أعمال حرة
من وحي الأداة الحكومية
(شركة التعهُّدات والتوريدات
المتحدة. قاعة لها عدة أبواب … وبها عدة مكاتب
يجلس إلى أحدها الكاتب «عبد الموجود أفندي» … وإلى
مكتب آخر يجلس «عبد التواب أفندي» … وهناك مكتب
ثالث موضوع فوق ملفاته طربوش صاحبه
الغائب.)
عبد الموجود
(يُملي من سجل)
:
قَيِّد عندك يا سيدي، الوزن ألف طن
…
عبد التواب
(يكتب)
:
الوزن … ألف … طن … (يلتفت إلى زميله)
قُل لي يا «عبد الموجود أفندي».
عبد الموجود
(يرفع عينَيه عن
السجل)
:
نعم؟
عبد التواب
:
البضاعة …
عبد الموجود
:
ما لها البضاعة؟
عبد التواب
:
عاينتَها؟
عبد الموجود
(يشير إلى المكتب الذي
فوقه الطربوش)
:
«عاشور أفندي» قال إنه عاينها …
عبد التواب
:
وقال إنها كلها «صاغ» سليمة؟!
عبد الموجود
:
سبحان الله في طبعك يا سي عبد
التواب!
عبد التواب
:
أنا … كلُّ غرضي أن المسألة تبقى
مستورة.
عبد الموجود
:
مستورة بإذن الله … «جَمِّد
قلبك»!
عبد التواب
:
كلامي له أصل … وأنت فاهم.
عبد الموجود
:
فاهم … فاهم … اكتب يا أخي … دعنا ننتهي
الليلةَ من تحرير هذا «الكشف» (ينظر في
ساعته) الساعة الآن التاسعة … وأنت عارف
أنه ينتظرني بعد قليل موعدُ طربٍ في
«الصالة» إياها …
عبد التواب
:
لو كانت الشركة تُلطِّف قليلًا من نسبة
الفاسد في بضاعتها …
عبد الموجود
:
أتشفق على الحكومة؟!
عبد التواب
:
بل أشفق على نفسي … وعليك … علينا نحن
كلنا الذين نستلم البضاعةَ باسم الحكومة،
ونُقِر بأنها في حالةٍ جيدة، ونوقِّع على
ذلك بإمضاءاتِنا.
عبد الموجود
:
إمضاءاتُنا ليست وحدَها … يا سيدي
الفاضل … أنسيتَ أنها مُتوَّجة بإمضاءات
الوكيل والمدير والمراقب والسكرتير العام؟
… و… و… إلى آخرِه … إلى آخرِه.
عبد التواب
:
ولو فَرَضْنا أن مدير الإدارة العام خطر
له ذات يومٍ أن يحضر بنفسه عمليةَ
الاستلام؟
عبد الموجود
:
هذه العملية الطويلة العريضة! … أهذا
معقول؟ … المدير دائمًا عنده صداع …
ودائمًا عنده لجنة … وهو دائمًا يكتفي
بالنظر إلى إمضاء الوكيل … فإذا رآها
موجودةً أمضى بجوارها بكلِّ
اطمئنان.
عبد التواب
:
والوكيل؟ … افرض أنه حضر يستلم؟
عبد الموجود
:
أهذا معقول؟ … هذا الوكيل «القرفان»
دائمًا … المشغول بأخبار الترقيات، الساخط
دائمًا على المحسوبيات، التي جعلت كل من
هبَّ ودبَّ يتخطَّاه … أيمكن أن يستلم إذا
كان مزاجه رائقًا، بغير الطريقة المعروفة؟
… يطلب «ششنى» فنسرع نحن ونقدِّم إليه
«العينة» التي أعدَّتها الشركة لنا من
أجود نوع … فيُلقي عليها نظرة عابرة.
وينكب على الأوراق يوقِّع بالاستلام وهو
ينفخ دخان سيجارته بضيق وملل، ويُلقي في
وجوهنا بالورق المُمضَى، وكأنه يقول:
داهية لا ترجعكم أنتم والإدارة
والبضاعة!
عبد التواب
:
واللجنة الأخيرة؟
عبد الموجود
:
تقصد اللجنة التي شُكِّلت للاستلام في
الشهر الماضي؟ … ها أنت ذا قد رأيت بعينك
أعمالها … اجتمع حضرات الأعضاء، وشربوا
القهوة، ودخَّنوا السجاير، وتحدثوا في آخر
أخبار الصحف … وجاء لهم «عاشور أفندي»
«بالعينة» إياها … وقال لهم: «المخازن
كلها تراب يُخشى منه على الثياب.» فقال
بعض الأعضاء: «كل شيء إلا الثياب، غالية
في هذه الأيام.» … ونظر البعض الآخر في
ساعاتهم … ثم أقبلوا على «العينة» ففحصوها
بسرعة، وانتهوا جميعًا إلى أن البضاعة
جيدة، وحرَّروا المحضر بذلك وأمضوه،
وانفضَّت اللجنة قبل انصراف الدواوين
…
عبد التواب
:
كلامك مطمئن يا «عبد الموجود
أفندي».
