الفصل الأول

صور السماء

افتتحنا مقتطف مايو (أيار) سنة ١٨٩٠ بمقالة موضوعها أسماء صور السماء لا نرى بأسًا في إعادة نشرها هنا ثم الاستطراد في الموضوع فنأتي على وصف الصور كلها وصفًا وجيزًا يحتمله هذا المختصر:
كأنَّ سُهيلًا في مطالع أُفقه
مفارق ألفٍ لم يجد بعدهُ إلفًا
كأن بني نعشٍ ونعشًا مطافلٌ
بوجرة قط أضللن في مهمه خشفًا
كأن سُهاها عاشق بين عودٍ
فآونة يبدو وآونة يخفى
كأن قُدَّامى النسر والنسر واقعٌ
قُصصن فلم تسمُ الخوافي له ضعفًا

•••

سقتها الذراع الضيغمية جهدها
فما أغفلت من بطنها قيد إصبعِ
بها ركز الرمح السماك وقطَّعت
عُرى الفرغ في مبكى الثريَّا بأدمعِ
ويستبطأ المريخ وهو كأنه
إلى الغور نار القابس المتسرِّعِ
وتبتسم الأشراط فجرًا كأنها
ثلاث حماماتٍ سدكنَ بموضعِ
وتعرض ذات العرش باسطةً لها
إلى الغرب في تغويرها يد أقطعِ
من سقط الزند للمعري

انظر إلى السموات العلى في ليلة غاب قمرها وزال كدرها فلا ترى إلا قبَّة سوداء فسيحة العنان كعروس من الزنج عليها قلائد من جمان، ومهما بالغت في الاستعارة وغاليت في التشبيه لا ترى ثمَّة سمكة ولا حيَّة ولا جملًا ولا ثورًا ولا فَرسًا ولا ناقة ولا رجلًا ولا امرأةً، فكيف اتَّفق البشر في كل زمان ومكان على تسمية الكواكب ومجاميعها بأسماء الحيوانات، ولم يكتفوا بالتسمية بل صنع علماؤهم كرات رسموا على سطحها مجاميع الكواكب التي تُرى في مقعر السماء وفرَّقوا بعضها عن بعض، وخصُّوا كل فريق منها بصورة إنسان أو حيوان أو شيء آخر من الأشياء الأرضية فسمُّوا هذا المجموع جبارًا وذاك دبًّا وذلك إكليلًا وهلُم جرًّا، ولو لم يتَّفقوا على تسمية المجموع الواحد باسم واحد.

إننا نكتب هذه السطور وأمامنا نسخة من كتاب أبي الحسن الصوفي الذي ألَّفه في أواسط القرن الرابع للهجرة، نُسِخَتْ للسلطان أولغ بك كوركان وفيها رسوم ملونة للأبراج وبقية الصور السماوية أجاد المصوِّر رسمها وتزويقها، وأفرغ فيها دقيق الصنعة ورسم الكواكب فيها بالذهب، ومثَّل بصور الرجال والنساء هيئات الفرس، وأمامنا أيضًا أطالس أخرى إفرنجية وفيها رسوم هذه الصور مع ما جدَّ فيها من الزيادة والتغيير، ولا سيما في الصور الشمالية والجنوبية وعليها أسماء كثيرة عربية الأصل كالدبران والكف، كما أن في الصور العربية أسماء يونانية الأصل كفيفاوس وبرشاوس (أوفرساوس) أو مترجمة كأسماء بقية الصور.

وقد جرت العادة عند واضعي العلوم أن يستعيروا لمواد العلم أسماء جديدة يصرفونها عن وضعها اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي كما في الماضي والمضارع والفاعل والمفعول والطي والنشر والخبن والعصب والموضوع والمحمول والكأس والتويج، ولا بدَّ من علاقة بين المستعار والمستعار منه، وأمَّا تسمية الأجرام السماوية بالحيوانات فالعلاقة غير ظاهرة فيها إلا في ما ندر، ومع اتِّفاق الناس على تسمية مجاميع النجوم بأسماء الحيوانات تراهم مختلفين في تخصيصها بهذا الحيوان أو ذاك، وفي فصل النجوم بعضها عن بعض فبعضهم يجعل هذا النجم من هذا المجموع وبعضهم من ذاك، مما يدل على أنهم قسموها كذلك مستقلين ولا نعلم أيَّة أمة سبقت أمم الأرض أجمع إلى هذا التقسيم وهذه التسمية، ولكننا نعلم أن اليونانيين اقتبسوا ذلك عن الكلدانيين في سالف عهدهم، وأنَّ المصريين كان عندهم كرات مصوَّرة من قديم الزمان ولم تزل آثارها في قبر الملك ستي الأول في بيبان الملوك، وقد تقدَّمت هذه الصور كما يظهر من آثارها في قبر الملك رعمسيس الرابع في مدينة أبو فانَّ هناك صور بعض مجاميع النجوم، وبينها نهر وسهم وأسد وكركدن ومغن ومجموع كبير يشمل ربع محيط السماء يسمَّى الإله نخت، أو الظافر وشخص آخر اسمه مينا تحيط به الأفاعي.

