الفصل الثاني

معاهد العلم في العصر العباسي

إلى آخر عصرنا هذات أعني إلى عهد المتوكل — لم تكن أُنْشِئت المدارس المخصصة لدراسة العلم، فإنها لم تُنْشَأ إلا بعد ذلك؛ وقد ذهب الذهبي إلى أن «نِظَام المْلُك» الذي استوزر للسلاجقة من سنة ٤٥٦ إلى سنة ٤٨٥هـ هو أول مَنْ أنشأ المدارس، فبنى مدرسة ببغداد، ومدرسة ببَلْخ، ومدرسة بنيسابور، ومدرسة بَهَراة، ومدرسة بأصْبهان، ومدرسة بالبصرة، ومدرسة بمَرْو، ومدرسة بآمُل طبرستان، ومدرسة بالمَوْصِل؛ ويقال إن له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة. وقد ردَّ عليه بعض المؤرخين هذا القول كالسبكي والسيوطي وغيرهما، وقالوا كانت المدرسة البيهقية بنيسابور قبل أن يوَلد نظام الملك، والمدرسة السعدية بنيسابور بناها الأمير نصر بن سُبُكْتكين أخو السلطان محمود١ إلخ.
وذكر المقريزي: «أن الخليفة المعتضد بالله (٢٧٩–٢٨٩هـ) لمَّا أراد بناء قصره في الشّمَّاسّية ببغداد استزاد في الذرْع، بعد أن فرغ من تقدير ما أراد، فسُئِلَ عن ذلك، فذكر أنه يريده ليبني فيه دورًا ومساكن ومقاصير، يرتب في كل موضع رؤساء كل صناعة ومذهب من مذاهب العلوم النظرية والعملية، ويجري عليهم الأرزاق السَّنَِّية، ليقصد كلُّ مَنْ اختار علمًا أو صناعة رئيس ما يختاره فيأخذ عنه».٢ ثم قال: «إن المدارس مما حدث في الإسلام، ولم تكن تعرف في زمن الصحابة ولا التابعين، وإنما حدث عملها بعد الأربعمائة من سِنِّي الهجرة، وأول مَنْ حُفِظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور، فبنيت بها المدرسة البيهقية» إلخ.

على كل حال لم تكن في العصر العباسي الأول مدارس، وإنما كانت هناك معاهد أخرى.

أولها: الكُتَّاب، والجمع الكتاتيب — وقد اختلف اللغويون في وضعها الأصلي، ففي اللسان: «الكُتَّاب موضع تَعْليم الكُتَّاب، والجمع الكتاتيب والمكاتب». وقال المبرد: «المَكْتَبُ موضع التعليم، والمُكتِبُ المُعَلِّم، والكُتَّاب الصِّبْيَان؛ ومَنْ جعل الكُتَّاب فقد أخطأ». ولكن يظهر أن كلًا من الكُتَّاب والمكتب أُستُعْمِل في هذا العصر لمكان تعليم الصبيان، فقد روى الأغاني عن إسحق المَوْصِليّ أن أباه «إبراهيم الموصلي» أُسْلِمَ إلى الكُتَّاب فكان لا يتعلم شيئًا، ولا يزال يُضْرَب ويُحبْس ولا ينجح ذلك فيه، فهرب إلى الموصل وهناك تعلَّم الغناء»٣ وجاء في موضع آخر: «أن عليَّ بن جبلة لمَّا نشأ أُسْلَم في الكتاب».٤ وروى الجاحظ في كتاب البيان والتبيين أن من أمثال العامة «أحمق من مُعَلِّم كُتَّاب».٥ وقال ابن خلكان في ترجمة أبي مسلم الخراساني: «أنه نشأ عند عيسى بن معقل، فلمَّا ترعرع اختلف هو ووالده إلى المَكْتب»٦ وكان ذلك في العصر الأموي بالضرورة. وبعض المكاتب كان لتعليم مبادئ القراءة والكتابة والقرآن، وبعضها كان يعلَّم فيه أيضًا اللغة وما إليها. قال ابن قتيبة: «ومن المعلمين علقمة بن أبي علقمة مولى عائشة، كان يروي عنه مالك بن أنس، وكان له مكتب يعلِّم فيه العربية والنحو والعروض، ومات في خلافة أبي جعفر المنصور»٧ وبعض المعلمين كانوا يعلمون حِسبْةً، لا يأخذون على تعليمهم أجرًا. وروى ابن قتيبة: أن الضحاك بن مزاحم وعبد الله بن الحارث كانا يُعلمِّان ولا يأخذان أجرًا»٨ وبعضهم كان يأخذ أجرًا، ومن هؤلاء مَنْ كان يأخذ خبَزا من الصبيان؛ وقد هجا بعضهم الحجاج (وكان هو وأبوه يوسف معلمين بالطائف):
أينسى كليبٌ زمان الهزال
وتعليمه سورَة الكوثرِ؟
رغيف له فَلْكَةٌ ما تُرى
وآخر كالقمر الأزهر٩
ورووا عن الشافعي أنه قال: «كنت يتيمًا في حجر أمي فدفعتني في الكُتَّاب ولم يكن عندها ما تعطي المعلم، فكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلمَّا ختمت القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث أوالمسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أشتري به قراطيس، فكنت إذا رأيت عظما يُلَوَّح آخذه فأكتب فيه إلخ».١٠

وكان في الكُتَّاب ضرب وحبس كما رأيت فيما رَوَى الأغاني عن إبراهيم الموصلي، وقد صّور أبو نواس الضرب فيه تصويرًا لطيفًا كعادته، فقال:

إنَّنِي أبصْرتُ شخصًا
قد بَدَا مِْنهُ صُدُودُ
جالسًا فوق مُصلِّى
وحواَليْهِ عبيدُ
فَرَمَى بالطرفِ نحوِي
وهُوَ بالطَّرْفِ يصيدُ
ذاك في مكتب حَفْصٍ
إنّ حفْصًا لسَعِيدُ
قال حفصُ اجْلِدوُهُ
إنه عِْندِي بَليدُ
لم يَزَلْ مُذ كان في الدَّرْ
س عَنِ الدّرْسِ يحيدُ
كُشَِفتْ عنهُ خزورٌ
وعَنِ الْخَزِّ بُرُودُ
ثم هالُوه بسَيْرٍ
لَيَّنٍ ما فِيهِ عُودُ
عِْندهُا صاحَ حَبيبي
يا مُعَلِّم لا أعُودُ
قُلتُ يا حْفصُ اعْف عْنهُ
إنه سَوْفَ يُجِيدُ

ثانيها: المسجد — وقد كان أكبر معهد للدراسة، فلم تكن المساجد للعبادة وحدها، ولكن كانت تؤدَّى فيها أعمال مختلفة؛ فهي مكان للعبادة تقام فيه الصلاة وتُخْطَبُ الخطب وكان محكمة التقاضي، والذي يهمنا الآن أنه كان معهدًا للدراسة، بل أكبر معهد؛ فكان مسجد عمرو في مصر، ومسجد البصرة، ومسجد الكوفة، والحرم المكي والمدني، وغيرها من المساجد تقوم مقام المدارس والجامعات في هذا العصر.

