ورقة الكوتشينة

كانت السيدة «كريمان» تتحدَّث وهي ترتعد … و«تختخ» يستمع في إمعانٍ شديد … وأسئلة كثيرة تدور في ذهنه … ولم تكَد السيدة تنتهي من حديثها وتسترد أنفاسها حتى سألها «تختخ»: ما الذي جعلك تشكين في صديقك الموسيقي؟

كريمان: «منير»؟! إنني آسفة جدًّا لما حدث … ولكن صدقني أنني عندما سمعت صوت اللص خُيَّل إليَّ أنه هو … فصوت اللص برغم أنه متغيُّر عن صوت «منير»، إلا أنه يُشبهه إلى حدٍّ كبير … وكانت معرفتي بالصوت هي التي جعلتني أفتح … وعندما رأيته فوجئت بالقناع الذي يلبسه … ولكن قوامه كان هو … طوله وعرضه … وكثيرًا ما تُحس بأنك تعرف الشخص الذي أمامك مهما تغيَّر مظهره … ولكن الشاويش «علي» أكَّد لي أن «منير» كان في منزله هذا الوقت، جالسًا في شرفة منزله كالمعتاد، وأنا شديدة الأسف لأنني اتهمته ظلمًا، ففقدت صديقًا لطيفًا!

تختخ: وهل حضر خُبَراء المباحث الجنائية؟

كريمان: قال لي الشاويش «علي» إنهم سيحضرون الآن من القاهرة!

تختخ: إنني أرجو أن تسمحي لي أن أذهب إلى غرفة النوم حيث وقعت السرقة.

كريمان: آسفة، لقد طلب مني الشاويش «علي» ألَّا أسمح لأحد بدخول الغرفة لحين حضور رجال البحث الجنائي.

تختخ: لا تخافي … فلن أمَس شيئًا.

وقام «تختخ» ليصعد إلى فوق، ولكن قبل أن يتحرَّك من مكانه دُق جرس الباب وفتحت «حسنية» … ودخل رجال البحث الجنائي، ولحسن الحظ كان بينهم أحد الضباط من مساعدي المفتش «سامي» … فسلَّم على «تختخ» ثم صعد الرجال إلى فوق … وتبعهم «تختخ» والسيدة «كريمان». كانت غرفة نوم السيدة «كريمان» واسعة … بها شُرفتان تُطلَّان على الحديقة، وباب ونافذة … وكانت جميعًا مغلقة. وأخذ رجال البحث الجنائي يرفعون البصمات عن كل مكان، على حين انهمك عدد منهم في البحث عن أي شيء يكون قد سقط من اللص … وكانوا وهم منهمكون في عملهم يسألون «كريمان» عن الأشياء التي يجدونها … فكانت ترد عليهم بأنها ملكها … ولكن بقيت ثلاثة أشياء لم تتعرَّف عليها السيدة، «كريمان» وهي … «بايب» للتدخين من الخشب قديم … وزرار كبير يبدو كأنه زرار معطف، وقطعة من النقود النحاسية من دولة «نيجيريا» … وأخذ رجال البحث الجنائي الأشياء الثلاثة بعد أن ألقى عليها «تختخ» نظرةً سريعة.

ثم أخذ «تختخ» يستمع إلى أسئلة رجال البحث الجنائي، وكان واضحًا أنهم ركَّزوا شبهاتهم في «عبده» البوَّاب الذي كان مختفيًا وقت الحادث، ولم يكن أحد يعرف مكانه.

وانصرفت السيدة «كريمان» لتوصيل رجال البحث الجنائي للخارج، وبقي «تختخ» وحده في الغرفة الواسعة، يبحث بعينه عن أدلة أخرى غير تلك التي وجدها واستولى عليها رجال الشرطة … واتجه ناحية الفراش حيث يوجد «الكومودينو» الذي كانت عليه النقود والمجوهرات … وأخذ يتأمَّله، ثم انحنى تحته، وانحنى تحت الفراش، فوجد ورقة كوتشينة مقلوبةً على وجهها فأمسكها وقلبها … كانت ورقة العشرة الحمراء وأمسك بها مفكِّرًا … هل لها أية علاقة بالسرقة؟

وقرَّر أن يأخذها معه … واتجه للانصراف … ثم ألقى نظرةً أخيرةً على الغرقة … ولم يكن هناك شيء يمكن أن يدل على ما حدث.

