أعمال حرة

من وحي الأداة الحكومية

(شركة التعهُّدات والتوريدات المتحدة. قاعة لها عدة أبواب … وبها عدة مكاتب يجلس إلى أحدها الكاتب «عبد الموجود أفندي» … وإلى مكتب آخر يجلس «عبد التواب أفندي» … وهناك مكتب ثالث موضوع فوق ملفاته طربوش صاحبه الغائب.)

عبد الموجود (يُملي من سجل) : قَيِّد عندك يا سيدي، الوزن ألف طن …
عبد التواب (يكتب) : الوزن … ألف … طن … (يلتفت إلى زميله) قُل لي يا «عبد الموجود أفندي».
عبد الموجود (يرفع عينَيه عن السجل) : نعم؟
عبد التواب : البضاعة …
عبد الموجود : ما لها البضاعة؟
عبد التواب : عاينتَها؟
عبد الموجود (يشير إلى المكتب الذي فوقه الطربوش) : «عاشور أفندي» قال إنه عاينها …
عبد التواب : وقال إنها كلها «صاغ» سليمة؟!
عبد الموجود : سبحان الله في طبعك يا سي عبد التواب!
عبد التواب : أنا … كلُّ غرضي أن المسألة تبقى مستورة.
عبد الموجود : مستورة بإذن الله … «جَمِّد قلبك»!
عبد التواب : كلامي له أصل … وأنت فاهم.
عبد الموجود : فاهم … فاهم … اكتب يا أخي … دعنا ننتهي الليلةَ من تحرير هذا «الكشف» (ينظر في ساعته) الساعة الآن التاسعة … وأنت عارف أنه ينتظرني بعد قليل موعدُ طربٍ في «الصالة» إياها …
عبد التواب : لو كانت الشركة تُلطِّف قليلًا من نسبة الفاسد في بضاعتها …
عبد الموجود : أتشفق على الحكومة؟!
عبد التواب : بل أشفق على نفسي … وعليك … علينا نحن كلنا الذين نستلم البضاعةَ باسم الحكومة، ونُقِر بأنها في حالةٍ جيدة، ونوقِّع على ذلك بإمضاءاتِنا.
عبد الموجود : إمضاءاتُنا ليست وحدَها … يا سيدي الفاضل … أنسيتَ أنها مُتوَّجة بإمضاءات الوكيل والمدير والمراقب والسكرتير العام؟ … و… و… إلى آخرِه … إلى آخرِه.
عبد التواب : ولو فَرَضْنا أن مدير الإدارة العام خطر له ذات يومٍ أن يحضر بنفسه عمليةَ الاستلام؟
عبد الموجود : هذه العملية الطويلة العريضة! … أهذا معقول؟ … المدير دائمًا عنده صداع … ودائمًا عنده لجنة … وهو دائمًا يكتفي بالنظر إلى إمضاء الوكيل … فإذا رآها موجودةً أمضى بجوارها بكلِّ اطمئنان.
عبد التواب : والوكيل؟ … افرض أنه حضر يستلم؟
عبد الموجود : أهذا معقول؟ … هذا الوكيل «القرفان» دائمًا … المشغول بأخبار الترقيات، الساخط دائمًا على المحسوبيات، التي جعلت كل من هبَّ ودبَّ يتخطَّاه … أيمكن أن يستلم إذا كان مزاجه رائقًا، بغير الطريقة المعروفة؟ … يطلب «ششنى» فنسرع نحن ونقدِّم إليه «العينة» التي أعدَّتها الشركة لنا من أجود نوع … فيُلقي عليها نظرة عابرة. وينكب على الأوراق يوقِّع بالاستلام وهو ينفخ دخان سيجارته بضيق وملل، ويُلقي في وجوهنا بالورق المُمضَى، وكأنه يقول: داهية لا ترجعكم أنتم والإدارة والبضاعة!
عبد التواب : واللجنة الأخيرة؟
عبد الموجود : تقصد اللجنة التي شُكِّلت للاستلام في الشهر الماضي؟ … ها أنت ذا قد رأيت بعينك أعمالها … اجتمع حضرات الأعضاء، وشربوا القهوة، ودخَّنوا السجاير، وتحدثوا في آخر أخبار الصحف … وجاء لهم «عاشور أفندي» «بالعينة» إياها … وقال لهم: «المخازن كلها تراب يُخشى منه على الثياب.» فقال بعض الأعضاء: «كل شيء إلا الثياب، غالية في هذه الأيام.» … ونظر البعض الآخر في ساعاتهم … ثم أقبلوا على «العينة» ففحصوها بسرعة، وانتهوا جميعًا إلى أن البضاعة جيدة، وحرَّروا المحضر بذلك وأمضوه، وانفضَّت اللجنة قبل انصراف الدواوين …
عبد التواب : كلامك مطمئن يا «عبد الموجود أفندي».
عبد الموجود : اكتب … اكتب … خلصنا من هذا الكشف … لنُصدره من هنا الليلة، ونستلمه غدًا في الديوان.
عبد التواب : ولماذا هذه السرعة؟! … ضروري من تصديره الليلة؟
عبد الموجود : ضروري … اكتب … الوزن ألف.
عبد التواب : بمناسبة الوزن … هات سيجارة لوزن دماغي أوَّلًا.
عبد الموجود : لا يا سيدي … لا يا حبيبي … ليس عندنا وقتٌ للكيف والمزاج واللعب والكسل … نحن لسنا في مكاتبنا الحكومية … نحن هنا في مكاتب الشركة!
عبد التواب (يذعن وينحني على الورق) : أمرك … الوزن ألف طن!
عبد الموجود (يملي) : اكتب في خانة الصنف …