فمن مبدأ الإسلام اتخذ رسول الله المسجد للدراسة، ففي البخاري عن أبي واقِدٍ الليثي قال: «بينما رسول الله جالس في المسجد إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله فوقفا على رسول الله فرأى أحدهما فرجة في الحلقة فجلس، وجلس الآخر خلفهم»١١ إلخ.
واستمر المسجد كذلك مكانًا لتعليم القرآن والحديث، وللقُصَّاص يعظون، والفقهاء يعلمون الفقه، مدّة العهد الأموي؛ فيذكر ابن خلكان أن رَبَيعةَ الرَّأْي كان يجلس في مسجد رسول الله في المدينة ويجلس في حلقته مالك ابن أنس والحسن وأشراف أهل المدينة وَيحْدقون به.١٢ وكان مسجد البصرة مركزًا لحركة علمية كبيرة في العهد الأموي، فحول الحسن البصري وفي حلقته نشأت المباحث الكلامية، واعتزل واصل بن عطاء حَلْقة الحسن وكوَّن له حلقة، بل كان هناك بجانب حلقات علوم الدين حلقات لعلوم العربية. قال ياقوت: «كان حماد بن سلمة بن دينار يمرُّ بالحسن البصري في الجامع فيدعه ويذهب إلى أصحاب العربية ويتعلم منهم».١٣
ولمَّا تنوَّعت العلوم في العصر العباسي تنوَّعت كذلك حلقات الدروس، فهناك حلقات يدرس فيها النحو كالذي حكى ياقوت أيضًا عن الأخفش قال: «وردت بغداد فرأيت مسجد الكسائي،١٤ فصليت خلفه الغداة، فلمَّا انتقل من صلاته وقعد وبين يديه الفراء والأحمر وابن سعدان سلَّمت وسألته عن مائة مسألة، فأجاب بجوابات خطأته في جميعها» إلخ.١٥ وكان المعتزلة يعلِّمون الكلام في مسجد المنصور ببغداد١٦ — وهناك حلقات للشعر والأدب، ففي سنة ٢٥٣ رحل الطبري إلى مصر وأملى في مسجد عمرو شعر الطِّرماح عند بيت المال في الجامع.١٧ ولم ينكر الناس إنشاد الشعر في المسجد حتى ما كان فيه غَزلَ، فإن كعب بن زهير دخل على النبي قبل صلاة الصبح فمثل بين يديه وأنشد: «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول».١٨ كذلك كان المسجد محلًا لإنشاد الشعر ونقده والتلاحي فيه، فيروي الأغاني أن الكُمَيْت بن زيد وحمَّادًا الراوية اجتمعا في مسجد الكوفة فتذاكرا أشعار العرب وأيامهم، فخالفه حماد في شيء ونازعه، فقال له الكميت: أتظن أنك أعلم مني بأيام العرب وأشعارها؟ قال وما هو إلا الظن؟ هو والله اليقين. ثم تناظرا وتساءلا أرجئا إلى أجل آخر في خبر طويل».١٩
وحكى المَرْزُبانِي في الموَشح أن مسلم بن الوليد كان يملي شعره في المسجد، وأن الناس كانوا يتناظرون في الشعر في المسجد.٢٠ وكان أبو العتاهية يجلس في المسجد وحوله الناس.٢١ وقال أبو محمد اليزيدي: كان أبو عبيدة يجلس في مسجد البصرة إلى سارية، وكنت أنا وخَلَفٌ الأحمر نجلس جميعًا إلى أخرى.٢٢

وعلى الجملة كان المسجد أهم معهد للثقافة في الإسلام.

•••

وكان الخلفاء والأمراء والأغنياء يتخذون لأولادهم معلمين خاصين، َفشرقِي بن القُطَامِيّ «كان وافر الأدب عالمًا بالنسب، أقدمه أبو جعفر المنصور ليعلم ولده المهدي الأدب»،٢٣ والمفضّل الضبي كان يؤدب المهدي وقد جمع له المفضليات، والكسائي «كان يؤدب الأمين بن هارون الرشيد ويعلمه الأدب»؛٢٤ وأبو محمد يحيى بن المغيرة اليزيدي، ُلُقِّب اليزيدي لأنه صحب يزيد ابن منصور خال المهدي يؤدب ولده فنسب إليه، ثم اتصل بالرشيد فجعله مؤدب المأمون؛ وكان الفراء يؤدب ولدي المأمون؛ وكان ابن السِّكِّيت يؤدب ولد ابن طاهر، وجعل له خمسمائة درهم ثم جعلها ألفًا. إلى كثير من أمثال ذلك.
مجالس المناظرة: كذلك من أهم معاهد العلم مجالس المناظرة في الدور والقصور والمساجد، وبين العلماء، وفي حضرة الخلفاء؛ في الفقه، في النحو والصرف، في اللغة، في المسائل الدينية. ويدلنا ما رُوِي لنا على أن هذه المناظرات أزهرت في هذا العصر تبعًا لازدهار الشغف العلمي، وطمعًا في منائح الخلفاء والأمراء، ونيل الحظوة عندهم، ورغبة في الوصول إلى الحق، وإذا كانت أكثر المسائل العلمية لمتُقرَّر بعدُ، ولم تتخذ شكلًا ثابتًا، كان مجال المناظرات فسيحًا من الناحية العلمية البحتية؛ وإذ كان الخلفاء والأمراء يساهمون في الحركة العلمية، ويشتركون في الرأي، ويؤيدون بعضًا ويفندون بعضًا، استعد العلماء للمناظرة وتسلَّحوا لها رغبة في الشهرة والحظوة؛ وإذ كان الخلاف شديدًا في المذاهب الفقهية بين أنصار الرأي وأنصار الحديث، وكان الخلاف شديدًا بين الأمصار من بصريين وكوفيين وحجازيين وعراقيين وشاميين ومصريين، وكانت العصبية للبلاد وللنمط العلمي فيها شديدًا، كان هذا وقودًا صالحًا لإشعال نار المناظرة وحِدّتَها حياة عنيفة قوية.

وقد حكت لنا كتب الفقه وطبقات الفقهاء مناظرات كثيرة بين أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة، وبين الفقهاء والمحدثين، وبين الشافعي ومحمد بن الحسن، إلى كثير من أمثال ذلك؛ وسنرى بعضها عند الكلام في التشريع.

كما حكت لنا بعض كتب النحو مناظرات بين العلماء في النحو والصرف واللغة، كالفصل القيم الذي عقده السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر «في المناظرات والمجالسات والفتاوى والمكاتبات والمراسلات»،٢٥ وكالكتاب الخاص في مجالس العلماء لكاتب ابن خِْنزَابه.٢٦

من أمثلة ذلك ما جرى بين سيبويه والكسائي في مجلس يحيى البرمكي من المناظرة المشهورة في قولهم: «كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها»؛ وقد تقدَّمت الإشارة إليها — وقد رُوِيت الحكاية بأشكال مختلفة لا تعنينا الآن، إنما يعنينا هنا أنها مظهر من مظاهر المناظرات.

