ثامنًا: الوحدانية

(١) سادس وصف للذات

الوحدانية هو الوصف السادس والأخير للذات، والتي من خلالها يظهر علم أصول الدِّين باعتباره علمًا لتاريخ الأديان. وفي المؤلفات الأولى السابقة على العد الإحصائي لأوصاف الذات يظهر وصف الوحدانية على أنه أول وصف وأهمه. كما تظهر الوحدانية مع نفي التشبيه على أنها من أوائل العقائد التي تختلف عليها الفِرَق.١ وتعود الوحدانية للظهور بعد القِدَم ومرة أخرى بعد نفي التشبيه.٢ وقد يُشار إلى آية قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ إلى وصف الوجود وليس إلى الوحدانية على أنها أول وصف للذات. وتظهر الوحدانية حينئذٍ على أنها ثاني وصف بعد الوجود.٣ ثم تثبت الوحدانية من جديد ويتم التدليل بها لإثبات القِدَم وتجويز الوجود وإثبات الوحدانية وتجويز الشيئية وتجويز النفس ونفي الشبه (النور) إثبات اليد والأصبع والقِدَم والساق وعدم تجويز المجيء والذهاب.٤ وتظهر الوحدانية في المقدمات الخطابية للإعلان عن شهادة الوجدان بها.٥ وتظهر في الخطب والمقدمات على أنها الانفعال الأوَّل الذي يليه نفي التشبيه في جميع صوره.٦ ويظهر الواحد على أنه أول وصف لله بعد دليل الحدوث.٧ كما تظهر الوحدانية على أنها الصفة الوحيدة للذات الجديرة بالذكر عن غيرها من الأوصاف وباقي الصفات كالقديم والغفور والجواد كأسماء.٨ وتظهر في باب تعريف الإيمان والإسلام والدين على أنها عقيدة التوحيد.٩ وتبدو وكأنها ثالث وصف للذات بعد القِدَم والوجود كصفة جائزة.١٠ وفي بعض المؤلفات المتقدمة الأخرى تظهر صفة الوحدانية تالية لنفي التشبيه.١١ وبعد دليل الحدوث، وفي ذكر صفات المحدث تظهر صفة الواحد مع الأحد بعد موجود وقديم وقبل باقٍ.١٢ وفي الإقرار بالتوحيد يظهر الإقرار بالواحد الفرد بعد الموجود.١٣ وكثيرًا ما يظهر وصف الواحد في عبارات إنشائية وفي صياغات عقلية متعددة دون عد أو وصف.١٤ ويظهر وصف الواحد مستقلًّا بذاته منفردًا في مسألة مستقلة. فهو وإن لم يكن وصفًا عقليًّا مُصاغًا إلا أنه موضوع يحلل، وقد يدخل نفي الشبه والنظير معًا.١٥
ولأول مرة يظهر الواحد في باب مستقل كأول وصف للذات وسابقًا على صفاتها.١٦ ويذكر معه الصفات العشر مما يدل على أهميته. كما يظهر كوصف ثالث في باب مستقل بذاته بعد إثبات واجب الوجود وإثبات التنزيهات الخمسة، ونفي المشاركة والجسمية والاتحاد والحلول وقيام الذات بالحوادث ونفي الأعراض المحسوسة.١٧ وتظهر الوحدانية بعد القيام بالذات والوجود والشيء والغنى. وتظهر أيضًا بعد مخالفته للخلق ووصفه بالعظيم والجميل لذاته بأنه وتر لذاته مما يدل على أن الوصف تعبير عن تعظيم وتبجيل وإجلال وتقدير.١٨ ويظهر الواحد عرضًا في معرض الحياة ودون التأكيد على أهميته، ليس من حيث المعنى، بل من حيث اللفظ وجواز التسمية.١٩
وتظهر الوحدانية بعد الوجود وصفات المعاني السبع فيما يجب على الله وبعد الرؤية والأفعال فيما يجوز عليه، وكأن الوحدانية مجرد جواز وليست وجوبًا.٢٠ وقد توضع في أي من الأقسام الثلاثة، فالواحد ما يجب لله يغني نفي الاثنينية، وهذا ما يستحيل على الله، وبالتالي فهي بين الوجوب والاستحالة.٢١ وقد تظهر أيضًا آخر وصف للذات قبل صفات المعاني٢٢ أو كآخر فصل في التوحيد بعد أوصاف الذات وصفات المعاني والرؤية وقبل العدل.٢٣ وتظهر آخر موضوع في التوحيد بعد صفات الثبوت والصفات المختلف عليها وإثبات الرؤية وقبل العدل.٢٤ كما تظهر بعد نفي التشبيه وكلاهما بعد صفات المعاني السبع بعد إثبات القِدَم والوجود.٢٥ وقبل الصفات السمعية الثلاث ولأول مرة يتصدر التوحيد «كتاب التوحيد» بعد إدخال نفي التشبيه في آخر دليل الحدوث.٢٦
وفي أول إحصاء لأوصاف الذات في عشر يظهر واحد على أنه الوصف العاشر والأخير بعد الوجود والقِدَم والبقاء ونفي الجسمية ونفي الجوهر ونفي العرض ونفي الجهة والتنزيه عن الاستقرار وإثبات الرؤية.٢٧ وتظهر الوحدانية كآخر وصف للذات بعد الوجود والقِدَم ونفي الحاجة ونفي الجسم ونفي العرض ونفي الرؤية على أنه نفي الثاني ويدخل فيه الكلام على النصارى.٢٨ وبعد استقرار البناء النظري في أحكام العقل الثلاثة وما يجب لله من عشرين صفة تظهر الوحدانية على أنها سادس صفة، وما يستحيل عشرون صفة تظهر على أنه من المستحيل ألا يكون واحدًا أو بأن يكون مركَّبًا في ذاته أو يكون له مماثل في ذاته أو في صفاته أو يكون معه في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال. كما يذكر البرهان على الوحدانية. وهو ما يُسَمَّى في العقائد المتأخرة واحد في ذاته وصفاته وأفعاله.٢٩ وتظهر أيضًا على أنها سادس صفة في تفسير «لا إله إلا الله» بالاستغناء عن كل ما سواه.٣٠ ولأول مرة بعد ذكر وصف الواحد ترفض جميع صور التثنية. ويذكر نقض المجوس في تفسير «ولم يكن له كفوًا أحد» مع إثبات الوجود والوحدانية ونفي الشبه ونقض اليهود والنصارى.٣١
وقد يرد على المذاهب المعارضة في معرض رفض العقائد دون إثبات وصف مقابل وهو الوحدانية.٣٢ وقد ترفض الثنوية في معرض رفض قِدَم العالم مع الدهرية وليس في معرض إثبات الوحدانية.٣٣ وقد ترفض الثنوية أيضًا في العدل في نفي مسئولية الظلام عن الشر ونسبته إمَّا إلى الله أو إلى حرية الإنسان. وبعد الوحدانية كآخر فصل في التوحيد قبل العدل تنتهي الوحدانية بتحليل أنواع الشرك، عبادة الأوثان والأصنام وعبادة الملائكة وعبادة الكواكب.٣٤ وفي بعض المؤلفات الموسوعية المتأخرة يظهر وصف الواحد على أنه الأهم للذات بعد ذكر الصفات المعنوية السبع.٣٥ وفي بعض الحركات الإصلاحية التي اقتصرت على إثبات القِدَم والبقاء كأحكام الواجب تظهر الوحدة بعد صفات المعاني وبعد الاختيار.٣٦ وفي إصلاح العقائد وإعادة بنائها يظهر أخيرًا التوحيد العلمي ونفي الشرك.٣٧ كل ذلك يدل على أنه بالرغم من أن صفة الواحد واضحة في أصل الوحي، سواء كتصور أو كوضع عملي، إلا أنه أخذ وقتًا طويلًا حتى استقر في علم العقائد كوصف سادس للذات.

(٢) نقد الثنوية

بالرغم من أن الوحدانية، أي أنه واحد، تبدو وصفًا ثبوتيًّا إلا أنها في الحقيقة وصف سلبي مثل باقي الصفات: المخالفة للحوادث، وليس في محل، ومثل الوجود الذي يعني أنه ليس عدمًا، والقِدَم الذي يعني أنه ليس حادثًا، والبقاء الذي يعني أنه ليس فانيًا. فالواحد يعني أنه لا ثاني له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. ويستحيل أن يكون مركَّبًا في ذاته أو له مماثل في ذاته أو صفاته أو يكون معه في الوجود مؤثر في الأفعال. وبالتالي ترتبط الوحدانية بالعدل فيما لا يتعلق بالتأثير وهو الشرك العملي.٣٨

ووصف الوحدانية موجه إلى الثنوية وإلى التثليث وإلى تعدد الآلهة، وكلها مظاهر للشرك. وهو موجه أساسًا ضد الثنوية دون التثليث أو تعدد الآلهة لما دخلت عقائد النصارى في المخالفة في الحوادث ونفي الشبه. أمَّا تعدد الآلهة فلم يكن عند القدماء في الحضارات القديمة المعروفة في الوعي الحضاري التاريخي إلا عبادة الأصنام والأوثان والشرك بوجه عام. كما أن التثليث وتعدد الآلهة يردان إلى الثنوية، وهي أولى مظاهر التعدد. كان ممثل الوثنية في الديانات القديمة الثنوية والمجوسية، ولكن الخطر الأعظم كان من الثنوية، فالمجوسية نوع من الثنوية. لذلك كان النقد كله موجهًا إلى الثنوية على أنها عقيدة مضادة للوحدانية.