(يدخل بحركة سريعة أفندي عاري الرأس هو «عاشور أفندي» وقد بدت عليه علامات الاضطراب.)

عاشور (هامسًا) : وقعنا يا جماعة.
عبد التواب (في خوف) : وقعنا؟
عاشور : الرئيس … الرئيس الكبير … الكبير … «سالم بك» هنا الآن مع مدير الشركة!
عبد التواب : يا نهار أسود!
عبد الموجود (لعاشور) : كيف عرفت؟
عاشور : لمحته بعيني … الآن، وأنا قادم من دورة المياه، مررت بحجرة مدير الشركة، وكان بابها مفتوحًا، فرأيته جالسًا مع المدير برأسه الأصلع!
عبد التواب (باضطراب) : هو بعينه!
عبد الموجود : وماذا جاء يصنع هنا الآن؟
عاشور : يضبطنا بلا شك … لا بد أنه وصلت إليه شكوى في حقنا من عدوٍّ أو حسودٍ!
عبد التواب : يضبطنا؟
عاشور : متلبسين على مكاتب الشركة.
عبد الموجود : متلبسين بماذا؟ … ما هذا الكلام يا «عاشور أفندي»؟
عاشور : الكلام المضبوط! … حضراتنا بالنهار من موظفي الحكومة، وبالليل من موظفي شركة التعهدات والتوريدات المتحدة الملتزمة بتوريد بضائع للحكومة … أي إننا نصدر في المساء باسم الشركة ما نتسلمه في الصباح باسم الحكومة.
عبد التواب : والعمل الآن؟
عبد الموجود : صبرًا … صبرًا … هل من المعقول أن جناب مدير الشركة يكشف أمرنا للرئيس الكبير بهذه السهولة؟
عاشور : ومن قال إنه سيكشف أمرنا … إنه لا شك يراوغه الآن ويماطله ويزيل كلَّ ريبةٍ بلباقته المعروفة … ولكن الخوف أن يطلب سعادة الرئيس تفتيش المكاتب بنفسه … فيأتي هنا ويرانا.
عبد التواب : والحل؟
عاشور : الحل هو أن نتسلل الآن من هنا هاربين … وإذا سألونا غدًا ننكر كلَّ الإنكار.
عبد الموجود : ننكر ماذا؟ … نحن نشتغل في أوقات فراغنا بالأعمال الحُرَّة.
عاشور : ممنوع … القانون المالي لا يسمح.
عبد الموجود : القانون المالي لا يسمح بالشغل ويسمح باللعب؟ لعب الطاولة على المقاهي من الساعة الرابعة بعد الظهر إلى منتصف الليل؟
عاشور : لا تتفلسف يا «عبد الموجود» الموقف الآن حَرِج … ولو ضبطونا وحقَّقوا معنا وتشعَّب التحقيق وراجعوا الأوراق وجرَّدوا المخازن، لكان مصيرنا كما تعلم … لا مجلس تأديب ولا مجلس مخصوص … بل «قره ميدان» و«أبو زعبل»!
عبد التواب (يثب من مقعده فزعًا) : لطفك يا رب!
عبد الموجود : انتظر يا «عبد التواب» … إلى أين؟
عبد التواب : أخلص بجلدي … سلامٌ عليكم.