ومن ذلك ما رووا أن الكسائي واليزيديّ تناظرا بين يدي المهدي قبل أن يتولى الخلافة بأربعة أشهر في جملة مسائل، منها: «لِمَ نَسَبُوا إلى البحرين فقالوا بَحْرَانِيَّ، ونسبوا إلى الحصْنيْنِ فقالوا حِصنِيّ»، ومنها تناظرهما في قولهم: «إن من خير القوم أو خيرهم بتَةً زيدًا أو زيدٌ»، ثم اختلافهما في الإجابة وتحاكمهما إلى العرب.٢٧

ومثله مناظرة الكسائي والأصمعي بين يدي الرشيد في معنى «مُحَرِمًا» في بيت الراعي:

قتلوا ابنَ عّفان الخليفةَ مُحْرِمًا
وَدَعَا فلمْ أرَ مثلَهُ مْخذُولا

فذهب الكسائي إلى أن مُحْرِمًا من الإحرام بالحج، فضحك من تفسيره الأصمعي؛ وذهب إلى أن المعنى أن عثمان في حُرْمَةِ الإسلام وذمته، لم يأتِ شيئًا يُحِلُّ دمه، كما قال عَدِي بن زيد:

قتَلوا كسرى بليل مُحْرِمًا
غادَروُهُ لم يُمتَّع بِكَفَنْ
وقد نصر الرشيد الأصمعيَّ. مثل هذا كثير.٢٨

كذلك يروي صاحب كتاب المجالس أنه: «اجتمع الكسائي والأصمعي عند الرشيد، وكانا معه يقيمان بمقامه ويظعنان بظعنه، فأنشد الكسائيُّ يومًا لأْفُنون التَّغْلَبيّ:

لو أنني كنتُ من عادٍ ومن إرَمٍ
غَذِيَّ سَخْل ولُقْمانًا وذا جَدَنِ
لما وَقوْا بأخِيهِمْ من يهوًّله
أخا السَّكُون ولا جارُوا عن السَّنن
أَنَّى جزَوْا عامرًا سُوءَى بفعلِهِم
أم كيفَ يَجْزُونِني السُّوءَ من الحَسَن
أم كيف يَنْفعُ ما تُعطي العَلُوقُ به
ريمَانَ أنفٍ إذ ما ضُن باللبَن
قرأه الكسائي رِيمانَ أنف بالنصب، وقال الأصمعي بالرفع وتجادلا في ذلك.٢٩
ويتجادل أبو العباس أحمد بن يحيى مع ابن الأعرابي في حضرة الأمير أحمد ابن سعيد سَلْم وعنده جماعة من أهل الأدب، في معاني أبيات من الأبيات الغريبة.٣٠
كما يتناظر أبو العباس ثعلب مع المبرد في حضرة محمد بن عبد الله بن طاهر في كلمة «لواذًا» من قوله تعالى:قَدْ يَعْلََمُ اللهُ الَّذيِنَ يتَسَلَّلُون مِنكُمْ لِوَاذًا.٣١
ويروي صاحب هذا الكتاب أن محمد بن عبد الله بن طاهر كان رجلًا لا يقبل من العلوم إلا حقائقها، وأنه كان يجمع بين البصريين والكوفيين للمناظرة.٣٢
ويُرْوىَ أن الكُميْت شهد الجمعة بمسجد الجامع، فأحاط به علماء الكوفة ورواتهم، فيهم حماد والطِّرِماح فجعلوا يسألونه، حتى إذا فرغوا من سؤالهم أخذ هو يسألهم.٣٣

وكان للخلفاء مجالس مناظرات كثيرة ولا سيما المأمون، فقد كان مثقفًا واسع الثقافة، يجيد فروعًا كثيرة من العلوم وفي كلها يناظر؛ وقد روى طيفور في كتابه «تاريخ بغداد» كثيرًا من المجالس.

فقد رَوَى: «أن المأمون لمَّا دخل بغداد وقرّ بها قراره، أمر أن يُدخَلَ عليه من الفقهاء والمتكلمين وأهل العلم جماعة يختارهم لمجالسته ومحادثته … واختير له من الفقهاء لمجالسته مائة رجل، فما زال يختارهم طبقة من طبقة حتى حصل منهم عشرة، كان أحمد بن أبي داود أحدهم وبشر المريسي».٣٤ «وأمر أن يسمَّى قوم من أهل الأدب يجالسونه ويؤامرونه؛ فذُكِرَ له جماعة منهم الحسين بن الضحاك إلخ».٣٥
بل يظهر أن المأمون رمى من مجالسه إلى غرض بعيد، وهو أن تثار بين يديه المسائل الدينية المختلفة؛ فيسمع من كلٍّ رأيه وحججه، ثم يفصل في أوجه الخلاف في ضوء هذه الحجج، ورجا من هذا ألا يكون بعدُ خلافٌ. فقد قال يحيى بن أكثم: «أمرني المأمون عند دخوله بغداد أن أجمع له وجوه الفقهاء وأهل العلم من أهل بغداد، فاخترت له من أعلامهم أربعين رجلًا وأحضرتهم، وجلس لهم المأمون فسأل عن مسائل وأفاض في فنون الحديث والعلم، فلمَّا انقضى ذلك المجلس الذي جعلناه للنظر في أمر الدين، قال المأمون: يا أبا محمد، كره هذا المجلس الذي جعلناه للنظر طوائف … وإني لأرجو أن يكون مجلسنا هذا — بتوفيق الله وتأييده على إتمامه — سببًا لاجتماع هذه الطوائف على ما هو أرضى وأصلح للدين، إمَّا شاكٌ فيتبين ويثبت فينقاد طوعًا، وإمَّا معاند فيُردَ بالعدل كرهًا».٣٦

فهو بهذا يريد أن يجعل مجلس مجمعًا علميًا له النظر في مسائل الخلاف، وله القول الفصل فيها؛ وبعبارة أخرى أراد أن يجعل مجلسه «محكمة» يتنازع فيها الخصوم، وكلٌ يدلي بحجته، والمتنازع هم العلماء، والنزاع حول الرأي الديني، ثم تحكم المحكمة فيجب أن ينفذ حكمها، كما ينفذ الحكم في المسائل المادية، ويجب أن يذعن المتنازع لحكم المحكمة، فلا يقول قائل برأي إلا ما قضت به المحكمة؛ وفات المأمونَ أن الأمر في الجدل الديني والمناظرة العلمية ليس من السهولة بهذا القدر، وأن الحجة يقتنع بها قوم ولا يقتنع بها آخرون، وأن عالمًا قد يقيم على قوله بينة ويظن أنها انحصرت فيما قال، فإذا عالم آخر يوفق إلى بينة لم تتجه إليها أنظار الباحثين من قبل، وأن صدور الحكم بناءً على حجة قيلت في مجلسه ليس من الصواب تنفيذه على الغائبين، وأن للناس من الحرية في الرأي والاقتناع به والتدليل عليه أكثر مما لهم في الأمور القضائية المادية — ولعل هذا الاتجاه غير الموفق الذي اتجهه المأمون هو الذي ورَّطه في حمل الناس على القول بخلق القرآن، وإلزامهم به، والتنكيل بمَنْ خالفه، كما سيأتي بيانه.