ويغلب على هذا الوصف السادس: الوحدانية، تاريخ الفِرَق والديانات التي تقوم على الثنوية مما جعل علم أصول الدِّين يبدو وكأنه علم تاريخ أديان أو علم مقارن للديانات.٣٩ وتجمع فرق الثنوية كلها بنية واحدة تقوم على القول بصانعين قديمين، أحدهما نور والآخر ظلمة، الأوَّل فاعل للخير والمنافع والثاني فاعل للشرور والمضار، وأن الأجسام ممتزجة من النور والظلمة. النور والظلمة متنافران صعودًا وهبوطًا ثم يتم مزج العالم منهما، وكل واحد منهما مشتمل على أربعة طبائع: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والأولان منهما مدبران، والامتزاج والخلط غير واعٍ كأن المبدأين مجرد قوتين عمياوين.٤٠ وفي حقيقة الأمر أن هذه الديانة التي تقوم على ثنائية مادية متعارضة الطرفين إنما هي صورة فنية تعبر عن ظروف سياسية واجتماعية، الصراع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين العدل والظلم، وتظهر عند الجماعات المضطهدة، وتنتشر بينها. هذه كلها صورة وجدانية صرفة تعبر عما يكمن في وعي الأفراد والجماعات من معارك مكبوتة وآلام صارخة. فصورة الأخف والثقل تعبيرات وجدانية ومقامات صوفية. والامتزاج غير الواعي تعبير عن قوى الظلم والقهر اللاعاقلة.٤١ والتفسير الوحيد الممكن لكل هذه المذاهب والعقائد هو ردها إلى بيئتها الاجتماعية التي منها نشأت وليس مواجهتها بالحجة والبرهان؛ لأنها موقف نفسي وليست موقفًا عقليًّا. فسواء كان الامتزاج لا واعيًا أم واعيًا، أو كان أصلًا ثالثًا أم لم يكن، أو كان الأصلان جسمين قديمين فاعلين بالطبع أو بالاختيار لا يغير من فاعلية الثنوية كدين للمضطهدين وانتشاره بين جماعات الاضطهاد. وما أسهل على المنتصر من الرد عقلًا على المهزوم، وما أسهل أن تحاور السلطة معارضيها داخل جدران السجون. إن الحوار الوحيد الممكن في هذه الحالة هو تغيير وضع الاضطهاد ورفع الظلم عن الجماعات المضطهدة، وبالتالي تختفي الثنوية عمليًّا دون الرد عليها نظريًّا. وما أسهل من إثبات عدم وجود الشر وأنه مجرد نقص أو درجة كمال أقل للذي لم يعانِ مرارة الاضطهاد وأهوال التعذيب داخل جدران السجون.٤٢ ومع ذلك يتأثر المنتصر بدين المهزوم احتواءً لدين المعارضة وتصفيةً له من فاعليته وإعادة تفسيره لحساب السلطة فيصبح مبدأ الخير هو عالم الملائكة، ومبدأ الشر عالم الشياطين، ومبدأ الاختلاط عالم البشر.٤٣
وتبدو أحيانًا الباطنية على أنها اسم للثنوية، وأن الثنوية إحدى فرق الباطنية. فالله خالق النفس، فهو الأوَّل وهي الثاني، كلاهما مدبران للعالم. وقد يُشار إليهما أيضًا بالعقل والنفس يقومان بتدبير الكواكب السبعة والطبائع الأُوَل.٤٤
والمرقونية إحدى فرق الثنوية تثبت معدَّلًا بين النور والظلمة. فالنور والظلمة عند الامتزاج يفعلان العالم قصدًا أو طبعًا. لو تفرد النور مزاجه لم يقصد إلا الخير، ولو تفرد الظلام لم يقصد إلا الشر.٤٥ والحقيقة أن القصد والطبع شيء واحد، فالقصد تعبير عن الطبع والطبع قصد نظرًا للوعي. وقد رد أهل السنة برفض العنصر الثالث مع أنه أقرب إلى الوعي والقصد. ورده إلى النور فيكون نورًا أو إلى الظلمة فيكون ظلمة إنكار للمتوسطات، وبالتالي يكونون أقرب إلى الثنوية منهم إلى التوحيد. ولا يمكن الاتحاد بين النور والظلمة في شيء لتنافرهما. وقد بقي فكر السلطة ثنائيًّا أيضًا لرفض عقائد المعارضة وإبقاءً على الصراع بين الحق والباطل، حق السلطة وباطل المعارضة، ورفضًا لأي محاولة للمصالحة أو للوحدة الوطنية.
والإشغانية إحدى فرق الثنوية ترى أن الظلام موات يقتضي الشر بطبعه، والنور حي يقع منه الخير قصدًا. فالحياة والموت عنصران مثل النور والظلمة أو الخير والشر. ولكن الطبع أقل من القصد، فالحتمية أقل من الحرية. فإذا كان الخير يفعل قصدًا فإن الشر يفعل طبعًا.٤٦ في حين أنه عند فرق الثنوية كلها النور مطبوع على الخير لا يقدر على خلافه، والظلمة مطبوعة على الشر لا تقدر إلا عليه؛ وذلك لأن الآلام قبيحة لذاتها والملاذ حسنة لذاتها، وأن الفاعل الواحد يستطيع أن يكون لكليهما، فأثبتوا فاعلين. ونظرًا لرد أهل السنة على الثنوية من منظور عقائد أهل السنة، فإنه صعب تفنيد نظرية الحسن والقبح العقليين التي يخاصمها أهل السنة مع أنه يسهل الرد عليها من منظور عقائد المعتزلة. فالحسن والقبح العقليان لا يتطلبان بالضرورة فاعلين. الطبع يثير المشكلة والاختيار يحلها.
والديصانية اسم آخر للإشغانية ترى أن الظلام موات فعَّال للشر بطبعه دون النور. ويرد أهل السنة بأنه إذا كان النور أشرف من الظلمة، إذ إنه حياة وقصد والثاني موات وطبع، فهو الأجدر بوصف الله. ولما ظهر بعد الخير والشر فأصبح المبحث أدخل في التعديل والتجوير، أي في نظرية العدل منه في التوحيد. ويبدو رد أهل السنة وجدانيًّا خالصًا، إذ يكفي إعطاء الله أفضل طرف في القسمة وهو النور، وبالتالي تكون عقائدهم أحد ضحايا عقائد الثنوية.٤٧

وتقول المنانية (المانوية) بوجود إلهين خالقين حسيين، خالق للخير والنور والضياء، وخالق للشر والظلمة والبلاء. وكانت أقرب إلى التنزيه وذلك بتنزيه الله عن خلق الظلمة والبلاء والهوام والسباع بناءً على نظرة متطهرة تبرئ الله من فعل الشر. فالنور يصعد إلى أعلى والظلمة تهبط إلى أسفل. ومع أن المزاج القديم لعلته إلا أن النور والظلمة متناهيان من بعض أجزائهما لذرع الأرواح لها. أمَّا بلاد الهمامة فإنها لا تتناهى في الذرع والمساحة ومِنْ ثَمَّ تذرعها الأرواح اللامتناهية. وتفعل الأرواح الصدق والكذب والذنب والاعتذار والإساءة، جنسين مختلفين، خيرًا وشرًّا. وقد شارك المعتزلة في الرد عليهم بأن ذلك نسق متناقض بين التناهي واللاتناهي واستحالة قطع ما لا يتناهى. والحقيقة أن الأسطورة لا يُحكَم عليها بالاتساق أو بالتناقض، بل بكشفها وتصويرها لموقف نفسي اجتماعي لجماعة معينة. اللاتناهي يعبر عن التمني، والمتناهي يعبر عن الواقع. كما تكشف عن الأساس الأخلاقي في السلوك وبتداخل الشر مع الخير ومزاحمته له، وهي التجربة الحية لجماعات الاضطهاد.

