الفصل الثاني

استخلافه وسيرته

توجه أبو بكر وعمر وأبو عُبيدة إلى سقيفة بني ساعدة — وهي صُفَّةٌ مظللة كانوا يجتمعون فيها، وهي لبني ساعدة بن كعب بن الخزرج١ — وكان الأنصار قد اجتمعوا فيها يريدون مبايعة سعد بن عُبادة الخزرجي سيد الأنصار، وأخذوا يتداولون في الأمر، وكان سعد بن عبادة يومئذٍ مريضًا، فقال لابنه: إني لا أقدر أن أخطب وأُسمع القوم كلهم كلامي، ولكن تلقَّ مني قولي فأسمِعهُ إياهم، فقال بعد أن حمد الله: «يا معشر الأنصار، لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن محمدًا عليه السلام لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن من قومه إلا رجال قليل، ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله، ولا أن يعزُّوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيمًا عُمُّوا به، حتى إذا أراد الله بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على عدوه منكم، وأثقله على عدوه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر الله طوعًا وكرهًا، وأعطى البعيد المقادة صاغرًا داخرًا، حتى أثخن الله عز وجل لرسولكم بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه الله وهو عنكم راضٍ، وبكم قرير عين، استَبِدُّوا بهذا الأمر دون الناس، فإنه لكم دون الناس.»
فأجاب كل الأنصار الدعوة وقالوا أن قد وُفِّقتَ في الرأي وأصبتَ في القول، ولن نعدو ما رأيت، نوليك هذا الأمر؛ فإنك فينا مقنعٌ ولصالح المؤمنين رَضِيٌّ. ثم إنهم ترادُّوا الكلام بينهم،٢ وطال جدل القوم في الأمر حتى قال بعضهم: نقول للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير.
فلما دخل أبو بكر وصاحباه عليهم أخذ يتكلم، فلم يترك شيئًا نزل في الأنصار أو ذكره النبي من شأنهم إلا وذكره، ثم قال: «لقد علمتم أن رسول الله قال: لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا سلكتُ وادي الأنصار»، ولقد علمتَ يا سعد أن رسول الله قال وأنت قاعد: قريشٌ وُلاة هذا الأمر، فبَرُّ الناس تبع لبرِّهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم.٣ فقام خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال: يا معشر الأنصار، إن تقدموا قريشًا اليوم يقدموكم إلى الخير يوم القيامة، فأنتم الأنصار وفيكم كتاب الأمر وإليكم الهجرة وفيكم أمر رسول الله، فاطلبوا رجلًا تهابه قريش وتأمنه الأنصار، فقال الأنصار: ومَن ذلك؟ فقال: سعد بن عبادة، فقالوا: فسعدًا نريد.

ثم قام أُسيد بن حُصَين الأوسي، وهو يومئذٍ من أثبات الأنصار وأهل الطاعة فيهم، فقال: يا معشر الأنصار، إنه قد عظمت نعمة الله عليكم أن سماكم الأنصار، وجعل فيكم الهجرة، وقبض فيكم رسول الله ، واجعلوا ذلك شكرًا، فإن هذا الأمر في قريش دونكم، فمن قدموه فقدِّموه، ومن أخروه فأخِّروه، فشُتم الرجل واضطر أن يلحق بالمهاجرين.

ثم قام بشير بن سعد الخزرجي فقال: يا معشر الأنصار، إنما أنتم بالمهاجرين وإنما المهاجرون بكم، فإن كانت دعواكم حقًّا لم يعترض فيكم المهاجرون، وإن قلتم نصرنا وآوينا فما أعطاكم الله خيرٌ ما أعطيتم أنفسكم، ولا تكونوا ممن بدَّل نعمة الله كفرًا وأحلُّوا قومهم دار البوار يصلونها فبئس دار القرار، فشُتم الرجل ولحق بالمهاجرين.

ثم قام عويمر بن ساعد الأنصاري فقال: يا معشر الأنصار، إن يكن الأمر فيكم دون قريش فانفردوا حتى نبايعكم عليه، وإن كان لهم دونكم فسلِّموا لهم بذلك، فوالله ما مات رسول الله حتى عرفنا أن أبا بكر خليفته حتى أمره أن يُصلي بالناس … فشُتم الرجل أيضًا فلحق بالمهاجرين.