وقد لمح هذا الرأيَ الصواب يحيى بن أكْثَم؛ فقد روى أن المأمون همَّ بلعن معاوية، وأن يكتب بذلك كتابًا يُقْرأ على الناس، فخالفه يحيى بن أكثم، وقال: «يا أمير المؤمنين، إن العامة لا تحتمل هذا ولا سيما أهل خراسان، ولا تأمن أن تكون لهم نفرة، وإن كانت لم تُدْرَ ما عاقبتها، والرأي أن تدع الناس على ما هم عليه، ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق، فإن ذلك أصلح للسياسة، وأحرى في التدبير». ولكن ثُمَامة بن أشرَس خالف رأي يحيى وحقَّر عند المأمون من شأن العامة.٣٧
على كل حال كانت هذه المجالس والمناظرات سببًا كبيرًا من أسباب الرقي العلمي؛ فقد حفزت العلماء للبحث والنظر، وحملتهم على الجد في تصفية المسائل حتى يظهروا في هذه المجالس مظهر الخبير الثقة الدقيق النظر، وحتى لا يفشلوا فيكون في هذا الفشل القضاء عليهم؛ كان العلماء يطيلون النظر ويعدون العدة الطويلة لمثل هذا الموقف. روى عبد العزيز المكي الكناني المتكلم، قال: «اجتمعت أنا وبشر المريسي عند المأمون، فقال لي ولبشر: قد اجتمعتما على نفي التشبيه ورد الأحاديث الكاذبة عن رسول الله ، فتكلما في الكفر والإيمان … قال المكي — بعد حديث طويل — (لبشر): هل تذكر شيئًا تعرف به صحيح القياس من متناقضه؟ قال (بشر): ليس عندي أكثر من هذا — قلت — ولكن عندي يا أمير المؤمنين، وهي إحدى المخبآت التي أعددت لهذا المجلس منذ نحو ثلاثين سنة».٣٨

•••

كذلك من أهم معاهد العلم:

المكتبات: كان في العالم الإسلامي قبيل الفتح مكتبات كثيرة، فكان في الإسكندرية مكتبتها المشهورة التي اتهم العرب بإحراقها عند الفتح، وليس هنا مجال تحقيق هذه التهمة، فكل الذي نريده أنه كان بالإسكندرية مكتبة قبيل الفتح، وهذا مما لا شك فيه.

وكان للسُرْيَان فيما بين النهرين نحو خمسين مدرسة تُعلَّم فيها العلوم السريانية واليونانية، أشهر مدرسة الرُّها وقِنِّسْريِن وَنصِيبِين، وكانت هذه المدارس يتبعها مكتبات.

وقد روينا قبلُ أن كسرى أنوشروان أنشأ مدرسة بجنديسابور، وكان يُدَّرس فيها الطب وما يتصل به من فلسفة — ويقول «بروكلمن»: «إن الجزيرة والعراق كانا منذ أيام الإسكندرية متأثرين بالحضارة اليونانية، وكان في الأديار السريانية كثير من الكتب المترجمة، لا في الآداب النصرانية وحدها؛ إذ كان هؤلاء محور الدائرة العلمية في ذلك أيضًا تراجم لمؤلفات أرِسْطو وجَاَليْنُوس وبقراط؛ إذ كان هؤلاء محور الدائرة العلمية في ذلك العصر، وكان السريان نقلة الثقافة اليونانية إلى الإمبراطورية الفارسية أيام الساسانيين … وأخذت هذه البذرة اليونانية في الازدهار حتى أيام العباسيين» وقد ذكروا أن الفرس في حملتهم على مصر واليونان كانوا يحملون معهم بعض الكتب وهم عائدون من الغزو.٣٩
ونقلنا قبلُ أنه كان بمرو خزانة من الكتب الفارسية أتى بها يَزْدجَردْ.٤٠
وروى بن النديم: «قال أبو معشر في كتاب اختلاف الزيجات إن ملوك الفرس بلغ من عنايتهم بصيانة العلوم، وحرصهم على بقائها على وجه الدهر، وإشفاقهم عليها من أحداث الجو وآفات الأرض، أن اختاروا لها من المكاتب أصبرها على الأحداث، وأبقاها على الدهر، وأبعدها من التعفن والدروس، لحاء شجر الخدنك، ولحاؤه يُسمَّى التُّوز، وبهم اقتدوا أهل الهند والصين ومن فيهم من الأمم في ذلك … ولمَّا كان قبل زماننا هذا بسنين كثيرة تهدمت من هذه المصنعة ناحية، فظهروا فيها على أزَجٍ معقود من طين الشقيق، فوجدوا فيه كتبًا كثيرة من كتب الأوائل، مكتوبة كلها في لحاء التوز، مودعة أصناف علوم الأوائل بالكتابة الفارسية القديمة.٤١
وقال: «والذي رأيت أنا بالمشاهدة، أن أبا الفضيل بن العميد أنفذ إلى هاهنا في سنة نيف وأربعين كتبًا متقطعة أصيبت بأصفهان في سور المدينة في صناديق وكانت باليونانية، فاستخرجها أهل هذا الشأن مثل يوحنا وغيره».٤٢
هذه الكتب كانت أساسًا لكتب تنقل إلى العربية منذ العهد الأموي، فقد رأينا خالد بن يزيد بن معاوية يأمر بنقل بعض الكتب، وعمر بن عبد العزيز يأمر ببعض.٤٣

كما كانت هناك كتب وصحف دينية يجمعها العلماء عن العرب وعن رجال الدين؛ فقد رُوِي أن أبا عمرو بن العلاء وقد وُلِدَ سنة ٧٠ كانت كتبه التي كتبها عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتًا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرَّأ أي تنسك فأحرقها كلها. ولكن هذه الكتب لم تبلغ في العهد الأموي مبلغًا كبيرًا يكوَّن مكاتب واسعة، حتى إذا جاء العصر العباسي ونشطت حركة التأليف والترجمة، وعظمت صناعة الورق، وتبع ذلك ظهور حرفة الورِّاقين، ووجود أمكنة لهم تتخذ مباءة للعلماء والأدباء، يتزودون منها العلم، فكثرت المكتبات وذخرت بالكتب.

وكان أكبر مكتبة نقل إلينا خبرها في ذلك العصر «خزانة الحكمة»، أو «بيت الحكمة»، ومن الغريب أن هذه الخزانة أو البيت محوط بغموض شديد، لم يعثر الباحثون عنه إلا على نتف قليلة، فهل كان مكتبة فقط أو مكتبة ومعهدًا ومرصدًا؟ وأين كان مكانه؟ وهل أنشأه الرشيد أو المأمون؟ وما نظامه؟ وماذا يقوم به من الأعمال؟ كل هذه الأسئلة ونحوها من العسير الإجابة عنها، ولمَّا يصل إلى أيدينا ما نستطيع أن نتخذ منه جوابًا شافيًا.

