طاقية الإخفاء

١

قال سخربوط بفتور: عباس الخليجي حاكم الحي، سامي شكري كاتم السر، خليل فارس كبير الشرطة، لا يُتوقَّع منهم انحرافٌ قريب.

فتساءلَت زرمباحة بسخرية: لماذا؟

– جاءوا في إثر تجربةٍ مريرة أطاحت بالمنحرفين.

– دعنا من الحكام حتى يُفسِدَهم الحكم، وانظر إلى ذلك الفتى الهمام فاضل صنعان!

فقال سخربوط ساخطًا: إنَّه مثالٌ حيٌّ للعمل المفسد لنوايانا وخطَطنا.

– يا له من هدفٍ جدير حقًّا بمهارتنا وحيلنا!

فتسرَّب المرح إلى صوته وهو يقول: إنَّكِ كنزٌ لا يفنى يا زرمباحة.

– فلنفكِّر معًا في لعبةٍ طريفة جديرةٍ بنا.

٢

وكان فاضل صنعان يخلد إلى الراحة فوق سلَّم السبيل في أعقاب نهارٍ حارٍّ من فصل الصيف .. إنَّه يفتقد دائمًا علاء الدين ويترحَّم عليه من قلبٍ مكلومٍ .. ويتساءل في غضب متى يجيء الفرج؟ .. وانتَبه إلى رجل مشرق الصورة، بسَّام الثغر، يُقبل نحوه، فيجلس إلى جانبه .. تبادلا تحية، ولكن الرجل أولاه اهتمامًا كأنَّما جاء من أجله .. انتظر فاضل أن يُفصِح الرجل المشرق عن خواطره، ولمَّا لم يفعل قال: لستَ من حيِّنا فيما أعتقد؟

فقال الرجل بمودَّةٍ: صدقَتْ فراستُكَ ولكنني اخترتُكَ.

فحدَجه بحذَرٍ، تلقَّنه من مطاردة المخبرين، وسألَه: من أنتَ؟

– لا أهمية لذلك، المهم حقًّا أنَّني من رجال الأقدار، ومعي لكَ هديةٌ.

فقطَّب فاضل في حذرٍ أشدَّ وهو يتساءل: من مرسلُكَ؟ .. أَفْصِحْ فإنني لا أحب الألغاز!

فقال باسمًا: وإني مثلُكَ تمامًا، إليكَ الهديةَ ففيها الغَنَاءُ عما عَداها.

أخرج من جيب جِلبابه طاقيةً مزخرفةً بتهاويلَ ملونةٍ لم يُرَ مثلُها من قبلُ، وأحكم لبسها على رأسه فسرعان ما اختفى عن الأنظار في غمضة عين. ذُهل فاضل وقلقَت عيناه فيما حوله بخوف .. وتساءل: أَحُلمًا أرى؟

فسمع صوت الرجل يتساءل ضاحكًا: أَلم تسمعْ عن طاقية الإخفاء؟ .. هذه هي بين يدَيك.

ونزع الرجل الطاقية فعاد متجسِّدًا كما كان في مجلسه .. تتابعَت ضربات قلب فاضل في عنفٍ وانفعالٍ، وسأله بلهفةٍ: من أنت؟

– الهدية حقيقةٌ ملموسةٌ، ولا أهمية لسؤالٍ بعد ذلك.

– هل تنوي إهداءها لي حقًّا؟

– من أجل هذا قصدْتُك دون العالمينَ.

– ولماذا أنا بالذات؟

– ولماذا يعثُر إبراهيم السقَّاء على الكنز؟ .. ولكن لا تُبدِّدْ كنزكَ كما بدَّد كنزه!

قال لنفسه: إنَّ الدنيا تُخلقُ من جديدٍ، وإنَّ العناية تخصُّه بهذه الهدية لإنقاذ البشر .. وسرعان ما أُفعِمَ قلبُه بإلهامٍ نبيلٍ .. وإذا بالرجل يسأله: فِيمَ تُفكِّرُ؟

– في أشياءَ جميلةٍ تسرُّكَ.