والمجوسية نوع من الثنوية مع تغيير العبارة واللفظ وبقاء الأساس النفسي والبناء النظري. ولا يتحدث القدماء عن «المجوسية» كمذهب وعقيدة، بل عن المجوس كفرقة وطائفة. تقول أيضًا بصانعين: إله قديم وهو يزدان والآخر شيطان رجيم وهو أهرمن، الأوَّل نور والثاني ظلمة. فإن لم يكن الإلهان قديمين فالأول قديم وهو الإله الفاعل للخيرات والثاني شيطان محدث وهو الإله الفاعل للشرور. النور قديم، والظلمة حادثة. وهذا أول انكسار للثنائية كعقيدة نظرية بإعطاء الأولوية لأحد الإلهين، وهو إله الخير، على الإله الآخر، وهو إله الشر، وبالتالي الاقتراب من التوحيد، ووحدانية الإله. الأصل هو النور، والظلمة سقوط بعض أجزائه. وقد نشأ الثاني من الأوَّل لشكة ظهرت لبعض الأشخاص النور، وكانت فكرة ردية في الصلاة، فولدت الظلام ثم تركب الظلام شيطانًا. وقد تكون نشأته من فكرة متعقبة لبعض أشخاص النور، فكرة ردية أيضًا، عبروا عنها بالعقوبة. فقد خطر لأحد أشخاص النور أنه لو حدث ظلام شرير يناوئه وينازعه ليرى كيف يكون فتولدت الظلمة.٤٨ وقد يحدث بإحداث بعض أشخاص النور معاقبةً لما فرطت منهم مفارقة لما يخالف الحكمة. وقد يموت من عفونات الأرض. وما يهم في النشأة هو أن الإله الثاني ساقط عن الأوَّل وبالتالي أقل منه، بناءً على فكرة ردية وليس على فعل خاطئ (سقوط آدم) أو بناء على عقوبة لشخص، أو من مادة، وكأن مصادر الشر ثلاثة صورية ومادية وإنسانية. الشيطان جزء من الإله والشر متولد عن الخير. فهل يجعل ذلك الشيطان أقوى من الله والشر أقوى من الخير؛ لأنه تولد عن فكرة، وجزء من الخطة الإلهية إن لم يكن جزءًا من الألوهية التي لا تكتمل إلا بوجوب الضد؟ وهل يجوز أن يخلق الله وهو الخير من بطنه شرًّا وهو الشيطان؟ هل يولد الضد الضد؟ ألا ينتهي إلى إثبات فاعلين، واحد للخير وواحد للشر، في حين أن الإنسان فاعل واحد؟ أي أنه ينتهي إلى إثبات الحتمية والتناقض وتكليف ما لا يُطاق، أمر الكافر بالإيمان وهو ما لا يستطيع الفكاك منه.٤٩
وقد نقد القدماء من أهل السنة المجوس اعتمادًا على آية: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ إفرادًا لله بالوحدانية والألوهية. كما أن الامتزاج لا يكون بين البسائط، ولا يمكن الجمع بين المتنافرين. كما يستحيل الشك على القديم فيتولد من هذا الشك الموت والقتال واحتيال. كما نقد قدماء المعتزلة المجوس في الحسن والقبح دفاعًا عن الحرية والمسئولية والعقل والتوحيد واستحالة أن يكون الإلهان سببًا لتفسير أفعال الإنسان الحسنة أو القبيحة.٥٠ والحقيقة أن نقد المجوس عند القدماء يتوجَّه إمَّا لمشكلة الشر وتجسيمه، أي كجزء من العدل أو يتوجه إلى التوحيد في رفض الاثنينية مع الثنوية أو يتوجه إلى الأخرويات في موضوع الشيطان الذي يتجسد الشر أو الوعد والوعيد والإيمان والكفر. تدخل المجوسية في ثنائية التأليه ضد الواحدية كما تدخل في حتمية الخلق ضد حرية العباد. وتدخل كذلك في إثبات أنطولوجيا ضد مسئولية الإنسان عنه فعلًا وتصورًا. والمجوسية مثل عقائد الثنوية، إنما هي تعبير عن حركة باطنية مكبوتة بين الخير والشر، ثم مهادنة ومصالحة مؤقتة اعترافًا بميزان القوى ثم أملًا في انتصار الخير على الشر في النهاية تأكيدًا على ثقة الإنسان بنفسه ودفعًا لأعذاره. فالزمان عامل إيجابي، والانتظار إعداد، ونهاية الزمان إعلان لانتصار الخير على الشر وقتل الشيطان، وهو ما يشبه عقائد السنة في علامات الساعة وقتل المسيح الدجال.٥١
وتقول الخابطية نفس الشيء في عيسى. فالله عوض تدبير العالم إلى عيسى فهو الخالق الثاني. للخلق إذن ربان، قديم وهو الله ومخلوق وهو عيسى. المسيح ابن الله من غير ولادة، وهو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وهو مذكور في آيات الوحي.٥٢ تدرَّع المسيح جسدًا بعد أن كان عقلًا، فهو الكلمة. ويتضح من ذلك أثر البنية الدينية القديمة التي دخلت في الجزيرة العربية مثل المسيحية وتكرار العقائد المسيحية التي لها نفس البنية التي للثنوية، والتي خرجت أيضًا من جماعات الاضطهاد الأولى في نشأة المسيحية. ولا يوجد نماذج للثنوية في اليهودية للرد عليها كما هو الحال في التجسيم. الرد عليها في النبوة في إنكار النسخ ونبوة الرسول أو قصر آخر مرحلة من مراحل الوحي على العرب وحدهم.٥٣ ولكن وضع المسيح مثل وضع علي، كلاهما مغبون، مظلوم بريء، كلٌّ على طريقته، مما أدى إلى تضخيمهما إلى حد التأليه.
وأخيرًا تقول المفوضية (من غلاة الروافض) إن الله فوَّض تدبير العالم إلى علي، فهو الخالق الثاني، وذلك تأليهًا لعلي نظرًا لما ألم به من ظلم واضطهاد، فالفعل يولد رد الفعل، والغبن يولد العظمة، والفناء يولد البقاء.٥٤ وواضح من ديانات الثنوية صعوبة التفرقة بين الفِرَق الداخلية مثل الباطنية والمفوضية والفِرَق الخارجية مثل الديصانية والمجوسية، فقد أصبح كلاهما جزءًا من الحضارة وأحد روافدها نظرًا لتشابه البنية العقلية التي تعبر عن ظروف نفسية واجتماعية متشابهة.
ولم يتصدَّ القدماء للشرك بمعنى التثليث أو تعدد الآلهة، فقد كان الخطر واردًا من الثنوية وتفسير التوحيد على بنية ثنوية. ومع ذلك فقد تعرضوا للقائلين بالشرك، خاصةً لعبادة الأوثان المذكورة في أصل الوحي. ولها تأويلات عديدة منها عبادة الكواكب، وأخذ صنم لكل منها، فالأصل دين الطبيعة والفرع عبادة الأصنام، ويتضح ذلك من دين قوم إبراهيم الخليل. ومنها التجسيم والتشبيه. فالله والملائكة نور، والأصنام صور له ولها. الأصل أيضًا دين الطبيعة، أي النور، والفرع هو صناعة الإنسان. ومنها أنه ليس للبشر أهلية لعبادة الله. إنما أقصى شيء باستطاعتهم هو عبادة الملائكة ثم صنع الأصنام لها وتخصيص وظائف لها كالملوك، كلٌّ منها يدبر دولته. أي أن الله منزه عن العبادة، ولا يعبد إلا رسله تعبيرًا عن حاجة إنسانية في التدبير والسياسة. ومنها رصد المنجمين الأوقات الصالحة للطلسمات النافعة في الأفعال المخصوصة ثم عمل الأصنام لها للرجوع إليها طلبًا للمنافع. وهنا يبدو الدين الطبيعي قائمًا أساسًا على تحقيق مصالح الناس وتلبية حاجاتهم، وأن نشأة الدين للمنفعة.٥٥