أمَّا مؤسسها فيظهر أنه الرشيد — أولًا — وضع نواتها ثم نمَّاها المأمون وقَّواها؛ فقد رووا أن الرشيد «ولَّى يوحنا بن ماسوية ترجمة الكتب الطبية القديمة لمَّا وجدها بأنقرة وعمورية، وسائر بلاد الروم حين افتتحها المسلمون وسبوا سبيها ووضعه أمينًا على الترجمة، ورتب له كُتَّابًا حُذَّاقًا يكتبون بين يديه».٤٤ وأوضح من هذا ما ذكره ابن النديم أن أبا سهل الفضل بن نوبخت «كان في خزانة الحكمة لهارون الرشيد».٤٥ وفي موضع آخر «كان علان الشعوبي ينسخ في بيت الحكمة للرشيد والمأمون والبرامكة».٤٦

نستطيع أن نستنتج من هذا أن خزانة الحكمة كانت في عهد الرشيد، وأنه كان يعمل فيها علماء مختلفو الثقافة، فيوحنا بن ماسويه نصراني سرياني، له قدرة على ترجمة الكتب اليونانية؛ وابن نوبخت فارسي كان — كما قال القفطي: «ينقل من الفارسي إلى العربي ما يجده من كتب الحكمة الفارسية، ومعوَّله في علمه وكتبه على كتب الفرس»؛ وعلان الشعوبي راوية نسابة فارسي الأصل، وأنه في عهد الرشيد كانت خزانة الحكمة مكانًا فيه كتب وله رئيس وأعوان، وفيه كانت تنسخ الكتب اليونانية والفارسية وتترجم.

فإذا انتقلنا بعدُ إلى عصر المأمون، رأينا أن رغبته في الفلسفة والعلوم العقلية أشد، وميله أقوى؛ وتبع ذلك اتساع العمل في بيت الحكمة. روى ابن النديم: «أن المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات، وقد استظهر عليه المأمون، فكتب إلى ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلد الروم، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر، وابن البطريق، وسلمًا صاحب بيت الحكمة، وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلمَّا حملوه إليه أمرهم بنقله فُنقل؛ وقد قِيلَ إن يوحنا بن مساويه ممن نفذ إلى بلد الروم».٤٧
وقال ابن نباتة عند الكلام على سهل بن هارون: وجعله كاتبًا على خزائن الحكمة، وهي كتب الفلاسفة التي نُقِلتَ للمأمون من جزيرة قبرص، وذلك أن المأمون لمَّا هادن صاحب هذه الجزيرة أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان، وكانت مجموعة عندهم في بيت لا يظهر عليه أحد … فأرسلها إليه واغتبط بها المأمون، وجعل سهل بن هارون خازنًا لها»٤٨ ويستنتج من هذا أن المأمون أرسل بعثة إلى القسطنطينية لإحضار الكتب اليونانية من طبية وفلسفية، وأنه كان بين أفراد البعثة صاحب بيت الحكمة، وهو سِْلم — ومعروف أنه كان في القسطنطينية مكتبة كبيرة أنشئت سنة ٣٣٦م، وعُنِي بعض الملوك بتوسيعها حتى بلغ ما فيها نحو مائة ألف مجلد، وأحرق بعضهم بعض ما فيها من الكتب الدينية؛ انتصارًا لمذهبه الديني، ولكنها جددت بعده، واتسع نطاقها، وكانت في عصر المأمون زاخرة بالكتب — كما يستنتج أن سلمًا وسهل بن هارون كانا مشرفين على الخزانة، إمَّا متعاصرين، ولكل دائرة اختصاص، أو متعاقبين. ويظهر من نص ابن نباتة أن بيت الحكمة كان مجموعة خزائن، كل مجموعة من الكتب خزانة، وأن سهل بن هارون كان مشرفًا على القسم الذي أحضرته بعثة القسطنطينية — كذلك يغلب على الظن أن كتب الرشيد قد أفردت في خزانة، وكتب المأمون قد أفردت في أخرى، فإنا نرى ابن النديم يستعمل أحيانًا خزانة المأمون وأحيانًا خزانة الرشيد.٤٩
وأمَّا الاسم، فأحيانًا يستعمل العلماء اسم بيت الحكمة، كابن النديم والقفطي، وأحيانًا خزانة الحكمة كياقوت؛ فالخزانة كلمة معروفة وهي اسم الموضع الذي يخزن فيه الشيء، وفي القرآن الكريم: وَإِن مَّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ووَلاَ أقُولُ لَكُمْ عِْندِي خَزَائِنُ اللهِ فاستعملوه للدلالة؛ على المكان الذي حفظت فيه الكتب — وقد استعملت كلمة خزانة للدلالة على ذلك في هذا العصر كثيرًا؛ فقد رُوي أن الجاحظ أراد أن يهدي إلى محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم كتاب سيبويه، فقال له ابن الزيات: أوَ ظننت أن خزانتنا خالية من هذا الكتاب؟ فقال الجاحظ: ما ظننت ذلك، ولكنها بخط الفراء، ومقابلة الكسائي وتهذيب عمرو بن بحر الجاحظ — يعني نفسه — فأخذها.٥٠

وأمَّا البيت فاستعملوه في الدار وأطلقوه على حوانيت التجار «والمواضع المباحة التي تباع فيها الأشياء ويبيح أهلها دخولها».

وقد أطلقوا في هذا العصر بيت المال على المكان الذي يُحْفَظ فيه مال الدولة، فلا يبعد أن يكونوا قد أطلقوا كذلك «بيت الحكمة» على المكان الذي حُفِظتَ فيه الكتب — أمَّا كلمة «الحكمة» فقد استعملوها فيما يرادف فلسفة، فالظاهر أنهم أطلقوا خزانة الحكمة وبيت الحكمة على مكان المجموعة من هذه الكتب؛ لأن كلها أو أكثرها ليست من الكتب الدينية، بل من الكتب التي عُنِي بنقلها عن الأمم الأخرى، وأكثر هذه كتب فلسفة أو حكمة، وإن كان فيها شيء من التحف والآثار؛ فابن النديم ينقل أنه نقل من خزانة المأمون الخط الحبشي.