عبد الموجود
:
اكتب … اكتب … خلصنا من هذا الكشف …
لنُصدره من هنا الليلة، ونستلمه غدًا في
الديوان.
عبد التواب
:
ولماذا هذه السرعة؟! … ضروري من تصديره
الليلة؟
عبد الموجود
:
ضروري … اكتب … الوزن ألف.
عبد التواب
:
بمناسبة الوزن … هات سيجارة لوزن دماغي
أوَّلًا.
عبد الموجود
:
لا يا سيدي … لا يا حبيبي … ليس عندنا
وقتٌ للكيف والمزاج واللعب والكسل … نحن
لسنا في مكاتبنا الحكومية … نحن هنا في
مكاتب الشركة!
عبد التواب
(يذعن وينحني على
الورق)
:
أمرك … الوزن ألف طن!
عبد الموجود
(يملي)
:
اكتب في خانة الصنف …
(يدخل بحركة سريعة أفندي
عاري الرأس هو «عاشور أفندي» وقد بدت عليه
علامات الاضطراب.)
عاشور
(هامسًا)
:
وقعنا يا جماعة.
عبد التواب
(في خوف)
:
وقعنا؟
عاشور
:
الرئيس … الرئيس الكبير … الكبير …
«سالم بك» هنا الآن مع مدير
الشركة!
عبد التواب
:
يا نهار أسود!
عبد الموجود
(لعاشور)
:
كيف عرفت؟
عاشور
:
لمحته بعيني … الآن، وأنا قادم من دورة
المياه، مررت بحجرة مدير الشركة، وكان
بابها مفتوحًا، فرأيته جالسًا مع المدير
برأسه الأصلع!
عبد التواب
(باضطراب)
:
هو بعينه!
عبد الموجود
:
وماذا جاء يصنع هنا الآن؟
عاشور
:
يضبطنا بلا شك … لا بد أنه وصلت إليه
شكوى في حقنا من عدوٍّ أو حسودٍ!
عبد التواب
:
يضبطنا؟
عاشور
:
متلبسين على مكاتب الشركة.
عبد الموجود
:
متلبسين بماذا؟ … ما هذا الكلام يا
«عاشور أفندي»؟
عاشور
:
الكلام المضبوط! … حضراتنا بالنهار من
موظفي الحكومة، وبالليل من موظفي شركة
التعهدات والتوريدات المتحدة الملتزمة
بتوريد بضائع للحكومة … أي إننا نصدر في
المساء باسم الشركة ما نتسلمه في الصباح
باسم الحكومة.
عبد التواب
:
والعمل الآن؟
عبد الموجود
:
صبرًا … صبرًا … هل من المعقول أن جناب
مدير الشركة يكشف أمرنا للرئيس الكبير
بهذه السهولة؟
عاشور
:
ومن قال إنه سيكشف أمرنا … إنه لا شك
يراوغه الآن ويماطله ويزيل كلَّ ريبةٍ
بلباقته المعروفة … ولكن الخوف أن يطلب
سعادة الرئيس تفتيش المكاتب بنفسه … فيأتي
هنا ويرانا.
عبد التواب
:
والحل؟
عاشور
:
الحل هو أن نتسلل الآن من هنا هاربين …
وإذا سألونا غدًا ننكر كلَّ
الإنكار.
عبد الموجود
:
ننكر ماذا؟ … نحن نشتغل في أوقات فراغنا
بالأعمال الحُرَّة.
عاشور
:
ممنوع … القانون المالي لا يسمح.
عبد الموجود
:
القانون المالي لا يسمح بالشغل ويسمح
باللعب؟ لعب الطاولة على المقاهي من
الساعة الرابعة بعد الظهر إلى منتصف
الليل؟
عاشور
:
لا تتفلسف يا «عبد الموجود» الموقف الآن
حَرِج … ولو ضبطونا وحقَّقوا معنا وتشعَّب
التحقيق وراجعوا الأوراق وجرَّدوا
المخازن، لكان مصيرنا كما تعلم … لا مجلس
تأديب ولا مجلس مخصوص … بل «قره ميدان»
و«أبو زعبل»!
عبد التواب
(يثب من مقعده
فزعًا)
:
لطفك يا رب!
عبد الموجود
:
انتظر يا «عبد التواب» … إلى
أين؟
عبد التواب
:
أخلص بجلدي … سلامٌ عليكم.
