، ويردِّد بين لحظةٍ وأخرى: لقد تأخر القطار كثيرًا عن موعده … إنه يسير ببطء.

أحس «مُحب» بأن استعجال القطار، والخوف من الشاويش يخفيان شيئًا هامًّا، فأخذ يفكر هل يقوم فيقول للشاويش. ولكن لو أن الشاويش استجوب الرجل، واتضح أنه مرسل الخطابات الغامضة؛ فسوف تضيع منهم الجولة، ويكسبها الشاويش. وفي نفس الوقت لو أخفى الحقيقة، فهو يساعد مجرمًا على الهرب. أخذت الأفكار تدور برأس «مُحب»، في حين كان «تختخ» يحاول التفاهم مع الرجل الجالس بجواره … الرجل الأسمر الحاد الملامح. سأل «تختخ»: الجو جميلٌ اليوم يا سيدي … الشمس مشرقة. فنظر إليه الرجل ولم يرد، ثم عاد إلى جريدته يقرؤها باهتمام. فكَّر «تختخ» قليلًا ثم سأل الرجل: كم الساعة الآن يا سيدي؟ رد الرجل بحدة: إنني أرى أنك تلبس ساعةً حول معصمك، فلماذا تسأل عن الساعة؟

تختخ: إنها ليست مضبوطة، وعندي موعدٌ في الملك الصالح، وأريد أن أطمئن على وصولي في الموعد.

الرجل: موعد! أي موعد؟! وهل للأطفال مثلك مواعيد؟! تمالك «تختخ» أعصابه، فقد كان يريد أن يسأل الرجل في النهاية السؤال المتفق عليه فقال: آسف جدًّا إذا كنت أزعجتك بأسئلتي، ولكن … هل تعرف مكان صندوق البريد في «دار السلام»؟ فجأةً ثار الرجل الأسمر، ورد بعنفٍ وبصوتٍ مرتفع: كف عن هذه الأسئلة السخيفة، فليس عندي وقت للرد عليها … اسكت الآن، أو قم فاجلس في مقعدٍ آخر!

وقبل أن يحدث أي شيء آخر، توقف القطار في محطة «دار السلام»، وغادره الأصدقاء حسب اتفاقهم، وفجأةً حدث شيءٌ غريب، فقد شاهد الشاويش الرجل الغريب المنظر الذي يحمل حقيبة الأوراق فصاح: أمسكوه … أمسكوه. ثم قفز إلى الرصيف يطارد الرجل الذي انطلق يجري بأقصى سرعة، واختفى في الزحام والشاويش يجري خلفه.

لم يستطع الأصدقاء اتخاذ قرار سريع للاشتراك في المطاردة، فوقفوا واجمين، وقال «مُحب»: إن هذا الرجل كان يجلس بجانبي، إنني أشك في أنه كاتب الرسائل المجهولة، فقد كان قلقًا طول الوقت، وكان ينظر إلى الشاويش في خوف.

قال «تختخ»: إن علينا الآن أن نقف قرب صندوق البريد، لنرى من الذي سيضع خطابًا فيه. إن هذه أفضل طريقة لمعرفة من الذي يرسل الخطابات المجهولة.

وقف الأصدقاء قرب صندوق البريد، وكان الرجل الأسمر ذو الملامح الحادة يقف قريبًا منهم، وهو يقرأ في جريدته، كما كان يفعل في القطار. ومرت بهم الفتاة الرسامة، فابتسمت لهم، وبعد أن ابتعدت قليلًا عادت إليهم فجأةً وقالت: لقد وجدتم صندوق البريد … هذا عظيم.

ثم ابتسمت مرةً أخرى وسارت.

تبادل الأصدقاء النظرات، وكلٌّ منهم يفكر فيما تعنيه الفتاة بحديثها، وفجأةً اقترب شابٌّ صغير من صندوق البريد ونظر حوله، ثم أخرج خطابًا من جيبه وضعه في الصندوق وانصرف مسرعًا.

ومرةً أخرى، وقبل أن ينتبه الأصدقاء ليتبعوه، وجدوا الشاويش «فرقع» أمامهم، قد احمرَّ وجهه من أثر الجهد الذي بذله في الجري، وسال عرقه وكان يمسحه بمنديله الأصفر الكبير وهو ينفخ في ضيق؛ لأنه لم يلحق بالرجل الذي هرب.

صاح الشاويش عندما رآهم: أنتم هنا! ماذا تفعلون في هذا المكان؟! هل ترسلون خطابًا … من … من … لماذا تقفون قرب صندوق البريد؟! سوف أشكوكم إلى آبائكم، فأنتم تفسدون عملي، وتُضيِّعون وقتي دون فائدة، وبسببكم هرب مني هذا اللص المطلوب القبض عليه في قضية سرقة، ثم تركهم وانصرف، وهو يهز ذراعيه في ضيق … ولكنه وقف في مكانٍ يتيح له مراقبة الأصدقاء دون أن يرَوه.

وفي هذه اللحظة وقفت سيارة سوداء كبيرة بجوار الرجل الأسمر الذي كان ما زال يُطالع جريدته، ونزل السائق ففتح الباب للرجل باحترامٍ شديد، فدخل وأغلق السائق الباب خلفه، ومرت السيارة بجوار الأصدقاء، وشاهدوا الرجل وهو ما زال مستمرًّا في قراءة جريدته.

قال «تختخ» في يأس: لم تَعُد هناك فائدة من الانتظار، وحتى لا يغلبنا اليأس تعالوا نتفرَّج على السوق.

وهكذا انطلق الأصدقاء إلى السوق … وعند عودتهم في المساء، كتبوا قائمةً بكل الذين قابلوهم في القطار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