وقد بالغ بعضهم فزعم أن بيت الحكمة كان جامعة كبيرة يتصل بها مكتبة ومرصد، وليس بين أيدينا من النصوص ما يؤيد ذلك، وكل ما يدل عليه أنها كانت مكتبة، والغالب أنها ملحقة بقصر الخليفة لا في مكان خارجي؛ إذ لم ينقل إلينا في تخطيط بغداد خبر عن بناء خاص للمكتبة، وقد اعتاد الخلفاء أن يفعلوا هذا في قصورهم، فكان في قصر قرطبة مكتبة، وفي قصر الخليفة الفاطمي العزيز بالله مكتبة:٥١ ونقلنا قبل عن المقريزي ما أراد أن يصنعه الخليفة المعتضد بالله في قصره، وربما يستأنس — على ذلك — بما رواه ابن الأنباري في طبقات الأدباء «أن المأمون أمر الفَرّاء أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العرب؛ فأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدار، ووكَّل بها جواري وخدمًا للقيام بما يحتاج إليه؛ حتى لا يتعلق قلبه، ولا تتشوق نفسه إلى شيء … وصيَّر له الورَّاقين وألزمه الأمناء والمنفقين، فكان الورَّاقون يكتبون حتى صنف الحدود، وأمر المأمون بكتبه في الخزائن؛ فبعد أن فرغ في ذلك خرج إلى الناس».٥٢
وأن هذه المكتبة كانت تقوم بنسخ الكتب كما كان يفعل علان الشعوبي، وبترجمتها إلى العربية كما كان يفعل يوحنا بن ماسوية وابن نوبخت، وكان فيها رئيس للمترجمين ومساعدون، كما كان لها مدير وأعوان، وكما كان فيها مُجلِّدون فيقول ابن النديم: «إن ابن أبي الحَرِيش كان يُجلِّد في خزانة الحكمة للمأمون»٥٣ وهذا كل ما نستطيع أن نفهمه من النصوص التي بين أيدينا.
وأمَّا تاريخها فقد ظلت إلى عهد ابن النديم وَنَقلَ عنها، كما يدل على ذلك نصُّه في النقل عنها صورة الخط الحبشي، وقد كتب كتابه سنة ٣٧٧هـ. وقد جاء في رسالة الغفران على لسان جارية: «أتدري مَنْ أنا يا علي بن منصور؟ أنا توفيق السوداء التي كانت تخدم في دار العلم ببغداد على زمان أبي منصور محمد بن علي الخازن، وكنت أُخرج الكتب إلى النساخ»،٥٤ فهل دار العلم هذه هي بيت الحكمة أوغيرها؟
وجاء في دائرة المعارف الإسلامية: «كانت أول مكتبة عامة هي مكتبة دار الحكمة (كذا) التي أنشأها المأمون (كذا) في بغداد، وجمع لها الكتب اليونانية من الإمبراطورية البيزنطية، وتُرجِْمتَ إلى العربية، وكانت المكتبة تحوي كل العلوم التي اشتغل بها العرب — وقد ظلت إلى مجيء التتار سنة ٦٥٦هـ».٥٥

•••

وقد قلَّد الخلفاءَ والأمراءَ الأغنياءُ من العلماء والأدباء فكانت لهم مكتبات خاصة، فيقول ثعلب: «رأيت لإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب وكلها سماعه»٥٦ ويقول ابن أبي أصيبعة: «كان محمد وأحمد ابنا موسى بن شاكر يكيدان كل مَنْ ذُكِرَ بالتقدُّم في معرفة … فدبَّرا على الكندي (الفيلسوف) حتى ضربه المتوكل، ووجِّها إلى داره فأخذا كتبه بأسرها وأفراداها في خزانة سُمِّيت (الكندية)».٥٧

•••

والذي يظهر لي أنه لم تكن هناك مراحل للتعليم معينة، فليس هناك مرحلة للتعليم الأوَّلي أو الابتدائي، ومرحلة للثانوي وهكذا؛ إنما هناك مرحلة واحدة تبتدئ بالكُتّاب أو بالمعلمين الخاصين، وتنتهي بأن تكون له حَلْقة في المسجد؛ غاية الأمر أن من المتعلمين مَنْ يُتم هذه المرحلة وقليل ما هم، وآخرون يقفون في نصف الطريق أو ربعه فمن الناس مَنْ يتعلم في المكتب حتى يقرأ ويكتب، ويحفظ ما يتيسر من القرآن ويحسن أمور دينه، ثم ينصرف إلى عمل من صناعة أو تجارة؛ ومنهم مَنْ يلزم الشيوخ يأخذ عنهم، وينتقل من شيخ إلى شيخ، بل من بلد إلى بلد، حتى يكتمل فيُحلِّق له حلقة.

كما لم يكن هناك منهج خاص تسير عليه الأمة، فنرى الكُتَّاب أحيانًا يُقتَصر فيه على القراءة والكتابة وتعليم القرآن، ونرى المعلمين في الكتاتيب أحيانًا يعلِّمون اللغة والنحو والعروض، وكل شيخ بعد ذلك له طريقته: فالفقهاء من أصحاب الرأي يكثرون من تفريغ المسائل وفرض الفروض، ويبيحون الأسئلة حتى فيما لم يقع من الحوادث؛ وأصحاب الحديث يمتنعون عن ذلك ولا يجيزونه وهكذا. وفي المسجد الكبير حلقات من الدروس مختلفة الألوان: هذه حلقة فقه، وبجانبها حلقة نحو، وثالثة حلقة للمتعلمين، ورابعة لإنشاد الشعر، وخامسة لرواية الأخبار، وسادسة للحديث وهكذا. والمتعلم حرٌّ أن يذهب إلى أية حلقة، وإلى أي شيخ، فإذا أتمِّ علم شيخ انتقل إلى علم آخر أو شيخ آخر، وقد يتخصص في الكلام فينصحه ناصح أن يكون فقيهًا فيفعل، وهكذا.

وسبب ذلك أن التعليم حرٌّ، لا تنفق الدولة عليه من مالها، وليس في ميزانيتها شيء خاص بالتعليم، إلا ما يمنحه الخلفاء والأمراء والأغنياء لمَنْ اتصل بهم من العلماء، وفي مقابل ذلك ليس للدولة تدخُّل في وضع منهج أو مراقبة معلم، إلا أن يتهم أحد بزندقة فتتدخل أحيانًا. فالطلبة والعلماء يتعلمون ويعلِّمون على حسابهم الخاص، فقد يدفع الطالب أجرًا للشيخ على ما يتعلم منه، كالذي حُكِي عن المبِّرد فقد حدث الزَجَّاج قال: «اشتهيت النحو فلزمت المبِّرد لتعلمه، وكان لايعُلِّم مجانًا ولا يُعلِّم بأجرة إلا على قدرها؛ فقال لي: أي شيء صناعتك؟ قلت: أخرط الزجاج، وكسبي في كل يوم درهم ودانقان أو درهم ونصف، وأريد أن تبالغ في تعليمي، وأنا أعطيك كل يوم درهمًا، وأشرط لك أن أعطيك إياه أبدًا، إلى أن يفرَّق الدهر بيننا، استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه. قال فلزمته وكنت أخدمه في أموره مع ذلك، وأعطيه الدرهم فينصحني في العلم حتى استقللت، فجاءه كتاب بعض بني مازمة من الصَّرَاة يلتمسون مُعلِّمًا نحويًا لأولادهم، فقلت له أسمني لهم فأسماني، فخرجت فكنت أعلمهم وأنفذ إليه في كل شهر ثلاثين درهمًا، وأزيده بعد ذلك بما أقدر عليه».٥٨
وقد يعلِّم المُعلِّم ابتغاء الثواب، وأكثر ما كان ذلك في العلوم الدينية، كالذي حدَّث إبراهيم الحَرْبي المحدِّث الفقيه، قال: «ما أخذت على علم قط أجرًا إلا مرة واحدة، فإني وقفت على بقَّال فوزنت له قيراطًا إلا فلسًا، فسألني عن مسألة فأجبته، فقال للغلام أعطه بقيراط ولا تنقصه شيئًا، فزادني فلسًا».٥٩

وقد يكون المُعلِّم يتكسب من باب آخر ويعلم حسبة كأبي حنيفة، كان بزازًا ويعلِّم في المسجد وهكذا.