(ينصرف مسرعًا من أحد
الأبواب.)
عاشور
:
عين العقل فيما فعل … وأنا «شرحه» …
(يتناول طربوشه من فوق مكتبه ويضعه على
رأسه) سلامٌ عليكم! (ينصرف خلف زميله.)
عبد الموجود
(ينهض)
:
وهل أنا وحدي المستغني عن عمري؟! …
(يتجه إلى أحد الأبواب ويهمس بحذر) إدريس!
… يا إدريس!
(يدخل الفراش
«إدريس».)
إدريس
:
أفندم!
عبد الموجود
:
جناب المدير … معه أحد؟
إدريس
:
معه بك كبير من الحكومة.
عبد الموجود
:
تمام … اسمع يا إدريس … أنا منصرف …
كلنا انصرفنا. إذا سأل عنَّا جناب المدير،
قل له إننا خرجنا جميعًا من هنا الآن
لظرفٍ طارئ … وهو سيفهم.
إدريس
:
حاضر.
عبد الموجود
(وهو منصرف)
:
من فضلك يا «إدريس» … أدخلْ كل هذه
الأوراق في «أدراج» المكاتب … سلامٌ
عليكم. (ينصرف بسرعة.)
إدريس
:
سلام ورحمة الله! … (يتجه إلى المكاتب
ويأخذ في إدخال الأوراق في
أدراجها.)
(يُسمَع صوتٌ نسائيٌّ في
الخارج ينادي: «إدريس!» … فيُجيب هو: «أفندم»
ولا تلبث أن تظهر «سهام» وهي امرأةٌ في مقتبل
العمر تدخل مسرعةً وفي حركاتها دلالٌ
مصطنع.)
سهام
:
من هناك مع المدير؟
إدريس
:
بك كبير من الحكومة.
سهام
:
سالم بك طبعًا … حسنًا فعلتُ بعدم دخولي
هناك مباشرةً … وما الذي جاء «بسالم بك»
الليلةَ في هذه الساعة المبكرة؟!
إدريس
:
لا أعرف يا «ست سهام».
سهام
:
أرجوك يا «إدريس» … نادِ لي المدير هنا
سرًّا … أريد أن أقول له كلمتين على
انفراد.
إدريس
(وهو ذاهب)
:
حاضر.
سهام
:
اسمع يا «إدريس» … كلِّمه في أذنه …
وإذا قال لك: «تتفضل» … فقل له إني لا
أريد أن أتفضل … فليأتِ هو إلى هنا وإلا
انصرفت.
إدريس
:
حاضر …
(يخرج.)
سهام
(تُخرج من حقيبة يدها
قطعةَ لبانٍ تضعها في فمها، وتمضغها،
وتسير في الحجرة «تدندن» بأغنيةٍ معروفةٍ
… ثم تشغل نفسها بقراءة غلاف ملفٍّ موضوعٍ
فوق مكتب)
:
شركة التعهُّدات والتوريدات المتحدة …
(تضحك) هئ … هئ … هئ.
(المدير يدخل على
عجل.)
المدير
:
ضحكتك المعروفة!
سهام
:
«ماركة» مسجلة يا نور عيني.
المدير
:
«سالم بك» … منتظر في مكتبي.
سهام
:
عندك شغل؟
المدير
:
أبدًا … ليس عندي غير «سالم بك»!
سهام
:
أليس هذا من الشغل؟! … هئ … هئ …
هئ!
المدير
:
قلت لك يا «سهام»: اقتصدي قليلًا في هذه
الضحكة.
سهام
:
أقتصد؟ … إن شاء الله أقتصد عندما أفتح
شركة!
المدير
:
لن تفتحي حتى ولا زجاجة «شمبانيا» … نحن
نعيش اليوم في عصر المظاهر … يجب أن تظهري
بمظهر السيدة المحترمة جدًّا، إذا أردتِ
أن يرتفع سعرك جدًّا.
سهام
:
سعري مرتفع جدًّا ولله الحمد … صوتي
يُدفع فيه ذهبٌ أحمر … مع أني مطربةٌ
ناشئة … ولكنك أنت الذي تبخسني قدري …
لأنك رجل أعمال … ابن سوق … معتاد أن
تشتري البضاعة بالرخيص، وتبيعها
بالغالي!
المدير
:
خرجنا عن الموضوع.
سهام
:
أي موضوع؟
المدير
:
«سالم بك» … منتظر في مكتبي.
سهام
:
منتظر من؟
المدير
:
منتظرنا … هلمي بنا.
سهام
:
وما دخلي أنا؟ … منتظرك أنت … لأن بينك
وبينه الأعمال والأشغال!