نزل «تختخ» السلم إلى الدور الأرضي … كان رجال الشرطة ما زالوا يسألون «حسنية» و«علية» والبوَّاب «عبده»، وقد انضمَّ إليهم الشاويش «علي»، الذي لم يكَد يرى «تختخ» حتى تجهَّم وجهُه … وأمسك شاربه يعبث به بعصبية.

لم يكن في أقوال «حسنية» ولا «علية» ما يُفيد … فقد انصرفت «حسنية» لقضاء الليل عند أسرتها؛ استعدادًا للسفر إلى الإسكندرية … ولا تعلم شيئًا عن الحادث … وانصرفت «علية» في المساء بعد أن قامت بأعمال البيت … ولا تعلم شيئًا عن الحادث … أمَّا «عبده» البوَّاب فقد كان مضطربًا … ورجال الشرطة يُلاحقونه بأسئلتهم.

قال «عبده»: لقد اعتدت كل ليلة في مثل هذا الموعد … وبعد أن تنام السيدة «كريمان»، أن أذهب إلى قريبٍ لي؛ حيث أشرب الشاي وأُدخِّن الجوزة … هذه عادتي منذ زمن بعيد … خاصة وأنا أعلم أن «الفيلا» … محصنة جيدًا ضد السرقة … كما أن السيدة «كريمان» حريصة على ألَّا تُبقي مبالغ كبيرة في المنزل يُخشى من سرقتها.

الضابط: وهل يشهد قريبك هذا أنك كنت معه ليلة أمس؟

وردَّ «عبده»: للأسف … إنني ذهبت أمس فلم أجده في غرفته … فذهبت إلى مقهى قريب من النيل حيث شربت الشاي ودخَّنت الجوزة.

الضباط: أليس لقريبك هذا زوجة تستطيع أن تشهد أنك مررت بالمنزل؟

عبده: لا … إنه يسكن وحيدًا في غرفة بالدور الأرضي … وليس متزوجًا.

الضابط: وهل شاهدك أحد يعرفك في المنزل؟

عبده: لا.

الضابط: ولا على المقهى؟

عبده: لا.

الضابط: لم يشاهدك أحد مطلقًا ممن تعرفهم؟

عبده: لا.

الضابط: أرجو أن تُلقي القبض عليه يا شاويش «علي» وتُبقيه في الحبس لحين تقديمه للنيابة في «حلوان».

ذُعر «عبده» وأخذ يصيح: إنني لم أسرق شيئًا … لم أسرق شيئًا مطلقًا. إنني مظلوم … مظلوم!

وقالت السيدة «كريمان»: أرجوك يا حضرة الضابط … إن «عبده» يعمل عندي منذ تسع سنوات، وقد كان دائمًا مثالًا للإخلاص والأمانة!

قال الضابط بحزم: آسف جدًّا … إننا مُضطرُّون لهذا الإجراء مؤقَّتًا لحين استكمال البحث وكشف البصمات … فالشبهات كلها تُحيط به … خاصةً وهو يعلم بأنك أحضرت النقود والمجوهرات من البنك … أليس كذلك؟

ردَّ «عبده» في خوف: نعم … إنني أعلم فعلًا!

الضابط: ألم يكن من واجبك ما دامت المجوهرات والنقود في المنزل، والسيدة وحدها، أن تبقى مكانك؟!

عبده: فعلًا يا سيدي … إنها غلطتي لا شك. ولكني لم أسرق شيئًا!

الضابط: عليك أن تُثبت هذا للنيابة … هيا يا شاويش «علي»!

وانصرف رجال البحث الجنائي، والشاويش … و«عبده» … وكان التأثُّر واضحًا على السيدة «كريمان»، وأخذت دموعها تسيل وهي تمسحها بالمنديل … في حين وقفت شقيقتها ووالدة «تختخ» تواسيانها.

كان في رأس «تختخ» بعض الأسئلة خاصةً عن ورقة الكوتشينة … ولكن الوقت لم يكن مناسبًا … فقد كانت السيدة «كريمان» في حالة لا تسمح لها بالإجابة على شيء … خاصةً وانها كانت تستعد للنزول إلى القاهرة لسحب نقود أخرى من البنك والسفر إلى الإسكندرية لتلحق بموعد خطبة ابنها!

قال «تختخ» مستأذنًا والدته: سأنصرف الآن إذا لم تكوني محتاجةً إليَّ.

الأم: تستطيع أن تنصرف … وقل للوالد إنني سأُرافق السيدة «كريمان» إلى البنك، ثم إلى المحطة، وقد أتأخَّر عن موعد الغداء.