فتساءل بحذرٍ: خبِّرني عما ستفعل بها؟

فقال بتألُّقٍ: سأفعل ما يمليه عليَّ ضميري.

فقال الرجل: افعل أيَّ شيْءٍ إلا ما يمليه عليك ضميرُك!

فبَردَت نظرة عينَيه وغَشِيَتها الخيبة والانزعاج، وسألَه: ماذا قُلتَ؟!

– افعل أيَّ شيءٍ إلا ما يمليه عليك ضميرُك، هذا هو الشرط، وأنت حرٌّ فيما تقبل أو ترفض، ولكن احذر الخداع فعنده تَفقِد الطاقية، وقد تَفقِد حياتك أيضًا.

– إذن فأنتَ تدفعني للشرِّ يا هذا؟

– شرطي واضح، لا تفعل ما يمليه عليك ضميرُك، ولكَ ألا ترتكب شرًّا أيضًا.

– فماذا أصنع بها؟

– بين هذا وذاك أشياءُ كثيرةٌ لا تنفع ولا تضر، وأنت حر.

– لقد عشْتُ حياةً كريمةً.

– واصِلْهَا كما تشاء ولكن بعمامتك لا بالطاقية، ثم ماذا جنيتَ منها؟ .. الفقرَ والسجنَ بين الحِينِ والحِين.

– هذا شأني.

قام الرجل قائلًا: آن لي أن أذهب، فماذا تقول؟ ..

وجب قلبه بلهفةٍ .. إنَّها فرصةٌ لا تلوح مرتيْنِ .. لم يستطع رفضها .. قال بثقةٍ: هديةٌ مقبولةٌ، ولا خوف عليَّ منها.

٣

بدءًا من صباح اليوم التالي انطلق فاضل صنعان مثل الهواء، يحل في أي مكان ولا يُرى .. هيمنَت عليه التجربة السحرية الجديدة .. جرَّب أن يكون روحًا خفيَّة متنقِّلة، فأنساه السرور كل شيءٍ حتى سعيَهَ اليوميَّ في سبيل رزقه .. شعر بالاختفاء أنَّه يعلو ويسود، ويتساوى مع القوى الخفية، وأنَّه يملك زمام الأمور، وأنَّ مجال الفعل يترامى أمامه بلا حدود .. إنَّها عطلةٌ فريدةٌ يستريح بها من جسمه وأعيُن الناس وقوانين البشر .. وتصوَّر ما كان يمكن أن تُيسِّره لوغدٍ من الأوغاد فشكَر الحظ الذي خصَّه بالرعاية .. ومن فَرْط سروره لم ينتبه لنفسه إلا حين حلول المساء .. هناك تذكَّر أنَّ أكرمان وأم السعد ينتظرانِ دراهمَهَ المعدودةَ لإعداد العَشاء وشراء المواد اللازمة لصنع الحلوى .. جزع وأدرك أنَّه لا يستطيع أن يرجع إلى مسكنه بالرَّبْع فارغَ اليدَيْن .. ومرَّ بدكان قصابٍ وكان يُحصي ربحَ يومِه على حين تنحَّى صبيُّهُ جانبًا .. قرَّر أن يستوليَ على ثلاثة دراهمَ هي مقدار ربحه اليومي متعهدًا بردِّها عند المَيسَرة .. ولم يجد بُدًّا من دخول الدكان وأخْذِ الدراهم .. وخرج إلى الطريق منقبضَ الصدر لتورُّطه لأول مرة في حياته في السرقة .. ونظر نحو الدكان فرأى القصَّاب ينهال بالضرب على الصبيِّ ثم يطردُهُ مُتَّهِمًا إيَّاه بالسرقة!