(ينصرف مسرعًا من أحد الأبواب.)

عاشور : عين العقل فيما فعل … وأنا «شرحه» … (يتناول طربوشه من فوق مكتبه ويضعه على رأسه) سلامٌ عليكم! (ينصرف خلف زميله.)
عبد الموجود (ينهض) : وهل أنا وحدي المستغني عن عمري؟! … (يتجه إلى أحد الأبواب ويهمس بحذر) إدريس! … يا إدريس!

(يدخل الفراش «إدريس».)

إدريس : أفندم!
عبد الموجود : جناب المدير … معه أحد؟
إدريس : معه بك كبير من الحكومة.
عبد الموجود : تمام … اسمع يا إدريس … أنا منصرف … كلنا انصرفنا. إذا سأل عنَّا جناب المدير، قل له إننا خرجنا جميعًا من هنا الآن لظرفٍ طارئ … وهو سيفهم.
إدريس : حاضر.
عبد الموجود (وهو منصرف) : من فضلك يا «إدريس» … أدخلْ كل هذه الأوراق في «أدراج» المكاتب … سلامٌ عليكم. (ينصرف بسرعة.)
إدريس : سلام ورحمة الله! … (يتجه إلى المكاتب ويأخذ في إدخال الأوراق في أدراجها.)

(يُسمَع صوتٌ نسائيٌّ في الخارج ينادي: «إدريس!» … فيُجيب هو: «أفندم» ولا تلبث أن تظهر «سهام» وهي امرأةٌ في مقتبل العمر تدخل مسرعةً وفي حركاتها دلالٌ مصطنع.)

سهام : من هناك مع المدير؟
إدريس : بك كبير من الحكومة.
سهام : سالم بك طبعًا … حسنًا فعلتُ بعدم دخولي هناك مباشرةً … وما الذي جاء «بسالم بك» الليلةَ في هذه الساعة المبكرة؟!
إدريس : لا أعرف يا «ست سهام».
سهام : أرجوك يا «إدريس» … نادِ لي المدير هنا سرًّا … أريد أن أقول له كلمتين على انفراد.
إدريس (وهو ذاهب) : حاضر.
سهام : اسمع يا «إدريس» … كلِّمه في أذنه … وإذا قال لك: «تتفضل» … فقل له إني لا أريد أن أتفضل … فليأتِ هو إلى هنا وإلا انصرفت.
إدريس : حاضر …

(يخرج.)

سهام (تُخرج من حقيبة يدها قطعةَ لبانٍ تضعها في فمها، وتمضغها، وتسير في الحجرة «تدندن» بأغنيةٍ معروفةٍ … ثم تشغل نفسها بقراءة غلاف ملفٍّ موضوعٍ فوق مكتب) : شركة التعهُّدات والتوريدات المتحدة … (تضحك) هئ … هئ … هئ.

(المدير يدخل على عجل.)