(٣) دليل التمانع

صاغ القدماء أشهر دليل لإثبات الوحدانية، وهو دليل التمانع. فماذا تعني الوحدانية المراد إثباتها؟ تعني كونه واحدًا. ويرجع ذلك إلى ثبوت ذاته ونفي غيره. فهو واحد لذاته، وتر لذاته، أحد لذاته، واحد فرد. وهي الصفة الوحيدة التي لا تكون زائدة على الذات، مع أن رأي الأشعرية إثبات الصفات زائدة على الذات عن طريق نفي القسمة والتركيب. تثبت صفة الوحدانية عن طريق نفي التغاير والشرك في الخلق، أي عن طريق التوحيد في الأفعال. يعني الواحد أنه غير قابل للقسمة في ذاته وغير قابل للشركة. فالباري واحد في ذاته لا قسمة له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له.٥٦ الله واحد ليس بالعد أو الإحصاء، فهو ليس ثالث كل اثنين أو رابع كل ثلاثة. وهو واحد لأنه متفرد بالوحدانية ولا يوصف غيره بها.٥٧ الله واحد لا عن طريق العد بل عن طريق أنه لا شريك له، واحد أحد متفرد بالتوحيد. والوحدانية تنفي الصاحبة والولد، وهي العبارة الأكثر شيوعًا في التحميدات والبسملات، تدخل ضمن إعلان النيات وصياغة قواعد الإيمان. كما تعني الوحدانية نفي التشبيه والتفرد بالتنزيه، ليس واحدًا من جهة العدد، بل واحد لا شبيه له ولا نظير، وصفه بصفات الكمال ونفي صفات النقص عنه، ليس كمثله شيء. لا مثيل له، لا ضد له، لا ند له، لم يزل أحدًا، لا شريك له، لا انقسام فيه، ولا تبعيض، وإلا كان جزءًا مقدورًا مخترعًا.٥٨ الواحد لا يجتمع ولا يفترق، ولا يتجزأ ولا يتبعض، لا يتركب ولا يختلط. الله باعتباره موضوعًا للشعور فرد. وقد يكون هو الوصف المثبت الوحيد في التنزيه، يتحدد باستبعاد أي تشابه بينه وبين الغير، هو غير لا كالأغيار، وإثباته على أنه غير رغبة في إثبات الشيء وعدم الاكتفاء بالتنزيه كعملية شعورية خالصة. فالتجاوز المستمر للحس يحتاج إلى نقطة ثابتة يصل إليها، وهنا يبدأ تجوهر الوعي الخالص في التنزيه كما بدأ تشخيصه في التشبيه.٥٩
وإذا كان لا يقبل القسمة فإنه لا يمكن البرهنة عليه بدليل الجوهر الفرد الذي يقوم على افتراض القسمة. ولا يمكن عمل مقدمات من طبيعة مخالفة لطبيعة النتائج وإلا بطل القياس. وهنا تأتي أهمية دليل التمانع لرفض قول الثنوية. يُسَمَّى أحيانًا دليلًا وأحيانًا أخرى دلالة؛ نظرًا لأن له صياغات عدة تقوم كلها على منع الاشتراك مرة في الوجود، ومرة ثانية في الكمال، ومرة ثالثة في القدرة، ومرة رابعة في الإرادة والمراد.٦٠ فلو قدَّر إلهان لا يخلو إمَّا أن يشتركا من كل وجه أو يختلفا من كل وجه أو أن يشتركا من وجه دون وجه. فالحالة الأولى لا تعدد فيها، والحالة الثانية أحدهما حتمًا ليس إلهًا وهو ما لم يكن واجب الوجود كامل الصفات، وفي الحالة الثالثة يكون تخصيص الاشتراك أو الاتفاق مستندًا إليه أو خارجًا عنه، فإن استند إليه إمَّا أن يكون بالذات أو بإرادة ولا يجوز لذاته وإلا كان الاشتراك ضرورة، وإن كان بالإرادة فهو متحقق دون تخصص وهو محال، وإن كان خارجًا عنه إمَّا باستناد كل واحد إلى صاحبه وهو ممتنع أو أن يكون كل منهما ممكنًا وجوده وهو محال.٦١ فإذا بطلت الاحتمالات كلها في افتراض العكس وهو وجود أكثر من إله يثبت الافتراض الضمني وهو أن الله واحد. وواضح أن الدليل يقوم على برهان الخُلْف وهو إثبات استحالة الضد وبالتالي يثبت الافتراض. فهو برهان بالعكس وليس برهانًا بالأصالة. كما أنه يقوم على افتراض إلهين اثنين ولا يستبعد وجود أكثر من إلهين، فهو إذن برهان ينفي الاثنينية وقد لا ينفي التعددية.
وهناك صيغة أخرى للدليل تقوم على الوجود وليس على مجرد الاشتراك العام. فلو قدر وجود إلهين ووجود حادث، فإمَّا أن يستند إليهما أو إلى أحدهما. ولا يمكن الاستناد إليهما معًا؛ لأنه إمَّا يُضاف بجهة الاستقلال أو يُضاف إليهما على وجه لو قدر الأوَّل عدم موجود. الأوَّل مستحيل، وإسقاط تأثير واحد ليس أولى من إسقاط الآخر، وذلك يؤدي إلى إسقاطهما معًا. والثاني محال لأن إيجاد كل واحد منهما بالإرادة والقصد لا بالطبع والذات. فيمتنع قصد كل واحد منهما إلى الإيجاد، وبالتالي يستحيل وجود إلهين يستند إليهما موجود واحد حادث، ولا يبقى إلا افتراض وجود إله واحد. والدليل على هذا النحو يستبعد افتراض الاثنينية، ولكنه لا يحول افتراض الوحدانية إلى حقيقة، وتبقى الوحدانية افتراضًا بلا إثبات. كما أنه لا يستبعد إمكانية المشاركة والتسلسل إلى ما لا نهاية. ويقوم على افتراض اختلاف المرادات وليس على الاتفاق وهو أليق بالآلهة. واختلاف المرادات يدل على اختلاف المريدين إرادةً وليس وجودًا.٦٢
وقد تكون الصياغة صراحةً من حيث المراد، فلو وُجد إلهان لاختلفا. فإذا حقق أحدهما مراده لكان الآخر عاجزًا. فمحال أن يتم مرادهما معًا وألا يتم مرادهما معًا، والعجز من سمات الحدوث. وهو الدليل الذي يثبت الله من حيث القدرة والعلم والاختيار.٦٣ والحقيقة أنه دليل يثبت القدرة ولا يثبت الوحدانية. ويتعلق بالمراد، أي بالأحكام والنظام واتساق الكون، بالصفات وليس بالذات، ولهذا قد تُعاد صياغة الدليل على التحيز لا على الإرادة، وبالتالي يقع بين دليل الحدوث ودلالة التمانع. وتدخل الحركة والسكون مع الإرادة. ويأتي ترجيح الإرادات وشرط الاستغناء.٦٤
ويأخذ دليل التمانع صيغة عملية وتظهر صفة القدرة. فلو لم يكن الله واحدًا لزم أن لا يوجد شيء من العالم للزوم عجزه. الوحدانية هنا تعني القدرة ونفي الشرك العملي واشتراك مؤثر أو مرجح آخر. البرهان على الوحدانية في الخلق. كل شيء فيه يدل على أنه الواحد ولا يخلق الله شيئًا إلا كان دليلًا على وحدانيته. وبالتالي يقترب البرهان الطبيعي من البرهان العقلي. وهذا الدليل أقرب إلى إثبات الصانع قادرًا أكثر منه واحدًا. يثبت صفة القدرة أكثر من إثباته وصف الوحدانية.٦٥
وقد يأخذ الدليل صفة الكمال، فالله واحد تعني أن الله كامل، فالوصف يثبت بالصفة، والأوصاف تستنبط من الصفات. ويقتضي الكمال نفي التبعيض والتجزئة، أي المعاني المضادة للوحدانية. كما يتضمن إثبات العلم والقدرة والحياة كصفات متضمنة في صفة الوحدانية مع أن الأولى مجرد تعريفات عن طريق النفي الأصلي والثانية ليست من مستلزمات الوحدانية كتصور مجرد.٦٦
والحقيقة أن هذه الصياغات المتعددة لدلالة التمانع أقرب إلى الأقاويل الخطابية منها إلى البرهان، لذلك سُمِّيَت دلالةً وليست دليلًا، أي مجرد فكرة وإحساس وجداني وليست برهانًا. وهي أقرب إلى الخطابة الإقناعية، تقوم على العادات والمشاهدات ومجريات الأمور. كما أنه أقرب إلى التمرين العقلي المنطقي الذي يقوم على عواطف التأليه. فالقسمة العقلية الجامعة تستبعد من الأساس كل الاحتمالات المضادة ولا تبقى إلا على ما تقتضيه عاطفة التأليه وهو المؤلَّه الشخص القادر. كما أنه يقوم في النهاية على تجريد للأدلة النقلية ومعانٍ عامة للآيات دون صياغات منطقية محكمة.٦٧
وقد اتفق جميع الموحدين على دليل التمانع، أي استحالة وجود إلهين لكل منهما خصائص الألوهية. حتى الثنوية التي أثبتت إلهين قديمين، فإنها تثبت لأحدهما ما لا تثبت للآخر من كل وجه. وحتى الفلاسفة الذين قالوا بأزلية العقل والنفس وسرمدية الحركة لم يثبتوا للمعلول خصائص العلة. وواجب الوجود لذاته لا يجوز أن يكون أجزاء كمية ولا أجزاء ذات قول ولا أجزاء ذات فعل ووجود. فهو واحد من كل وجه. لذلك نفوا الصفات، وإن أثبتوها فبمعنى آخر ينفي التعدد والشركة والتركيب. منع الحكماء وجود إلهين لاستحالة وجود واجبي الوجود، كما أن الوجوب هو المقتضي للتعين، فيمتنع التعدد.٦٨ والصابئة أثبتت الروحانيين والهياكل أزلية مدبرة للعالم وسموها أربابًا إلا أنهم لم يصفوها بخصائص رب الأرباب. يتوجه دليل التمانع فقط على من يثبت خالقًا دون الله، أي صفة الخلق وحدها، إذ إن أخص وصف لله الواحد هي القدرة على الاختراع دون أن يشاركه فيها غيره، ومن أثبت الشركة فقد أثبت إلهين.٦٩
ومع ذلك فدليل التمانع وصياغاته العديدة لم تقنع المتكلمين ولا الفقهاء، ولخصوها في مسلكين ضعيفين للإثبات: الأوَّل أنه بفرض إلهين تستوي الممكنات ويستحيل الترجيح بلا مرجح، ويمتنع وجود مؤثرين على أثر واحد، فلو أراد أحدهما الحركة لأراد الآخر السكون. فإمَّا أن يحصل مرادهما أو لا يحصل، وكلاهما محال. وإمَّا يحصل مراد أحدهما دون الآخر فيلزم عجزه وبالتالي يكون الأوَّل إلهًا. ومنشأ الخلط والغلط هو القول بتصور اجتماع إرادتيهما. والثاني أن الطريق الموصل إلى معرفة الباري ليس إلا وجود الحادثات لضرورة افتقارها إلى مرجح ينتهي الأمر عنده وهي لا تدل على أكثر من واحد. وهو أيضًا ضعيف لأنه ينفي وجود الاثنين لا وجود الواحد، وضعفه في الحقيقة أنه راجع إلى دليل الحدوث، أي إثبات وجود الله وليس إثبات وحدانية الله.٧٠
وعند الأشاعرة لا يستقيم دليل التمانع مع أصول القدرية؛ لأن البغداديين منهم يرون أن الصانع ليس بمريد على الحقيقة، وأنه يفعل الفعل لا بإرادة، فكانوا أقرب إلى الثنوية. وأمَّا البصريون فمنهم من يرى أن الله مريد بإرادة حادثة لا في محل وهم بذلك لا ينفصلون عن الثنوية أيضًا.٧١ لا يستقيم الدليل مع أصول المعتزلة لأن لديهم يقع من العباد ما لا يقع من الرب دون أن يتضمن ذلك الحكم بقصوره نظرًا لحرية الأفعال. لذلك رفض شيوخ المعتزلة التمانع في آية: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا نظرًا لارتباط الموضوع بخلق الأفعال. وقد حرصت الحركات الإصلاحية الأشعرية في التوحيد والاعتزالية في العدل على تبني دلالة التمانع دون التضحية بخلق الأفعال. فالوحدانية لا تقضي على الفعل الإنساني الحر، بل هي تأكيد له عندما يصبح الشعور واحدًا. وإثبات الوحدانية الفردية لا يحيل الحرية الإنسانية، فالوحدانية صفة للذات أكثر منها صفة للفعل واستعمال الإرادتين الإلهية والإنسانية ليس نقصًا للوحدانية.٧٢ والوحدة ثلاثة مستويات: وحدة الذات بنفي التركيب، ووحدة الصفات بنفي التشبيه، ثم وحدة الأفعال، أي أن الله هو الفاعل الحق. وهنا يأتي الصدام مع خلق الأفعال وحرية الإرادة عند المعتزلة. وقد نبهت الحركات الإصلاحية الأخيرة على أهمية التوحيد العملي دون النظري الذي هو «بحث فلسفي في الوحدة قلما يحتاج إليه أحد في هذا العصر» ردًّا على بحوث القدماء في الثنوية، في حين أن الآن لا يوجد إلا تثليث النصارى وعقائد الهندوس. وقد غلب التوحيد العملي على الأشاعرة في خلق الأفعال وإثبات عبادة الله وحده.٧٣ ظهر الطابع العملي للتوحيد في العقائد المتأخرة، إمَّا عن ابتلاع للعدل في بطن التوحيد، أي ابتلاع الله لكل شيء للعالم وللإنسان أو رغبةً في إعادة الحياة لعقيدة التوحيد، أي التوحيد في العالم ونفي الشرك العملي فيه. فقد سمى المتأخرون توحيد الذات والصفات والأفعال توحيدًا بحصر وجوب الوجود أو بحصر الخالقية أو بحصر العبودية، وركزوا على التوحيد الثالث، أي توحيد الأفعال ونفي الاشتراك في التأثير والفاعلية وبالتالي تتحول عقيدة الجبر إلى عقيدة للتحرر.٧٤ كما يظهر الجانب العملي في عقائد المتأخرين في نظرية الاستغناء والافتقار، استغناء الله عن كل ما سواه وافتقار كل ما عداه إليه، الله وحده هو الجدير بالعبادة، لا يستحق أحد الألوهية سواه. وهو نفي كل مظاهر الشرك العملي، وهو معنى «لا إله إلا الله».٧٥

