ثلاثة متهمين جدد

عاد «تختخ» فوجد الأصدقاء في انتظاره، فروى لهم ما حدث في منزل الست «حسنية» ومقابلته للشاويش.

قال «عاطف» معلقًا: لقد أصبته بصدمةٍ أكيدة!

تختخ: أعتقد أنه سيفكر طويلًا، وسوف يربط بين الولد الأصفر الشعر، والخطابات التي قلت له إنني رأيتها، ورؤيته لي عند صندوق خطابات «دار السلام»، وقد يتصوَّر في النهاية أنني الذي أرسل هذه الخطابات.

قال «عاطف»: على كل حال، لقد أصبح عندنا ثلاثة من المشتبه فيهم بالإضافة إلى القائمة التي أعددناها أمس.

فقد قابلت السيدة «لطيفة»، وعرفت منها أن ثلاثةً من الذين اعتادوا السفر إلى «دار السلام» كل يوم جمعة، لم يركبوا معنا أمس … وهم أولًا «حسنين» الترزي، وقد قالت لي السيدة «لطيفة» إنه رجلٌ كثير الكلام، ويحب الحديث عن الناس. والثاني هو «جمعة» كاتب النيابة، ومشهورٌ بين الناس باسم «أبو مناخير» لأن أنفه طويل؛ ولأنه يعرف كل أخبار الناس من القضايا التي يكتبها في النيابة، ويدس أنفه في شئون كل واحد … أمَّا الثالث، فهي لشديد الدهشة الست «فتنة» التي تعمل عندنا، وطبعًا فلا صلة لها بالخطابات المجهولة.

فكر «تختخ» قليلًا ثم قال: يمكننا الآن أن نناقش موقف كلٍّ من المشتبه فيهم، ونصل إلى قرار بشطب أسماء كل الذين نستبعد قيامهم بإرسال الخطابات.

وأخرج «تختخ» نوتة المذكرات، وبدأ يقرأ ويتحدَّث: عندنا الشاويش وهو طبعًا بعيد عن الشبهات، وأعتقد أنه ذهب إلى «دار السلام» لنفس الغرض، أي ليرى من الذي يرسل الخطابات، بدليل أنه ذهب إلى صندوق الخطابات مثلما ذهبنا … وعندنا اللص الذي طارده الشاويش، وهو هاربٌ من تنفيذ حكم عليه، فلا يمكن أن يشتبك مع الشرطة في مثل هذه القضية … قالت «لوزة» مقاطعة: ولكن يا «تختخ» لماذا نحاول مناقشة موقف كل هؤلاء؟ … إن أمامنا الآن ثلاثة متهمين فقط … هم الترزي «حسنين» وكاتب النيابة «أبو مناخير» … و… والست «فتنة» … فهؤلا الثلاثة هم فقط الذين يسافرون كل يوم جمعة إلى «دار السلام»، وهم الذين لم يسافروا أمس. وما دام الخطاب الذي وصل إلى الست «حسنية» بلا طابع بريد، فهذا يعني أن واحدًا من هؤلاء الثلاثة هو الذي أرسله؛ لأنه لم يسافر أمس إلى «دار السلام» … أليس كذلك؟

صمت الأصدقاء جميعًا وقد بدت في عيونهم الدهشة لهذا الاستنتاج الصحيح، ثم قام «تختخ» فأحاط «لوزة» بذراعه، وقال: أيها المغامرون الخمسة، أحب أن أقول لكم إن معنا أذكى فتاة في العالم.

احمرَّ وجه «لوزة» … وهي تسمع هذا المديح ثم قالت بتواضع: أعتقد أنها مسألةٌ واضحة، ولكنها فقط فاتت عليكم.

مُحب: في هذه الحالة يمكن شطب كل المشتبه فيهم، عدا هؤلاء الثلاثة … ولكن ما هي خطتنا القادمة؟

نوسة: أقترح أن نحاول الحصول على نموذج لخط كلٍّ منهم، ويمكننا بمقارنة الخط، أن نعرف من الذي أرسل الخطابات.

تختخ: هذه فكرةٌ معقولة، ولكن هناك فكرة أخرى أسهل، ويمكن عن طريقها أن نصل إلى حصر شبهتنا في واحدٍ أو اثنين فقط، ثم بعد ذلك نحاول الحصول على نموذجٍ لخطه.

مُحب: أي خطة هذه يا «تختخ»؟

تختخ: أن نعرف من الذي خرج من منزله مبكرًا جدًّا هذا الصباح من بين هؤلاء الثلاثة … لقد وصل الخطاب إلى الست «حسنية» حوالي الساعة الخامسة والنصف، ومعنى هذا أن الشخص المجهول غادر منزله حوالي الخامسة، أو الخامسة والربع، ومن الممكن أن نعرف هذا.