المدير : ضحكتك المعروفة!
سهام : «ماركة» مسجلة يا نور عيني.
المدير : «سالم بك» … منتظر في مكتبي.
سهام : عندك شغل؟
المدير : أبدًا … ليس عندي غير «سالم بك»!
سهام : أليس هذا من الشغل؟! … هئ … هئ … هئ!
المدير : قلت لك يا «سهام»: اقتصدي قليلًا في هذه الضحكة.
سهام : أقتصد؟ … إن شاء الله أقتصد عندما أفتح شركة!
المدير : لن تفتحي حتى ولا زجاجة «شمبانيا» … نحن نعيش اليوم في عصر المظاهر … يجب أن تظهري بمظهر السيدة المحترمة جدًّا، إذا أردتِ أن يرتفع سعرك جدًّا.
سهام : سعري مرتفع جدًّا ولله الحمد … صوتي يُدفع فيه ذهبٌ أحمر … مع أني مطربةٌ ناشئة … ولكنك أنت الذي تبخسني قدري … لأنك رجل أعمال … ابن سوق … معتاد أن تشتري البضاعة بالرخيص، وتبيعها بالغالي!
المدير : خرجنا عن الموضوع.
سهام : أي موضوع؟
المدير : «سالم بك» … منتظر في مكتبي.
سهام : منتظر من؟
المدير : منتظرنا … هلمي بنا.
سهام : وما دخلي أنا؟ … منتظرك أنت … لأن بينك وبينه الأعمال والأشغال!
المدير : أي أعمال وأي أشغال؟! … «سالم بك» صديقي … ليس إلا.
سهام : وأنا مطربةٌ ليس إلا.
المدير : اتفقنا.
سهام : لا … لم نتفق!
المدير : أيوجد بيننا خلاف؟
سهام : بسيط … أولًا أنا مشغولة الليلة في حفلة غنائية …
المدير : في منزلي؟
سهام : لا يا سيدي المدير، بل في صالة من الصالات الكبرى.
المدير : هذا غير صحيح … أنتِ الآن خالية شغل.
سهام : هبط عليَّ اليوم الشغل!
المدير : ولكنكِ مرتبطة معي، ولا يمكن أن تتخلَّفي الليلة عن الحضور!
سهام : جئت الآن لأعتذر.
المدير : مستحيل! … هذا غير مقبول، لقد دعوت «سالم بك» … ووجودك يسرُّه كما تعلمين، وقد حضر مبكرًا إلى مكتبي هنا مباشرة؛ ليستشف من خلال الحديث ما إذا كنت ستحضرين؛ لأن تصرُّفكِ معه في الليلة الماضية كان في منتهى القسوة.
سهام : قسوة؟ … هئ … هئ … هئ (تتذكر وتكف فجأة) لا مؤاخذة … «باردون» والقسوة المذكورة هذه، كيف كانت؟ … كسرت له «طقم» أسنانه؟ … وضعت أصابعي في زجاج عويناته؟ … نتفت له شعر رأسه؟
المدير : طلب بسيط، طلبه منكِ بكل رِقَّة … أن تعيدي الأغنية التي يحبها منك، فما كان من حضرتك إلا أن انسحبت وخرجت من البيت بدون سلام ولا كلام.
سهام : طبعًا … لأن سالم بك «بسلامته» لم يكن يهمه الغناء ولا الأغنية … بل كل همه أن يتغزَّل في قوامي … والكأس في يده!
المدير : وهل الغزل حرام؟!
سهام : لا … حلال يا فضيلة الأستاذ المدير!
المدير : سهام! … لا داعي للمداورة والمناورة … أنا أفهمك وأنت تفهمينني … قولي لي بكل اختصار …
سهام : نعم … أقول لك بكل اختصار: «سالم بك» هذا يهمك أمره طبعًا.
المدير : صديقي.
سهام : صديقك باعتبارك مدير شركة توريدات. وباعتباره من كبار موظفي الحكومة!
المدير : ماذا تقصدين؟
سهام : هناك صفقة مشتريات تهمُّ الشركة … لقد بلغت مسامعي أشياء … ولا لزوم للإفصاح.
المدير : أأنتِ ممن يصدقون الإشاعات؟
سهام : هذه على كل حال مسائل لا تخصني.
المدير : نعم، فلنتكلم فيما يخصك.
سهام : تريد أن أحضر الليلة؟
المدير : ضروري.
سهام : وأن أكون غير «قاسية»؟
المدير : ضروري!
سهام : وما مصلحتي في التظرُّف مع … «سالم بك» هذا؟
المدير : رجل له نفوذ … ربما ساعدك وتوسَّط لك.
سهام : توسط لي؟ … في ماذا؟
المدير : في أن تكوني … مثلًا … مطربة في الإذاعة!
سهام : تسمعون الآن … «الآنسة سهام». هئ … هئ … هئ لا مؤاخذة … نسيت … «باردون»!
المدير : أمامك مستقبل … لا تضيِّعيه … توسلي بقليل من حسن التصرف … واللباقة، وحسن المعاملة.
سهام : العملة؟
المدير : المعاملة … حسن المعاملة!
سهام : نعم … كلمني في صنف «المعاملة»!
المدير : نصيحة يا «سهام» … خذي نصيحة من رجل يحب لك النجاح … لا تفكري كثيرًا في مصلحتك المادية … المادة شيء رخيص … فكري قبل كل شيء في أن تكوني لطيفة مع الناس … رقيقة … مؤدبة … مهذبة محببة إلى النفوس … رجل مثل «سالم بك» يستلطفك … لماذا لا تعاملينه بالمثل؟ …
سهام : تريد أن أستلطفه؟
المدير : ضروري.
سهام : ومن الذي يدفع ثمن هذا الاستلطاف؟
المدير : تطلبين له ثمنًا؟!
سهام (مقلدة صوته) : ضروري.
المدير (يائسًا منها) : أف! … فليكن … أمرك يا ست «سهام»!
سهام : أنت على كل حال لن تغرم شيئًا من جيبك.
المدير : من جيب مَن إذن؟
سهام : الشركة.
المدير : من قال لك ذلك؟
سهام : البركة في بند «الإكراميات» يا نور عيني.
المدير : عجيبة! … ما كل هذه المعلومات؟!
سهام : أراهن … لو فتشت جيوبك الآن، لأخرجت منها جواهر؟!
المدير : جواهر؟!
سهام : تُنكر أن في جيوبك الساعة أساور؟
المدير : أساور؟ … كيف عرفتِ؟
سهام : الليلة الماضية … لمحتُ سوارًا ذهبيًّا بديعًا يخرج في يدك، وأنت تُخرج منديلك من جيبك، فأسرعت تدسُّه وتخفيه … حتى لا أراه!
المدير : آه … وأسرعتِ أنتِ بالانسحاب والخروج حتى تتدللي!
سهام : هو في جيبك الآن؟
المدير : ربما … نسيته في جيبي هو على كل حال «عينة».