(٤) عملية التوحيد

والحقيقة أن التوحيد ليس وصفًا أو صفةً أو معنًى أو شيئًا، بل هو عملية، اسم فعل من «وحد» «يوحد» «توحيدًا». التوحيد ليس مجرد لفظ أو قضية عددية أو حتى فكرة أو عقيدة، بل عملية. اللفظ نفسه «توحيد» يدل على عملية التوحيد، وليس على شيء واحد. الواحد ليس وصفًا للشيء بل عملية توحيد. «الله واحد» تعني أن الله توحيد، واسم الفعل يدل على العملية وليس اسم علم يشير إلى كائن مشخص.٧٦ فإذا كان التوحيد عند القدماء هو الخبر الصادق أي إثبات شيء وإيجاده، فهو إذن إثبات خبر أن الله واحد، أي أنه عملية برهان عملي وتحقيق الوحدانية في النفس، وحدة الشعور ووحدة الشخصية، والوحدانية في المجتمع، مجتمع بلا طبقات أو الوحدانية في الإنسانية، مجتمعات بلا قهر أو تسلط أو استغلال بعضها للبعض. لذلك اشتمل التوحيد عند الأصوليين على قسمين: العلم والإقرار، النظر والعمل، البرهان والتحقيق. فالعلم بالله واحدًا دون تحقيق الوحدانية بالفعل، علم بلا إقرار. كما فرق الفقهاء بين التوحيد النظري والتوحيد العملي.٧٧ وهنا تمحى التفرقة التقليدية بين التوحيد كعلم للاعتقاديات وعلم الفقه كعلم للعمليات. علم التوحيد هو عملية التوحيد أو عمل التوحيد. التوحيد إذن علم وعمل. علم التوحيد هو الأساس النظري للعمل، وعمل التوحيد هو توحيد الشعور ثم توحيد العالم في نظام واحد يكون هو نظام الوحي، فالأشياء هي نظم الأشياء. التوحيد فعل من أفعال الشعور يظهر فيها الشعور ذاته من حيث هو شعور متوحد، ومهيِّئ لتصور واحدي للعالم. التوحيد إذن ليس عقيدة فقط بل عملية توحيد، وليس تصوُّرًا فقط بل نظام وليس عقيدة فحسب بل شريعة. والاسم «توحيد» من «تفعيل» يدل على عملية ولا يُشير إلى جوهر ثابت كما هو الحال في واحد على وزن فاعل. التوحيد فعل من أفعال الشعور، تتوحد فيه قواه وأبعاده نحو ماهية واحدة مطلقة وشاملة، عامة ومجردة، خالصة ومنزهة. وقد حاولت معظم الحركات الإصلاحية الحديثة إعطاء الأولوية للتوحيد العملي على التوحيد النظري، وتوجيه النصوص نحو سلبيات الواقع، فخرج التفسير مرآة يعكس فيها الواقع نفسه حتى ولو ظلت النصوص متفرقة لا يجمعها جامع واحد ولا تخضع لنظرية واحدة تعطيها أساسها النظري بسلطتها. وفاعلية الإيمان التلقائية كافية للتعبير.
وفعل التوحيد فعلان: فعل سلبي يُنفى به ما ليس هو التوحيد، وفعل إيجابي يثبت به ما هو التوحيد. الأوَّل فعل من أفعال الشعور من أجل البحث عن الخالص، المجرد من الشوائب النفسية والجسمية، الحسية والعقلية، التصورية والوجدانية. ومهمة هذا الفعل التفرقة المستمرة بين موضوع العلم وصياغات العلم. موضوع العلم واحد وصياغاتنا للعلم متغيرة طبقًا لتغير تصوراتنا عن موضوع العلم من عصر إلى عصر حتى لا يتوقف تقدم العلم ونقع في الدجماطيقية. لا توجد صيغة نهائية لموضوع العلم، بل يتقبل الموضوع صياغات متجددة إلى ما لا نهاية. وفي الوقت الذي يتم فيه التوحيد بين موضوع العلم وإحدى صياغاته يتوقف العلم ويتحول إلى جهل. وهذا يتطلب البحث المستمر عن الخالص، والذهاب باستمرار إلى ما هو أعمق وإلى ما وراء الظواهر، حيث يكمن أساس الظاهرة، وهو الظاهرة الحقيقية وليس مظهرها الجسمي المادي المرئي. إن الحقيقة خالصة، وهي في نفس الوقت فاعلة وموجودة ومحركة للعالم. لا يعني الخالص عدم الحركة وعدم التأثير، بل يعني الوجود والباعث وإمكانية التحقيق. ولو اختلطت الحقيقة الخالصة لأصبحت مجرد معلولات أو على أكثر تقدير مجرد علل ثانية. أمَّا الفعل الإيجابي فهو الصياغة المقترحة كبديل عن الصياغات القديمة التي تخلفت عن تقدم الواقع والتي سبقها الواقع بمراحل. وهي أيضًا ليست صيغة نهائية لأنها ستترك بعد حين إلى صياغة أخرى. ولكن الفعل السلبي هو الأساس، هو محرك التاريخ والباعث على التقدم المستمر، هو المغير والرافض والمحرك في حين أن الفعل الإيجابي هو الحاضر والثابت والساكن. وهذا هو المعنى المعرفي النظري لشعار «لا إله إلا الله» فالقضية تتكون من قضيتين: سالبة «لا إله» وموجبة «إلا الله». تظهر السالبة الخالص من الشوائب وتخلص الموضوع من صياغاته، وتغطي الموجبة آخر صياغة يقبلها العصر إلى حين. وكلاهما تعبيران لغويان عن فعلي الشعور، السالب والموجب.٧٨ وهذا هو معنى التنزيه والتشبيه. التنزيه نتيجة لفعل الشعور السالب من أجل تطهير الموضوع من صياغاته الزمانية والمكانية، والتشبيه هو الوقوف عند إحدى هذه الصياغات باعتبارها تعبيرًا عن فعل الشعور الموجب. فالتنزيه والتشبيه لا يعنيان وجود موضع مشخص، بل هما فعلان للشعور دون أن يكون لهما أي مضمون.
أمَّا المعنى العملي للشعار فهو تحرر الشعور الإنساني من كل القيود الاجتماعية والسياسية والمادية. فالفعل السالب يحرر الشعور من كل صور القهر، والفعل الموجب يدع الشعور حرًّا خالقًا مبدعًا. الأوَّل يحرر الإنسان من التبعية للقيم السائدة في عصره وما به من تعلقات، والثاني يجعل الإنسان متمثلًا لقيم جديدة ومرتبطًا بمبدأ عام. التوحيد هو بناء الشعور الفردي، طبيعته وحركته. التوحيد كمعرفة وكوجود، كنظر وعمل، يبدأ من الشعور. التوحيد معرفة فعل نفي الشريك والضد والمثل ولكنه أيضًا إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالأركان.٧٩ وعبارة التوحيد هي الشهادة «لا إله إلا الله». وهي من حيث البناء اللغوي لا تعني شيئًا؛ لأننا لو استبعدنا النفي «لا» والاستثناء «إلا» لبقي إله الله، وهو تعريف الشيء بمثله كمن يقول الله الله، أو إله إله، تحصيل حاصل، الموضوع هو المحمول والمحمول هو الموضوع، المبتدأ هو الخبر، والخبر هو المبتدأ. ومع ذلك فإن الشعار ينقسم إلى فعل «أشهد» ثم «لا إله إلا الله»، أي فعل الشهادة وموضوع الشهادة. لا تعني الشهادة مجرد اعتراف بعدد، ولا تعني مجرد إقرار وموافقة وأن تكرارها يكشف الأسرار والعجائب كما تقول الأشعرية المزدوجة بالتصوف. تعني الشهادة شهادة على العصر، والشهادة على العصر تضحية بالشاهد بنفسه وتحويله إلى شهيد.٨٠ الشاهد على عصره هو الشهيد، والشهداء على عصورهم شهداؤه. الشهادة قول الحق وإعلانه حين يصمت الناس، قول حق في وجه حاكم ظالم، فيسقطون شهداء وينالون الشهادة. الشهادة هنا قول وعمل، إيمان قلبي وإقرار فعلي.
لا يظهر التوحيد إذن إلا في الشهادة، والشهادة إعلان التوحيد، والموحد هو الشاهد على عملية التوحيد أو شهيدها. الشهادة هي التضحية بالنفس والتحول من حياة الفرد الزمنية إلى حياة الجماعة الأبدية.٨١ وتبدأ الشهادة بعملية الرفض المعبر عنه بحرف النفي «لا». الشاهد هو الرافض، الرافض لجميع آلهة العصر، جميع أنواع الطاغوت، وشتى مظاهر السيطرة وصنوف القهر والغرور. الشاهد هو الرافض وليس الموافق أو الراضي أو القانع أو القابع أو الخانع أو المستسلم. ولما كانت الشهادة ليست قولًا بل عمل، فإن حياة الإنسان كلها قد تنتهي قبل أن يرفض المتوحد آلهة العصر. ومعنى التشهد إذن صراع الإنسان مع الآلهة. آلهة العصر، دون إثبات شيء، الإله المنفي هو إله العصر. وقد تنقضي الحياة قبل إثبات «الله». وهنا يأخذ التنزيه والتشبيه معنًى عمليًّا، التنزيه هو النفي والتشبيه هو الإثبات. يتحول فعلًا النفي والإثبات من مستوى التوحيد النظري إلى مستوى التوحيد العملي، ويصبح التوحيد فعلًا مزدوجًا للشعور، فعل النفي المعبر عنه بحرف النفي «لا»، نفي آلهة العصر، وكل ما يكبل حرية الإنسان، ونقاء ضميره، وصحوة قلبه، وحرية إيمانه، وفعل الإثبات المعبر عنه بالاستثناء «إلا»، إثبات الإله الواحد القهار الذي يتساوى أمامه الجميع. التوحيد حرية الشعور التي تمتد إلى حرية العالم. «لا إله إلا الله» إذن منهج حياة، حرية البشر، حرية الضمير البشري، دفع الإكراه عن الناس في الإيمان وفي الفعل.٨٢
والوحدانية تجربة نفسية واجتماعية وسياسية وتاريخية وفنية، أي تجربة إنسانية عامة في الوحدة، وأفضليتها على التعدد والكثرة، وحدة الهدف، وحدة الصف، وحدة المصير، وحدة الوطن، وحدة الشعب، وحدة الثقافة، وحدة البشرية. لا يثبت هذا الوصف موضوعًا في الخارج بقدر ما يعبر عن مطلب إنساني. ففي التجربة، الوحدانية أكثر قيمة من الثنائية والتعدد. الحب واحد، والأب واحد، والأم واحدة، والنفس واحدة، والحقيقة واحدة، والأول واحد، لذلك كان الرب واحدًا. الوحدة أكثر حقيقة من الاثنينية أو الكثرة، وهي وحدة لا تتجزأ ولا تتبعض. التجزؤ يدل على التركيب، والتركيب يدل على وجود وحدة فردية سابقة عليه. وطالما كانت الوحدة مطلب كل الفلاسفة يبحثون عنها وينتهون إلى مذاهب في الوحدة، في المعرفة أو في الوجود أو في الأخلاق أو في السياسة أو في الجمال. تقوم الحياة الإنسانية بكل جوانبها على الوحدة، وحدة الشعور في الإحساس والعمل والسلوك الاجتماعي. الشعور الواحد هو أساس الراحة النفسية الداخلية، وتحقيق الوحدة الداخلية شرط تحقيق الوحدة الخارجية. وكل الأدلة التي قدمت لإثبات الوحدانية هي عمليات شعورية خالصة يساعدها تحليل العقل ولا تثبت شيئًا في الخارج. التوحيد حقيقة الحياة، إذ تقوم الحياة الإنسانية الكاملة على التوحيد بين قوى الشعور، القول والعمل والوجدان والفكر. ويقوم التغيير على التوحيد بين النظر والعمل. وتقوم الحياة الاجتماعية على التوحيد بين الفرد والجماعة، وتقوم الحركات الوطنية على التوحيد بين الأحزاب، وتقوم الدول القومية على التوحيد بين الدويلات.٨٣

التوحيد إذن مشروع يتحقق. لم يحدث بعد في جيلنا كما حدث عند القدماء، ولكنه يمكن أن يحدث، فهو في نطاق الممكن وليس في نطاق الواقع. عملية التوحيد هي تحويل هذا الممكن إلى واقع. التوحيد ليس شيئًا مُعطًى جاهزًا كاملًا، بل هي مجرد إمكانية تحقق. وبالتالي فإن نظرية أحكام العقل الثلاثة هي في نفسها نظرية أحكام الوجود الثلاثة. كانت الأولوية عند القدماء لطرفي الاستحالة والوجوب، ولم يكن الإمكان إلا طرفًا ضعيفًا لا يضم إلا الرؤية عند المتقدمين أو الفعل والترك عند المتأخرين. المستحيل هو المفارقة بين الوحي والعالم، الفصل بين المثال والواقع. والممكن هو التوحيد بينهما كمشروع تحقق، والواجب هو الفعل الإنساني القادر على تحويل هذا الممكن إلى واجب، والمستحيل هو الرضا بالضيم والقهر والذل والاستكانة، أي توقف المشروع عن الحركة والتحقق. وهناك فرق بين الوجود والإيجاد. التوحيد عملية إيجاد وليس إثبات وجود. التوحيد يمكن أن يوجد ولا يوجد بالضرورة. الإمكان إذن هو المقولة الرئيسية في أحكام الوجود الثلاثة، هو المحرك للاستحالة والوجوب. فلا مستحيل ولا وجود بدون الإمكان.

وعملية التوحيد هذه يقوم بها الإنسان. وقد تحدث العملية في إنسان دون آخر. التوحيد إذن فردي في أول لحظة في تحققه وليس عامًّا، اختيار حر للفرد وليس حتمًا على كل فرد. وقد يحدث التوحيد عند الفرد في لحظة من حياته دون لحظة أخرى. ليس التوحيد فقط فرديًّا، بل هو وقتي ولحظي، يظهر في القدرة على أخذ القرار في اللحظات المصيرية وفي إبداعات اللحظات المتميزة. ليس التوحيد باقيًا إلى الأبد، بل قد ينقطع بانقطاع الفعل وتوقف العملية. فالمستقبل ليس مجرد افتراض بأن التوحيد سيكون إلى الأبد، بل ترقب وتخطيط وإعداد وتحويل الممكن إلى واقع من خلال الفعل.

