الفصل السادس

نظرية الأخلاق

(١) الطابع الأساسي للنظرية الأخلاقية

أهم طابع يُمثِّل النظرية الأخلاقية عند اسپينوزا هو القول إن الإنسان لا يقف بمعزل عن الطبيعة وقوانينها؛ فاسپينوزا قد انتقد بشدة أولئك الذين تصوروا الإنسان على أنه «يقف من الطبيعة كأنه دولة داخل الدولة، ويظنون … أن له سلطانًا مطلقًا على أفعاله، وأن شيئًا لا يتحكم فيه سوى ذاته.»١ فنقطة البداية الأساسية في هذه النظرية الأخلاقية هي الإدراك العلمي للارتباط بين الإنسان وبين الطبيعة بوجه عام؛ ومن ثم تأكيد سيادة فكرة الضرورة في مجال الإنسان بدوره، «فمن المحال ألا يكون الإنسان جزءًا من الطبيعة، أو أن يكون قادرًا على ألا يتأثر إلا بالتغيرات التي يمكن فهمها من خلال طبيعته بوصفها العلة الكافية لها.»٢

وأهم ما استحدثه اسپينوزا، نتيجةً لهذه النظرة إلى الإنسان، هو أنه نزع عن عالم الإنسان الباطن قناع الصوفية والغموض الذي كان السابقون عليه يُخفونه به، وأدرجه ضمن الظواهر العلمية الخاضعة للبحث والتحليل، وبحثه — كما قال في مقدمة الباب الثالث من «الأخلاق» — «كما تُبحث الخطوط والمسطحات والأجسام». وهكذا أكد أن الهدف من علم الأخلاق ليس الوعظ والإرشاد، وإنما هو الدراسة والبحث والفهم، فنقل بذلك الأخلاق من مجال «ما ينبغي أن يكون» إلى مجال «ما هو كائن»، وأكد أن مهمته بوصفه باحثًا أخلاقيًّا ليست أن يحتقر أو ينتقد، وإنما أن يفهم الطبيعة البشرية على ما هي عليه. وهكذا تجاوز اسپينوزا الحواجز بين الواقع والمثل الأعلى، وبين ما هو فعلي وما هو معيار مثالي، وأنكر الخير المطلق، وبالتالي «عالم الغايات» الذي تركزت فيه الأخلاق المثالية بأسرها.

وهذه الصفة الأساسية تفسر الطابع الفريد الذي تتميز به الأخلاق عند اسپينوزا؛ فالأخلاق من وجهة نظر معينة مستحيلة في مذهبه، وهي من وجهة نظر أخرى أساس ذلك المذهب والعنصر الجوهري فيه، ومن المستحيل تفسير هذا الازدواج الغريب إلا من خلال الارتباط الوثيق بين موضوع الأخلاق، وهو الإنسان، وبين ضرورة الطبيعة في مجموعها.

فمن المستحيل، كما قال «هفدنج»، أن يكون للأخلاق قيام في مذهب ينظر إلى الوجود من خلال صورة الأزل.٣ ففي مثل هذا المذهب تطغى الضرورة المطلقة إلى حدٍّ لا يعود معه في وسع المفكر أن يعالج أي موضوع من منظور الإنسان وحده، وهو المنظور الضروري في الأخلاق، ولكن هفدنج يتغلب على هذه الصعوبة بالتفرقة بين وجهة النظر الأزلية ووجهة النظر العملية، والقول إن الحديث في الأخلاق يعالج الطبيعة لا من حيث هي طابعة، بل من حيث هي مطبوعة؛ أي من حيث إنها تتضمن كائنات جزئية ذات سلوك عملي متناهٍ.

ومع ذلك فإذا كان من الصعب، من وجهة النظر هذه، الاهتداء إلى مكان للأخلاق في مذهب ينظر إلى الوجود من وجهه الأزلي، فإن من الممكن، من وجهة نظر أخرى، القول إن الأخلاق هي الموضوع الأساسي في تلك الفلسفة، وليس لأحد أن يدهش على الإطلاق لأن اسپينوزا أطلق على كتابه الرئيسي اسم «الأخلاق» في الوقت الذي عالج فيه — في بابيه الأولين على الأقل — موضوعات ميتافيزيقية خالصة؛ ذلك لأن الحد الفاصل بين البحث في الطبيعة من وجهها الشامل وبين البحث في الإنسان يختفي تمامًا عند اسپينوزا، والدلالة الواضحة لبحثه موضوعات ميتافيزيقية رئيسية في كتاب موضوعه «الأخلاق»، هي أن اسپينوزا قد أحدث تغييرًا أساسيًّا في النظرة الفلسفية إلى مجال الأخلاق؛ فهو يرفض تمامًا تفرقة الفلاسفة التقليديين بين مجال المعرفة النظرية الخالصة، وهو الميتافيزيقا، ومجال المعرفة العملية، وهو الأخلاق (وهكذا يتضح أن تفرقة «هفدنج» التي أشرنا إليها منذ قليل لا تقدم الإجابة الصحيحة على المشكلة). وهو يؤكد أننا كلما تعمَّقنا في فهم قوانين الطبيعة الشاملة كنا أقدر على فهم سلوك الإنسان؛ أي إن مجال الأخلاق ليس إلا مركزًا تتلاقى فيه إشعاعات المعرفة البشرية في سائر فروعها، ويُطبَّق فيه العلم الإنساني بكل ما حققه من نتائج. وكل ما عليك، لكي تكون قد تعمقت في فهم السلوك البشري والعلاقات المتبادلة بين الناس، أن تكون نظرتك إلى الطبيعة في مجموعها نظرة علمية سليمة لا تمتزج بها خرافات أو ترتكن على كيانات أسطورية، وعندئذٍ يتضح لك كل شيء يتعلق بالإنسان في ضوئه الصحيح، وفي علاقته بالكل الذي لا يُفهم إلا من خلاله.

وكما ينبغي أن يُقال، من وجهة النَّظر هذه، إنَّ الأخلاق معرفة نظرية شأنها شأن العلم العقلي بوجه عام، فمن الممكن أيضًا أن يُقال: إنَّ العلم ذاته له طابع عملي أخلاقي؛ أي إن العلم والمعرفة يفتحان لنا أبواب الأخلاق، مثلما تمهد الأخلاق الطريق للمعرفة. والمهم في الأمر أنه لا وجود «لأخلاق مجردة» منفصلة عن المجرى العام لعلم البشر؛ وبذلك يتجاوز اسپينوزا، بهذا المعنى أيضًا، التفرقة بين الواقع والواجب، وبين العلم النظري والبصيرة العملية، وبين الأخلاق والعلم.

(٢) الطبيعة والقيم الأخلاقية

نستطيع أن نقول إنَّ المظهر الرئيسي للاختلاف بين وجهة نظر اسپينوزا ووجهة النظر التقليدية إلى الأخلاق هو أن القيم الأخلاقية عنده ليس لها مكان في المجرى الفعلي للطبيعة، بينما كانت القيم الأخلاقية في نظر الفلاسفة التقليديين هي الغاية النهائية لسلوك الطبيعة بأسرها. وهذا الفارق الرئيسي هو الذي يحدد الاختلاف بين وجهة النظر العلمية الصارمة — عند اسپينوزا — وبين وجهة النظر الغائية السائدة من قبله.

فالطبيعة عند اسپينوزا خالية تمامًا من القيم البشرية: «إنني لا أعزو إلى الطبيعة جمالًا ولا نظامًا ولا اضطرابًا، فليس في وسع المرء أن يقول عن الأشياء إنها جميلة أو قبيحة، منظمة أو مضطربة، إلا من وجهة نظر الخيال.»٤ والخير والشر لا وجود لهما إلا في ذهننا، لا في الطبيعة، وليست لهما أية دلالة ميتافيزيقية، وإنما هما يتعلقان بوجهة نظر البشر فحسب.٥ وبعبارة أخرى: فالخير والشر «لا يدلان على صفة إيجابية في الأشياء منظورًا إليها في ذاتها، وإنما هما أحوال للفكر أو موضوعات فكرية نكوِّنها من مقارنة الأشياء بعضها ببعض. وهكذا يمكن أن يكون الشيء الواحد في نفس الآن خيرًا وشرًّا، وسويًّا إزاء هذا وذاك.»٦ مثال ذلك، أن هبوط سعر سلعة ما يمكن أن يُعد خيرًا من وجهة نظر الشاري، وشرًّا من وجهة نظر البائع، أما من وجهة نظر الشخص الذي لن يشتري هذه السلعة ولن يبيعها ولا صلة له بها، فليس لهذا الحادث معنًى أو قيمة في ذاته، فإذا تساءلنا بعد ذلك عن دلالة الحادث — أعني هبوط سعر هذه السلعة — كما هو في ذاته، لكان الجواب هو أن الحادث في ذاته لا ينطوي على قيمة أو دلالة أخلاقية، بل إنه يتخذ هذه الدلالة من وجهة نظرنا نحن، ونتيجةً لمقارنتنا إياه بحوادث أخرى في سياق حياتنا.

وعلى هذا النحو يستغل اسپينوزا فكرته هذه في حل المشكلة القديمة العهد: مشكلة وجود الشر في العالم، والتوفيق بين وجود الشر وبين الفاعلية الإلهية. ونستطيع أن نقول إن طريقة اسپينوزا الخاصة في حل هذه المشكلة هي مثلٌ من أوضح أمثلة منهجه الخاص؛ أعني منهج «المعادلات»، الذي عالج فيه مشاكل تقليدية بعبارات تبدو في ظاهرها تقليدية بدورها، ولكن دلالتها الحقيقية جديدة كل الجِدة، وتمثل خروجًا أساسيًّا على التراث.