(يدسُّ يده في أحد الجيوب ويخرج سوارًا.)

سهام (صائحة في فرح) : ها هو ذا … أرني.
المدير : أستأخذينه؟
سهام : تستخسره فيَّ؟ … تستكثره عليَّ؟
المدير : يعجبك؟
سهام (وهي تتأمَّله في يدها) : بديع … وإن كان يُخيَّل إليَّ أنه ليس هو بالضبط الذي رأيته في يدك البارحة … الآخر كان أضخم قليلًا … وأغلى نوعًا أليس كذلك؟ … ولكن هذا لا بأس به، سوارٌ في يدي خيرٌ من عشرة في جيبك … (تضعه في معصمها) انظر … إنه لائق عليَّ.
المدير : مبروك عليك.
سهام : متشكرة … لقد أعطاني مظهرَ السيدة المحترمة المهذبة الرقيقة المؤدبة … أليس كذلك؟
المدير : بدون شك … اذهبي وأريه ﻟ «سالم بك» وهو يلمع هكذا في معصمك …
سهام : فكرة!
المدير : سألحق بكما بعد قليل!
سهام : خُذ راحتك! … وأرسل «إدريس» إليَّ بفنجان قهوة وعلبة سجاير؛ ليتم لي المزاج الرايق … عقبى لك! … هئ … هئ … «باردون»!

(تخرج سهام … ويتجه المدير إلى المكاتب، ويقلب بعض الملفات التي تُركت فوقها.)

المدير (مناديًا) : إدريس! … إدريس!
إدريس (يدخل بسرعة) : أفندم.
المدير (مشيرًا إلى المكاتب) : الأفندية! … أين الأفندية؟
إدريس : خرجوا … خرجوا … وقالوا إن جنابك فاهم.
المدير : فاهم … فاهم ماذا؟
إدريس : فاهم السبب … سبب خروجهم.
المدير : أبدًا … أنا غير فاهم وكشوف التصدير … هل أعدوها؟
إدريس : لا أعرف يا جناب المدير!

(جرس الباب الخارجي يرن بشدة.)

المدير : الباب!
إدريس (صائحًا وهو يخرج بسرعة) : حاضر.
المدير (ينظر في ساعته) : من القادم الآن؟ … (يعود إلى الملفات ويقلبها باحثًا منقبًا.)
إدريس (يدخل) : ست تقول إنها حرم «سالم بك»!
المدير (يلتفت كالمذعور) : حرم سالم بك؟ … خبر أسود … أين هي؟ … أين هي؟
إدريس : في البهو … أدخلها في مكتب جنابك!
المدير (كالمخاطب نفسه) : مكتب جنابي؟ … هل جننت؟ … هناك «سالم بك» مع …
إدريس : أول كلمة قالتها الست سألت عن «سالم» …
المدير (بقلق) : وبماذا أجبتها أنت؟
إدريس : سألتها من حضرتك … فقالت: حرمه!
المدير : وهل أخبرتها أن «سالم بك» موجود هنا … في مكتبي؟
إدريس : لا … قلت لها فقط: انتظري دقيقة من فضلك. وجئت أبلغ جنابك.
المدير : أحسنت … أحسنت يا إدريس … اسمع قل للست … تتفضَّل هنا … قل لها … تفضلي قابلي المدير.
إدريس (يخرج مسرعًا) : حاضر!
المدير : ما هذه الورطة؟

(يقف مفكرًا فيما ينبغي أن يفعل، ولا يلبث «إدريس» أن يظهر وخلفه سيدة قاربت الأربعين … عليها سيما الاحترام فيتركها أمام المدير ويخرج هو في الحال.)