المدير
:
أي أعمال وأي أشغال؟! … «سالم بك» صديقي
… ليس إلا.
سهام
:
وأنا مطربةٌ ليس إلا.
المدير
:
اتفقنا.
سهام
:
لا … لم نتفق!
المدير
:
أيوجد بيننا خلاف؟
سهام
:
بسيط … أولًا أنا مشغولة الليلة في حفلة
غنائية …
المدير
:
في منزلي؟
سهام
:
لا يا سيدي المدير، بل في صالة من
الصالات الكبرى.
المدير
:
هذا غير صحيح … أنتِ الآن خالية
شغل.
سهام
:
هبط عليَّ اليوم الشغل!
المدير
:
ولكنكِ مرتبطة معي، ولا يمكن أن
تتخلَّفي الليلة عن الحضور!
سهام
:
جئت الآن لأعتذر.
المدير
:
مستحيل! … هذا غير مقبول، لقد دعوت
«سالم بك» … ووجودك يسرُّه كما تعلمين،
وقد حضر مبكرًا إلى مكتبي هنا مباشرة؛
ليستشف من خلال الحديث ما إذا كنت
ستحضرين؛ لأن تصرُّفكِ معه في الليلة
الماضية كان في منتهى القسوة.
سهام
:
قسوة؟ … هئ … هئ … هئ (تتذكر وتكف فجأة)
لا مؤاخذة … «باردون» والقسوة المذكورة
هذه، كيف كانت؟ … كسرت له «طقم» أسنانه؟ …
وضعت أصابعي في زجاج عويناته؟ … نتفت له
شعر رأسه؟
المدير
:
طلب بسيط، طلبه منكِ بكل رِقَّة … أن
تعيدي الأغنية التي يحبها منك، فما كان من
حضرتك إلا أن انسحبت وخرجت من البيت بدون
سلام ولا كلام.
سهام
:
طبعًا … لأن سالم بك «بسلامته» لم يكن
يهمه الغناء ولا الأغنية … بل كل همه أن
يتغزَّل في قوامي … والكأس في يده!
المدير
:
وهل الغزل حرام؟!
سهام
:
لا … حلال يا فضيلة الأستاذ
المدير!
المدير
:
سهام! … لا داعي للمداورة والمناورة …
أنا أفهمك وأنت تفهمينني … قولي لي بكل
اختصار …
سهام
:
نعم … أقول لك بكل اختصار: «سالم بك»
هذا يهمك أمره طبعًا.
المدير
:
صديقي.
سهام
:
صديقك باعتبارك مدير شركة توريدات.
وباعتباره من كبار موظفي الحكومة!
المدير
:
ماذا تقصدين؟
سهام
:
هناك صفقة مشتريات تهمُّ الشركة … لقد
بلغت مسامعي أشياء … ولا لزوم
للإفصاح.
المدير
:
أأنتِ ممن يصدقون الإشاعات؟
سهام
:
هذه على كل حال مسائل لا تخصني.
المدير
:
نعم، فلنتكلم فيما يخصك.
سهام
:
تريد أن أحضر الليلة؟
المدير
:
ضروري.
سهام
:
وأن أكون غير «قاسية»؟
المدير
:
ضروري!
سهام
:
وما مصلحتي في التظرُّف مع … «سالم بك»
هذا؟
المدير
:
رجل له نفوذ … ربما ساعدك وتوسَّط
لك.
سهام
:
توسط لي؟ … في ماذا؟
المدير
:
في أن تكوني … مثلًا … مطربة في
الإذاعة!
سهام
:
تسمعون الآن … «الآنسة سهام». هئ … هئ …
هئ لا مؤاخذة … نسيت … «باردون»!
المدير
:
أمامك مستقبل … لا تضيِّعيه … توسلي
بقليل من حسن التصرف … واللباقة، وحسن
المعاملة.
سهام
:
العملة؟
المدير
:
المعاملة … حسن المعاملة!
سهام
:
نعم … كلمني في صنف «المعاملة»!
المدير
:
نصيحة يا «سهام» … خذي نصيحة من رجل يحب
لك النجاح … لا تفكري كثيرًا في مصلحتك
المادية … المادة شيء رخيص … فكري قبل كل
شيء في أن تكوني لطيفة مع الناس … رقيقة …
مؤدبة … مهذبة محببة إلى النفوس … رجل مثل
«سالم بك» يستلطفك … لماذا لا تعاملينه
بالمثل؟ …
سهام
:
تريد أن أستلطفه؟
المدير
:
ضروري.
سهام
:
ومن الذي يدفع ثمن هذا
الاستلطاف؟
المدير
:
تطلبين له ثمنًا؟!
سهام
(مقلدة صوته)
:
ضروري.