والتوحيد اجتماعي، توحيد الطبقات، توحيد الأمم والشعوب، توحيد الإنسانية. الفرق شاسع بين الطبقات الكادحة والأقلية المسيطرة، وشاسع بين الأمم المغلوبة المقهورة والأمم الغالبة القاهرة، شاسع بين الأغنياء والفقراء، بين البيض والملونين، بين الشعوب التاريخية والشعوب اللاتاريخية بين الشعوب غير الأوروبية والشعوب الأوروبية. يعني التوحيد إلغاء الفصم في روح المجتمع وروح العالم حتى يتم التوحيد بين الطبقات، وبين الشعوب، وبين الأمم. وذلك لا يتم بعملية التوحيد من خلال الأفراد، وتحويل الوعي الفردي إلى وعي اجتماعي، ثم تحويل الوعي الاجتماعي إلى وعي حضاري تاريخي.٨٤ وبالتالي فلا حاجة إلى إثبات التوحيد في إمكان أو في كل مكان أو في لا مكان. التوحيد هو حركة التاريخ ومصير البشرية.٨٥ التوحيد ليس إقرارًا نظريًّا، بل عملية تحقق. وليس تشخيصًا لذات يمكن إثبات وجودها بالبراهين العقلية، بل عملية يقوم بها الإنسان مدى حياته بتوحيده بين نظام الوحي ونظام العالم وإقامته مدينة الله على الأرض. ولا يتم ذلك عن طريق إنشاء حكم إلهي في دولة وضعية لا نزولًا من النص إلى الواقع بل بإعلاء نظام العالم تدريجيًّا حتى يتحد مع نظام الوحي أو بتطوير الدولة القائمة وجعلها أكثر قربًا من نظام الوحي صعودًا من الواقع إلى النص.٨٦ يظل الوحي من جانب المعارضة والرقابة على الدولة لا من جانب السلطة القائمة وتبرير قراراتها.٨٧ ولما كان التوحيد يحتاج إلى طرفين: الوحي كنظام مثالي للعالم والواقع الطيع لتوجيه الوحي، عملية التوحيد إذن هي تحويل الوحي من مجرد إمكانية نظرية إلى نظام للعالم. ولما كان العالم بطبيعته يتجه نحو الكمال كان الوحي هو كمال العالم وازدهار الطبيعة. ويتم التوحيد من خلال التنظيم السياسي الذي بواسطته يتم التوحيد بين نظام الوحي ونظام العالم. التوحيد يصب في المسألة السياسية، وهو الأساس في نشأة علم أصول الدِّين، السياسة بداية التوحيد ونهايته، منبعه ومصبه. التوحيد موضوع للتنظيم السياسي. لذلك فإن الفقهاء من أول الموحدين بتفكيرهم السياسي وإن لم يصوغوا نظرية عقلية في الصلة بين الذات والصفات كما هو الحال في علم الكلام. وظيفة التوحيد تجنيد الجماهير، وهو ما عبر عنه المتأخرون إنشائيًّا بامتزاج التوحيد باللحم والدم. فقد حوَّل التوحيد القبائل العربية المتنافرة إلى أمة ثم أطلقها في التاريخ فقضت على أعظم إمبراطوريتين قديمتين، الفرس والروم، وورثتهما، وامتدت غربًا وشرقًا، شمالًا وجنوبًا، موحدةً بين الشعوب ومساوية بين الأمم. وقد استطاع التوحيد من جديد تجنيد الجماهير كما حدث في جيلنا في الثورة الإسلامية في إيران وفي الجماعات الإسلامية المعاصرة في مصر وشتى أرجاء العالم الإسلامي.٨٨
لقد نشأ التوحيد النظري القديم كنظرية في الذات والصفات والأفعال؛ لأن التوحيد العملي كان قد تم. لم تكن هناك خطورة على الأرض وعلى الشعب، فقد كان المجتمع منتصرًا، ولكن الخطورة كانت على الفكر في بيئة تداخلت فيها النظريات والعقائد وانتشرت عليها الديانات والمذاهب. فكان لا بد من قيام التوحيد كنظرية في مواجهة العقائد النظرية المضادة. قام التوحيد القديم في أذهان المتكلمين بمهمة حضارية صِرْفة، فقد كانت الحركة الكلامية قديمًا حركة حضارية. أمَّا عملية التوحيد فقد تمت أيام البعثة الأولى في التوحيد بين الوحي ونظام العالم. لذلك لم تظهر نظرية الذات والصفات والأفعال، بل ظهر الله من خلال الفعل والسلوك في الجهاد والاستشهاد.٨٩ وبعد ما نقص الجهد، وفتر العزم، ظهر التوحيد بالمعنى النظري لا من وضع شاكٍّ أو زنديق أو دسَّاس، فالأمر متعلق بنكوص الفعل في الأمة لا بسوء نية الحسَّاد والطاعنين والحاقدين والموتورين. وهو المعنى الذي يقصده الفقهاء بقولهم إن هذه المشكلة لم تكن مُثارة في العصر الأوَّل ولم يسأل أحد عليها.٩٠
وإذا كانت الذات هي التعبير عن المجتمع المنتصر وتركز القوة والحق كليهما في الذات المشخصة إعلانًا عن ثبات المجتمع واستقراره وصلابته وفتوحاته وانتصاراته وبأسه وقوة الحاكم وسيطرته وازدهار رأس المال وتراكمه، فإنها تحولت الآن إلى بقاء الحاكم دون المحكوم وإلى بأس وقهر لفرد واحد دون انتصار أو فتح لأمة. بقيت الذات القديمة التي عبرت عن مجتمع الأنصار دون أن تتغير في مجتمع الهزيمة، فاعتمد عليها الحكام ضد الشعوب وأصبحت الذات المشخصة تعبر عن تشخيص العواطف الإنسانية ومظاهر الوجود الإنساني، وتستعمل كمشجب تعلق عليه الصفات كالشمس والنجوم أو الحاكم والبلاط أو الرئيس والوزراء أو الدائرة والمحيط أو الجوهر والأعراض أو البطل والممثلين. وقد حدث ذلك في التشبيه والتنزيه على السواء. ومنها نشأت نظرة مادية في الانفعالات لا تختلف عن التجسيم وأصبحت تعبيرًا ماديًّا عن بيئة اجتماعية. وهي في نفس الوقت نظرة تطهيرية في الفضيلة واعتبارها خارج العالم وليست داخلة كنوع من التعمية على ما يحدث في الواقع. كما حدث في التنزيه فأصبح الخالص غطاء للمادي، والصوري تعمية عن الحسي. وتجاوز اللغة كوسيلة للتعبير، وأنكرت دور الصور الفنية كوسيلة للإيصال، وانتقلت من اللغة إلى الشيء، ومن الصور إلى الجسم تأكيدًا للنظرة الشيئية كما حدث في التشبيه الحسي أو في التشبيه الصوري أي التنزيه. فإذا كان التوحيد القديم قد بدأ بالوجود في التأليه والتجسيم، ثم أصبحت ماهيته في التنزيه وإنسانيًّا في التشبيه، ثم مطلبًا خلقيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا عند المصلحين يكون التوحيد في حقيقة الأمر وظيفة فردية واجتماعية وتاريخية يقوم بها الإنسان في دعوته للتوحيد بين الفكر والواقع بتحويل الوحي كنظام مثالي للعالم.٩١
ولم يظهر تطور التوحيد من الوجود إلى الماهية إلى المطلب في علم الكلام فحسب، بل ظهر أيضًا في العلوم العقلية النقلية الأخرى، وكأن كل واحد منها يمثل تصورًا معينًا للتوحيد كبناء رباعي لا كتطور. فالتوحيد كماهية يمثله علم الكلام بصرف النظر عن اتجاهاته. التوحيد على مستوى الماهية هو الذي بقي، خاصةً في التنزيه، لأن التوحيد على مستوى الوجود انزلق إلى التأليه والتجسيم ولم يبقَ في العصور الأولى. ولكن حتى هذا المكسب تحول إلى خسارة عندما انقلبت الماهية إلى شخص، والصورة إلى مادة، والعقل إلى انفعال. والتوحيد كوجود تمثله علوم الحكمة بعد أن تحولت «الثيولوجيا» إلى «أنطولوجيا»، وتحول التوحيد من نظرية في الماهية إلى نظرية في الوجود، «واجب الوجود». ولكن تحول هذا المطلب أيضًا إلى خسارة عندما تحول الوجود إلى شيء، فضاع مِنَّا الإحساس بالوجود ولم تبقَ إلا الرغبة في المادة الحسية وأصبح الله وحده هو الموجود وغيره غير موجود، هو وحده الموجود المستقل وكل ما سواه موجود تابع، حتى تحولت حياتنا كلها من الاستقلال إلى التبعية. والتوحيد كمطلب تمثله علوم التصوف بعد أن تحول التوحيد من الماهية إلى الوجود، ومن الوجود إلى المطلب، وأصبح نزوعًا إنسانيًّا ومطلبًا للكمال، يكشف عن التجربة، ويظهر كبناء للحياة الفردية والكونية. ثم تحول هذا المكسب أيضًا إلى خسارة عندما أصبح المطلب مجرد انفعال ونزوع غريزي أو الوقوع في عالم التمني، وفقدنا التجربة الشعورية التي يمكن تحليلها بالعقل وصدورها عن العالم. وأخيرًا التوحيد كوظيفة ظهر في علم أصول الفقه بعد أن تحول المطلب الفردي الباطني إلى وظيفة اجتماعية وسياسية، فأصبح التوحيد دفاعًا عن مصالح الأمة بتحويل الشريعة إلى نظام مثالي للعالم ووصف للسلوك وتقنين للأفعال واتجاه نحو العالم وبناء الدولة. ولكن تحول هذا المكسب أيضًا إلى خسارة وذلك بتقليص أصول الفقه في الفقه وضمور الوظيفة في قانون الأحوال الشخصية وتوجُّه التشريع ضد الطبيعة وليس نابعًا منها، فوقعنا في المحرمات دون المباحات، وتحوَّل التشريع إلى ردع وعقاب دون أخذ حقوق وأداء واجبات، وصال في الشعائر والعبادات، وأسقط تغيير الواقع والثورة على الأوضاع من الحساب. وغاب فقهاء الثورة الذين يقولون كلمة حق في وجه سلطان جائر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وينصحون في الدين، ولم يبقَ ظاهرًا إلا فقهاء السلطان أو فقهاء الحيض والنفاس.٩٢
١  الفقه، ص١٨٤.
٢  البحر، ص٢.
٣  البحر، ص٣.
٤  البحر، ص٤.
٥  المسائل، ص٣٣١.
٦  الإبانة، ص٤.
٧  النسفية، ص٥٥.
٨  الدر، ص١٥٢-١٥٣.
٩  البحر، ص٣-٤.
١٠  البحر، ص١٧-١٨.
١١  اللمع، ص٢٠-٢١.
١٢  الإنصاف، ص١٨.
١٣  الإنصاف، ص٢٣.
١٤  الإنصاف، ص٢٩.
١٥  الإنصاف، ص٣٣-٣٤.
١٦  التمهيد، ص٤٦؛ النهاية، ص٩٠–١٠٢؛ الغاية، ص١٢١–١٥٢.
١٧  الطوالع، ص٢٦٣؛ المواقف، ص٢٧٨-٢٧٩.
١٨  الأصول، ص٨٨.
١٩  الفصل، ج٢، ص١٤٤.
٢٠  النظامية، ص٢٩.
٢١  النظامية، ص٢٩.
٢٢  الإرشاد، ص٥٢–٦٠.