فهناك وجهان للحل الذي أتى به اسپينوزا لمشكلة الشر من حيث علاقتها بالفاعلية الإلهية:
  • (أ)
    في الوجه الأول يؤكد اسپينوزا أن الشر «عَدَمٌ privation» لا صلة له بماهية الأشياء، وهو يشرح هذا العدم — في الرسالة رقم ٢١ — بأنه «كيان عقلي être de raison، وطريقة في التفكير عندما نقوم بإجراء مقارنة». ثم يضرب اسپينوزا مثلًا بالشخص الذي نقول عنه إنَّه أعمى؛ لأنَّنا نقيسه بغيره من المبصرين. أما من وجهة النظر الإلهية فلا يمكن أن يعد كذلك؛ فالحجر مثلًا لا يقال عنه إنه أعمى: «إذ إن هذا الرجل لا يملك ولا يمكن أن يملك شيئًا سوى ما منحه إياه العقل الإلهي والإرادة الإلهية. كما أن الله ليس سبب عدم إبصار هذا الرجل، مثلما أنه ليس سبب عدم إبصار الحجر، وإنما الأمر هنا يتعلق بسلب بحت.»
    ويزيد اسپينوزا فكرته إيضاحًا في الرسالة رقم ٢٣ حين يقول: «من مبادئ تفكيري أن الله هو العلة المطلقة والحقيقية لكل ما يمكن أن تُعزى إليه ماهية، دون استثناء. فإذا كان في وسعك إثبات أن الشر والخطأ والجرائم … إلخ، تعبِّر عن ماهية، فسوف أسلِّم معك دون جدال بأن الله علة الشر والخطأ والجرائم … إلخ. ولكني أظن أنني قد أثبت أن ما يضفي على الشر والخطأ والجريمة طابعها الخاص ليس شيئًا معبرًا عن ماهية على الإطلاق؛ ومن ثم فلا يجوز القول إن الله علتها؛ فقتل نيرون لأمه، الذي ندينه من أجله، لم يكن جريمة من حيث الطابع الإيجابي للعمل الذي قام به؛ فقد كان فعل «أورست Oreste» مماثلًا من الوجهة الظاهرية؛ إذ قتل أمه عمدًا، دون أن يحق عليه مثل هذا اللوم. ففيمَ تنحصر جريمة نيرون إذن؟ إنها لا تنحصر إلا في أنه قد أثبت بهذا القتل عقوقه وقسوته وعصيانه. وهذه كلها صفات لا تعبِّر عن أية ماهية، وبالتالي فليس الله سببها، وإن يكن هو سبب فعل نيرون ونيته.»

    وهنا يظهر التقسيم المعروف للعلل إلى فاعلة وغائية؛ فالعلل الفاعلة هي وحدها الحقيقية، وهي لا تنطوي في ذاتها على قيمة ما، وإنما هي تُحدث أفعالًا إيجابية فحسب. أما العلل الغائية فهي التي تضفي على الأفعال قيمتها من وجهة النظر البشرية، ولكن ليس لها خارج وجهة النظر هذه أي كيان؛ فهي ليست حقيقية إذا نظرنا إلى الأمور من منظور الأزلية والضرورة المتحكمة في الطبيعة. ومن الممكن أن يصطبغ الفعل الواحد — كما قلنا — بشتى أنواع القيم والغايات، دون أن يكون لهذه أدنى تأثير في ماهية الفعل نفسه من حيث هو ناتج عن علة فاعلة، وهكذا يقسم اسپينوزا وجهات النظر الممكنة إلى الأشياء تقسيمًا ثنائيًّا إلى: وجهة النظر الإلهية، التي لا تتعلق إلا بالماهيات الحقيقية والعلل الفاعلة، ووجهة النظر البشرية، التي تضيف إلى الماهيات السابقة غايات وقيمًا مستمدة من مقارنتنا للأشياء بعضها ببعض تبعًا لأغراضنا الخاصة. وليس للشر وجود إلا من وجهة النظر الثانية فحسب؛ وعلى ذلك فلا يمكن أن يقال عنه إنه ناتج عن الفاعلية الإلهية.

  • (ب)
    ويرتبط الوجه الثاني للحل الذي أتى به اسپينوزا لمشكلة علاقة الشر بالفاعلية الإلهية، بالوجه الأساسي الأول ارتباطًا وثيقًا، فإذا كان الشر لا يعبِّر عن ماهية إيجابية، وإنما هو عَدَمٌ محض، مستمد من مقارنتنا للحوادث بعضها ببعض تبعًا لغاياتنا الخاصة؛ فلا بد أن الشر — والخير أيضًا، بطبيعة الحال — مستمد من قيم البشر الاجتماعية الناجمة عن اتصال الناس بعضهم ببعض، بحيث إننا لو تصورنا حالة طبيعية للناس، لا يظهر فيها تأثير القيم الاجتماعية بعدُ، فمن المحال أن يكون للشر فيها وجود، «ففي الحالة الطبيعية، إذن، يستحيل تصوُّر الخطيئة، وهي لا توجد إلا في حالة يتفق فيها الناس على معنى الخير والشر، ويتعيَّن على كل شخص أن يطيع سلطة الدولة … ففي الحالة الطبيعية لا نستطيع أن نتصور رغبةً في إعطاء كل ذي حق حقه. وبعبارة أخرى لا يوجد في الحالة الطبيعية شيء يطابق العدالة والظلم، ومثل هذه الأفكار لا تكون ممكنة إلا في دولة اجتماعية … ومن هذا كله يتضح أن العدل والظلم، والخطيئة والفضيلة، هي أفكار خارجية، وليست صفات تكشف عن طبيعة العقل.»٧

    ويكشف لنا حله هذا عن وجه آخر للغة اسپينوزا اللاهوتية التي استُخدمت للتعبير عن معانٍ لا صلة لها بمجال اللاهوت على الإطلاق؛ فوجهة النظر الإلهية التي لا يكون للشر معنًى فيها، ليست إلا «النظام الضروري للأشياء»، والقول إن الله لا يمكن أن يكون علة للشر لأن الله علة للماهيات الإيجابية فحسب، ليس إلا تعبيرًا مدرسيًّا عن القول إن الطبيعة إذا ما نُظر إليها في ضرورتها الشاملة لا تعرف القيم بمعناها البشري، بل إن البشر هم الذين يقتطعون من المجرى الضروري للطبيعة حوادث معينة ينظرون إليها من خلال مصالحهم الخاصة فيرون فيها خيرًا أو شرًّا.

    فمن حيث ظاهر اللغة المستخدمة، يوجد تشابُه واضح بين اسپينوزا وبين الفلاسفة المَدْرَسِيِّين؛ إذ إنه بدوره يرمي إلى تقديم تفسير لظاهرة الشر في عالم تسيطر عليه ألوهية، ولكن هذا التشابه سطحي وخداع، والنتيجة الحقيقية للتفكير مختلفة في كل حالة عنها في الأخرى كل الاختلاف؛ ذلك لأن المَدْرَسِيِّين واللاهوتيين كانوا يحاولون استبعاد فكرة الشر عن الفاعلية الإلهية لكي يستبقوا لهذه الفاعلية طابعها الخيِّر؛ أي إنه إذا كان الشر في نظرهم وهمًا غير حقيقي، فإن الخير حقيقة لا شكَّ فيها، وله دلالة ميتافيزيقية أو أنتولوجية أساسية، وهو الغاية القصوى التي يستهدفها كل فعل إلهي. أما اسپينوزا، فإن طريقته الخاصة في استبعاد فكرة الشر عن الفاعلية الإلهية — أي من المجرى الضروري للأشياء — تتضمن في الوقت ذاته استبعادًا للخير، ومعه كل القيم المماثلة، من هذا المجال نفسه؛ فهو يختلف عن المَدْرَسِيِّين اختلافًا أساسيًّا في أنه لا ينفي الشر لكي يترك الخير وحيدًا في الميدان، بل يُخلي الميدان من جميع القيم الملائمة وغير الملائمة في آنٍ واحد. وهذا بطبيعة الحال هدف مختلف تمامًا عما كان يرمي إليه المدرسيون، بل إنه في واقع الأمر يهدم كل أسس التفكير المدرسي، من حيث إنه يستبعد الخير بوصفه غاية لمسار الحوادث في الكون. ويؤدي نفي وجود مثل هذه الغائية — مع نفي الشر — إلى إنكار تحكم العناية الإلهية في العالم، بحيث يغدو مجرى الحوادث غير مكترث ولا عابئ بالإنسان. وفي هذه الحالة، فحتى لو ظل المرء يقول بمبدأ إلهي أول، فإن وجود هذا المبدأ وعدمه يتساوى من وجهة نظر الإنسان، طالما أنه لا يستجيب للإنسان على أي نحو. وهكذا يتضح مدى الاختلاف الضخم بين نتائج اسپينوزا ونتائج المَدْرَسِيِّين، رغم أنه توصَّل إلى نتائجه عن طريق مقدمات تبدو، من حيث لغتها، قريبة الشبه من لغتهم إلى حدِّ بعيد.

(٢-١) نقد فكرة حرية الإرادة

يظهر اتساق الاتجاه الحتمي في نظرية اسپينوزا الأخلاقية بوضوح في نقده لفكرة حرية الإرادة؛ فعلى خلاف معظم المذاهب الفلسفية التي لم تتصور إمكان قيام الأخلاق دون إرادة حرة، يؤكد اسپينوزا أن الاعتقاد بحرِّية الإرادة وهمٌ باطل، وأثر من آثار الجهل بالأسباب الحقيقية، وأننا لن نستطيع فهم الإنسان على حقيقته، وبالتالي فهم طبيعة سلوكه، طالما أننا نفترض مقدمًا مثل هذه الفكرة الباطلة.

ويوضح اسپينوزا، في رسالته رقم ٥٨، طريقته الخاصة في فهم الحرية فيقول: «يكون الشيء في رأيي حرًّا عندما يوجد ويُفعل حسب ضرورة طبيعته وحدها، ويكون مرغمًا عندما يتحكم شيء آخر في وجوده وفعله تبعًا لقاعدة محددة.» ويشرح اسپينوزا اعتقاد الإنسان بحرِّية إرادته عن طريق التشبيه الآتي: إن الحجر لا يتحرك إلا إذا دفعته علة خارجية. فلنتصور أن هذا الحجر يعتقد، أثناء حركته، أن جهده هو الذي يجعله يتحرك؛ إذ ليس لديه وعي إلا بجهده هو، على حين أنه يجهل الأسباب الخارجية التي تحكمت في حركته، وهكذا يتصور نفسه حرًّا. وتلك هي حال الحرية البشرية.