وانصرف «تختخ» وهو يعبث بورقة الكوتشينة في جيبه … ماذا تعني ورقة الكوتشينة هذه؟ وماذا تعني بقية الأدلة؟! الزرار الكبير … و«البايب» القديم، وقطعة العملة النحاسية؟

وأحذ طريقة مسرعًا إلى منزل «عاطف» … حيث اعتاد أن يجتمع مع بقية الأصدقاء … وكان يُحدِّث نفسه … ستكون مفاجاةً لهم جميعًا … إنه لغز من الدرجة الأولى … إلا إذا كان «عبده» هو اللص فعلًا … واستطاع رجال الشرطة أن ينتزعوا منه اعترافًا … وأن يعثروا على المسروقات.

وصل «تختخ» إلى صديقه «عاطف»، وسمع من الخارج صوت كرة «البنج بونج» وهي تدور غاديةً رائحة، فأدرك أن هناك مباراةً حاميةً بين «عاطف» وشقيقته «لوزة» في لعبتهما المفضَّلة.

دخل «تختخ» و«عاطف» يصيح: ١٩ – ١٥ … لم يبقَ سوى نقطتَين وأفوز بالمباراة.

وقف «تختخ» يرقب «لوزة» وهي تُقاوم جاهدة … و«عاطف» يقفز كالقرد محاولًا إنهاء المباراة … وشاهده الاثنان فأوقفا اللعب، ولكن «تختخ» قال لهما مُشجِّعًا: استمرَّا من فضلكما … إنني أُريد أن أُشاهد المنتصر والمهزوم معًا … وبالنسبة لي سوف أشجع «لوزة»؛ فإنني أُفضِّل تشجيع المهزوم، ما دام عنده الحماس والعزيمة للمقاومة.

استأنف الشقيقان اللعب … وأخذ «تختخ» يُشجِّع «لوزة» بحماس … مُصفِّقًا لها كلما أدت لعبةً بمهارة … ونتيجةً لتشجيعه أخذت «لوزة» تتقدَّم … وتكسب نقطةً بعد نقطة … ١٦ … ١٧ … ١٨ ثم تساوى الشقيقان ١٩ – ١٩، ولكن «عاطف» فاز بنقطة بعد ضربة مُوفَّقة وأصبحت النتيجة ٢٠ – ١٩ لصالحه … فصاح «تختخ»: لا تيأسي يا «لوزة». إن في إمكانك أن تكسبي المباراة! وأخذت «لوزة» تُخرج كل ما في جعبتها من فنون اللعب … واستطاعت فعلًا أن تتعادل مع عاطف ٢٠ – ٢٠ … وبقيت النقطة الأخيرة والحاسمة، وأخذ كلٌّ منهما يلعب بكل ما أوتي من مهارة … واحتبست الأنفاس عندما قال «تختخ»: إن من يكسب المباراة سيأكل كوبًا من الجيلاتي على حسابي.

وفجأةً ردَّ «عاطف» الكرة بضربة ضعيفة … وقفزت الكرة أمام «لوزة» بهدوء، وانتهزت «لوزة» الفرصة وانقضَّت على الكرة بالمضرب في ضربة ماهرة قوية، أرسلت بالكرة إلى طرف الطاولة في شدة، وقفز «عاطف» إلى الخلف ليرد الضربة القوية، ولكنه وقع … وذهبت الكرة بعيدًا، وصاح «تختخ»: لقد كسبت المباراة أيتها القطة الصغيرة!

وأسرعت «لوزة» تحضن «تختخ» في سعادة قائلة: لولا تشجيعك لاستسلمت للهزيمة!

تختخ: لا تستسلمي أبدًا … إن العزيمة والحماس يمكن أن يُحوِّلا الهزيمة إلى انتصار.

أمَّا «عاطف»، فقد وقف ينفض ثيابه، وقد انهمر على وجهه عرق التعب والخجل معًا، وتقدَّم منهما وقد احمر وجهه، فقال «تختخ» مقاطعًا: أرجو أن تقبل الهزيمة بروح رياضية … فليس المهم أن تكسب أو تخسر، المهم أن تُؤدِّي واجبك!

وجلس الثلاثة في ظل شجرة ضخمة، وأخرج «تختخ» من جيبه ورقة الكوتشينة ورفعها أمامها، فسأل «عاطف»: ما هذا يا «تختخ»؟

تختخ: إنها كما ترى ورقة كوتشينة … عشرة حمراء!

لوزة: وماذا تعني؟ … ولماذ تحملها؟

تختخ: إنها بداية لغز جديد!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