المدير : أهلًا وسهلًا يا هانم.
الهانم : حضرتك مدير الشركة؟
المدير : في خدمتك يا هانم.
الهانم : هل لك معرفة بزوجي «سالم بك»؟!
المدير : ومن يجهل «سالم بك»؟ … إنه من الشخصيات البارزة في البلد.
الهانم : أقصد معرفة خاصة … علاقة خاصة.
المدير : إنه يا هانم شرف!
الهانم : بالعكس … ليس في الموضوع شرف على الإطلاق.
المدير (بقلق) : ماذا تقصدين؟
الهانم : مسألة السهرات التي في بيتك.
المدير : سهرات؟
الهانم : مهما يحاول الزوج أن يخفي مثل هذه الأشياء عن زوجته، فإن حقيقتها تظهر لها بدون أن يشعر.
المدير : لا بد في الأمر سوء تفاهمٍ يا هانم.
الهانم (بحدة) : في الأمر امرأة.
المدير : امرأة؟
الهانم : نعم … ولا بد أن أعرف من هي؟
المدير (يبلع ريقه) : ربما كانت يا هانم … إشاعة من إشاعات السوء.
الهانم : ليست إشاعة … لأني رأيت بعيني في جيبه منديلًا نسائيًّا به أثر أحمر … «روج» شفاه … بعد عودته متأخرًا ثملًا مما يسميه حفلة الشركة … وسمعت بأذني حديثه معك بالتليفون اليوم، وهو يشير إلى هرب «البضاعة» في الليلة الماضية.
المدير : البضاعة؟ … طبعًا البضاعة هي البضاعة … التي توردها الشركة للحكومة. وزوج حضرتك طبعًا له مركزه في الحكومة.
الهانم : وكيف يمكن أن تُهرَّب «هذه البضاعة» في الليلة الماضية، وتنسى منديلها؟
المدير : تنسى منديلها؟
الهانم : ألم يقُل لك ذلك بالحرف الواحد اليوم في التليفون؟ … ثق أنه ليس من عادتي أن أسترق السمع … ولكن رؤيتي ذلك المنديل في جيبه … جعلتني أفطن … وألتفت على الرغم مني إلى ذلك الحديث التليفوني المرتب!
المدير : لعله مزاح يا هانم … أنا شخصيًّا لا أذكر … ولم آخذ الكلام على سبيل الجد.
الهانم : وهذا المنديل … أهو مزاح أم جد؟
المدير (يبلع ريقه) : المنديل؟ … أين هو؟
الهانم : لم أمسسه بيدي … تركته له في جيبه … ولم أخبره أني رأيت شيئًا أو سمعت شيئًا، حتى هذه اللحظة … لأني أريد أن أضبطه بنفسي.
المدير (في قلق شديد) : مفهوم.
الهانم : إنك تعرف بالطبع أين هو الآن؟
المدير : و… وحضرتك تعرفين؟
الهانم : إني أسألك أنت؛ لأنه يجب أن يقابلك الليلة … أليس كذلك؟
المدير (في ارتباك) : إني … إنه … لا تؤاخذيني … بالي الآن مشغول بمسألة المنديل … ألا يكون قد سقط من إحدى المدعوات … وأراد «سالم بك» أن يجعل من الأمر دعابة بريئة؟!
الهانم : أوَكانت هناك مدعواتٌ كثيراتٌ؟
المدير : طبعًا في حفلة الشركة سيدات محترمات … جدًّا … زوجات حضرات أعضاء مجلس الإدارة … بهذه المناسبة … الشركة بالتأكيد كان يسرها دعوة حضرتك … لكن … خشينا أن يكون في ذلك إزعاجٌ … أو عدمُ موافقة لرغبتك.
الهانم : شكرًا.
المدير : ثقي يا هانم أن «سالم بك» رجل جد … وفي غاية الاستقامة … ويستحق أن تمنحيه كلَّ ثقتك بدون قيد ولا شرط …
الهانم : أتقسم أن سلوك زوجي لا غبار عليه؟!
المدير : غبار؟! … إنه النظافة المجسمة … إنه الطهارة المصوَّرة.
الهانم : ألم يغازل امرأة؟
المدير : امرأة … إنه قديس، زوجكِ يا سيدتي قديس!
الهانم : أتحلف بشرفك؟
المدير (متحمسًا) : أحلف بشرفي.