ويلاحظ في تعريف اسپينوزا للحرية، أنها لا تتعارض مع الضرورة، وإنما مع التحكم أو الإرغام الخارجي؛ فالحرية هي الضرورة الباطنة؛ أي إن الكائن يكون حرًّا إذا لم يكن يرغمه شيء خارج عنه، وإنما يكون سلوكه متفقًا مع الضرورة الباطنة لطبيعته فحسب. ومن الواضح أن الحرية بمعناها الحقيقي لا تتوافر في هذه الحالة إلا للكون بمعناه الشامل، الذي لا يتحكم فيه شيء ولا يوجد شيء خارجه حتى يقال إنه يرغمه. وهذا هو معنى العبارة المصوغة بلغة لاهوتية، والقائلة إن الله وحده هو الحر.

والنتيجة الثانية لهذا الفهم الخاص للحرية، وربطها بالضرورة الباطنة، هي الربط بين الاعتقاد الباطل بحرية الإرادة البشرية، وبين الجهل بالأسباب. «فالناس يخطئون حين يظنون أنفسهم أحرارًا، ومردُّ اعتقادهم هذا إلى شعورهم بأفعالهم الخاصة، وجهلهم بالأسباب المتحكمة فيها. وإذن ففكرتهم عن الحرية ليست إلا جهلهم بأي سبب لأفعالهم. أما قولهم أن الأفعال البشرية تتوقف على الإرادة، فما هو إلا عبارة لا تطابقها أية فكرة، فلا أحد منهم يعلم ما هي الإرادة، وكيف تحرك الجسم. أما أولئك الذين يباهون بمثل هذه المعرفة، ويتخيلون مساكن أو مقارَّ تحلُّ فيها النفس، فلا يثيرون إلا الضحك أو الاشمئزاز.»٨
وإذن فمن المحال أن يكون الإنسان حرًّا بمعنى أن له مشيئة أو إرادة تسلك من تلقاء ذاتها دون أن يتحكم في سلوكها سبب خارجي؛ إذ إن الإنسان على صلة مستمرة بعوامل لا متناهية في العالم المحيط به، ومن المحال أن يسلك على أي نحو دون أن يأخذ هذه العوامل بعين الاعتبار. «فليس للذهن إرادة مطلقة أو حرة، وإنما يتحكم في رغبته في هذا الشيء أو ذاك سببٌ تحكَّم فيه بدوره سببٌ آخر كان له بدوره سببٌ ثالث … وهكذا إلى ما لا نهاية.»٩
ومع ذلك فهناك، رغم هذه الضرورة المطلقة، شعور مؤكد بالحرية لدى الإنسان، ورغبة في الحكم على الأشياء كما لو كان المرء هو الآمر الناهي في مجاله الخاص. وهكذا يفرق اسپينوزا، رغم إيمانه بفكرة الضرورة، بين القوانين الطبيعية والقوانين التي يسنها الإنسان، ويفسِّر الاعتقاد بوجود النوع الثاني من القوانين، الخاضع لإرادة الإنسان، بأنه راجع إلى جهلنا بالأسباب النهائية القصوى، وإيثار الحديث عن الأسباب القريبة، مما يؤدي إلى قبول فكرة عرضية الأشياء حتى تكون الحياة ممكنة بالنسبة إلينا.١٠

وواضح، من هذه الفكرة الأخيرة، أن اسپينوزا يقول بمستويات مختلفة لتفسير فكرة الحرية؛ ففي المستوى المطلق يكون كل شيء ضروريًّا، وتنتفي الحرية بمعنى المشيئة التي لا تخضع لعامل خارجي. أما في المستوى النسبي أو الحيوي فإن بعض الأشياء يكون عرضيًّا إذا كانت معرفتنا بأسبابه غير كافية، وإذا كانت رغبتنا قوية في أن نسلك كما لو كنا نتحكم فيه بالفعل. وهكذا تكون الضرورة بالنسبة إلى اسپينوزا مثلًا أعلى للمعرفة؛ فإذا تأملنا الأشياء من وجهة نظر المعرفة الكاملة بها؛ أي إذا تصورنا أن لدينا معرفة كاملة بأدق تفاصيل الطبيعة، فمن الواجب عندئذٍ أن يختفي الاعتقاد بحرية الإرادة، ويصبح كل شيء مرتبطًا ارتباطًا ضروريًّا بأسبابه المعروفة، ولكن الملاحظ من جهة أخرى أن موقفنا الإنساني ذاته لا يتيح لنا الوصول إلى هذه المعرفة الكاملة التي تغدو كل الحوادث في ظلها ضرورية، فمعرفتنا بطبيعتها ناقصة، ولا يمكن أن تستوعب كل شيء. وهذا الجهل الذي نعيش فيه — بدرجاته المتفاوتة — يجعل لفكرة حرية الإرادة مكانًا في تفكيرنا على الدوام. وإذن فحرية الإرادة فكرة «واقعية». أما فكرة الضرورة فهي تعبير عن مثل علمي أعلى، والفكرتان تنتميان إلى منظورين مختلفين: منظور الحياة الفعلية من جهة، ومنظور المثل الأعلى للمعرفة العلمية من جهة أخرى. ويبدو أن اسپينوزا لم يكن يرمي إلا إلى استخلاص هذه النتيجة؛ أي إلى أن يقول: تستطيعون أن تعتقدوا أن إرادتكم حرة طالما أنكم تجهلون الأسباب الحقيقية للظواهر. وأنا لا أنتقدكم على ذلك، ولكن كل ما أريده منكم هو أن تعترفوا بأن المعرفة الكاملة لهذه الأسباب كفيلة بأن تقضي على اعتقادكم الحالي بحرية الإرادة، وبأن تأمُّل الأشياء من وجهة النظر الشاملة يؤدي حتمًا إلى سيادة فكرة الضرورة.

ومن المؤكد أن نفي حرية الإرادة، وتأكيد سيادة الضرورة — حتى على مستوى المثل الأعلى للمعرفة — يُثير حتمًا السؤال عن إمكان المسئولية والجزاء، وبالتالي عن إمكان قيام الأخلاق ذاتها. وبالفعل نجد اثنين على الأقل من مراسلي اسپينوزا، وهما «أولدنبرج» و«بلينبرج»، يبديان نفس الاعتراض؛ إذ إن الجزاء الإلهي، من مثوبة وعقاب، يغدو أمرًا لا معنى له إذا كانت جميع أفعالنا ترجع إلى الله بوصفه علة لها. وبعبارة أخرى: فإذا كانت الضرورة هي المتحكمة في جميع هذه الأفعال، فعندئذٍ تغدو جميع الآثام مباحة، وكل الشرور لها ما يبررها.

ويرد اسپينوزا على هذا الاعتراض، في الرسالة رقم ٧٥، قائلًا: إنَّ الضرورة كما يقول بها لا تقضي على القوانين الإلهية ولا على القوانين البشرية، وسيظل للأخلاق دائمًا نفعها سواء اتخذت الأوامر فيها صورة القوانين أو الشريعة الإلهية، أم اتخذت أية صورة أخرى. وسواء نظرنا — كما يفعل العامة — إلى القواعد الأخلاقية على أنها تصدر عن الله بوصفه قاضيًا، أو تأملناها من حيث هي صادرة عن ضرورة الطبيعة، فستظل في كل الأحوال نافعة لنا. كذلك فإن الشرور الناشئة عن الانفعالات والأفعال المنحرفة لا تكون أقل ضررًا إذا ما فسرناها على أنها ناشئة بالضرورة عن هذه الانفعالات والأفعال، ويرد اسپينوزا، في صدد هذه الفكرة الأخيرة، على السؤال الذي يستنكر فيه المرء معاقبة الأشرار طالما أن ذنوبهم راجعة إلى طبيعتهم فحسب، فيقول: إذا كان عقابنا يقتصر على من يذنبون بمحض إرادتهم واختيارهم الحر، فلماذا نُبيد الأفاعي السامة، التي تُذنب بطبيعتها ولا تملك غير ذلك؟١١ وهكذا يكون عقاب المذنب راجعًا إلى أنه يضر بالباقين، أو إلى أن طبيعته ذاتها تضر بالآخرين؛ فالعقاب — والمسئولية بوجه عام — يستهدف نفع المجتمع، وليس مجرد نتيجة للفعل ذاته؛ إذ إن الفعل نفسه، كما أكد من قبلُ مرارًا، لا يكون شرًّا أو خطيئة إلا من المنظور البشري. أما في صورة الضرورة الأزلية فليس له أية قيمة كهذه. فليس ثمة شيء اسمه العصيان طالما أننا بصدد القوانين الضرورية للكون؛ أي إن أي فعل — بلغة اللاهوتيين — لا يمكن أن يكون مخالفًا للإرادة الإلهية. ومثل هذا يقال على الثواب أو المكافأة؛ فالفضيلة الحقة لا تستحق مكافأة أو ثوابًا؛ إذ إنها غاية في ذاتها، وثوابها — كما يؤكد في خاتمة البابين الثاني والخامس من «الأخلاق» — ينحصر في ممارستها، لا فيما تجلبه من النتائج.

(٣) الانفعالات ووسيلة التغلب عليها

يرسم اسپينوزا في مقدمة الباب الثالث من «الأخلاق» منهجًا للبحث في الانفعالات ووسيلة التغلب عليها، يؤكد فيه أن خوضه لهذا الميدان البشري المحض لا يعني خروجه على مبدأ الحتمية المتحكمة في الطبيعة، بل إن خطأ جميع الباحثين من قبله كان تردُّدهم في أن يطبقوا على الإنسان نفس المبادئ التي تُطبَّق على الطبيعة بوجه عام، ونظرتهم إلى الإنسان على أنه «استثناء» من المجرى العام للطبيعة، ووضعهم إياه في مركز مميز يعلو فيه سلوكه على سائر الظواهر الطبيعية، وكان من نتيجة ذلك أن ظلت طبيعة الإنسان مجهولة لديهم على الدوام، وسوف نقتبس من هذه المقدمة نصًّا طويلًا، لأهميته الكبيرة في إيضاح منهج اسپينوزا في معالجة نظريته الأخلاقية.