٤

بعد العَشَاء فكَّر في التخفيف عن نفسه بزيارة مقهى الأمراء تحت الطاقية .. ثمَّة فُرصٌ للمداعبة البريئة مع أخذ الحَيْطة في ألا يتورَّط في فعلٍ شائنٍ كما تورَّط في دكان القصَّاب .. رأى الوجوه المألوفة لأول مرة من دون أن تستطيع رؤيته .. جرى بصره بسخريةٍ على حسن العطار، وجليل البزَّاز، وعجر الحلاق، وشملول الأحدب، والمعلم سحلول، وإبراهيم السقَّاء، وسليمان الزيني، وعبد القادر المهيني، ورجب الحمَّال، ومعروف الإسكافي .. سمع عجر الحلاق يتساءل: ماذا أخَّر فاضل صنعان؟

فأجاب شملول الأحدب بصوته الرفيع ضاحكًا: لعل مصيبةً دهمَتْه!

قرَّر أن يعاقب المُهرِّج .. جاء النادل يحمل أقداح الكركديه، وإذا بالصينية تندلقُ فوق رأس الأحدب وتغمُره بسوائلها .. وثَب الأحدب صارخًا على حين وقف النادل مبهوتًا .. أخفى الرجال ضحكاتٍ ساخرةً .. لطَم المعلم صبيَّهُ وراح يعتذر لمهرِّج السلطان .. ومبالَغةً في الاسترضاء جاء المعلِّم بنفسه بالكركديه، وإذا به ينصَبُّ فوق رأس سليمان الزيني! .. انتشر الذهول والسرور الخفي، وأكثر من صوتٍ صاح: إنَّه الحشيش والمنزول.

وأفلت الزمام من عجر فتناسى أحزانه وضحك ولكنه لم يهنأ بضحكة، فتلقَّى على قفاه صفعةً مُدَوِّيَةٍ .. التفَت مُغضَبًا، فرأى وراءه معروف الإسكافي، فضربه بقبضته في وجهه، وسرعان ما اشتبكا في معركة .. وساد الظلام إثر حجرٍ أصاب الفانوس .. وفي الظلام انهالت الصفعات، فثار الغضَب والتحموا في صراعٍ في الظلام، وعلا الصُّراخ حتى تناثروا في الطريق على حالٍ قبيحة من الجنون والخوف.

٥

مارس حياته المألوفة مُخفِيًا الطاقية في جيبه لحين الحاجة إليها .. قال إنَّه لم يَجنِ منها حتى الآن إلا أن سرق، وارتكب سخافاتٍ لا معنى لها .. ساوره قلقٌ وضيقٌ .. قال إنَّه ما كان بوسعه أن يتجاهل فرصةً نادرةً مثلها .. ولم يكن لديه مجالٌ للتأمُّل، ولكن ما جدوى ذلك كلِّه؟ .. وإذا تعذَّر عليه صُنعُ خيرٍ بالطاقية فما عسى أن يفعل بها؟ .. وكان يستريح على سلَّم السبيل بعد الغروب على مبعدةٍ يسيرةٍ من بياع بطيخٍ متجولٍ فرأى شاور مقبلًا نحو الرجل لابتياع بطيخةٍ .. ارتعدَت مفاصله لرؤيته؛ فهو سجَّان اشتُهر بتعذيب إخوانه .. رآه يمضي بالبطيخة نحو زقاقٍ قريب حيث يقيم فيما بدا له فتَبِعه .. ولمَّا أَمِن المارَّة لبس الطاقية فتلاشى .. وكأنَّما نَسِي تعهُّده فاستَلَّ السكين التي يقطع بها الحلوى .. فليُجرِّب على الأقل كيف يحول «الآخر» بينه وبين ما يَودُّ أن يفعل .. لحِق بالسجَّان وهو عنه لاهٍ .. وجَّه إلى عنقه طعنةً قاتلة فسقط غارقًا في دمه.