المدير
(يائسًا منها)
:
أف! … فليكن … أمرك يا ست
«سهام»!
سهام
:
أنت على كل حال لن تغرم شيئًا من
جيبك.
المدير
:
من جيب مَن إذن؟
سهام
:
الشركة.
المدير
:
من قال لك ذلك؟
سهام
:
البركة في بند «الإكراميات» يا نور
عيني.
المدير
:
عجيبة! … ما كل هذه المعلومات؟!
سهام
:
أراهن … لو فتشت جيوبك الآن، لأخرجت
منها جواهر؟!
المدير
:
جواهر؟!
سهام
:
تُنكر أن في جيوبك الساعة أساور؟
المدير
:
أساور؟ … كيف عرفتِ؟
سهام
:
الليلة الماضية … لمحتُ سوارًا ذهبيًّا
بديعًا يخرج في يدك، وأنت تُخرج منديلك من
جيبك، فأسرعت تدسُّه وتخفيه … حتى لا
أراه!
المدير
:
آه … وأسرعتِ أنتِ بالانسحاب والخروج
حتى تتدللي!
سهام
:
هو في جيبك الآن؟
المدير
:
ربما … نسيته في جيبي هو على كل حال
«عينة».
(يدسُّ يده في أحد الجيوب
ويخرج سوارًا.)
سهام
(صائحة في فرح)
:
ها هو ذا … أرني.
المدير
:
أستأخذينه؟
سهام
:
تستخسره فيَّ؟ … تستكثره عليَّ؟
المدير
:
يعجبك؟
سهام
(وهي تتأمَّله في
يدها)
:
بديع … وإن كان يُخيَّل إليَّ أنه ليس
هو بالضبط الذي رأيته في يدك البارحة …
الآخر كان أضخم قليلًا … وأغلى نوعًا أليس
كذلك؟ … ولكن هذا لا بأس به، سوارٌ في يدي
خيرٌ من عشرة في جيبك … (تضعه في معصمها)
انظر … إنه لائق عليَّ.
المدير
:
مبروك عليك.
سهام
:
متشكرة … لقد أعطاني مظهرَ السيدة
المحترمة المهذبة الرقيقة المؤدبة … أليس
كذلك؟
المدير
:
بدون شك … اذهبي وأريه ﻟ «سالم بك» وهو
يلمع هكذا في معصمك …
سهام
:
فكرة!
المدير
:
سألحق بكما بعد قليل!
سهام
:
خُذ راحتك! … وأرسل «إدريس» إليَّ
بفنجان قهوة وعلبة سجاير؛ ليتم لي المزاج
الرايق … عقبى لك! … هئ … هئ …
«باردون»!
(تخرج سهام … ويتجه المدير
إلى المكاتب، ويقلب بعض الملفات التي تُركت
فوقها.)
المدير
(مناديًا)
:
إدريس! … إدريس!
إدريس
(يدخل بسرعة)
:
أفندم.
المدير
(مشيرًا إلى
المكاتب)
:
الأفندية! … أين الأفندية؟
إدريس
:
خرجوا … خرجوا … وقالوا إن جنابك
فاهم.
المدير
:
فاهم … فاهم ماذا؟
إدريس
:
فاهم السبب … سبب خروجهم.
المدير
:
أبدًا … أنا غير فاهم وكشوف التصدير …
هل أعدوها؟
إدريس
:
لا أعرف يا جناب المدير!
(جرس الباب الخارجي يرن
بشدة.)
المدير
:
الباب!
إدريس
(صائحًا وهو يخرج
بسرعة)
:
حاضر.
المدير
(ينظر في
ساعته)
:
من القادم الآن؟ … (يعود إلى الملفات
ويقلبها باحثًا منقبًا.)
إدريس
(يدخل)
:
ست تقول إنها حرم «سالم بك»!
المدير
(يلتفت
كالمذعور)
:
حرم سالم بك؟ … خبر أسود … أين هي؟ …
أين هي؟
إدريس
:
في البهو … أدخلها في مكتب
جنابك!
المدير
(كالمخاطب
نفسه)
:
مكتب جنابي؟ … هل جننت؟ … هناك «سالم
بك» مع …
إدريس
:
أول كلمة قالتها الست سألت عن «سالم»
…
المدير
(بقلق)
:
وبماذا أجبتها أنت؟
إدريس
:
سألتها من حضرتك … فقالت: حرمه!
المدير
:
وهل أخبرتها أن «سالم بك» موجود هنا …
في مكتبي؟
إدريس
:
لا … قلت لها فقط: انتظري دقيقة من
فضلك. وجئت أبلغ جنابك.
المدير
:
أحسنت … أحسنت يا إدريس … اسمع قل للست
… تتفضَّل هنا … قل لها … تفضلي قابلي
المدير.