«إن معظم من يكتبون عن الانفعالات والسلوك البشري يبدو كأنهم يعالجون أمورًا خارجة عن الطبيعة أكثر مما هم يعالجون ظواهر تسير وفقًا للقوانين العامة للطبيعة. وهكذا يبدو أنهم يتصورون الإنسان كما لو كان في الطبيعة يحتل مركز دولة داخل الدولة؛ إذ إنهم يظنونه خارجًا على نظام الطبيعة أكثر منه منقادًا له، ويعتقدون أن لديه سيطرة مطلقة على أفعاله، وأنه لا يخضع إلا لذاته … فلم يقم أحد، بقدر ما أعلم، بتعريف طبيعة الانفعالات وقوَّتها، وقدرة الذهن على مكافحتها وقمعها.

ولكن هذه هي خطتي؛ فلا شيء مما يحدث في الطبيعة يمكن أن يفسَّر بأنه انحراف عنها؛ إذ إن الطبيعة هي هي على الدوام، وهي دومًا متماثلة في أحكامها وقدرتها على الفعل؛ أي إن قوانين الطبيعة وأوامرها، التي تحدث بها كل الأشياء وتتغير من صورة إلى أخرى، واحدة في كل شيء وكل زمان، بحيث يجب أن يوجد منهج واحد لفهم طبيعة كل الأشياء على إطلاقها؛ أعني من خلال القوانين والقواعد الشاملة للطبيعة. وهكذا فإن انفعالات الكراهية والغضب والحسد وما إليها، إذا ما نُظر إليها في ذاتها، تسير وفقًا لنفس هذه الضرورة والإحكام في الطبيعة، وهي ترتد إلى أسباب محددة تُفهم من خلالها، ولها خصائص معلومة تستحق أن تُعرف، شأنها شأن خصائص أي شيء آخر يؤدي تأمله في ذاته إلى إرضائنا؛ لذلك سأعالج طبيعة الانفعالات وقوَّتها وفقًا لنفس المنهج الذي استخدمته من قبلُ في أبحاثي عن الله والعقل، وسوف أنظر إلى الأفعال والرغبات البشرية تمامًا كما لو كنت أبحث في خطوط ومسطحات وأحجام.»

هذه النظرة إلى الإنسان وانفعالاته على أنه جزء لا يتجزأ من الطبيعة، تسري عليه نفس القوانين التي تسري عليها، جعلت اسپينوزا يعالج الانفعالات على أنها ظواهر طبيعية خالصة، وينزع عنها كل ما كان يُعزى إليها — على يد الفلاسفة التقليديين — من أسباب «استثنائية» متعلقة بمجال الإنسان وحده. وهكذا يضع للانفعال في نفس مقدمة الباب الثالث التعريف الآتي: «إن الانفعال الذي يُسمَّى سلبية النفس، هو فكرة مختلطة أو غامضة، يؤكد بها الذهن، بشأن جسمه أو أي جزء منه، قدرة على الوجود existendi vis تزيد أو تنقص على ما كان لديه من قبلُ، ويتحكم وجودها في الذهن على نحو يجعله يفكر في شيء معين بدلًا من شيء آخر.» ويزيد اسپينوزا هذا التعريف إيضاحًا بعد قليل، فيقول: «أعني بالانفعال ما يطرأ على الجسم من تغييرات تزداد بها القوة الفعالة لهذا الجسم أو تنقص، وتُنمى أو تُعاق، وكذلك أفكار هذه التغييرات.»١٢

مثل هذا التعريف للانفعال يستبعد تمامًا كل إشارة إلى قيم الخير أو الشر، بل يستبعد كل تفرقة «كيفية» بين انفعال وآخر، ويجعل أساس التمييز بين جميع الانفعالات هو ما يؤدي إليه كل منها من زيادة أو إنقاص قدرة الكائن على حفظ ذاته؛ أي المساعدة على استمراره في الوجود أو الحيلولة دون ذلك. وعلى أساس هذا المبدأ الرئيسي يُبنى المذهب الأخلاقي كاملًا، دون إدخال أية اعتبارات تقويمية أو كيفية فيه.

ولقد أتى اسپينوزا في الباب الرابع من «الأخلاق» بقائمة طويلة للانفعالات البشرية، معرَّفة كلها من خلال هذا المبدأ الأساسي: مبدأ زيادة قدرة الإنسان على حفظ ذاته والاستمرار في وجوده أو الإقلال من هذه القدرة. ولهذه القائمة طرافة كبيرة، وهي بلا شك تؤلِّف جانبًا هامًّا من نظرية اسپينوزا الأخلاقية، وتدل بكل وضوح على أصالة هذه النظرية؛ إذ إن تعريفاتها العلمية الصارمة للانفعالات تختلف تمامًا عن تعريفات الفلاسفة الأخلاقيين التقليديين بكل ما تضمنته من معانٍ تقويمية وتمييزات كيفية بين الانفعالات؛ فقائمة الانفعالات عند اسپينوزا تُمثِّل المحاولة الوحيدة، في المذاهب الأخلاقية التقليدية، لرد جميع انفعالات الإنسان إلى أصل واحد ترتبط فيه طبيعة الإنسان بطبيعة كل كائن حي آخر، ولا يُنظر إليها على أنها تحتل في الكون مركز «دولة داخل الدولة».

ومع ذلك، فرغم ما لهذه القائمة من أهمية في هذا الصدد، فلن نتحدث عن محتوياتها بالتفصيل، إذ إن هذه المحتويات يمكن أن تقرأ مباشرةً، دون عناء كبير، في كتابات اسپينوزا ذاته.١٣ وهي على أية حال لا تترك مجالًا كبيرًا للشارح؛ إذ إنها واضحة — نسبيًّا — بالقياس إلى كثير من الأجزاء الأخرى لفلسفته. ولما كنا في هذا البحث أحرص على عرض المبادئ العامة في فلسفة اسپينوزا منا على خوض تفاصيلها، فسوف نكتفي باختيار بضعة أمثلة لطريقة معالجته لمختلف الانفعالات من خلال مبدئه الرئيسي الذي أشرنا إليه من قبل.
فاسپينوزا يمهد لتعريف اللذة والألم بالقضية التالية: «إن كل ما يزيد أو ينقص، ويساعد أو يعوق القوة الفعالة في جسمنا، تزيد فكرته أو تنقص، وتساعد أو تعوق القدرة الفكرية في ذهننا.»١٤ وفي ملحوظة هذه القضية يقول إن الذهن يمر، على هذا النحو، بحالات من الكمال الزائد أو الناقص، ومن هذا تُستخلص طبيعة اللذة والألم؛ فالمقصود باللذة هو «حالة سلبية ينتقل فيها الذهن إلى كمال أعظم»، والمقصود بالألم هو «حالة سلبية ينتقل فيها الذهن إلى كمال أقل». وتتخذ هذه التعريفات في «تذييل» الباب الثالث صورة لفظية مختلفة إلى حدٍّ ما: «فاللذة هي انتقال الإنسان من كمال أقل إلى كمال أعظم» (التعريف الثاني)، و«الألم هو انتقال الإنسان من كمال أعظم إلى كمال أقل» (التعريف الثالث). وكون اللذة والألم «انتقالًا» هو الدليل على أنهما انفعالان مرتبطان بافتقار الإنسان إلى الكمال؛ إذ إن من طبيعة الإنسان أن يمر بأحوال مختلفة في درجة كمالها، وفي عملية الانتقال ذاتها تكون اللذة أو يكون الألم.
وهو يضيف إلى هذين الانفعالين الرئيسيين انفعالًا ثالثًا هو «الرغبة»، الذي هو التعبير المباشر عن ميل الإنسان إلى حفظ وجوده وعن كونه واعيًا بهذا الميل،١٥ وهو يعرِّف الرغبة بأنها «ماهية الإنسان ذاته، بقدر ما تُتصور على أنها مسيرة، عن طريق تأثر أو تعديل لها، إلى فعل شيء ما.» وهي تشمل كل مساعي الإنسان واندفاعته وشهواته ومطالبه التي يسعى بها إلى تحقيق شيء ما؛ ومن هنا كان ارتباطها الوثيق بالماهية الأساسية للإنسان.١٦ ولا يعترف اسپينوزا بانفعالات أصيلة سوى هذه الانفعالات الثلاثة: اللذة والألم والرغبة. ومنها يستنبط جميع الانفعالات الأخرى، وعن طريقها يشرحها. مثال ذلك أن «الحب ليس إلا اللذة مصحوبة بفكرة علة خارجية، والكراهية ليست إلا الألم مصحوبًا بفكرة علة خارجية. وهكذا نرى أن من يحب يسعى بالضرورة إلى تملُّك واستبقاء موضوع حبه، بينما يسعى من يكره إلى إبعاد موضوع كراهيته والقضاء عليه.»١٧ ومن الحب والكراهية ذاتهما يستنبط اسپينوزا مجموعة كبيرة من تعريفاته للانفعالات: مثال ذلك أن «الاستحسان هو الحب تجاه من عمل خيرًا لشخص آخر»، والاستهجان هو «الكراهية تجاه من عمل شرًّا لشخص آخر». كذلك تستمد مجموعة كاملة من التعريفات من فكرة الرغبة، مثال ذلك أن «الطموح هو الرغبة المفرطة في المجد».١٨
وهكذا يستنبط اسپينوزا جميع تعريفاته للانفعالات عن طريق ردها إلى الانفعالات الثلاثة الرئيسية: اللذة والألم والرغبة. وهذه الانفعالات الرئيسية تُرد، كما بينا من قبلُ، إلى النزوع الأساسي (Conatus) للكائن إلى حفظ ذاته. ومن الواضح أن الفارق بين نظرة اسپينوزا هذه إلى علاقة الانفعالات بعضها ببعض، وبطبيعة الإنسان، وبين نظرة الفلاسفة التقليديين إليها، يساوي الفارق بين نظرة العالم ونظرة الجاهل إلى تركيب الأجسام الطبيعية مثلًا؛ فغير المتخصص في العلم يعتقد أن بين تركيبات الأجسام اختلافات كيفية أساسية، بينما العالم يرد هذه الاختلافات الكيفية إلى فروق كمية، بحيث إن الأجسام التي تبدو في ظاهرها أشد ما تكون اختلافًا، قد لا يكون بينها في حقيقة الأمر من فارق سوى اختلاف كمي بسيط في الوزن الجزيئي لمادتها. وكما أن العالم يبدأ بمجموعة محدودة من العناصر ويفسِّر من خلال تركيباتها المختلفة كل التكوينات المعقدة في الطبيعة، فكذلك يبدأ اسپينوزا بمجموعة محدودة من الانفعالات ويرد إليها عالم المشاعر النفسانية بكل تعقيداته.