أثملَه شعورٌ بالنصر .. يستطيع أن يفعل ما يشاء .. ولم يَبرَح المكان ليُتابِع الحدث .. شاهَد التجمهُر على ضوء المشاعل .. جاءتِ الشرطة .. سمع أنَّ السجَّان لفظ اسم بيَّاع البطيخ قبل أن يلفظَ أنفاسه .. رأى الشرطة وهي تقبض على البيَّاع البريءِ .. تعجَّب فاضل من ذلك وانزعَج له .. ماذا كان بين السجَّان والبيَّاع مما جعلَه يُوقِع به؟ استفحل انزعاجه وقال لنفسه: لا مفرَّ من إنقاذ الرجل البريء.

عند ذاك رأى صاحب الطاقية أمامه وهو يقول له: حذارِ أن تخونَ العهد.

فذُعر فاضل متسائلًا: ألم تتركْني أقتلُ المجرم؟

فقال الآخر: كلا .. لم تقتل المجرم، ولكنكَ قتلتَ توءمه، وهو رجلٌ طيب لا غُبار عليه!

٦

من السرقة للسخف ثم الجريمة .. سقط في الهاوية .. ولمَّا ضُربَ عنقُ بيَّاع البطيخ في اليوم التالي هيمن عليه يأسٌ مطلقٌ .. هام في الطرقات على وجهه كالمجنون .. كره نفسه لدرجةٍ كره معها الدنيا وأحلامه الخالدة .. همس لنفسه: الاعتراف والجزاء الحق، هذا ما بقي لي.

فرأى أمامه الآخر وهو يقول: حذارِ!

فصاح به غاضبًا: عليكَ اللعنة.

فتلاشى وهو يقول: أَهذا جزاءُ من سلَّمَكَ مفتاح القوة واللذة!

وتمطَّى السخط في ذاته مشعشعًا بالجنون الأحمر، فراح يَسكَر مناديًا الشياطين من مكامنها .. وتذكَّر خواطرَ مثقلةً بالشهوة كانت تُداعبه فيطردُها بالإعراض والتقوى .. تجسَّدتْ في إشعاعات جنونه الأحمر في صورتَين؛ قمر أخت حسن العطار، وقوت القلوب زوجة سليمان الزيني .. قال لنفسه ما دامت الخمر قد أُلقيَت في جوفي فما خوفي من السُّكر؟ .. لم يَبقَ لي إلا حسن الامتثال للَّعنة .. فلأرفع نفسي إلى السماء ولتنطلق الشياطين من قماقمها .. وليقدم العذاب مكلَّلًا بالضحايا.

٧

وتساءلت قمر العطار.

– لماذا فاضل صنعان؟ .. يا له من حلم!

ولكنها لمسَت للحلم آثارًا لا تُنكَر، فذُهلَت وقالت كأنه الشيطان. استحوذ عليها الرعب وتخايل لعينَيها الموت.

وقالت قوت القلوب: إنَّه كابوس .. ولكن لماذا فاضل صنعان وما خطر لي في وجدانٍ قط؟

ولكن عن الكابوس تولَّدتْ آثارٌ حقيقية فانفجر فيها الفزع .. واكتشف سليمان الزيني سرقة نقوده .. وجاء خليل فارس كبير الشرطة .. وكتمَت قوت القلوب خبر الكابوس .. وأطبقَت عليها فكرة الموت.

٨

حافظ على حياته اليومية نهارًا، ولم يتخلَّف عن مقهى الأمراء .. وردَّد كثيرًا في نفسه: رحمكَ الله يا فاضل صنعان .. كنتَ فتًى طيبًا مثل علاء الدين وأفضل.