٢٣  المسائل، ص٣٧٣.
٢٤  المحصل، ص١٤٠؛ المعالم، ص٦٨–٧١.
٢٥  العضدية، ج٢، ص١٢٢.
٢٦  الشامل، ص٣٤٥–٤٠١.
٢٧  الاقتصاد، ص٤٠–٤٤؛ المغني، ج٤، ص٢٤١–٣٤٦.
٢٨  الشرح، ص٢٧٧–٢٩٨؛ المحيط، ص٢٢٤–٢٢٧.
٢٩  العقيدة، ص٢-٣.
٣٠  السنوسية، ص٢–٦؛ الكفاية، ص٣٩–٤٤؛ العقيدة، ص٧؛ الباجوري، ص٤.
٣١  التمهيد، ص٦١–٧٨؛ البحر، ص٣.
٣٢  الانتصار، ص٣٠–٣٢.
٣٣  الأصول، ص٥٢–٥٩.
٣٤  المعالم، ص٧١-٧٢.
٣٥  الدر، ص١٥٢-١٥٣.
٣٦  الرسالة، ص٤١–٤٣. الجوهرة، العقيدة، الخريدة، الجامع، الوسيلة، الحصون، التحقيق، القطر.
٣٧  هذا هو وضع كتاب «التوحيد» لمحمد بن عبد الوهاب.
٣٨  السنوسية ص٢، ص٤. وهي من الأضداد باسم التعدد بمعنى التركيب في الذات أو الصفات أو وجود نظير في الذات أو الصفات أو الأفعال، وهذه هي الوحدانية (الكفاية، ص٥٩–٦١؛ الباجوري، ص٤-٥؛ المسائل، ص٣٣١؛ العضدية، ج٢، ص١٢٢، ص١٣٩؛ الدواني، ج٢، ص١٣٩).
٣٩  يعرض القدماء لثماني فرق تجمعها الثنوية، وهي: الباطنية، المرقونية، الإشعانية، الديصانية، المنانية، المجوسية، الخابطية، المفوضية.
٤٠  الفِرَق، ص٣٣٣-٣٣٤، ص٢٥٨؛ الغاية، ص٢٠٦. الشامل، ص٢٢٧؛ الأصول، ص٥٩، ص٨٦؛ الشرح، ص٢٨٤–٢٨٦. انظر أيضًا دراستنا: The Black Muslem Movement in America, Religious Dialogue & Revolution, p. 213–224.
٤١  يرفض أهل السنة الامتزاج كأصل ثالث، وتثبت الشر كعدم ذات أو عدم كمال ذات. وترد على الثنوية بحجة عقلية بأن النور والظلمة بالنسبة إلى ذاتهما إمَّا واجبان أو ممكنان أو أحدهما واجب والآخر ممكن. ويمتنع أن يكونا واجبين لأن المشاركة في النوع تجعلهما واحدًا، أو إن كان أحدهما واجبًا والآخر ممكنًا فهو الإله الواحد، وبالتالي لم يبقَ إلا أن كليهما ممكن. وعند ذلك إمَّا أن يستند كل واحد منهما في وجوده إلى الآخر أو إلى أمر خارج عنهما. والأول ممتنع، وغير مُسلَّم صدور الشر عن الخير، والخير عن الشر، فكلاهما متناقض. وإن كان لأمر خارجهما فقد بطل أنه لا مبدأ سواهما (الغاية، ص٢١٢–٢١٤). ويرفض الباقلاني الأصلين القديمين كجسمين وفاعلين بالطبع أو بالاختيار. والله ليس عرضًا ولا جوهرًا ولا يجوز عليه الكمون أو الظهور (التمهيد، ص٦٨–٧٥).
٤٢  عند أهل السنة عالم الخير المحض هو عالم الملائكة، وعالم الشر المحض هو عالم الشياطين، وعالم الاختلاط والامتزاج هو عالم البشر (النهاية، ص٩٩).
٤٣  الفِرَق، ص٢٨٥، ص٢٩٣-٢٩٤؛ النسفية، ص٥٥.
٤٤  الشامل، ص٢٢٧-٢٢٨، ص٢٤٣-٢٤٤؛ الشرح، ص٢٨٤–٢٨٧.
٤٥  الشامل، ص٢٢٨.
٤٦  التمهيد، ص٧٣؛ الشامل، ص٢٤٤؛ الشرح، ص٢٨٤–٢٨٦.
٤٧  التنبيه، ص٩٢؛ الشرح، ص٢٨٤–٢٨٦. وهذا رد الخياط والنظام (الانتصار، ص٢٦، ص٣٨).
٤٨  لما استتب ليزدان الأمر فكر في نفسه فقال: لو كان مضاد ينازعني كيف يكون حالي معه، فتولد من فكر الردية أهرمن. وقال: أنا منازعك ومخاصمك، فكادا يقتتلان. فسخر هناك ملك فاصطلحا إلى أجل معلوم. وعندهم إذا جاء ذلك الوقت يغلب يزدان أهرمن ويقتله ويصفو العالم. وقالت المجوس إن الشرور والمضار من خلق شيطان اسمه أهرمن الذي حدث من فكرة الإله في نفسه ثم حارب الإله حتى صالحه على مدة ٧٠٠٠ سنة، ثم يعودان إلى المحاربة حتى يظفر به الإله ويحبسه في خندق فيستريح منه العباد والبلاد. فخالق الشرور غير خالق الخيرات (الفِرَق، ص٣٣٣-٣٣٤، ص٢٨٥. الغاية، ص٢٠٦؛ الأصول، ص٧١-٧٢، ص٨٦؛ الشرح، ص٢٨٤–٢٩١؛ الشامل، ص٢٢٨، ص٢٤٤؛ التمهيد، ص٥٥-٥٦؛ النهاية، ص٦٥–٦٧).
٤٩  كما ينقد القدماء المجوس من حيث التشريع. فعندهم أن نكاح الأم والبنات بقضاء الله وقدره كما تقول المجبرة في جميع المقبحات إنها بقضاء الله، وهو أسوأ من قول المجوس، لأن المجبرة أضافوا القبح إلى الله، في حين أن المجوس اعتقدوا فيه الحسن. ومِنْ ثَمَّ يختلف المجوس عن المعتزلة في تصور الحسن والقبح العقليين، وبالتالي لا يصح حديث: «القدرية مجوس هذه الأمة» الموضوع لضرب المعارضة السياسية ومحاصرتها شعبيًّا وجماهيريًّا. وكانوا يصعدون ببقرة إلى موضع عالٍ ويشدون قوائمها ثم يدهنونها من هناك إلى أسفل ثم يقولون: انزلي ولا تنزلي. فإذا سقطت وماتت يأكلونها يقولون إنها يزدان كشت (قتيلة الله)؛ لأن الله أمر الكافر بالإيمان وهو لا يقدر عليه، ونهاه عن الكفر وهو لا يمكنه الفكاك عنه. ومع ذلك فالمجوس مثل أهل الكتاب جزء من الأمة الإسلامية عند الفقهاء.
٥٠  انظر الفصل التاسع: «مستقبل الإنسانية» (المعاد).
٥١  البحر، ص٢-٣. وحُجتا الامتزاج والتنافر من الشهرستاني (النهاية، ص٦٥–٦٧). واستحالة الشك على القديم من الباقلاني (التمهيد، ص٧٥–٧٨).
٥٢  المسيح هو المعني في آية: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وهو الذي يأتي: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، وهو الذي خلق آدم على صورة نفسه تأويلًا لحديث: «إن الله خلق آدم على صورته ومثاله»، وهو الذي عناه النبي بقوله: «ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، أو «إن الله خلق العقل فقال له أقبل …»، وهي كلها أقوال مشابهة لأقوال بولس في المسيح. وهم أتباع أحمد بن حابط. يُنسَب إلى الاعتزال، وقد كان من أصحاب النظَّام، ولكنه خرج عليهم. وتُقرأ أيضًا حابط، ويكون ابن حابط، وفرقته الحابطية (الفِرَق، ص٢٣٣-٢٣٤؛ الملل، ج١، ص٩٤-٩٥؛ الأصول، ص٧٢).
٥٣  انظر الفصل الثامن: تطور الوحي (النبوة).
٥٤  الفِرَق، ص٢٣٣-٢٣٤.
٥٥  المعالم، ص٧١-٧٢.
٥٦  عند أهل السنة والجماعة أن صانع العالم واحد (النهاية، ص٩٠-٩١؛ الفِرَق، ص٢٣٣-٢٣٤). «الله واحد» عبارة يتفق عليها أنصار التنزيه والتشبيه على السواء عند أبي الهذيل والأشعري (مقالات، ج١، ص٢١٩؛ الانتصار، ص٥، ص٨؛ الإرشاد، ص٥٢–٥٥).
٥٧  هذا هو رأي عبَّاد بن سليمان (الفِرَق، ص١٦١؛ الفقه، ص١٨٤؛ الإبانة، ص٤-٥، ص٨؛ الإنصاف، ص١٨، ص٢٣، ص٢٩، ص٣٣-٣٤؛ التنبيه، ص٣٦؛ البحر، ص٢-٣).
٥٨  البحر، ص١٧-١٨؛ الدواني، ج٢، ص١١٩–١٢٢؛ العضدية، ج٢، ص١١٨-١١٩. مقالات، ج١، ص٢٢٦؛ التمهيد، ص١٤٨–١٥٢؛ الملل، ج١، ص٦٢. الحصون، ص١٤–١٧.
٥٩  نفى عبَّاد بن سليمان أن يقول إن الله فرد لأنه لا يستدل عليه بالأعراض (مقالات، ج٢، ص١٦٥، ص١٦٧).
٦٠  الشرح، ص٢٨٤–٢٨٦.
٦١  الغاية، ص١٥٣–١٥٥.
٦٢  الغاية، ص١٥٣–١٥٥؛ الأصول، ص٨٣.
٦٣  التمهيد، ص٤٦؛ الأصول، ص٨٥-٨٦؛ المسائل، ص٣٧٣؛ الإرشاد، ص٥٢–٥٩؛ المحصل، ص١٤٠؛ التلخيص، ص١٤٠؛ الدر، ص١٥٢-١٥٣؛ اللمع، ص٢٠-٢١. القاري، ص١٣-١٤؛ الإنصاف، ص٣٤؛ الكفاية، ص٣٩–٤٤؛ التفتازاني، ص٥٥–٥٨؛ المواقف، ص٢٧٨-٢٧٩.
٦٤  النظامية، ص٢٩؛ النهاية، ص٩١–٩٥.
٦٥  النهاية، ص٩٦–٩٩. وعادةً ما يستشهد بالبيت الآتي:
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه واحد
الملل، ج٢، ص٥٤.
٦٦  الأصول، ص١٠٦.
٦٧  مثل: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا. يقول الهروي: «حجة إقناعية، والملازمة عادية على ما هو اللائق بالخطابيات. فإن العادية جارية بوجود التمانع والتغالب عند تعدد الحكم» (الدر، ص١٥٢-١٥٣). وأيضًا: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ، وَلَا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ (المعالم، ص٦٨–٧١). انظر عرض الدليل ونقده عند ابن رشد في «مناهج الأدلة»، ص١٥٧–١٥٩. رفض ابن حزم دليل التمانع لإثبات الواحد عن طريق الاستدلال نظرًا لقيام البرهان على أنه خالق ولا خالق سواه، وأنه واحد وأن غيره متكثر، وأنه الأوَّل وغيره ينافي الأوَّل (الفصل، ج٢، ص١٤٤).
٦٨  النهاية، ص٩٠-٩١، ص٩٩-١٠١؛ الطوالع، ص١٦٣؛ المواقف، ص٢٧٨-٢٧٩.
٦٩  هذا هو قول أبي الحسن الأشعري (النهاية، ص٩٠-٩١).
٧٠  الطوالع، ص١٦٣؛ الغاية، ص١٥١-١٥٢.
٧١  الأصول، ص٨٥-٨٦. هذه هي ملاحظة البغدادي والجويني (الإرشاد، ص٥٥–٥٧).
٧٢  النهاية، ص١٠١-١٠٢.
٧٣  الرسالة، ص٤١–٤٣، وتعليق رشيد رضا، ص٤٣؛ الكفاية، ص٣٩–٤٤.
٧٤  الدواني، ج٢، ص١٢٢–١٣٨.
٧٥  السنوسية، ص٧.
٧٦  التوحيد في أصل اللغة عبارة عما به يصير الشيء واحدًا، كما أن التحريك عبارة عما به يصير الشيء متحركًا، والتسويد عبارة عما به يصير الشيء أسود. ثم يستعمل في الخبر عن كون الشيء واحدًا لما يكن الخبر صدقًا إلا وهو واحد، فصار ذلك كالإثبات، فإنه في أصل اللغة عبارة عن الإيجاب. يُقال أثبت لهم في القرطاس أي أوجدته فيه. ثم يُستعمل في وجود الخبر عن الشيء فيُقال إن فلانًا يثبت الأعراض، أي يخبر عن وجودها لما لم يكن الخبر عنها صدقًا إلا وهي موجودة. فأمَّا في اصطلاح المتكلمين فهو العلم بأن الله واحد لا يشاركه فيه غيره فيما يستحق من الصفات نفيًا وإثباتًا على الحد الذي يستحقه والإقرار به. ولا بد من اعتبار هذين الشرطين العلم والإقرار جميعًا لأنه لو علم ولم يقر أو أقر ولم يعلم لم يكن موحدًا (الشرح، ص١٢٨؛ الخلاصة، ص٢؛ التحفة، ص١٢).