•••

وينبغي، قبل أن نتحدث عن وسيلة التغلب على الانفعالات عند اسپينوزا، أن نلاحظ أنه لا يحمل على الانفعالات بما هي كذلك؛ فهو لم يكن ضمن أولئك الفلاسفة الذين يحملون على كل انفعال ويعدونه مظهرًا من مظاهر ضعف النفس البشرية. وهو على الأخص لم يكن يحمل على الانفعالات الإيجابية المرتبطة بتحقيق الإنسان لطبيعته، وبالتالي كان أبعد الفلاسفة عن الدعوة إلى الزهد أو إنكار الجسم ومطالبه. وكثيرًا ما نسبت إلى اسپينوزا نزعات زاهدة، نظرًا إلى الاعتقاد بأنه كان فيلسوفًا صوفيًّا يدعو — بالمعنى الحرفي — إلى الحب الإلهي وإلى التخلي عن معرفة الحسيات والجزئيات في سبيل المعرفة الحدسية الصوفية. وهكذا نُظر إليه على أنه لا يفترق، في اتجاهه الأخلاقي العام، عن التراث الأفلاطوني المسيحي في الفكر الغربي. ومثل هذا التفسير بعيد كل البعد عن اتجاه اسپينوزا الحقيقي، وإن يكن ظاهر لغته يوحي بهذا في كثير من المواضع.

ومن الأمور التي اتفق عليها مؤرخو حياة اسپينوزا أنه لم يحمل قط على التمتع باللذات الحسية، وكل ما حذر منه هو الإفراط فيها. أما في فلسفته النظرية فإن آراءه الحقيقية تظهر في قضايا مثل: «ليست اللذة في ذاتها شرًّا وإنما هي خير؛ أما الألم فهو في ذاته شر.»١٩ ومثل: «إن المرح لا يكون مفرطًا أبدًا، وإنما هو دائمًا خير؛ أما الكآبة فهي دائمًا شر.»٢٠ وهو يؤكد الطبيعة البشرية بقوة، ويثني على الرغبات والانفعالات التي تتمشى مع هذه الطبيعة، وتساعد على حفظ جسم الإنسان، بينما يحمل على الآلام التي تعود بالضرر على جسم الإنسان. وهو يحمل على الأخلاق الزاهدة إذ يقول: «إن التفكير الخرافي … يبدو أنه يَعدُّ كل ما يعود على الإنسان بالألم خيرًا، وكل ما يجلب له اللذة شرًّا.»٢١ ويؤكد أن السعي وراء اللذة التي تفيدنا بحق يؤدي إلى زيادة كمالنا، وبالتالي ازدياد مشاركتنا في الطبيعة الإلهية (أي، في هذا السياق، السير وفقًا للنظام الكلي للطبيعة).

والحد الفاصل الذي يضعه بين الانفعالات التي ينبغي السعي إليها وتلك التي ينبغي تجنُّبها هو موافقة الأولى للعقل ومخالفة الثانية له. وليس العقل في هذه الحالة مبدأً مخالفًا لقوة الإنسان الطبيعية أو نزوعه إلى حفظ وجوده، بل هو على العكس من ذلك قوة تتمشى تمامًا مع الطبيعة الحقيقية للإنسان وتوفِّق بينها وبين النظام الكلي للأشياء. فإذا دلنا العقل على أن انفعالًا ما يؤدي إلى المساعدة على استمرار وجودنا وحفظ ذاتنا، فذلك انفعال ينبغي أن نسعى إليه. أما ما يعوق وجودنا فمن الواجب تجنُّبه بأي ثمن.

ويعترف اسپينوزا بأن هذا التمييز ليس أمرًا هينًا؛ ذلك لن الانفعالات قوية لها سيطرتها الخاصة على الإنسان، ويصل الأمر في ذلك إلى حد أن الرغبة في شيء مستحب وحاضر قد تقهر الرغبة الناشئة عن معرفة الخير والشر فيما يتعلق بشيء مقبل.٢٢ وفي قوة الانفعالات هذه تكون «عبودية الإنسان»، ومع ذلك فإذا كان الانفعال قويًّا فمن الممكن قهره بانفعال آخر أقوى منه، بل إننا نستطيع أن ننظر إلى معرفة الخير والشر، من حيث هي وسيلة لقهر الانفعالات، على أنها هي ذاتها «انفعال اللذة والألم، بقدر ما نكون على وعي بهما.»٢٣ وهكذا يصل اسپينوزا إلى أن «المعرفة الصحيحة للخير والشر لا يمكنها أن تقهر أي انفعال نظرًا إلى كونها صحيحة، وإنما بقدر ما تعد انفعالًا فحسب.»٢٤
وهذا يرسم بوضوح طريقة التغلب على الانفعالات عند اسپينوزا؛ فالانفعال لا يعود طاغيًا بمجرد أن نكوِّن عنه فكرة واضحة متميزة.٢٥ «وتزداد سيطرة العقل على الانفعالات، كما يقل خضوعه لها، بقدر ما يفهم الأشياء كلها على أنها ضرورة.»٢٦ ومن شأن هذا التفكير في الانفعالات أن يقضي على طابعها السلبي، الذي تكون فيه انفعالات هوجاء مرتبطة بأفكار غامضة غير كافية، ويحيلها إلى انفعالات مبنية على أفكار واضحة متميزة، ويفصل ما بين الانفعال وسببه الخارجي المباشر، ليربطه بأفكار عقلية صحيحة، وبذلك تتخلص النفس من عبودية الانفعال عن طريق تأمله في ضوء العقل الباهر.٢٧
وهكذا يبدو أن اسپينوزا يوافق على رأي سقراط القائل إن الفضيلة علم والرذيلة جهل. ولكنه يعرض الفكرة على طريقته الخاصة؛ فللمعرفة أنواع ثلاثة هي الظن والاعتقاد والمعرفة الواضحة. الأولى أصل الانفعالات المخالفة للعقل، والثانية أصل الرغبات الطيبة، والثالثة أصل الحب الحقيقي. وهكذا يصحح اسپينوزا قول سقراط بحيث يصبح: الرذيلة معرفة باطلة أو ظن معرض للخطأ، والفضيلة معرفة صحيحة.٢٨

وليس معنى ذلك أن يتخلى الإنسان عن نفعه في سبيل التحليل العقلي المنطقي لكل الانفعالات، فالتفكير والمعرفة لا يتعارضان مع تحقيق الإنسان لنفعه، بل إنهما في الواقع يساعدان عليه؛ فهو يعارض القائلين بأن سعي الإنسان إلى تحقيق نفعه الخاص رذيلة، ويُثبت في مجموعة من القضايا أن سعي الإنسان إلى نفعه الخاص، إذا استرشد بالعقل، يكون هو ذاته قوام الفضيلة، وهكذا يتسلسل تفكيره، في الباب الرابع، على النحو الآتي؛ ففي القضية رقم ١٩ يقول: إن كل شخص يرغب بطبيعته فيما يراه خيرًا ويُحجم عما يراه شرًّا. وفي القضية ٢٠، يرى أن فضيلة الإنسان تكون في سعيه إلى نفعه؛ أي حفظ كيانه. ومن المحال، كما يقول في القضية ٢٢، أن نتصور فضيلةً أسبق من محاولة الإنسان حفظ وجوده. ثم يشرح دور العقل والفهم في القضية ٢٣، فيقول: إنَّ الإنسان لا يتصرف وفقًا لفضيلته إلا إذا كان يفهم فعله. ويلخص رأيه في القضية ٢٤ بقوله: إنَّ السُّلوك وفقًا للفضيلة يعادل تمامًا سلوك المرء وعيشه وحفظه لوجوده (وهي كلها ألفاظ مترادفة) وفقًا لما يمليه العقل، وعلى أساس مبدأ السعي إلى ما فيه نفعه الخاص. ويعبِّر عن ذلك تعبيرًا أكثر إيجازًا في القضية ٣١ فيقول: إنَّ «الشيء يكون خيرًا بالضرورة بقدر ما يكون منسجمًا مع طبيعتنا.»