وصادفَه المجنون في تَجواله، فقدَّم له بعض الحلوى كعادته معه، ولكنَّ المجنون لم يمُد يده هذه المرة ومضى لسبيله وكأنَّه لم يَرَه .. ارتعَب وحامت حولَه المخاوف كالذباب .. المجنون لم يتغيَّر لغيرِ ما سبب .. لعله شعر بالشيطان وراء جلده .. غمغم: عليَّ أن أخشى المجنون.

فرأى الآخر صاحب الطاقية يبتسم إليه مُشجِّعًا ويقول: صدقتَ، وليس هو الوحيد الجدير بالخشية.

فقطَّب صنعان وشعر بذُلٍّ، ثم قال بحدَّة: دعني وشأني.

فقال بهدوء: اقتل المجنون، لن يشُقَّ عليكَ ذلك.

– لا تقترح عليَّ؛ فلا يدخل ذلك في الاتفاق.

– يجب أن نصير أصدقاء؛ لذلك أنصحكَ أيضًا بأن تقتل البلخيَّ ذلك الشيخَ المُخَرِّف.

– لسنا أصدقاء، ولن أفعل شيئًا إلا بمحض حريتي.

– أُسَلِّم بهذا تمامًا، ولن تندم، إنك تتعذَّب بحكم تغيير العادة، ولكنك ستبلُغ الحكمة الباهرة وتفهَم الحياة كما ينبغي لكَ.

فصاح فاضل: إنَّكَ تسخر مني.

– أبدًا .. إنِّي أُحرِّضكَ على قتل أعدائكَ قبل أن يقتلوكَ.

فقال بقرف: دعني وشأني.

٩

وقعَت أحداثٌ مثيرة للشجن .. فقد افترس مرضٌ غامض في وقتٍ واحد تقريبًا امرأتَين جميلتَين فاضلتَين؛ قمر العطار، وقوت القلوب امرأة سليمان الزيني .. ولم ينفع في إنقاذهما إخلاصُ عبد القادر المهيني وخبرتُه .. وبموتهما حمل الطبيب همًّا خفيًّا احتار كيف يتعامل معه .. هل يصمُت صونًا لسمعة أصدقائه؟ .. هل يخشى أن يُغطِّي صمتُه على مجرمٍ وجريمةٍ؟ تفكَّر الرجل طويلًا، ثم مضى إلى مقابلة خليل فارس كبير الشرطة .. قال له: سأطرح عليكَ همِّي لعل الله يهدينا إلى سواء السبيل.

وتنفَّس الرجل بعمقٍ، ثم استطرد: ليس مرضًا ما أصاب قمر شقيقة حسن العطار وقوت القلوب امرأة سليمان الزيني؛ فقد تبين لي أنَّهما تناولَتا سمًّا قتلهما ببطء.

تمتَم كبير الشرطة باهتمامٍ: انتحار! .. لماذا؟ .. جريمة قتل، كيف؟

– قُبيل احتضارِ كلٍّ منهما لفظَت باسْمِ فاضل صنعان بتقزُّزٍ ورعبٍ.

فهزَّ الرجل رأسه باهتمامٍ متصاعدٍ، فقال الطبيب: خلاصةُ ما فهمتُه أنَّهما حلمَتا ذات ليلةٍ بأنَّه اعتدى عليهما، ثم وضَح لهما أنَّ ثمةَ آثارًا تقطَع بأنَّ الحُلم كان حقيقةً واقعة.

– هذا مذهلٌ .. هل خدَّرهما؟

– لا أدري.

– أين وقع الحلم؟

– في فراشهما بدارَيْهما.

– هذا مذهلٌ حقًّا .. وكيف تسلَّل إلى الدار؟ .. وكيف خدَّرهما حتى يقضي وطره؟ .. أله شُركاءُ في الدارَين؟

– لا أدري.

– هل فاتحتَ حسن والزيني في الموضوع؟

– لم أجد الشجاعة الكافية.

– ماذا تعرف عن فاضل صنعان؟

– شابٌّ لا غُبار عليه، وهو من خيرة الشبَّان.

