مفاجأةٌ غريبة

عندما اجتمع الأصدقاء في المساء، كانت هناك معلومات هامة قد حصل عليها «عاطف» بالمصادفة، جعلت كل الشبهات تتجه إلى «فتنة»؛ فقد حضر الشاويش إلى المنزل بعد الظهر وقابل «فتنة»، وتناقشا مناقشةً حادة. قال الشاويش ﻟ «فتنة» إنه عرف أن والدتها تسكن في نفس الشارع الذي تسكن فيه «سوسن» في «دار السلام»؛ فهي إذن تعلم ماضي الفتاة، وأنها اعتادت السفر إلى «دار السلام» كل يوم جمعة، وهو الموعد الذي ترسل فيه الخطابات المجهولة.

وقد بكت «فتنة» وثارت عندما سمعت هذا الكلام، وقالت للشاويش إنها ستشكوه لرؤسائه لأنه يتهمها بإرسال الخطابات المجهولة … ولكن الشاويش أنكر أنه يتهمها بأي شيء.

قال «تختخ»: إن الشاويش أذكى من تصوُّرنا، لقد وصل إلى نفس النتائج التي وصلنا إليها، وقد سافر معنا إلى «دار السلام»، لعله يضبط مرسل الخطابات المجهولة، مثلما فكرنا تمامًا.

نوسة: أعتقد أن اللغز أصبح قريب الحل … فقد حصرنا بحثنا في ثلاثة … هم: «جمعة أبو مناخير» كاتب المحكمة … و«حسنين» الترزي، و«فتنة» … فمن هو أقرب الثلاثة إلى أن يقوم بهذا العمل؟

لوزة: أعتقد أن كاتب المحكمة هو الفاعل.

عاطف: هذا ممكن … ولكن هناك شبهات قويةً تتجه نحو «فتنة».

تختخ: إن أمامنا الاختبار الأخير، وهو الحصول على نماذجَ للخطوط؛ فهذا سوف يفصل في توضيح الحقيقة، ويعرِّفنا من هو الفاعل … وسأقوم غدًا بهذه المهمة.

قام «تختخ» في اليوم التالي مبكرًا، وركب دراجته، ثم اتجه إلى محل «حسنين» الترزي، وبأقدام ثابتة دخل المحل، وسأل عن «حسنين»، فقابله الرجل بالترحاب … فقد تصوَّر أنه زبون جاء لتفصيل «بدلة».

وفعلًا، تظاهر «تختخ» بذلك، وطلب منه أن يأخذ مقاساته، وأن يحدِّد له نوع القماش وكم مترًا يحتاج إليها.

وبدأ الرجل يأخذ المقاسات، وقد فتح دفتره ليقيِّد فيه الاسم والمقاسات، وهذه كانت الفرصة التي يريدها «تختخ» حتى يرى خط الرجل في الدفتر، ولكن الرجل قال: عليك أنت أن تقيِّد المقاسات، وسأملي عليك أنا.

قال «تختخ» ببراءة: ألا تقيِّد أنت المقاسات يا أسطى «حسنين»؟

قال «حسنين»: لا … عادةً الزبون هو الذي يقيِّد المقاسات أو صبي المحل؛ لأن يديَّ مشغولتان بأخذ المقاسات!

تضايق «تختخ»، خاصةً وهو يضيِّع وقته في أخذ مقاسات «بدلة» لن يفصلها … وضاعت منه فترة هامة من الوقت قد يستغلها الشاويش في الوصول إلى حل اللغز.

أخذ «تختخ» ينظر في الدفتر، فلاحظ فعلًا أن الخطوط فيه مختلفة فتأكد من صدق الرجل … ولكنه كان يريد بأي طريقةٍ أن يحصل على نموذجٍ لخطه … فأخذ يفكر بسرعةٍ وهو يستدير كطلب الترزي، ويثني ذراعه ويبسطها.

انتهت المقاييس دون أن يصل «تختخ» إلى فكرة، وفجأةً خطرت له فكرة طيبة فقال للرجل: أرجو أن تكتب لي اسم محل الأقمشة الذي تفضل التعامل معه، حتى أشتري منه …

وأخرج الرجل ورقةً صغيرةً وقال ﻟ «تختخ»: خذ اكتب أنت.

تضايق «تختخ» لفشل فكرته فقال للرجل: ولماذا لا تكتب أنت؟! رد الرجل بخجل: آسف جدًّا يا أستاذ … فأنا لا أعرف كيف أكتب.

أحسَّ «تختخ» بالأسف لأنه أحرج الرجل … وفكَّر أنه كان يتهمه بكتابة الخطابات المجهولة، وهو لا يعرف كيف يكتب … وقرَّر «تختخ» أن يعتذر للرجل بطريقةٍ عملية بأن يشتري قطعة قماش فعلًا، ويفصِّلها عنده.

وهكذا خرج «تختخ» وقد تأكد من براءة الترزي، ولم يبقَ أمامه إلا كاتب المحكمة «أبو مناخير».

كيف يمكن أن يحصل على نموذجٍ لخط الرجل!

أخذ «تختخ» يفكِّر وهو يسير بدراجته في هدوءٍ قاطعًا شوارع «المعادي» دون أن يدري ماذا يفعل … وفكَّر أن يعود إلى منزله ليعاود التفكير، وخاصةً أن «جمعة أبو مناخير» ليس في «المعادي» الآن … وأخيرًا استقر رأيه على أن يذهب إلى الأصدقاء، حيث يجتمعون عادةً في منزل «عاطف».