وطالما أن الفضيلة ترتبط بالفهم، فمن الطبيعي أن يزداد المرء اقترابًا منها كلما اتسع نطاق فهمه للأشياء، حتى إذا ما توصَّل إلى تأمُّل النظام الكلي للأشياء في ضرورته الشاملة حقق بذلك أسمى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من الفضائل، وأمكنه التغلُّب تمامًا على انفعالاته عن طريق ربطها بالضرورة الكونية الشاملة، ويعبِّر اسپينوزا عن هذه الفكرة بأسلوب مدرسي فيقول: إن «أسمى خير للإنسان هو معرفة الله، وأسمى فضيلة للذهن هي أن يعرف الله.»٢٩ ويظهر المعنى الحقيقي لمثل هذه التعبيرات في قوله: «إن من يدرك بحق أن جميع الأشياء تتلو من ضرورة الطبيعة الإلهية، وتحدث وفقًا لقوانين الطبيعة وقواعدها الأزلية، لن يجد شيئًا يستحق الكراهية أو الازدراء أو الاحتقار، ولن يرثي لشيء، وإنما سيحاول، على قدر ما تسمح به فضيلة البشر، أن يسلك سلوكًا طيبًا، وينعم، كما يقول المثل.»٣٠ ففي الجزء الأول من القضية يتحدث عن ضرورة الطبيعة الإلهية، ويوضح ما يقصده منها حين يلحقها بالكلام عن قوانين الطبيعة وقواعدها الأزلية. وهكذا يكون التعبيران في هذا الصدد مترادفين عنده. وعلى أساس هذا الترادف يمكن أن ندرك بوضوح الدلالة الحقيقية للقضية الآتية، ذات المظهر الصوفي: «إن مَن يفهم ذاته وانفعالاته بوضوح وتميز، يحب الله، ويزداد هذا الحب بقدر ما يزداد فهمًا لذاته وانفعالاته.»٣١ فإذا استبدلنا بتعبير الحب الإلهي، التعبير المرادف له عند اسپينوزا، وهو فهم النظام الكلي أو الضروري للكون، أصبح المعنى الواضح هو أن من يفهم ذاته وانفعالاته يفهم النظام الكلي للأشياء والضرورة الكونية، وأن الإنسان يغدو أقدر على هذا الفهم الأخير كلما ازداد معرفةً بنفسه وبانفعالاته؛ وعلى هذا الأساس أيضًا يفسَّر قول اسپينوزا (في القضية رقم ١٨ من الباب الخامس) إن أحدًا لا يمكن أن يكره الله: ذلك لأن معرفة النظام الشامل للكون، وطبيعة الضرورة السائدة فيه، لا تترك أي مجال لمشاعر جزئية محدودة كالكراهية، وكل ما نشعر به إذا توصلنا إلى هذه المعرفة هو إدراك ارتباطنا الوثيق بهذا النظام الشامل، ومثل هذا الإدراك، إذا جاز أن يقترن بانفعال. فلا بد أن يكون ذلك انفعال الحب لا الكراهية.

وفي رأينا أن الحل الذي أتى به اسپينوزا لمشكلة التغلب على الانفعالات، لا عن طريق محاولة التخلص من هذه الانفعالات بطريق مباشر، وإنما عن طريق معرفتها والتفكير العقلي فيها وربطها بالسياق العام لظروف الإنسان الخارجية والباطنة — هذا الحل ينطوي على بعض أوجه الشبه مع فكرة التحليل النفسي (وإن لم يكن لنا أن نمضي في التماس أوجه الشبه هذه أبعد مما ينبغي)؛ ففي التحليل النفسي بدوره يُقال بإمكان التخلص من المشكلات النفسية عن طريق الخروج بها من اللاشعور إلى عالم الشعور، وعن طريق الإدراك الواعي لها. والعنصر المشترك بين الطرفين هو أن اختلال التوازن النفسي يمكن أن يستمر طالما أن المشكلة لا تأخذ طريقها إلى ذهننا الواعي، وأن طريقة إعادة التوازن السليم هي إدراك هذا الاختلال عن وعي ووضعه في سياق الطبيعي، سواء عن طريق المعرفة العقلية، في الحالة الأولى، أو عن طريق مجرد الوعي به في الحالة الثانية؛ ففي كلتا الحالتين يكفي لتخليص الإنسان من هذا الاختلال إلقاء ضوء عليه، وإخراجه من الظُّلمة التي كان غارقًا فيها أثناء تعرُّضنا التلقائي له، ونقله بالتفكير الواعي من مجاله الضيق ومن الظروف المحددة الغامضة التي كان يمارس تأثيره فيها.

•••

وأخيرًا فلا بد من إشارة خاصة إلى النتائج الاجتماعية الواضحة التي يستخلصها اسپينوزا من نظريته في قهر الانفعالات. هذه النتائج تُلخَّص في أن الانفعالات هي أساس الشقاق بين الناس، وأن العقل أساس التقريب بينهم. فإذا كان العقل هو وسيلتنا إلى قهر الانفعالات، فلا بد أن سعي الإنسان إلى التغلب على انفعالاته يؤدي هو ذاته إلى تأكيد المعاني الاجتماعية في نفس الإنسان.

وتتسم آراء اسپينوزا في هذا الصدد بطابع مزدوج، يرتبط بطابع مزدوج مُناظر في الحل الذي وضعه للتغلب على الانفعالات؛ فهو من جهة يقول إن الانفعال لا يقهره إلا انفعال آخر أقوى منه، ومن جهة أخرى يقول إن التفكير في الانفعالات وربطها بالنظام الضروري للأشياء هو الكفيل بالقضاء عليها. وصحيح أنه يربط بين هاتين الوسيلتين على نحوٍ ما حين يقول، في نص سبق اقتبسناه: إن معرفة الخير والشر هي انفعال اللذة والألم، بقدر ما نكون على وعي بهما، ولكن لا شك، رغم ذلك، في أن هناك نوعًا من التمييز بين الوسيلتين؛ إذ إن الوسيلة الأولى، وهي استخدام انفعال أقوى، تستبقي على أية حال نوعًا آخر من الانفعال. أما الوسيلة الأخرى فمن الممكن، إذا مضينا إلى أبعد مراحلها، أن تؤدي إلى حالة لا يعود فيها مجال لأي انفعال، ويتسم فيها كل شيء بصبغة الضرورة المطلقة، ونستطيع أن نعد الوسيلة الأولى مرحلة ممهدة للأخرى؛ أي إن التغلب على الانفعال يمكن أن يكون بانفعال آخر أقوى منه، وهذه هي الوسيلة الأسهل والأقرب مثالًا، ويمكن أن يتم عن طريق الفهم الكامل لموقع كل حادث في النظام الكلي للأشياء، وهي أصعب الوسيلتين، وأبعدهما عن متناول الناس.

وسواء أكانت وسيلتنا إلى قهر الانفعالات هي الأولى أم الثانية، فإننا في كلتا الحالتين نقضي على أقوى سبب للشقاق بين الناس إذ نقضي على الانفعالات. «فبقدر ما يكون الناس نهبًا للانفعالات السلبية، لا يمكن أن يقال، من هذه الناحية، إنهم منسجمون بطبيعتهم.»٣٢ فإذا اتبع الإنسان الوسيلة الأولى، وهي البحث عن انفعالٍ أقوى، فسوف يؤدي ذلك حتمًا إلى التقريب بينه وبين بقية الناس؛ إذ إن انفعال الخوف من أن يلحق الإنسان، إذا سعى إلى الإضرار بغيره، ضرر يفوق ما يلحق الآخرين، يؤدي إلى تنازله عن رغبته الغريزية في تحقيق النفع لنفسه على حساب الآخرين. «وعلى أساس هذا القانون يمكن قيام المجتمع، طالما احتفظ هذا المجتمع لنفسه بالحق الذي يملكه كل شخص في الانتقام لنفسه من الأذى، والحكم بنفسه على ما هو خير وما هو شر، وطالما أن للمجتمع القدرة على وضع قاعدة عامة للسلوك، وإصدار قوانين يدعمها التهديد، لا العقل الذي يعجز عن قهر الانفعال. مثل هذا المجتمع الذي يُبنى على قوانين وعلى قوة قادرة على حفظه يُسمَّى بالدولة، ومن يعيشون في حمايته يسمَّون رعايا.»٣٣

ولكن إذا كان اسپينوزا قد أكد في النص السابق عجز العقل عن قهر الانفعال، فلنذكر — كما أوضح في ملحوظة القضية رقم ١٧ من الباب نفسه — أنه يعالج المسألة في هذا الباب من وجهة نظر الضعف البشري وعبودية الإنسان، وأن هناك وجهة نظرٍ أخرى على مستوًى أرفع، هي وجهة نظر «تحرُّر الإنسان»؛ أعني تلك التي يكون العقل فيها قادرًا بالفعل على تخليص الإنسان من انفعالاته بالتفكير فيها، وفي هذه الحالة أيضًا تؤدي محاولة الإنسان قهر انفعالاته إلى التقريب بين الناس وتأكيد القيم الاجتماعية في النفس البشرية، ولكن على مستوًى أعلى من مستوى الخوف المتبادل الذي أدت إليه الوسيلة الأولى.