– ثمَّة شبهةٌ لم يقم دليلٌ عليها بعدُ، أنَّه من الخوارج.

– لا علم لي بذلك!

فقال كبير الشرطة بحزمٍ: سأُلقي القبض عليه في الحال، وأُجري معه تحقيقًا دقيقًا.

فقام عبد القادر قائلًا: لعلكَ تُجري تحقيقك في كتمانٍ رحمةً بسمعة المرأتَين.

فقال خليل فارس دون مبالاةٍ: كشفُ الحقيقة هو ما يهمُّنِي في المقام الأول!

١٠

أُلقيَ القبض على فاضل صنعان، وسيق من فَوْره إلى السجن. اهتم حاكم الحيِّ عباس الخليجي بالقضية، واستَدعَى للقائه حسن العطار وسليمان الزيني، وباغتهما بالسرِّ الذي أشفق الطبيب من قذفهما به .. كأنَّ ضربةً عنيفةً أطاحت برأسَيْهما، وهان بالقياس إليها الموتُ نفسه .. أمر الرجل باستدعاء فاضل صنعان من السجن ليحقِّقَ معه بنفسه، فجاءه خليل فارس وحده وهو يقول بخزيٍ عظيمٍ: هرب المجرم ولا أثَر له في السجن!

فثار الحاكم ثورةً جائحةً، وانهال على كبير الشرطة بالتقريع والاتهام، فقال الرجل بحَيرةٍ ممزقةٍ: هروبه لغزٌ لا حل له، كأنَّه عمل من أعمال السحر الأسود.

فصرخ الحاكم: بل إنَّه فضيحةٌ ستُزعزع أركان الثقة.

وانطلق المخبرون في كل مكانٍ كالجراد .. وجيءَ بأكرمان زوجة فاضل وحسنية أخته وأم السعد والدته، ولكن التحقيق معهنَّ لم يُسفِر عن شيءٍ، وقالت أكرمان وهي تبكي: زوجي أشرف الرجال، ولا أُصدِّق عنه كلمة سوءٍ واحدة!

١١

أدرك فاضل صنعان أنَّه أصبح في عداد الأموات .. لا حياة له بعد اليوم إلا تحت الطاقية كروحٍ ملعونة هائمة في الظلام .. روحٍ ملعونة، لا حركة لها إلا في مجال العبث أو الشر، محرومة من التوبة أو فعل الخير، صار شيطانًا رجيمًا، تأوَّه من الحزن فتجسَّد أمامه صاحب الطاقية متسائلًا: لعلَّكَ في حاجةٍ إليَّ؟

فحدَجه بنظرةٍ مُحْنقَة، فقال له ملاطفًا: لا حدَّ لسلطانكَ ولن يُعْوِزكَ شيْءٌ.

فهتف: إنَّه العدم.

فقال ساخرًا: اسحَقِ الأفكار القديمة وانتبِه إلى حظِّكَ الكبير!

– الوحدة .. الوحدة .. والظلام .. ضاعت الزوجة والأخت والأم، وضاع الأصحاب.

فقال بهدوءٍ: أَصغِ إلى نصيحة مجرِّبٍ، بوسعكَ أن تتسلى كل يومٍ بحدثٍ يزلزل البشر.

١٢

واجتاحت الحيَّ حوادثُ غامضةٌ فأنستهم القضية والمجرم الهارب .. يُدفَعُ وجيهٌ من فوق بغلته فيقعُ على الأرض .. يُصيب حجرٌ رأس سامي شكري كاتم السرِّ فيشُجُّه وهو بين حُرَّاسه .. تختفي جواهرُ ثمينةٌ من دار الحاكم .. تشتعل النارُ في وكالة الأخشاب .. ينتشر العبثُ بالنساء في الأسواق .. يركب الرعبُ الخاصة والعامة .. يندفع فاضل صنعان في طريقه الوَعْر مخمورًا باليأس والجنون.