(عندئذٍ يُسمع في الخارج صوتُ ضحكة «سهام» … وهي قادمة مقتربة.)

الهانم : ما هذا؟!
المدير (يتنحنح مرتبكًا) : هذا …
سهام (تدخل وهي تقود «سالم بك» من يده) : هئ … هئ … قل له رأيك يا «سالم بك»، قل له رأيك الجميل اللطيف … (تقف فجأة) لا مؤاخذة … «باردون»!
سالم بك (لزوجته مأخوذًا) : أنتِ؟
الهانم (بهدوء متكلف) : مفاجأة؟!
المدير (يتصنع الابتسام) : مفاجأة ظريفة!
الهانم (ببرود) : ظريفة جدًّا … (تشير إلى «سهام» مستفسرة) حضرتها؟
سهام : وحضرتكِ أنتِ يا نور العين؟
المدير (مسرعًا) : حضرتها الست … حرم «سالم بك».
سهام (كالمخاطبة نفسها وهي مأخوذة) : حرمه! … يا خبر! … خبر أبيض … أبيض جدًّا. (تحييها برأسها!)
سالم بك (لزوجته) : ما هي … المناسبة؟
الهانم (لزوجها مشيرة إلى «سهام») : من هذه؟
المدير (متدخلًا بسرعة) : هذه … هذه زوجتي!
الهانم : زوجة حضرتك؟
المدير : معذرة يا هانم … تأخرت قليلًا في تقديمها إليك؛ لأني … ظننت أنك تعرفين.
الهانم (وقد هدأت قليلًا) : لم أكن أعرف … ولكن يسرني بالطبع أن أعرف.
المدير (يغمز «سهام» المشدوهة) : حيي ضيفتك.
سهام : تشرفنا يا هانم!
المدير : زوجتي خجولة … وكلامها قليل … وقد جاءت إلى مكتبي الآن وهي في طريقها … كما يحدث عادة … وكانت على وشك الانصراف إلى بيتها … (يلتفت إلى «سهام») أليس كذلك؟
سهام : كذلك.
سالم (للمدير) : ولما جاءت مكتبك، وجدتني هناك في انتظارك … فأتت بي إلى هنا.
المدير : حسنًا فعلت.
الهانم (لسهام) : عند دخولك تحدثت عن رأي «سالم» الجميل اللطيف … رأيه في ماذا يا ترى؟
سهام : في هذا السوار … المُهدى إليَّ … من … (تشير إلى المدير.)
الهانم : هدية من زوجك … (تنظر إلى السوار من بُعد.)
المدير : ما رأي «سالم بك» فيه؟
سهام : قال إنه … جنان … خصوصًا على … هئ … هئ … (تقف فجأة وتتدارك هامسة:) «باردون»!
الهانم (مأخوذة لضحكة «سهام») : خصوصًا على مَن؟
المدير (مستاء من الضحكة يتدارك) : خصوصًا … على لا شيء … زوجتي أحيانًا تحب المبالغة والمزاح والضحك.
سالم : خصوصًا على بساطته … هكذا قلت.
المدير : نعم … نعم حقًّا … على بساطته تراه في غاية اللطف والإبداع!
الهانم (لسهام) : تسمحين؟ … أتفرج؟
سهام (تبادر وتقدم معصمها) : تفضَّلي.
الهانم (وهي تفحصه) : فعلًا … جميل.
المدير : يعجبك يا هانم؟
الهانم : يعجب كل إنسان.
المدير (يخرج من جيبه سوارًا آخر) : وما قولكِ في هذا؟
الهانم (تتناوله وتفحصه) : آه … هذا شيء آخر.
المدير : أيهما تفضلين؟
الهانم (تشير إلى الذي معها) : طبعًا هذا أغلى فيما أظن.
المدير : زوجتي فضَّلت هذا الذي في معصمها.
سهام : أنا؟!
المدير (يغمزها) : نعم … لأنه لائق عليك أنت … أليس كذلك؟
سهام (في إذعان) : كذلك!
المدير : ولكن هذا يليق عليك أنت يا هانم.
الهانم (تقربه من معصمها) : أتعتقد؟
المدير : ضعيه في معصمكِ يا هانم.
الهانم (تضعه في معصمها وتتأمله بإعجاب شديد) : الحق … هذا سوار بمعنى الكلمة!