كذلك كان باب التعلُّم مفتوحًا لكل مَنْ شاء، متى استطاع هو أن يجد ما يقتات به؛ ولهذا نبغ كثير من الأدباء والعلماء من طبقات فقيرة، كأبي العتاهية فقد كان خزَّافًا، وكان أبو تمام يسقي الناس بالجرة في جامع عمرو بن العاص بمصر، وكان أبو يوسف القاضي في صباه قصَّارًا، وكان يهرب من القصَّار ويذهب إلى حلقة أبي حنيفة، وأمثال هذا كثيرة.

ولم تكن هناك — أيضًا — درجات علمية يمنحها مَنْ أتم الدراسة بعد امتحان، إنما كان الامتحان امتحان الرأي المحيط به من علماء ومتعلمين، فمَنْ آنس من نفسه القدرة على أن يجلس مجلس المعلِّم جلس وتعرَّض لجدال العلماء ومناقشتهم وتجيبههم وكان في هذا ما يكفي لحماية العلماء من المتطفلين والجاهلين؛ فترى واصل بن عطاء يعتزل مجلس الحسن البصري لمَّا خالفه في الرأي وشعر من نفسه القدرة على أن يقرر مذهبه فأنشأ له حلقة؛ وأبو سيف حلَّق حلقة، فسأله سائل عن مسألة فقهية فلم يعرف جوابها فعاد إلى حلقة أبي حنيفة.٦٠ وهذا النظام له عيوبه ومزاياه فنترك ذلك لعلماء التربية.

•••

أمَّا مناهج التعليم فيظهر أنها كانت مختلفة باختلاف الغرض الذي يرمي إليه المتعلِّم، فمنهج مَنْ أعد نفسه ليكون «كاتبًا» غير منهج مَنْ أراد أن يكون محدثًا وكلاهما غير مَنْ أراد أن يكون طبيبًا أو فيلسوفًا؛ فعبد الحميد الكاتب يضع منهج الكُتَّاب أن يبدءوا بعلم كتاب الله والفرائض، ويجيدوا الخط ويرووا الأشعار ويعرفوا أيام العرب والعجم وتاريخهم ويتعلموا الحساب؛ ويؤخذ من قول الجاحظ في نقد الكُتَّاب، ما يدل على أن منهجهم كان حفظ الكلام الجيد، ومُلَح العلم ومعرفة أمثال بزُرْجِمْهر، وعهد أردشير ورسائل عبد الحميد، وأدب ابن المقفع، وقراءة كتاب مَزْدَك، وحِكم كليلة ودمنة وأمثالها.

ويضع الرشيد منهج التعليم لابنه الأمين فيطلب من الكسائي أن يُروِّيه من الأشعار أعفها، ومن الأحاديث أجمعها لمحاسن الأخلاق، ويذاكره بآداب الفرس والهند.

ويؤخذ من قول للحسن بن سهل أن برنامج الأديب، أن يعرف الضرب على العود، ولعب الشطرنج والصولجان، ويعرف شيئًا من الطب والهندسة والفروسية ويعرف الشعر والنسب، وأيام الناس، ويتعلم أحاديث السمر ومحاضرات المجالس.

ونرى في تراجم كثير من العلماء أنهم ذهبوا أولًا إلى المكاتب، ثم ذهبوا إلى حلقات الدروس حسب ميولهم؛ فمنهم مَنْ يتعلم الشعر، ومنهم مَنْ يأخذ الحديث وتفسير القرآن، ومنهم الكلام؛ وكثير منهم كان يجمع بين هذه الأشياء، فيلازم شيخًا حتى يأخذ علمه، ثم يتحوَّل إلى حلقة أخرى، وهكذا كانت المناهج مختلفة متشعبة متروكة لاختيار الطالب ورأي المُعلِّم.

رحلة العلماء: ويتصل بهذا الباب رحلة العلماء من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر في طلب العلم، غير مبالين ما يعترضهم من مشقة وغناء وفقر، مع ما في السفر إذ ذاك من صعاب، جعلته — كما عبَّروا عنه — قطعة من العذاب، ولعل خير ما يمثل هذا ما رُوِي عن أبي الدرداء، إذ قال: «لو أعيتني آية من كتاب الله فلم أجد أحدًا يفتحها عليَّ إلا رجل بَبرْك الغِمَاد لرحلت إليه».٦١
وجابر بن عبد الله بلغه حديث عن رجل من أصحاب رسول الله فابتاع بعيرًا فشدَّ عليه رحله، ثم سار شهرًا، حتى قدم الشام.٦٢ ويقول بُسْر بن عُبَيد الله الحضرمي: «إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمع».٦٣ «وكان مسروق يرحل في حرف، وأبو سعيد يرحل في حرف»٦٤ وقال الشعبي: «لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليسمع كلمة حكمة ما رأيت أن سفره ضاع».٦٥

وهكذا رحل علماء اللغة إلى البادية يقيدون اللغة والأدب، ورحل علماء الحديث إلى الأمصار المختلفة يقيدون الحديث، ورحل الأدباء إلى نواحي المملكة الإسلامية يأخذون عن أدبائها، ورحل طلاب الفلسفة إلى القسطنطينية وغيرها في طلب الكتب اليونانية للترجمة — وكذلك الشأن في كل فرع من فروع العلم.

فالخليل بن أحمد، وأبو عمرو بن العلاء، وأبو زيد الأنصاري، والأصمعي، والكسائي يرحلون إلى البادية ويسمعون منهم اللغة والأدب، ويقيدون ما يسمعون.

وكان المحدِّثون أنشط الناس لرحيل، وأصبرهم على عناء؛ ذلك أن الصحابة عند الفتح تفرقوا في الأمصار، فمنهم مَنْ سكن فارس، ومَنْ سكن العراق، ومَنْ سكن مصر، ومَنْ سكن الشام، ومَنْ سكن المغرب؛ وكان كل هؤلاء يحملون حديثًا عن رسول الله أخذه عنهم التابعون ومَنْ بعدهم، فكان في كل مصر طائفة من الحديث لا تُعْرَفُ في الأمصار الأخرى، فجدَّ العلماء في الرحلة يأخذون الأحاديث عن أهلها، ويجمعون ما تفرَّق منها، وكان باعثهم الديني يذلل كل عقبة، ويسهل كل مشقة — فمثلًا — يحيى بن يحيى الليثي البربري الأصل، الأندلسي النشأة، رحل إلى المشرق وهو ابن ثمانٍ وعشرين سنة، فسمع من مالك بن أنس الموطأ في المدينة، ورحل إلى مكة فسمع من سفيان بن عيينة، ورحل إلى مصر فسمع من الليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم٦٦ — ومسلم بن الحجاج صاحب الصحيح كان بنيسابور ورحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر ومات بنيسابور.٦٧ والبخاري صاحب الصحيح رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدِّثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد واجتمع إليه أهلها.٦٨

وفي الفلسفة رأينا المأمون يرسل بعثة إلى القسطنطينية لإحضار الكتب اليونانية وترجمتها، وفي رواية أخرى أنه أرسل إلى صقلية، وإلى قبرص.