٧٧  التوحيد إفراد الخلق بالعبادة ذاتًا وأفعالًا. قال ابن القيم في «مدارج السالكين»: التوحيد نوعان: نوع من العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد. ويُسَمَّى الأوَّل التوحيد العلمي والثاني التوحيد القصدي الإرادي لتعلق الأوَّل بالأخبار والمعرفة والثاني بالقصد والإرادة (الكتاب، ص٢، هامش؛ شر المقاصد، ص١١٢).
٧٨  كان الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني يقول: «جميع ما قال المتكلمون في التوحيد قد جمعه أهل الحقيقة في كلمتين: الأولى اعتقاد أن كل ما تصور في الأوهام فالله بخلافه، والثانية اعتقاد أن ذاته تعالى ليست مشبهة للذوات ولا معطلة عن الصفات» (التحفة، ص٢٣).
٧٩  فلما تبين وظهر اعتقاده سُئل عن معتقده وقيل: ما المعرفة؟ وما التوحيد؟ وما الإيمان؟ وما الإسلام؟ وما الدين؟ فقال: أمَّا المعرفة أن تعرفه بالوحدانية. وأمَّا التوحيد أن تنفي عنه الشريك والأمثال والأضداد. وأمَّا الإيمان فإقرار باللسان وتصديق بالقلب بوحدانية الله. وأمَّا الإسلام أن تعبد الله بالوحدانية. وأمَّا الدين فالثبات على هذه الخصال إلى الموت. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (البحر، ص٣-٤).
٨٠  «فقد بان لك تضمن كلمتي الشهادة مع قلة حروفها لجميع ما يجب على المكلف معرفته من عقائد الإيمان في حقه وفي حق رسله. ولعلها لاختصارها مع اشتمالها على ما ذكرناه جعلها الشرع ترجمة على ما في القلب من الإسلام. ولم يقبل من أحد الإيمان إلا بها. فعلى العاقل أن يكثر ذكرها مستحضرًا لما حدث عليه من عقائد الإيمان حتى يمتزج معناها بلحمه ودمه، فإنه يرى من الأسرار والعجائب إن شاء الله ما لا يدخل تحت حصر» (السنوسية، ص٨). انظر أيضًا الفصل الحادي عشر: النظر والعمل. كان الحسين وأبو ذر وعبد القادر عودة وشهدي عطية وسيد قطب وشهداء المقاومة الفلسطينية شهداء على عصورهم.
٨١  في هذا المعنى يقول إقبال:
الشيخ أفتى أنه عصر القلم
ما السيف فيه حاكم بين الأمم
أمَّا درى الشيخ بأن وعظه
في مسجد قد صار من لغو الكلم
فما ترى السلام كف مسلم
بل قلبه من لذة الموت حرم
من قلبه يهاب موت كافر
فكيف ميتة الشهيد يغتنم
فعل من ترك الحياة طاغيًا
من كفه سيل في العالم دم
ضرب الكليم، ص١٧. انظر أيضًا دور الشهيد في إثبات صدق فهم النصوص الدينية بل وصحتها التاريخية في الجزء الثاني من رسالتنا الثانية La Phénoménologoie de l’exégèse وأيضًا سيد قطب: معالم في الطريق، لا إله إلا الله منهج حياة، ص٩٢–١٠٧. انظر أيضًا مقالنا: «ماذا يعني: أشهد أن لا إله إلا الله وأن مُحمدًا رسول الله» في «الدين والثورة في مصر، ١٩٥٢–١٩٨١، ج٤، في اليسار الديني».
٨٢  في مجتمعاتنا المستسلمة للقهر خرج كثير من النكات الشعبية تعبر عن هذه الحالة من الاستسلام وتحويل الإنسان إلى مجرد آلة تطيع وتوافق ولا تقول إلا باستثناء الكلب الذي يهز ذيله أو مساحة الزجاج الأمامي للعربة أو رفض فتح الفم لطبيب الأسنان خشية الكلام. أمَّا الإنسان فغير قادر على أن يقول لا. كما خرجت بعض الأعمال الفنية بهذا المعنى مثل مسرحية: «الرجل الذي قال لا».
٨٣  تحققت الوحدة الإيطالية والوحدة الألمانية باسم التوحيد. والعالم العربي أو الإسلامي في حركة نحو الوحدة يقترب من التوحيد. وأصبح شعار الوحدة أحد شعارات المشروع القومي المعاصر. التوحيد بين أفراد الأسرة مطلب إنساني، ونصيحة الأب المحتضر إلى أبنائه بكسر العصي الواحدة بعد الأخرى ثم محاولة كسرها مجتمعة مثل يقوم على التوحيد.
٨٤  انظر بحثنا: «من الوعي الفردي إلى الوعي الاجتماعي». دراسات إسلامية.
٨٥  ويظهر ذلك بوضوح في «رسالة التوحيد» لمحمد عبده في شرح الرسالة والنبوة.
٨٦  انظر بحثنا: «الأصولية الإسلامية، دراسة في التحقيقات»، وأيضًا: «كيف يمكن تطوير فكر الإخوان المسلمين؟» وأيضًا: «ضرورة الحوار» (الدين والثورة في مصر ١٩٥٢–١٩٨١، ج٤ في اليسار الديني).
٨٧  انظر مقالنا: «الإسلام والمعارضة» في «الدين والثورة في مصر، ١٩٥٢–١٩٨١، ج٤، في اليسار الديني».
٨٨  ذُكر لفظ الواحد في القرآن ومشتقاته ٦٨ مرة، «وحده» ٦ مرات صفة لله، «واحد» ٣٠ مرة، «واحدة» ٣١ مرة، «وحيدًا» مرة واحدة. وتجمع كل استعمالات «وحده» الست إلى استحالة الشرك العملي، مثل: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا (٧: ٧٠)، وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (١٧: ٤٦)، وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ (٣٩: ٤٥)، ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ (٤٠: ١٢)، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ (٤٠: ٨٤)، وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ (٦٠: ٤). أمَّا صفة واحد فهي تشير إلى الله ٢٢ مرة، والمرات الثماني الباقية إلى الأب والأم أو الأخ والأخت في الميراث أو إلى الزاني والزانية أو إلى الرسول كبشر أو إلى الأشياء مثل الباب والماء والثبور والطعام. فالله واحد. أمَّا الصفة المؤنثة واحدة فتسعة منها للأمة وخمسة منها للنفس وعشرة منها ليوم القيامة: صيحة (خمس مرات)، زجرة (مرتان)، ونقمة، ودكة، وواحدة، كل منها مرة. أي أن الصفة لله وللأمة وللنفس وللقيامة. لله وللشعب والفرد والتاريخ. وحدانية الله تظهر في وحدانية الأمة، ووحدانية النفس ووحدانية المصير. فمثلًا: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً (٢: ٢١٣)، وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا (١٠: ١٩)، إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٢١: ٩٢)، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٢٣: ٥٢). وباقي استعمالات الصفة المؤنثة للحيلة والجملة والعظة. والوحدة لا تنفي التعدد السليم الصحي الفعال. التعدد في مواجهة الأعداء: لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ (١٢: ٦٧)، والتعدد في الزرع: يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ (١٣: ٤). والتعدد في اللغات والعادات والتقاليد للتعارف والتبادل والإثراء المشترك: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ (٥: ٤٨)، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١: ١١٨)، وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (١٦: ٩٣)، وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (٤٢: ٨)، وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ (٤٣: ٣٣). والتعدد في نزول الوحي طبقًا للمراحل ولأسباب النزول: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً (٢٥: ٣٢). بل إن العاصي سيقف وحيدًا أمام الله الواحد: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (٧٤: ١١) اعتزازًا بالوحدانية لله وللإنسان.
٨٩  ينشد إقبال واصفًا هذا التحول في التوحيد قائلًا:
قوة كان في الحياة على الأرض
فصار التوحيد علم الكلام
رده في الفعال غير مضيء
جهلنا اليوم ما لنا من مقام
قائد الجيش! قد رأيت غمودًا
من هو الله ما بها من حسام
ما درى الشيخ أن توحيد فكر
دون فعل يعد لغو كلام
يا إمامًا لركعة كيف تدري
في الورى ما إمامة الأقوام
ضرب الكليم، ص١٥. انظر أيضًا: «التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم».
٩٠  «وقد كان الأوائل من الصحابة والتابعين لصفاء عقائدهم ببركة صحبة النبي وقرب العهد بزمانه ولقلة الوقائع والاختلافات وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات مستغنين عن تدوين العلمين وترتيبهما أبوابًا وفصولًا، وتعزيز مباحثهما فروعًا وأصولًا، إلى أن حدثت الفتن بين المسلمين، وغلب البغي على أئمة الدين، وظهر اختلاف الآراء، والميل إلى البدع والأهواء، وكثرت الفتاوى والواقعات، والرجوع إلى العلماء في المهمات. فاشتغلوا بالنظر والاستدلال، والاجتهاد والاستنباط، وتمهيد القواعد والأصول، وترتيب الأبواب والفصول، وتكثير المسائل بأدلتها، وإيراد الشبه بأجوبتها، وتعيين الأوضاع والاصطلاحات، وتبين المذاهب والاختلافات» (شرح التفتازاني، ص٩).
٩١  انظر رسالتنا الأولى: Les Méthodes d’Erégèse, P. 420–28. وأيضًا مقدمتنا لكتاب الوجود والماهية في: «نماذج من الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط»، ص٢٢٣–٢٢٨.
٩٢  «التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم»، ص١٧١–٢٠٢. وأيضًا: «كلمة حق يُراد بها باطل» في «الدين والثورة في مصر، ١٩٥٢–١٩٨١، ج٤، في اليسار الديني».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