واجتمع الحاكم عباس الخليجي بالشيخ عبد الله البلخي والطبيب عبد القادر المهيني والمفتي، وقال لهم: إنكم صَفوةُ حيِّنا، وأريد أن أسترشد بآرائكم فيما يقع لنا، فما تشخيصُكم له وما العلاج الذي تقترحونه؟

وقال الطبيب: ما هي إلا عِصابةٌ من الأشرار تعمل بحرصٍ ودهاءٍ، فنحن في حاجة إلى مزيدٍ من السهر على الأمن.

وتفكَّر قليلًا ثم واصَل: ونحن في حاجةٍ أيضًا إلى إعادة النظر في توزيع الزكاة والصدقات.

فقال الحاكم: أعتقد أنَّ المسألة أخطر مما تفترض، ما رأيك يا شيخ عبد الله؟

فأجاب الرجل باقتضابٍ: ينقصنا الإيمانُ الصادقُ!

– ولكن الناس مؤمنون.

فقال بأسًى: كلَّا .. الإيمان الصادق أندرُ من العنقاء.

عند ذاك قال المفتي بصوتٍ خشنٍ: ثمَّة من يمارس علينا السحر الأسود، ولا أتهم إلا الشيعةَ والخوارجَ!

١٣

وسيق إلى السجون جميعُ من حامت حولهم الشبهات .. ضجَّت دورٌ كثيرة بالشكوى .. ولأول مرة يُفيق فاضل صنعان من يأسه .. عَجب لنفسه وتساءل: أما زال في قلبه متسعٌ للتأمُّل والندم؟! عاودَتْه ذكرياتٌ قديمةٌ كما تهفو نسائم على نارٍ متأجِّجة .. ومضى يفكِّر في توجيه عبثه إلى متَّجَهٍ جديدٍ .. غير أنَّ صاحب الطاقية تمثَّل له بنظرته المحذِّرة وهو يتساءل: أَلم تُشْفَ بعدُ من دائك القديم؟

فاجتاحه الغيظ، ولكنه كظم نفسه بذُلٍّ، وقال: إنَّ تهريب هؤلاء سيكون قمة العبث!

– تذكَّر اتفاقنا.

فتساءل بحدةٍ: أيُّ خيرٍ ثمَّة وراء تهريب أعداء الدين؟

– إنَّهم في رأيكَ الهُداةُ، وما أنتَ إلا أحدُهم، فلا تحاول العبث بي.

فقال بتصميمٍ ورجاءٍ: دعني أفعل ما أشاء، ثم افعل بعد ذلك ما بدا لك!

وإذا بالطاقية تُنزَع من فوق رأسه فيتجسَّد في زحمة السابلة بميدان الرماية .. فَزع من وقع المفاجأة .. وقبل أن يُفيق من فَزعه أعاد الآخر الطاقية إلى رأسه وهو يقول: التزم بما تعاهَدنا عليه لأعاملَكَ بالمثل.

١٤

لكنَّه لم يسعد بالنجاة .. شاعت في مذاقه مرارةٌ راسخة .. تساءل كيف يمكنه أن ينقذ أقرانه وإخوانه .. اختنق بالقبضة الحديدية التي تُطوِّقه .. إنَّه عبد الطاقية وصاحبها كما أنَّه أسير الظلام والعدَم .. كلا، إنَّه لا يسعد بالنجاة ويخجل منها .. وحتى اليأس مهما ارتكب من حماقاتٍ لم تستطع أن تقتلع من قلبه أنغامه القديمة .. وحنَّ إلى بعث فاضل القديم بأيِّ ثمنٍ .. أجل، إنَّ فاضل القديم مضى وانقضى، ولكن ما زال في الطريق متسعٌ لعملٍ .. ومِن أعماق الظلمات ومضَ شعاعٌ .. انتعشَت روحه لأول مرة منذ دهر .. وبث حياةً في إرادته .. تفجَّرتْ شجاعته في صورة إلهامٍ صاعدٍ .. ورفعَتْه موجة استهانةٍ وتحدٍّ فوق الحياة والموت فتطلَّع من فوق ذروتها إلى أفق واعدٍ .. واعدٍ بالموت النبيل .. بذلك يستردُّ فاضل صنعان ولو جثةً هامدةً .. ولم يتردَّد فمضى بعزمٍ جديدٍ نحو دار الحاكم .. ومرَّ به المجنونُ وهو يردِّد: «لا إله إلا الله، يُحيي ويُميت، وهو على كل شيء قدير».