عندما وصل «تختخ» إلى منزل «عاطف»، كانت في انتظاره مفاجأة هامة؛ فقد وجد المنزل يموج بالحركة، وصوت بكاء يرتفع من المطبخ … وصوت «أم عاطف» … وهي تقول: لا داعي لهذا البكاء … ولا تخافي شيئًا … إن ما حدث قد حدث … وسوف نستدعي الشاويش فورًا.

وسمع صوت الباكي يقول: تصوَّري يا سيدتي … خطاب قذر لي أنا أيضًا … إنني لم أفعل شيئًا في حياتي … إنني أحب الناس فلماذا لا يحبني الناس؟

كان الصوت صوت «فتنة»، فصعد «تختخ» إلى الأصدقاء في الدور الثاني فوجدهم جميعًا في انتظاره، وعندهم معلومات هامة.

أسرع «عاطف» يقول: هل تعرف ماذا حدث؟

لقد وصل خطاب اليوم … وإلى من تظن؟ إنه ﻟ «فتنة» التي تشتغل عندنا … وصلها خطاب بدون طابع بريد.

تختخ: متى وصل الخطاب؟

عاطف: وصلها منذ ساعة تقريبًا … أي حوالي الساعة التاسعة صباحًا.

تختخ: ألم ترَ الشخص الذي سلَّمها الخطاب؟

عاطف: لا، إنها تقول إنه قذفه من تحت باب المطبخ، وعندما فتحت الباب لم تجد أحدًا.

تختخ: ألم تروا أنتم أحدًا قريبًا من البيت منذ ساعة؟ فكَّر الأصدقاء جميعًا ثم قالوا إنهم لم يروا أحدًا مطلقًا يقترب من البيت منذ ساعة.

وفي هذه اللحظة سمع الأصدقاء صوت أقدام ثقيلة تقترب من باب البيت، فأدركوا أن الشاويش «فرقع» قد وصل، وقرَّروا أن يحضروا التحقيق الذي سيجريه مع «فتنة» ليروا أسلوبه في العمل.

وقف الأصدقاء قرب باب المطبخ، وكانت «أم عاطف» تحاول تهدئة «فتنة» التي كانت تبكي وتندب حظها. أمَّا الشاويش فقد وقف صامتًا وكأنه لا يدري ماذا يفعل.

وعندما رأته «فتنة» صاحت به: أنت … أنت … كنت تتهمني بأنني أرسل الخطابات … والآن خذ اقرأ، اقرأ ما كتبه لي هذا الشخص السافل القذر … والشتائم التي ملأ بها الخطاب.

قال الشاويش معتذرًا: اهدئي يا سيدتي، اهدئي من فضلك … وأنا آسف … ولكن القانون هو القانون … ونحن نستدعي الناس ونسألهم لعلنا نصل إلى الحقيقة … هذا هو الطريق الوحيد لمعرفة البريء من المجرم.

وتناول الشاويش الخطاب، وأخذ ينظر فيه، وكلما قرأ … احمرَّ وجهه من الكلام الذي يقرؤه … فتسلَّل «تختخ» بهدوء، وأخذ ينظر من خلف الشاويش ليتأكد من شكل الخط الذي بالخطاب … كان هو نفس الخط الذي جاءت به كل الخطابات!

كان «تختخ» مائلًا إلى الأمام ليستطيع قراءة الخطاب، وفجأةً اختل توازنه، وحتى لا يسقط على الأرض، اضطُر إلى الاستناد على الشاويش الذي فوجئ بالحركة فلم يستطع حفظ توازنه هو الآخر، وسقط الاثنان على الأرض … الشاويش تحت … و«تختخ» فوق.

كان منظرًا غريبًا، فلم تتمالك «لوزة» نفسها وأخذت تضحك … وانتقلت عدوى الضحك منها إلى بقية الأصدقاء … فضحكوا جميعًا … وبينما كان الشاويش يسب ويلعن الأولاد وتدخلهم في أعماله … كان «تختخ» يحاول التسلُّل خارجًا، عندما سمع الشاويش يقول له: انتظر هنا … إنني أريد أن أسألك بعض الأسئلة.

وقف «تختخ» احترامًا لممثل القانون، فقال الشاويش: إنني أريد أن أعرف صلتك بالمشتبه فيهم.

قال «تختخ» ببراءة: أي مشتبه فيهم يا سيدي؟

الشاويش صارخًا: هذا الولد الذي يوزع البريد، وذلك الولد صبي الجزار الذي كان يطوف أمس بالبيوت يسأل عن الذين استيقظوا مبكرين. إن هذين الولدين لهما صلة بك …

ولا تنسَ أنك كنت يوم الجمعة عند صندوق البريد في «دار السلام» … حيث تُرسَل هذه الخطابات المعلونة.

وقف «تختخ» مذهولًا أمام صراخ الشاويش، ووقف بقية الأصدقاء وقد لمعت عيونهم دهشةً وغضبًا.

قالت «فتنة»: نعم … هذا الولد صبي الجزار كان هنا أمس، وقد رأيته يخرج من هذا الباب … إنه صديقهم.

ابتسم «تختخ» بهدوءٍ وقال: برغم أن في إمكاني ألَّا أرد، إلا أنني أقول لك بكل صدق … إنني لم أقابل صبي الجزار ولا صبي البريد في حياتي كلها … فهما بالتالي ليسا صديقيَّ.

ثم انسحب «تختخ» وأشار إلى الأصدقاء أن يتبعوه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