إدريس
(يخرج مسرعًا)
:
حاضر!
المدير
:
ما هذه الورطة؟
(يقف مفكرًا فيما ينبغي أن
يفعل، ولا يلبث «إدريس» أن يظهر وخلفه سيدة
قاربت الأربعين … عليها سيما الاحترام فيتركها
أمام المدير ويخرج هو في الحال.)
المدير
:
أهلًا وسهلًا يا هانم.
الهانم
:
حضرتك مدير الشركة؟
المدير
:
في خدمتك يا هانم.
الهانم
:
هل لك معرفة بزوجي «سالم بك»؟!
المدير
:
ومن يجهل «سالم بك»؟ … إنه من الشخصيات
البارزة في البلد.
الهانم
:
أقصد معرفة خاصة … علاقة خاصة.
المدير
:
إنه يا هانم شرف!
الهانم
:
بالعكس … ليس في الموضوع شرف على
الإطلاق.
المدير
(بقلق)
:
ماذا تقصدين؟
الهانم
:
مسألة السهرات التي في بيتك.
المدير
:
سهرات؟
الهانم
:
مهما يحاول الزوج أن يخفي مثل هذه
الأشياء عن زوجته، فإن حقيقتها تظهر لها
بدون أن يشعر.
المدير
:
لا بد في الأمر سوء تفاهمٍ يا
هانم.
الهانم
(بحدة)
:
في الأمر امرأة.
المدير
:
امرأة؟
الهانم
:
نعم … ولا بد أن أعرف من هي؟
المدير
(يبلع ريقه)
:
ربما كانت يا هانم … إشاعة من إشاعات
السوء.
الهانم
:
ليست إشاعة … لأني رأيت بعيني في جيبه
منديلًا نسائيًّا به أثر أحمر … «روج»
شفاه … بعد عودته متأخرًا ثملًا مما يسميه
حفلة الشركة … وسمعت بأذني حديثه معك
بالتليفون اليوم، وهو يشير إلى هرب
«البضاعة» في الليلة الماضية.
المدير
:
البضاعة؟ … طبعًا البضاعة هي البضاعة …
التي توردها الشركة للحكومة. وزوج حضرتك
طبعًا له مركزه في الحكومة.
الهانم
:
وكيف يمكن أن تُهرَّب «هذه البضاعة» في
الليلة الماضية، وتنسى منديلها؟
المدير
:
تنسى منديلها؟
الهانم
:
ألم يقُل لك ذلك بالحرف الواحد اليوم في
التليفون؟ … ثق أنه ليس من عادتي أن أسترق
السمع … ولكن رؤيتي ذلك المنديل في جيبه …
جعلتني أفطن … وألتفت على الرغم مني إلى
ذلك الحديث التليفوني المرتب!
المدير
:
لعله مزاح يا هانم … أنا شخصيًّا لا
أذكر … ولم آخذ الكلام على سبيل
الجد.
الهانم
:
وهذا المنديل … أهو مزاح أم جد؟
المدير
(يبلع ريقه)
:
المنديل؟ … أين هو؟
الهانم
:
لم أمسسه بيدي … تركته له في جيبه … ولم
أخبره أني رأيت شيئًا أو سمعت شيئًا، حتى
هذه اللحظة … لأني أريد أن أضبطه
بنفسي.
المدير
(في قلق شديد)
:
مفهوم.
الهانم
:
إنك تعرف بالطبع أين هو الآن؟
المدير
:
و… وحضرتك تعرفين؟
الهانم
:
إني أسألك أنت؛ لأنه يجب أن يقابلك
الليلة … أليس كذلك؟
المدير
(في ارتباك)
:
إني … إنه … لا تؤاخذيني … بالي الآن
مشغول بمسألة المنديل … ألا يكون قد سقط
من إحدى المدعوات … وأراد «سالم بك» أن
يجعل من الأمر دعابة بريئة؟!
الهانم
:
أوَكانت هناك مدعواتٌ كثيراتٌ؟
المدير
:
طبعًا في حفلة الشركة سيدات محترمات …
جدًّا … زوجات حضرات أعضاء مجلس الإدارة …
بهذه المناسبة … الشركة بالتأكيد كان
يسرها دعوة حضرتك … لكن … خشينا أن يكون
في ذلك إزعاجٌ … أو عدمُ موافقة
لرغبتك.
الهانم
:
شكرًا.
المدير
:
ثقي يا هانم أن «سالم بك» رجل جد … وفي
غاية الاستقامة … ويستحق أن تمنحيه كلَّ
ثقتك بدون قيد ولا شرط …
الهانم
:
أتقسم أن سلوك زوجي لا غبار
عليه؟!