فتمادى في النشوة والاقتحام .. وما ارتعب عندما تراءى له «الآخر»، فقال له: إليكَ عني.

ونزع الطاقية من فوق رأسه ورمى بها في وجهه قائلًا: افعل ما بدا لكَ.

قال له: سوف يمزقونكَ ويمثِّلون بكَ.

فهتَف: إنِّي أعرف مصيري خيرًا منك.

– سوف تندم حيث لا ينفع ندم.

فصاح: إنِّي أقوى منكَ.

توقَّع مشفقًا أن يبطش به، ولكنه تلاشى وكأنَّما غُلبَ على أمره.

١٥

أثارت محاكمة فاضل صنعان الخواطر كما لم تُثِرْها محاكمةٌ من قبلُ .. وانفجَرتِ اعترافاته في المدينة مثل إعصارٍ .. ولأنَّ الصفوة ما زالت تعتبره أحدَ أبنائها، ولأنَّ العامة اعتبروه أحدهم، فقد تبلبلَت الأفكار أيَّما تَبَلْبُل، وتضاربَت العواطف كالدوَّامات الصاخبة .. واستقبل ميدان «العقاب» سيلًا لا ينقطع من النساء والرجال من كافة الطبقات .. واختلطَت همسات الإشفاق بصرخات الشماتة، كما يختلط أنين الرباب بعربدة السكارى .. ولمَّا تراءى الشابُّ من بعيدٍ استبقَت إليه الأبصار .. تقدَّم بين حُرَّاسه بخطواتٍ ثابتةٍ ووجهٍ هادئٍ وامتثالٍ خاشعٍ. أمام النطعِ انهمَرتْ عليه الذكريات في موجةٍ واحدة متفجِّرة بالشهب .. تماوجَت وجوه أكرمان والبلخي وجمصة البلطي وعبد الله الحمَّال والمجنون .. التحَم الحب والمغامرة ودفاتر الدعوة وآلاف اللقاءات المدثَّرة بالظلام في الأَقبية والخلَوات .. وتبدَّدَت الطاقية وصاحبها كعثرة بلا قرارٍ يفوح من أعماقها الإغراء محطمًا قمقمه عن شهواته المكبوتة .. وتجلَّى أخيرًا نصره المأساوي جاذبًا معه شبيب رامة السياف .. تلقَّى ذلك في ثوانٍ بقوةٍ خارقة وسرعةٍ مذهلة، فرفض الأسى بإباءٍ، وواجه مصيره ببرودٍ واستعلاءٍ، فرأى فيما وراء الموت إشراقةً تبهرُ الأعينَ .. ولكنه رأى أيضًا مَعلَمًا من معالم الآخرة مُتمثِّلًا في صورة المعلم سحلول تاجر المزادات والتحف .. دُهشَ لمرآه فأفاق من رؤيته وسأله: ماذا جاء بكَ يا معلم؟

فأجاب وهو يتغيَّر من النقيض إلى النقيض: جاء بي ما جاء بك.

فهتَف بدهشةٍ أكبر: أنتَ مَلاكُ الموت!

ولكنه لم يرُدَّ. فقال في شجاعة: أريد العدل!

فقال بهدوءٍ: الله يفعل ما يشاء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