ثم قام ثابت بن قيس — وهو يومئذٍ خطيب الأنصار — فقال: يا معشر المهاجرين، إن الله بعث محمدًا فأقام بمكة، سمع الأذى والتكذيب، وأمره الله بالكف والصفح الجميل، ثم أمره بالهجرة وكتب عليه القتال، فنقله عن داره إلينا فكُنا أنصاره، وكانت دارنا مهاجَره، ثم قدمتُم علينا فقاسمناكم معاشر المهاجرين الأموال، وأنزلناكم الديار، وكفيناكم العمل، وآثرناكم بالمرافق، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معاشر المهاجرين بضعة منا، وقد دقَّت إلينا من قومكم داقَّة، وقد قال رسول الله : «لو سلك الناس شعبًا وسلك الأنصار شعبًا لسلكتُ شعب الأنصار»، فاسلكوا شعب رسول الله .

فقام حينئذٍ أبو بكر، فقال: أما ما ذكرتم من فضلكم فأنتم كذلك، ولكن العرب لا تُقِرُّ بهذا الأمر إلا لقريش؛ لأنهم أوسط العرب دارًا، وأنهم دعوة إبراهيم، وقد رضيتُ أحد هذين الرجلين: إما عمر بن الخطاب أو أبو عبيدة بن الجراح.

فقام عمر وأهوى على يد أبي بكرٍ ليبايعه، فضربها بشير بن سعد بيده وقال: والله لا بايعه أحد قبلي، ولا تخلَّفَ عن بيعته أنصاري من الخزرج والأوس فيضحك إليه سني. فلما رأى ذلك الأوس والخزرج بايعوا، وازدحم الناس على أبي بكرٍ فبايعوه، وأراد عمر أن يتكلم، فقال له أبو بكر: على رسلك يا عمر، ثم قال: نحن المهاجرين أول الناس إسلامًا، وأوسطهم دارًا، وأكرمهم أحسابًا، وأحسنهم وجوهًا، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسُّهُم وأوسطهم رحمًا من رسول الله ؛ لأنَّا عترته التي خرج منها، وبيضته التي تفقَّأت عنه، أسلمنا قبلكم وقُدِّمنا في القرآن عليكم، وأنتم إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا في العدد، وأنتم واسيتم فجزاكم الله خيرًا، ونحن الأمراء وأنتم الوزراء، ألا لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، وأنتم مُحقُّون لا تُنافسون على إخوانكم من المهاجرين ما ساقه الله إليهم من خلافة النبوة والقيام بأمر الإمامة، والسلام.٤

وتزعم الأوس أن أول من بايع أبا بكر هو بشير أبو النعمان، وتزعم الخزرج أنه أُسيد بن حُضير، فلما بايع أهل السقيفة أبا بكر ازدحم الناس عليه ليبايعوه، فقال قائل منهم: قتلتم سعدًا — وكان جالسا متزمِّلًا بثوبه — فقال عمر: اقتلوه فإنه صاحب فتنة، وتدخَّل أبو بكر في الأمر، وانتهت الفتنة، وظل سعد منزويًا في بيته ولم يبايع أبا بكر.

ثم اجتمعت جماعات الأوس والخزرج وبايعت أبا بكر، وأُنكِرَ على سعد بن عُبادة وجماعته ما كانوا أجمعوا أمرهم عليه، وزفوا أبا بكر إلى المسجد فبايعه المهاجرون، ثم أقبل الأنصار والمهاجرون يتعاتبون في الأمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا معشر الأنصار، إنكم وإن كنتم كما قلتم فليس فيكم مثل أبي بكر، ولا مثل عمر، ولا مثل أبي عبيدة، فقال زيد بن أرقم: ما يُنكَر فضل من ذكرت، وإن مِنا لسيد الأنصار سعد بن عبادة، وفينا من أَمَرَ الله رسوله أن يُقرئه السلام: أُبَي بن كعب، وفينا من أمضى الله شهادته بشهادة رجلين: خزيمة بن ثابت، وإن فيمن سميت من قريش لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد — يعني علي بن أبي طالب — ثم طال الجدال والعتاب بين الجانبين، وانتهت هذه الأزمة بسلام إلا ما كان من أمر أبي سفيان؛ فقد روى الطبري أن الناس لما اجتمعوا على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول: والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم، يا آل عبد مناف، فيمَ أبو بكر من أموركم؟ أين المستضعفان؟ أين الأذلَّان علي والعباس؟ وقال لعلي: يا أبا الحسن، أبسِط يدك حتى أبايعك، فأبى علي، فجعل يتمثل بشعر المتلمس:

ولن يقيم على خسفٍ يُراد به
إلا الأذلَّان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمحته
وذا يُشجُّ فلا يبكي له أحد

فزجره علي وقال: إنك والله ما أردتَ بهذا إلا الفتن، وإنك والله طالما بغيت الإسلام شرًّا، لا حاجة لنا في نصيحتك، وكان هذا كله قبل دفن الرسول ؛ لأن أهله حجبوه عن الناس، فلما بايع الناس أبا بكر ورجع إلى المسجد جلس على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أيها الناس، إني قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأيي، وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدًا عهده إليَّ رسول الله، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا حتى يكون آخرنا، وإن الله أبقى فيكم كتابه الذي هدى به رسول الله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوا.» فبايع المسلمون بيعة العامة بعد بيعة السقيفة.

ثم تكلم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: «أمَّا بعدُ أيها الناس، فإني وُلِّيتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله.»٥

ولما أتم القوم الصلاة نظر أبو بكر في وجوه القوم فلم يرَ عليًّا فسأل عنه، وذهب زيد بن ثابت وجماعة من الأنصار فأتوا به إليه، فقال له: أنت ابن عم رسول الله وختنه، وأردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال علي: لا تثريب يا خليفة رسول الله، وكذلك فعل الزبير، ثم انصرف أبو بكر والقوم إلى دفن رسول الله ، فلما أتموا ذلك لزم علي بيته حينًا من الدهر يترضَّى السيدة فاطمة حين لم يقضِ لها أبو بكر بما طالبت به من مال أبيها، وظلَّت غضبى إلى أن ماتت، فبعث علي إلى أبي بكر: ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما يعلم من شدته، فقال عمر: لا تأتِهِ وحدك، فقال أبو بكر: لآتينهم وحدي، وما عسى أن يصنعوا بي؟ فانطلق حتى دخل على عليٍّ وقد جمع بني هاشم عنده، فقام علي، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أمَّا بعدُ فإنه لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكارًا لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقًّا فاستبددتم به علينا … ثم ذكر قرابته من رسول الله وحقه، فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر.

فلما صمت علي تشهد أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أمَّا بعدُ، فوالله لقرابة رسول الله أحبُّ إليَّ أن أصلهم من قرابتي، وإني والله ما آلو بكم في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم على الحد، ولكن سمعت رسول الله يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نُوَرَّث، ما تركناه صدقة»، إنما يأكل آل محمد في هذا المال، وإني والله لا أذكر صنعة فيه إلا صنعته إن شاء الله تعالى، ثم قال علي: موعدك للبيعة العشية، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عَذَرَ عليًّا ببعض ما اعتذر به، ثم قام علي فعظَّم من حق أبي بكر، فذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه وأقبل الناس إلى علي فقالوا: أصبت وأحسنت.٦

وهكذا تمت البيعة لأبي بكر فقبلها وهو كاره، ولما رأى إجماع الناس على بيعته دعته نفسه إلى الاستقالة؛ فقد رُوي عن زيد بن أسلم أنه قال: دخل عمر على أبي بكر وهو آخذ بطرف لسانه: إن هذا أوردني الموارد، ثم قال: يا عمر لا حاجة لي في إمارتكم، فقال عمر: والله لا نقيلك ولا نستقيلك؛ قدَّمك رسول الله، فمن ذا الذي يؤخِّرُك؟ ولما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مئونة أهلي، وشُغلتُ بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين.

١  معجم البلدان لياقوت ٥، ٩٥.
٢  تاريخ الطبري ٣، ٢٠٨.
٣  تاريخ الطبري ٣، ١٩٩.
٤  الفرق الإسلامية، للإمام الغزالي، مخطوط في خزانتنا، ص٢٤، وتاريخ الطبري ٣، ٢٠٠–٢١٠.
٥  تاريخ الطبري: ٣، ٢٠٣، والرياض النضرة: ١، ١٧٧.
٦  الفرق الإسلامية للغزالي، صفحة ٢٥، والرياض النضرة: ١، ١٦٨-١٦٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١