المدير
:
غبار؟! … إنه النظافة المجسمة … إنه
الطهارة المصوَّرة.
الهانم
:
ألم يغازل امرأة؟
المدير
:
امرأة … إنه قديس، زوجكِ يا سيدتي
قديس!
الهانم
:
أتحلف بشرفك؟
المدير
(متحمسًا)
:
أحلف بشرفي.
(عندئذٍ يُسمع في الخارج
صوتُ ضحكة «سهام» … وهي قادمة مقتربة.)
الهانم
:
ما هذا؟!
المدير
(يتنحنح
مرتبكًا)
:
هذا …
سهام
(تدخل وهي تقود «سالم
بك» من يده)
:
هئ … هئ … قل له رأيك يا «سالم بك»، قل
له رأيك الجميل اللطيف … (تقف فجأة) لا
مؤاخذة … «باردون»!
سالم بك
(لزوجته
مأخوذًا)
:
أنتِ؟
الهانم
(بهدوء متكلف)
:
مفاجأة؟!
المدير
(يتصنع
الابتسام)
:
مفاجأة ظريفة!
الهانم
(ببرود)
:
ظريفة جدًّا … (تشير إلى «سهام»
مستفسرة) حضرتها؟
سهام
:
وحضرتكِ أنتِ يا نور العين؟
المدير
(مسرعًا)
:
حضرتها الست … حرم «سالم بك».
سهام
(كالمخاطبة نفسها وهي
مأخوذة)
:
حرمه! … يا خبر! … خبر أبيض … أبيض
جدًّا. (تحييها برأسها!)
سالم بك
(لزوجته)
:
ما هي … المناسبة؟
الهانم
(لزوجها مشيرة إلى
«سهام»)
:
من هذه؟
المدير
(متدخلًا
بسرعة)
:
هذه … هذه زوجتي!
الهانم
:
زوجة حضرتك؟
المدير
:
معذرة يا هانم … تأخرت قليلًا في
تقديمها إليك؛ لأني … ظننت أنك
تعرفين.
الهانم
(وقد هدأت
قليلًا)
:
لم أكن أعرف … ولكن يسرني بالطبع أن
أعرف.
المدير
(يغمز «سهام»
المشدوهة)
:
حيي ضيفتك.
سهام
:
تشرفنا يا هانم!
المدير
:
زوجتي خجولة … وكلامها قليل … وقد جاءت
إلى مكتبي الآن وهي في طريقها … كما يحدث
عادة … وكانت على وشك الانصراف إلى بيتها
… (يلتفت إلى «سهام») أليس كذلك؟
سهام
:
كذلك.
سالم
(للمدير)
:
ولما جاءت مكتبك، وجدتني هناك في
انتظارك … فأتت بي إلى هنا.
المدير
:
حسنًا فعلت.
الهانم
(لسهام)
:
عند دخولك تحدثت عن رأي «سالم» الجميل
اللطيف … رأيه في ماذا يا ترى؟
سهام
:
في هذا السوار … المُهدى إليَّ … من …
(تشير إلى المدير.)
الهانم
:
هدية من زوجك … (تنظر إلى السوار من
بُعد.)
المدير
:
ما رأي «سالم بك» فيه؟
سهام
:
قال إنه … جنان … خصوصًا على … هئ … هئ
… (تقف فجأة وتتدارك هامسة:)
«باردون»!
الهانم
(مأخوذة لضحكة
«سهام»)
:
خصوصًا على مَن؟
المدير
(مستاء من الضحكة
يتدارك)
:
خصوصًا … على لا شيء … زوجتي أحيانًا
تحب المبالغة والمزاح والضحك.
سالم
:
خصوصًا على بساطته … هكذا قلت.
المدير
:
نعم … نعم حقًّا … على بساطته تراه في
غاية اللطف والإبداع!
الهانم
(لسهام)
:
تسمحين؟ … أتفرج؟
سهام
(تبادر وتقدم
معصمها)
:
تفضَّلي.
الهانم
(وهي تفحصه)
:
فعلًا … جميل.
المدير
:
يعجبك يا هانم؟
الهانم
:
يعجب كل إنسان.
المدير
(يخرج من جيبه سوارًا
آخر)
:
وما قولكِ في هذا؟
الهانم
(تتناوله
وتفحصه)
:
آه … هذا شيء آخر.
المدير
:
أيهما تفضلين؟
الهانم
(تشير إلى الذي
معها)
:
طبعًا هذا أغلى فيما أظن.
المدير
:
زوجتي فضَّلت هذا الذي في
معصمها.
سهام
:
أنا؟!
المدير
(يغمزها)
:
نعم … لأنه لائق عليك أنت … أليس
كذلك؟
سهام
(في إذعان)
:
كذلك!