عاطف: أعتقد أنها مسألةٌ صعبة، حتى عليك يا «تختخ».

تختخ: سأقبل هذا التحدي يا «عاطف»، وسأخرج الآن، وأعود إليكم بعد ساعةٍ بالضبط، وقد حصلت على كل المعلومات اللازمة. ثم نظر في ساعته، وقال: إنها الثانية عشرة. وانصرف «تختخ» مسرعًا، وبقي الأصدقاء الأربعة يتحدثون.

وفي الساعة الواحدة تمامًا، سمع الأصدقاء صفارة «تختخ» تحت النافذة، فأطلوا جميعًا، ولكنهم لم يجدوا «تختخ»، لقد وجدوا ولدًا يرتدي ملابس صبي الجزار … وقبل أن يقولوا كلمةً واحدةً قال الولد: لا داعي للدهشة … إنني «تختخ» طبعًا، هل يمكن أن أدخل؟

عاطف: لم تعد والدتي، ولا الست «فتنة» بعد، ويمكنك أن تأتي.

صعد «تختخ» إلى حيث يجلس الأصدقاء، ولم يكن أي إنسان يستطيع أن يجد صلةً بين صبي الجزار المتسخ الثياب، وبين «تختخ» النظيف الأنيق.

قال «تختخ» وهو يجلس: لقد حصلت على المعلومامات المطلوبة كلها … ولكن اللغز ازداد غموضًا.

مُحب: شيءٌ مدهش!

تختخ: فعلًا … لقد تنكرت في ثياب صبي الجزار حتى أستطيع أن أتحرَّك بحريةٍ دون أن يلاحظني أحد، خاصةً الشاويش … وببساطة جدًّا ذهبت إلى منزل الترزي «حسين» وسألت عنه، فقيل إنه استيقظ مبكرًا جدًّا وخرج …

ولا يعرفون إلى أين ذهب؛ لأنه ليس في المحل … أمَّا «أبو مناخير» كاتب المحكمة، فقد ذهبت إلى منزله، وقابلت أحد أولاده الصغار وهو يلعب أمام المنزل، فأعطيته قطعة شيكولاتة، وعرفت منه أن والده اعتاد الاستيقاظ مبكرًا لأن منزله بعيد عن المحطة، وعليه أن يقطع المسافة بين البيت والمحطة ماشيًا، ثم يركب القطار إلى القاهرة حيث يعمل، حتى يتمكن من الوصول في الموعد المناسب … وهناك مفاجأة!

وصمت «تختخ» ليرى أثر كلامه على وجوه أصدقائه، ثم قال: لقد كانت الست «فتنة» في زيارة «أبو مناخير» هذا الصباح!

قال «عاطف»: الست «فتنة»! شيءٌ عجيب جدًّا. إنني أعرف أنها تستيقظ عادةً متأخرة!

تختخ: هذا ما حدث، وعلينا أن نعرف لماذا زارته اليوم — السبت — موعد إرسال الخطابات وفي هذا الوقت المبكر!

عاطف: لا بد أنها ستعود الآن، فقد حان موعد الغداء.

ولم يتم «عاطف» جملته حتى سمع الأصدقاء صوت جرس الباب يدق، فذهبت «لوزة» مسرعةً وفتحته، ووجدت أمامها الست «فتنة».

قالت «فتنة» وأنفاسها تتردَّد بسرعة: لقد تأخرت عليكم. على كل حال الأكل جاهز … وسوف أسخنه فقط.

لم تترك «لوزة» الفرصة، ودخلت مع «فتنة» إلى المطبخ، وقالت ببراءة: لقد سمعتك هذا الصباح، وأنت تخرجين مبكرةً يا ست «فتنة».

نظرت «فتنة» إلى «لوزة» بحدةٍ ثم قالت: وما هو الغريب في ذلك؟ لقد اعتدت أن أذهب كل يوم جمعة إلى والدتي في «دار السلام» لزيارتها … ولكن لم أستطع الذهاب أمس، وأنا أعرف الأستاذ «جمعة» الذي يسميه الناس «أبو مناخير»، وهو يسافر يوميًّا إلى القاهرة حيث عمله؛ لهذا ذهبت إليه هذا الصباح وسلمته لفةً من الطعام إلى والدتي، ليسلمها إلى شيال محطة «دار السلام»، وهو يعرف منزل والدتي، وسيوصله إليها … هل هناك شيءٌ آخر تحبين معرفته؟

أحست «لوزة» بأنها أغضبت الست «فتنة» لسببٍ لا تدريه، فأسرعت إلى الأصدقاء حيث قصت عليهم ما سمعت. وانتهز «تختخ» فرصة انشغال «فتنة» في المطبخ، وتسلَّل خارجًا حتى لا تراه في ثياب التنكُّر … ولكنها الْتفتت إليه، فلم يعرف إذا كانت رأته أم لا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