المدير : مبروك عليك!
الهانم : ماذا تقول؟
المدير : أقول مبروك عليكِ يا هانم!
سهام (في غيظ مكتوم) : نصيبكِ يا هانم … مكتوب لكِ يا هانم … من قسمتكِ يا هانم … كل شيء قسمة ونصيب يا هانم!
الهانم (وهي تحاول خلع السوار باسمة) : هذا مزاح طبعًا.
المدير : لا … لا … لا تخلعيه … المسألة جد … هذا السوار كان «عينة» … لكن ما دام قد أعجبكِ فلن يخلع من يدك.
الهانم : ما هذا الكلام؟! … بأي صفة أقبله وأبقيه؟
المدير : هذا شيء زهيد … يمكن خصم ثمنه من الدَّين الذي علينا ﻟ «سالم بك».
الهانم : أي دَين لسالم بك عليكم؟!
المدير : ألا تعرفين يا هانم أن «سالم بك» في حكم المستشار للشركة؟
الهانم (لزوجها) : أصحيح هذا يا «سالم»؟
سالم بك : هذا موضوع لم يزل في حيز التفكير.
الهانم : حقًّا … سبق أن قلت لي إنك تفكر في شيء كهذا.
المدير : إننا نحاول إقناعه أن يقبل تعيينه عضوًا في مجلس إدارة الشركة.
الهانم (وهي تتأمل السوار في معصمها) : ولمَ لا؟ … أيوجد ما هو خير من «أعمال الشركات»؟
المدير : أقنعيه يا هانم!
الهانم : لماذا لا تقبل ذلك يا «سالم»؟
سالم : إن شاء الله بعد إحالتي إلى المعاش.
المدير : إنه على كل حال يعتبر منذ الآن من أركان الشركة.
الهانم : هذا شيءٌ يسرني يا حضرة المدير.
سالم : ولكن هذا عمل يحتاج إلى مجهود وسهر.
الهانم : الحياة يا «سالم» كلها جهد وسهر!
سالم : إنكِ تظنين أني أقضي ليلي في ولائم وحفلات … ولعلي تركتكِ تفهمين ذلك، حتى لا أجعلكِ تقلقين على صحتي … لكن اسألي حضرة المدير!
المدير : الواقع يا هانم أن زوجكِ يقضي الكثير من لياليه وساعات فراغه في إفادة الشركة بخبرته وكفاءته!
الهانم (وهي تحرك السوار في معصمها) : وأي بأسٍ يا «سالم» في أن تستغلَّ خبرتك وكفاءتك في عمل إضافي؟
سالم : أردت أن أخفي عنكِ هذا الجهد … فقلت لكِ إني الليلة معزوم … لكن اسألي حضرة المدير!
المدير : كان معزومًا حقًّا … ولكن على قراءة أرقام وتقارير وكشوف …
الهانم : لقد أضعت وقتكم إذن … إني آسفة … اسمحوا لي إذن أن أنصرف سريعًا.
سالم : أنصرف أنا معكِ أيضًا الليلة … إذا سمح المدير.
الهانم : لا … لا … ابقَ أنت يا «سالم» لعملك … لن أغريك بالكسل … بعد اليوم … (تمدُّ يدها إلى «سهام») مساء الخير يا مدام … (ثم تمد يدها إلى المدير) مساء الخير يا حضرة المدير … إني شاكرة لك هذه الهدية الثمينة.
المدير (وهو يشيعها) : حصل لنا الشرف يا «هانم» … أرجوكِ أن توصي دائمًا سالم بك أن يهتم بنا.
الهانم (وهي منصرفة) : اطمئن … لن يهتمَّ بعد الآن إلا بعمله الحر … ولا شيء غير عمله الحر!

(تخرج الهانم ويخرج خلفها المدير و«سالم بك» ليُشيعاها إلى الباب الخارجي، بينما تقف «سهام» تشيعها بالنظرات.)

سهام : عمله الحر؟! … حر جدًّا! (تضحك ضحكة مستطيلة هذه المرة) هي هي هي هئ!
(ستار)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