المدير
:
ولكن هذا يليق عليك أنت يا هانم.
الهانم
(تقربه من
معصمها)
:
أتعتقد؟
المدير
:
ضعيه في معصمكِ يا هانم.
الهانم
(تضعه في معصمها
وتتأمله بإعجاب شديد)
:
الحق … هذا سوار بمعنى الكلمة!
المدير
:
مبروك عليك!
الهانم
:
ماذا تقول؟
المدير
:
أقول مبروك عليكِ يا هانم!
سهام
(في غيظ مكتوم)
:
نصيبكِ يا هانم … مكتوب لكِ يا هانم …
من قسمتكِ يا هانم … كل شيء قسمة ونصيب يا
هانم!
الهانم
(وهي تحاول خلع السوار
باسمة)
:
هذا مزاح طبعًا.
المدير
:
لا … لا … لا تخلعيه … المسألة جد … هذا
السوار كان «عينة» … لكن ما دام قد أعجبكِ
فلن يخلع من يدك.
الهانم
:
ما هذا الكلام؟! … بأي صفة أقبله
وأبقيه؟
المدير
:
هذا شيء زهيد … يمكن خصم ثمنه من
الدَّين الذي علينا ﻟ «سالم بك».
الهانم
:
أي دَين لسالم بك عليكم؟!
المدير
:
ألا تعرفين يا هانم أن «سالم بك» في حكم
المستشار للشركة؟
الهانم
(لزوجها)
:
أصحيح هذا يا «سالم»؟
سالم بك
:
هذا موضوع لم يزل في حيز
التفكير.
الهانم
:
حقًّا … سبق أن قلت لي إنك تفكر في شيء
كهذا.
المدير
:
إننا نحاول إقناعه أن يقبل تعيينه عضوًا
في مجلس إدارة الشركة.
الهانم
(وهي تتأمل السوار في
معصمها)
:
ولمَ لا؟ … أيوجد ما هو خير من «أعمال
الشركات»؟
المدير
:
أقنعيه يا هانم!
الهانم
:
لماذا لا تقبل ذلك يا «سالم»؟
سالم
:
إن شاء الله بعد إحالتي إلى
المعاش.
المدير
:
إنه على كل حال يعتبر منذ الآن من أركان
الشركة.
الهانم
:
هذا شيءٌ يسرني يا حضرة المدير.
سالم
:
ولكن هذا عمل يحتاج إلى مجهود
وسهر.
الهانم
:
الحياة يا «سالم» كلها جهد وسهر!
سالم
:
إنكِ تظنين أني أقضي ليلي في ولائم
وحفلات … ولعلي تركتكِ تفهمين ذلك، حتى لا
أجعلكِ تقلقين على صحتي … لكن اسألي حضرة
المدير!
المدير
:
الواقع يا هانم أن زوجكِ يقضي الكثير من
لياليه وساعات فراغه في إفادة الشركة
بخبرته وكفاءته!
الهانم
(وهي تحرك السوار في
معصمها)
:
وأي بأسٍ يا «سالم» في أن تستغلَّ خبرتك
وكفاءتك في عمل إضافي؟
سالم
:
أردت أن أخفي عنكِ هذا الجهد … فقلت لكِ
إني الليلة معزوم … لكن اسألي حضرة
المدير!
المدير
:
كان معزومًا حقًّا … ولكن على قراءة
أرقام وتقارير وكشوف …
الهانم
:
لقد أضعت وقتكم إذن … إني آسفة … اسمحوا
لي إذن أن أنصرف سريعًا.
سالم
:
أنصرف أنا معكِ أيضًا الليلة … إذا سمح
المدير.
الهانم
:
لا … لا … ابقَ أنت يا «سالم» لعملك …
لن أغريك بالكسل … بعد اليوم … (تمدُّ
يدها إلى «سهام») مساء الخير يا مدام …
(ثم تمد يدها إلى المدير) مساء الخير يا
حضرة المدير … إني شاكرة لك هذه الهدية
الثمينة.
المدير
(وهو يشيعها)
:
حصل لنا الشرف يا «هانم» … أرجوكِ أن
توصي دائمًا سالم بك أن يهتم بنا.
الهانم
(وهي منصرفة)
:
اطمئن … لن يهتمَّ بعد الآن إلا بعمله
الحر … ولا شيء غير عمله الحر!
(تخرج الهانم ويخرج خلفها
المدير و«سالم بك» ليُشيعاها إلى الباب
الخارجي، بينما تقف «سهام» تشيعها
بالنظرات.)
سهام
:
عمله الحر؟! … حر جدًّا! (تضحك ضحكة
مستطيلة هذه المرة) هي هي هي هئ!
(ستار)