فالعقل هو أساس الاتفاق بين الناس «وبقدر ما يعيش الناس متَّبعين العقل، تتفق طبيعتهم دائمًا بالضرورة.»٣٤ وكلما اتسع نطاق ممارسة المرء لعقله، ومعرفته لطبيعة الأشياء، زالت الحواجز بينه وبين الآخرين، بحيث إن «ما يرغبه الشخص الذي يتبع الفضيلة لنفسه، يرغبه أيضًا لغيره، وتقوى رغبته هذه بقدر ما تزداد معرفته لله.»٣٥ وهكذا فإن من يسترشد في حياته بالعقل، يكون مصدر خير ونفع دائم لغيره من الناس؛ «فليس أنفع للإنسان في الطبيعة من إنسان يعيش متبعًا للعقل»؛٣٦ ذلك لأن سعي الإنسان إلى نفعه الخاص، إذا استرشد بالعقل، يغدو في الوقت ذاته سعيًا إلى نفع الآخرين.
ويأتي اسپينوزا في هذا الصدد بفكرة هامة في نظريته الأخلاقية، هي القائلة بأن الخير الحقيقي شيء لا يُقتسم ولا يوزَّع، ولا يتأثر بكثرة من يشاركون فيه، بل إن من الممكن أن يكون لكل شخص فيه أكبر نصيب؛ ذلك لأن هذا الخير لو كان مالًا أو منصبًا أو نفوذًا، لأدَّى التزاحم عليه إلى تفتيته على الدوام، بحيث ينبغي أن يشتد عليه التنافس والتشاحن بين الناس، طالما أن مقدار هذه الغايات محدود لا يتسع للجميع. أما حين يغدو هذا الخير هو المعرفة، فإنه يصبح متاحًا للجميع، ولا يؤدي ازدياد عدد المشاركين فيه إلى إنقاصه، بل إن الأمر على العكس من ذلك؛ إذ إنه كلما ازداد الناس طلبًا للمعرفة، اتسع نطاق هذه المعرفة ذاتها وترامت آفاقها. وهذا هو تفسير قضية اسپينوزا القائلة: «إن الخير الأسمى لمن يتبعون الفضيلة مشترك بين الجميع، وبالتالي يمكن أن يتمتع به الجميع على قدم المساواة.»٣٧ وفي ملحوظة هذه القضية ذاتها يقول: «… وهذا يستتبع — لا بطريقة عرضية، ولكن بناءً على طبيعة العقل ذاتها — أن أسمى خير للإنسان مشترك بين الجميع، بقدر ما يستمد من ماهية الإنسان ذاتها، كما تعرف من خلال العقل.»
ولا يكفُّ اسپينوزا عن الإعراب عن تمجيده للحياة الاجتماعية في ظل العقل، وكأنه يرد، بهذا التأكيد، على أولئك الذين دأبوا على الربط بين الفردية والتفلسف، ولم يتصوروا إمكان قيام اجتماع بين العقول إلا على أساس تنازل هذه العقول عن جزء من امتيازها وتفوقها. «… لا شيء أنفع للإنسان من الإنسان؛ أجل، فليس في الوسع الناس أن يتمنَّوا شيئًا كفيلًا بحفظ وجودهم، أعظم من أن يتفق الجميع على أن تكون أذهان الجميع وأجسادهم ذهنًا واحدًا وجسمًا واحدًا، إن جاز هذا التعبير، وأن يحاول الجميع بصوت واحد، بقدر استطاعتهم، أن يحفظوا وجودهم، ويسعوا جميعًا إلى ما يفيدهم جميعًا. وهكذا فإن الناس الذين يحكمهم العقل — أي الذين يسعون إلى ما هو مفيد لأنفسهم وفقًا للعقل — لا يتمنون لأنفسهم شيئًا لا يتمنونه أيضًا لبقية البشر، وبالتالي يتصف سلوكهم بالعدالة والإخلاص والشرف.»٣٨
وإذا كان اسپينوزا في النص السابق يرد على أولئك الذين يؤكدون أن العقل يفقد امتيازه إذا فقد عزلته، ويضع مقابل ذلك غاية مضادة لمجتمع الأحرار من الناس، هي «عقل واحد وجسم واحد»، فإنه، في النص التالي، يكاد يرد مقدمًا على أولئك الذين سيصفونه هو ذاته، فيما بعدُ، بأن ميوله أشبه بميول الراهب المنعزل الزاهد في متاع الدنيا، وهي أوصاف يرددها كثير من شُرَّاح اسپينوزا التقليديون؛ فالأساس الذي يجمع به العقل بين الناس ليس هو الزهد في كل ما يتصل بالطبيعة الأصلية للإنسان، وإنما هو تحقيق كل جوانب هذه الطبيعة، بإرشاد العقل، على أكمل نحو. «إن ما قلناه ليُثبت بالتجربة بوضوح يجعل الناس كلهم يُجمعون تقريبًا على القول: إن الإنسان إلهٌ لأخيه الإنسان.٣٩ ورغم ذلك فنادرًا ما يحدث أن يطيع الناس العقل؛ إذ إنهم يسيرون في حياتهم وفق نظامٍ قوامه الحسد والشقاق المتبادل. ومع ذلك لا يكاد يكون في استطاعتهم أن يحيوا حياةً منعزلة، بحيث إن تعريف الإنسان بأنه حيوان اجتماعي كان يلقى دائمًا موافقة الجميع، بل إن نفع الحياة الاجتماعية للإنسان يفوق ضررها إلى حدٍّ بعيد. فليضحك الساخرون ملء أشداقهم على أحوال البشر، وليلعنها اللاهوتيون، وليمدح كارهو الإنسان، قدر استطاعتهم، حياة البداوة الجلفة، وليكيلوا الاحتقار للإنسان والمدح للبهائم؛ فسوف يجد هؤلاء، بعد هذا كله، أن في وسع الناس أن يفوا بحاجاتهم على نحوٍ أيسر كثيرًا بالتعاون المتبادل، وأن الوسيلة الوحيدة لنجاتهم من الأخطار المحيقة بهم من كل جانب هي توحيد قواهم.»٤٠

ولعلنا لا نكون مسرفين كثيرًا في التفسير إذا قلنا: إنَّ اسپينوزا كان، في ربطه بين التعاون المتبادل بين الناس وبين زيادة تيسير الوفاء بحاجاتهم، يدافع في الوقت ذاته عن الحضارة الصناعية الحديثة التي شهد أول البوادر الممهِّدة لها، وينتقد مقدمًا أولئك الذين يندبون أيام عزلة الإنسان واكتفائه بذاته، ويجعل من نفسه مدافعًا عن مبدأ تقسيم العمل، مؤكدًا — كما سنرى أيضًا فيما بعدُ — أنه أقدر على تحقيق كمال الإنسان بكثير من حياة «البداوة الجلفة».

(٤) الجوانب السلبية والإيجابية في النظرية الأخلاقية

من الطبيعي أن تثار مشكلة السلبية والإيجابية في صدد كل مذهب أخلاقي يدعو إلى قهر الانفعالات عن طريق العقل؛ فمنذ الرواقيين أصبح الاعتراض على مثل هذه المذاهب بالسلبية أمرًا مألوفًا. أليست تدعو الإنسان إلى أن يركز طاقته في كبت انفعالاته وقهرها، ويستخدم عقله في السيطرة على ذاته، بدلًا من أن يستغل هذه الطاقة في التغلب على العوامل الخارجية المؤدية إلى هذه الانفعالات، أو يستخدم عقله في السيطرة على العالم المحيط به؟ إن مثل هذه المذاهب، ابتداءً من الرواقية حتى اسپينوزا، تبدو صالحة لأناس يعجزون عن تغيير العالم المحيط بهم فيركزون جهودهم في تغيير أنفسهم، ويجعلون مسرح نشاطهم هو عالمهم الباطن؛ لأنَّهم لا يملكون أن يسيطروا على أي عالم سواه.

وفي نظرية اسپينوزا في قهر الانفعالات كثير من العناصر التي تشجع على مثل هذا النقد. وهو يتحدث أحيانًا بلهجة توحي مباشرةً بالسلبية، كما في قوله، في الرسالة رقم ٣٠ التي يتحدث فيها إلى أولدنبرج عن الحرب الدائرة بين هولندا وإنجلترا، وهي الحرب التي لا يوافق عليها وعلى ما يراق فيها من الدماء: «أما أنا فلا تثير فيَّ هذه القلاقل ضحكًا ولا بكاءً؛ وإنما تدفعني إلى التفلسف وإمعان النظر في طبيعة البشر؛ إذ لست أعتقد أن من حقي أن أسخر من الطبيعة، أو أن أشكو منها، وذلك كلما فكرت في أن الناس، شأنهم شأن سائر الموجودات، ليسوا إلا جزءًا من الطبيعة، وفي أنني أجهل كيف تتفق هذه الأجزاء مع الكل وتتمشى معه، وكيف يرتبط كل جزء بالباقين … فأنا الآن أترك لكلٍّ الحرية في أن يحيا وفقًا لطبيعته …»

هذه دون شكٍّ نظريةٌ سلبية إلى ظاهرة يعترف، هو ذاته، بأنها شر، وهي الحرب، ولكنه يعزوها إلى ضعفٍ كامن في الناس لا يمكن إحداث تغيير فيه. والنظرة السلبية ترتبط — كما هو واضح من هذا النص — بتأمل الأمور في طبيعتها الضرورية؛ أي من منظور الأزل. فلا بد له، لكي يترفع عن صغائر الناس ومظاهر ضعفهم، من أن يربط كل حادث بالمجرى الضروري الأزلي للطبيعة. وهذا أمرٌ مستساغ في لحظة التحليل والتفلسف، ولكنه إذا أصبح يعبِّر عن الموقف الوحيد للفيلسوف، فإنه يؤدي إلى إنكاره لوجوده الإنساني، وكفه عن المشاركة العملية في الشئون اليومية لبقية الناس. ومن الواضح أن حياتنا العملية تقتضي نوعًا من التخلي المتعمد — مؤقتًا — عن وجهة النظر الأزلية والاهتمام من آنٍ لآخر بجزئية الحوادث، وبعالم الانفعالات بما فيه من قيم بشرية هي حقًّا لا تنتمي إلى طبيعة الأشياء، ولكنها قطعًا تعبِّر عن مشكلات أصيلة في حياة الإنسان.

ومن جهة أخرى، فصحيح أن التعقل وفهم الأسباب خطوة كبرى نحو التخلص من مشاكلنا، ولكنه ليس هو الخطوة الأخيرة؛ فالفهم والمعرفة ليسا كافيين، بل إن في الاقتصار عليهما نوعًا من السلبية، ومن الواجب أن تكملهما محاوَلةٌ للتغيير الإيجابي للظروف الخارجية؛ محاولةٌ تنتمي إلى ميدان «الفعل»، لا إلى ميدان العقل وحده.