ورأينا قبلُ أن حنين بن إسحق٦٩ ذهب إلى بلاد الروم، وأجاد تعلُّم اليونان ثم عاد إلى البصرة، وأنه رحل في نواحي العراق، وسافر إلى الشام والإسكندرية يجمع الكتب النادرة. ويروي ياقوت «أن أبا زيد أحمد بن سهل البلخي لمَّا كان في عنفوان شبابه، دعته نفسه إلى أن يسافر من (بلخ) ويدخل إلى أرض العراق، ويجثو بين يدي العلماء، ويقتبس منهم العلوم؛ فتوجَّه إليها راجلًا مع الحاج، وأقام بها ثماني سنين فطوفَّ البلاد المتاخمة لها، ولقي الكبار والأعيان، وتتلمذ لأبي يوسف يعقوب بن إسحق الكندي، وحصَّل من عنده علومًا جمة، وتعمَّق في علم الفلسفة، وهجم على أسرار علم التنجيم والهيئة، وبرز في علوم الطب والطبائع، وبحث عن أصول الدين».٧٠
والأمثلة على ذلك كثيرة، وهكذا كانت المملكة الإسلامية في سهولة انتقال العلماء من مكان فيها إلى مكان، كأنها رقعة شطرنج وهم بيادقها، فترى العالم في المشرق فإذا هو في الأندلس، وفيما هو في العراق إذا هو بمصر والشام؛ لا يعوقهم فقر، ولا يفتُّ في عزمهم صعوبة الطريق وأخطاره، سواءً عليهم الصحراء وحرها، والبحار وأمواجها؛ إذ تغلغل في نفوسهم اعتقاد أن طلب العلم جهاد، فمَنْ مات في سبيله مات شهيدًا — هذا إلى أن العلم عند كثير أصبح مقصدًا لا وسيلة، يُقْصَدُ لذاته، ويرغب فيه لذاته، سواءً أنتج غنى أو فقرًا، وحياة أو موتًا، قال أبو عمرو بن العلاء: قيل لمنذر بن واصل كيف شهوتك للأدب؟ قال: أسمع للحرف منه لم أسمعه فتودُّ أعضائي أن لها أسماعًا تتنعم مثل ما تنعمت الآذان. قيل: وكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره. قيل: وكيف حرصك عليه؟ قال: حرص المجوع الممنوع على بلوغ لذاته في المال.٧١
١  انظر طبقات الشافعية للسبكي ١٣٧/٣.
٢  ٣٦٢/٢.
٣  الأغاني ٣/٥.
٤  أغاني ١٠١/١٨.
٥  جزء ٢٠٨/١ الطبعة الثانية.
٦  ابن خلكان ٣٩٧/١.
٧  كتاب المعارف ١٨٥.
٨  كتاب المعارف ١٨٥.
٩  يريد أن خبز المعلم مختلف باختلاف ما يأخذ من الأطفال.
١٠  جامع بيان العلم ٩٨/١.
١١  البخاري كتاب العلم.
١٢  ابن خلكان ٢٥٧/١.
١٣  معجم الأدباء ١٣٥/٤.
١٤  لعله يريد مكان الكسائي في المسجد.
١٥  ٢٤٣/٤.
١٦  انظر المقالة التي كُتِبتَ في مادة المسجد في دائرة المعارف الإسلامية.
١٧  معجم الأدباء ٤٣٢/٦.
١٨  العقد الفريد ١٢٦/٣.
١٩  أغاني ١١٣/١٥.
٢٠  الموشح ٢٨٩.
٢١  أغاني ١٤٨/٣.
٢٢  أغاني ٧٩/١٨.
٢٣  ابن الأنباري ٤٢.
٢٤  ابن خلكان ٤٦٩/١.
٢٥  الأشباه والنظائر للسيوطي ١٥/٣.
٢٦  منه نسخة خطية في دار الكتب من كتب الشنقيطي.
٢٧  الأشباه والنظائر ١٨/٣.
٢٨  ترى أمثلة كثيرة من هذا القبيل في الكتابين اللذين أشرت إليهما.
٢٩  انظر كتاب مجالس أبي مسلم المخطوط ص ٢٤.
٣٠  ص ٥٦.
٣١  ص ٦٠.
٣٢  ص ٦٨.
٣٣  ص ١١٨.
٣٤  طيفور ص ٥٧.
٣٥  طيفور ص ٤٨.
٣٦  طيفور ص ٧٥ وما بعدها.
٣٧  انظر طيفور ص ٩١.
٣٨  طيفور ٧٩.
٣٩  دائرة المعارف البريطانية مادة Libraries.
٤٠  ضحى الإسلام ١/ص ١٨٠.
٤١  الفهرست ص ٢٤٠.
٤٢  الفهرست ص ١٤١.
٤٣  فجر الإسلام ص ١٥٩ و١٩٦.
٤٤  أخبار الحكماء ص ٣٨٠.
٤٥  الفهرست ص ٢٨٤.
٤٦  الفهرست ص ١٠٥.
٤٧  الفهرست ص ٢٤٣.
٤٨  سرح العيون ص ١٣٢.
٤٩  الفهرست ص ١٩٠.
٥٠  ابن خلكان ٥٤٩/١.
٥١  المقريزي ٤٠٨/١.
٥٢  طبقات الأدباء ١٢٧ وانظر كذلك ص ٦٦ من هذا الكتاب.
٥٣  الفهرست ص ١٠.
٥٤  رسالة الغفران ص ٧٣.
٥٥  انظر في هذا البحث أيضًا رسالة لمراد كامل في هذا الموضوع، ومقالة في مجلة المجتمع العلمي بدمشق سنة ١٩٢٧ وقد استعنا بهما.
٥٦  ابن خلكان ٩٢/١.
٥٧  ابن أبي أصيبعة ٢٠٧/١.
٥٨  معجم الأدباء ٤٧/١.
٥٩  معجم الأدباء ٤٠/١.
٦٠  مناقب أبي حنيفة للكردي.
٦١  برك الغماد ضبطه عياض بفتح الباء، وقال غيره بالكسر، وهو موضع بأقصى اليمن كان يضرب إذ ذاك مثلًا في البعد وصعوبة الوصول إليه، ففي الحديث أن سعد بن معاذ والمقداد قالا لرسول الله لو اعترضت بنا البحر لخضناه، ولو قصدت بنا برك الغماد لقصدناه.
٦٢  جامع بيان العلم ٩٣/١.
٦٣  ص ٩٥.
٦٤  جامع بيان العلم ص ٩٤.
٦٥  ص ٩٥.
٦٦  ابن خلكان ٣٢١/٢.
٦٧  ابن خلكان ١٣٣/٢.
٦٨  ابن خلكان ٦٤٩/١.
٦٩  ضحى الإسلام ٢٨٣/١ وما بعدها.
٧٠  معجم الأدباء ١٤٥/١.
٧١  معجم الأدباء ١٩/١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