ونستطيع أن نقول، رغم ذلك كله: إنَّ تهمة السلبية لا تنطبق على فلسفة اسپينوزا الأخلاقية كل الانطباق؛ ففي هذه الفلسفة عناصر إيجابية لا تُنكَر؛ فهو يفترق عن كثير من المذاهب الداعية إلى قعر الانفعالات بالعقل في أن هذه الدعوة لم تكن قائمة عنده على أساس من الزهد، بل إنه يؤكد على نحوٍ لا يتضمن أي لبس أن من واجب الإنسان أن يمارس كل عناصر طبيعته بقدر ما يستطيع. ولنلاحظ في هذا الصدد أن مبدأه الأساسي الذي فسر من خلاله كل مظاهر سلوك الإنسان، وهو مبدأ الاستمرار في الوجود، هو في ذاته مبدأ للفاعلية، بينما هو يعد كل ما يعوق فعل الإنسان شرًّا. وفضلًا عن ذلك فقد أكد اسپينوزا أهمية سعي الإنسان إلى نفعه الخاص، ولم ينكر أي عنصر من عناصر الحياة الحسية أو يحمل عليه إلا إذا أصبحت له الغلبة على العقل، وهو أمر لا تنكره أية فلسفة مبنية على مبدأ الفاعلية المطلقة للإنسان. وأخيرًا فقد أكد القيم الاجتماعية، كما رأينا من قبلُ، على نحوٍ لا يقبل أي جدال، وربط بصورة واضحة بين إنهاض الإنسان لحياته وبين اتصاله الاجتماعي بالآخرين، وفي ذلك قطعًا عنصر إيجابي واضح.

على أن هذا العنصر الإيجابي، الذي يتمثل في تأكيد القيم الاجتماعية، يظل مع ذلك — كما لاحظ «دودان Daudin» — معتمدًا على «البادرة الشخصية» initiative personnelle؛ ففي مذهبه، الذي تكون فيه الطبيعة سائدة في مجراها الحتمي غير عابثة بالإنسان أو مكترثة بأهدافه، لا يكون للأخلاق بأسرها أي معنى إلا من حيث تهيب بالبادرة الشخصية، التي يتضامن الناس على أساسها في المجتمع.٤١ وبعبارة أخرى: فالتضامن الاجتماعي في هذه الحالة يتخذ قوته الدافعة من الفرد ذاته، ولا بد أن يُبنى على نظام ذاتي فردي في آخر الأمر.

ومثل هذا النظام الذاتي، المستمد من وصول العقل البشري إلى أرفع مستوًى يمكنه أن يبلغه، لا يتوافر إلا للقليلين. وهكذا يضطر المرء إلى الاعتراف بأن الأخلاق عند اسپينوزا تتجه إلى القلة لا إلى الكثرة، وأنه — رغم اعترافه الكامل بطبيعة الإنسان — يفرض للأخلاقية شروطًا لا يصل إليها إلا القليلون.

وقد كانت هذه المشكلة موضوعًا للسؤال الذي ختم به «سيلڨان زاك» كتابه عن «الأخلاق عند اسپينوزا»، وأعني به: هل كان مذهب اسپينوزا الأخلاقي ديمقراطيًّا أم أرستقراطيًّا؟ فهناك قطعًا نزعة ديمقراطية تتمثل في حملته على السلطة الدينية، أيًّا كان مظهرها، وفي تأكيده أن قلب الإنسان وحده، لا أية سلطة خارجية، كفيل بأن يرشده إلى الطريق القويم، ولكن كانت هناك أيضًا نزعة أرستقراطية واضحة، تظهر في تأكيده أن وسيلة الخلاص هي المعرفة العقلية، التي لا تتوافر إلا للقليلين.٤٢
وهكذا لا يكاد المرء يجد مفرًّا من القول إن مذهب اسپينوزا الأخلاقي يتضمن نوعًا من التمييز بين أخلاق للسادة وأخلاق للعبيد. ولو تأملنا الأوصاف التي تحدَّث بها اسپينوزا عن أخلاق المذاهب اللاهوتية، بما فيها من مكافأة وثواب وعقاب ووعد ووعيد، وبما فيها من استغلال واضح لمشاعر الناس وتملُّق لانفعالاتهم، لوجدنا هذه الأوصاف تعبِّر، عنده، عن فكرة «أخلاق العبيد» بكل وضوح. وفي الوقت الذي نراه يدعو فيه عامة الناس إلى الأخذ بهذه الأخلاق؛ لأنها هي التي تصلح لهم وتكفل إرشادهم إلى الطريق السليم، نراه لا يكفُّ عن أن يؤكد أنه وجد «الخلاص» بطريق آخر، ويضع لنفسه نوعًا من «الأمر المطلق» الذي لا يمارس فيه الخير من أجل ما قد يجلبه من نتائج، بل لأنَّ «مكافأة الفضيلة هي الفضيلة ذاتها». وهو يعترف بعجز العامة عن التفكير الكفيل بربط الانفعالات بالمجرى الضروري للطبيعة، فلتكن للعامة إذن أخلاقها الخاصة، التي لا يتخلص فيها الإنسان من الانفعال إلا بانفعال آخر أقوى منه. أما الخاصة، أو «السادة»، فوسيلتها إلى الفضيلة هي المعرفة، وسعادتها في ممارسة العقل، وخلاصها في الاعتراف بالضرورة،٤٣ وتلك بالطبع مرتبة لا يصل إليها إلا القليلون؛ إذ إن أرفع الأشياء — كما قال في العبارة التي ختم بها كتاب «الأخلاق» — هي أصعبها مثلما أنها أندرها.

وهكذا مضت بنا هذه المناقشة — ذات الطابع الديالكتيكي الواضح — لمشكلة السلبية والإيجابية عند اسپينوزا، وبالتالي لمشكلة الأرستقراطية والديمقراطية في هذه الأخلاق، من تأكيد إلى تأكيد مضاد على مستوًى أرفع، وفي اعتقادنا أن الرأي السابق ليس هو — رغم المظاهر البادية — الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع. فما زال من الممكن القول إن المثل الأعلى الذي وضعه اسپينوزا للأخلاق، وهو سيادة العقل، ليس أرستقراطيًّا من جميع الأوجه، وبالتالي ليس غاية سلبية بالنسبة إلى الجزء الأكبر من البشر؛ ذلك لأن للعقل الرفيع هذه الميزة، وهي أنه إذا كان من الوجهة العملية لا يتوافر إلا للقليلين، فإنه من الوجهة النظرية يمكن أن يتوافر للجميع، بل إن المعرفة هي — نظريًّا — أقرب المثل العليا إلى متناول الجميع؛ فهي، كما قلنا، ليست كالمال ينقص كلما ازداد عدد المشاركين فيه، وإنما هي الغاية الوحيدة التي يمكن أن يشارك فيها الجميع على السواء، وتزداد آفاقها اتساعًا كلما اتسع نطاق المشاركة فيها، وصحيح أن هذا من الوجهة العملية أمر غير متحقق؛ لأن المعرفة بالفعل لا تتوافر إلا للقلة النادرة، ولكن المثل الأعلى للمعرفة هو، من حيث المبدأ، أسهل المثل العليا منالًا، مثلما أنه من الوجهة العملية أصعبها بلوغًا، وعلى أساس هذه الطبيعة الخاصة لمثال المعرفة يمكننا أن نحل المشكلة بالجمع بين طرفيها في هذا المركَّب الأعلى.

١  انظر مقدمة الباب الثالث من «الأخلاق».
٢  E, IV, 4.
٣  H. Höffding: History of Modern Philosophy. (Eng. Trans.) New York (Dover Publications) 1955. Vol. I. p. 323, 324.
٤  الرسالة رقم ٣٢ إلى أولدنبرج.
٥  Court traité, lère partie, Chap. VI §. 8, 9 & Chap X, Pensées mét. (Œuvres), p. 318.
٦  انظر مقدمة الباب الرابع من «الأخلاق».
٧  E, IV, 37, note 2.
٨  E, II, 35, note.
٩  E, II, 48.
١٠  TTP. p. 57, 58.
١١  Pensèes métaphyiques. Œuvres, p. 339.
١٢  E, III, Def. 3.
١٣  يجد القارئ في تذييل الباب الثالث من الأخلاق عرضًا ملخصًا لمجموعة الانفعالات كما وردت في قضايا هذا الباب، ويمتاز هذا العرض بأنه يتبع طريقة السرد المباشر بدلًا من الطريقة الهندسية؛ ولذلك فهو يفيد كثيرًا في تقريب تعريفاته إلى الأذهان دون مشقة.
١٤  E, III, ….
١٥  E, III, 9 & note.
١٦  E, III, App. (Def. 1).
١٧  E, III, 13, (note).
١٨  E, III, App, Def. 44.
١٩  E, IV, 41.
٢٠  E, IV, 42.
٢١  IV, App., No. 31.
٢٢  E, IV, 16.
٢٣  E, IV, 8.
٢٤  E, IV, 14.
٢٥  E, V, 3.
٢٦  E, V, 6.
٢٧  E, V, 4 (note).
٢٨  Court traité. II 2, §. 3, 4.
٢٩  E, IV, 28.
٣٠  E, IV, 50, note.
٣١  E, V, 15.
٣٢  E, IV, 32.
٣٣  E, IV, 37, note.
٣٤  E, 35.
٣٥  E, IV, 37.
٣٦  E, IV, 35, Coroll. 1.
٣٧  E, IV, 36.
٣٨  E, IV, 18, note.
٣٩  قارن هذا التعبير بالتعبير المقابل عند «هُبز Hobbes»: «الإنسان ذئب للإنسان.» ومن المؤكد أن اسپينوزا، الذي عرف فلسفة هُبز جيدًا وتأثَّر ببعض آرائها، كان يرمي في هذا النص، ولو بطريقٍ غير مباشر، إلى تأكيد اختلافه معه من وجهة النظر هذه.
٤٠  E, IV, 35, note.
٤١  Henri Daudin: La liberté de la volonté. Paris (P.U.F.) 1950. p. 130.
٤٢  Sylvain Zac: La morale de Spinoza. Paris, P.U.F. (Collection. Initiation philosophique) 1959. p. 114.
٤٣  إذا كان هذا التقسيم قريب الشبه من أخلاق السادة وأخلاق العبيد عند نيتشه، فإن فكرة الاعتراف بالضرورة — أو «الحب العقلي لله»، بالتعبير المدرسي — قد استبقت إلى حد يبعث على الدهشة فكرة «حب المصير amor fati» عند هذا الأخير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