والآريُّون سكان الهند خطَّطوا السماء على أسلوب آخر، وصوَّروا مجاميع النجوم بصور حيوانات أخرى، وفي كرتهم التي أتمُّوها قبل المسيح بتسعة قرون تجد صورة بجعة ووزتين وشجرة كبيرة فيها كلب وصورة زنجي ضخم الجثة وامرأة مغطَّاة بوشاح، والصينيون أكثروا من أسماء النجوم حتى زادت على ثلاثمائة، وصوَّروا بينها ملك السماء وكثيرين من عظمائهم والعرب سموا الكواكب بأسماء الحيوانات وغيرها من الأشياء الأرضية قبل الإسلام، فترى بين أسمائهم بنات نعش الصغرى والفرقدين والجَدْي وكلها في صورة الدبِّ الأصغر، وبنات نعش الكبرى والقائد والعناق والجون والسُّها والهلبة والحوض والظباء وقفزاتها وكبد الأسد وكلُّها في صورة الدبِّ الأكبر، وتقول العرب إن الأسد ضرب بذَنَبِه الأرض فقفزت الظباء ووردت الحوض، ومنها الراقص والعوائذ والربع والذئبان وأظفار الذئب وكلها في صورة التنين، وتقول إنَّ الذئبين طمعا في استلاب الرُّبع (ومعناه ولد الناقة وهو كوكب صغير بين العوائذ على رأس التنين)، فشبهت العوائذ بأربع أينق قد عطفن عليه، ومنها الفرق والفرجة والقدر والراعي وكلبه والشاء أو الأغنام، وكلها في صورة قيفاوس وبين رجليه، والسماك ورمحه وعذبتا الرمح والضباع وأولادها وهي من صورة العواء والفكة في الإكليل، والنسق الشامي وكلب الراعي والضباع في صورة الجاثي المعروفة بصورة هرقل، والفوارس والردف في صورة الدجاجة، والكف الخضيب وسنام الناقة في ذات الكرسي، ومعصم الثريَّا ومرفقها، ورأس الغول في صورة فرشاوس، والعيوق وتوابعه والخبا والعنز والجديان في صورة ممسك الأعنَّة، والراعي وكلبه والنسق اليماني والنسق الشامي في صورة الحواء والحية والدلو والفرغ والنعام، وسعد البهائم وسعد الهمام وسعد بارع وسعد مطر في صورة الفرس، والشرطان والبطين في صورة الحمل، والثريا والدبران والقلاص، والكلبان في صورة الثور، إلى غير ذلك مما يطول شرحه حتى لا تجد بقعة في السماء إلَّا وتجد لها ولنجومها أسماء تعرف بها، ويظهر من بعض هذه الأسماء أن الصور اليونانية التي ذكرها بطليموس في المجسطي عُمِلَت في بلاد العرب في أيام الجاهلية، ولكن أسماءهم لم تتغلَّب على الأسماء التي سمَّوها بها مما يقع تحت عيونهم في بلادهم كالفكة والنعام والناقة والأسد والظباء.

وقد جرى غير العرب مجرى العرب في تسمية مجاميع النجوم بما يقع تحت نظرهم في بلادهم، فسمَّاها أهالي سكندينافيا بالكلب والمركبة والمغزل، والإسكيمو وضعوا بينها صائد الفظ وهو حيوان بحري في بلادهم، واتَّفق بعضهم في الصور من وجه واختلفوا فيها من وجه آخر كما ترى في صورة الجوزاء، فإنَّ أكثر الناس مُتَّفق على جعلها صورة أخوين قائمَين أحدهما بجانب الآخر، ولكن الأكاديين يصوِّرونهما متقابلَين ورِجْلا الواحد أمام رِجْلَي الآخر، وكذلك اختلفوا في سبب تسميتها، فالثريَّا في العربية يقال إنها مشتقة من الثراء؛ أي الغِنَى؛ لأنها من أنواء القمر ذات الخصب، وفي اللسان المصري القديم معنى اسمها الكثرة لكثرة نجومها، وفي الهندية الدجاجة وفراخها، وهنود أمريكا يسمُّونها بما معناه الرجال والنساء أو الراقصات، والمجرَّة معناها في العربية أثر الحبل وتُسمى أيضًا شرج السماء؛ أي فتقها أو منفرجها، واسمها بالصينية النهر السماوي، وسمَّاها شعراء اليونان نهر اللبن الذي أراقته الكيمي وهي تُرْضِع هرقل، وسماها بعض هنود أمريكا طريق النفوس والدب الأكبر يسمِّيه العرب بالنعش وبناته، ومعناه في السنسكريت المركبة ولكن اسمه يلتبس باسم الدب، والمظنون أنَّ ذلك جعل اليونانيين يسمونه دبًّا (أركتس)، وهنود شمالي أمريكا يسمونه دبًّا أيضًا، ولكنهم لم يضيفوا إليه بنات نعش التي هي ذَنَبُ الدب؛ لأنهم يعلمون أن الدب قصير الذَّنَب، فقالوا إنها ثلاثة صيادين يطاردون الدب، والإسكيمو قالوا إنه صورة وعل كبير والهنود أنه صورة فيل.

وفي كل ما تقدَّم قلَّما يُرى شيء من المشابهة بين الأسماء والمسمَّيات، وقد ندر اتِّفاق شعبين على اسم واحد إلا إذا كان الشعب الواحد قد اقتبس الأسماء من الشعب الآخر كما في أسماء البروج التي اقتبسها العرب عن اليونان، واليونان عن الكلدان، أو إذا كانت الصورة مشابهة لشكل هندسي كما في المثلث والصليب، ولو اكتفى العرب بأسمائهم القديمة على ما كان يعرفه أصحاب الأنواء ما وجدنا شيئًا من المشابهة بين أسمائهم وأسماء الصور السماوية المعروفة في وقتنا هذا.

•••

وإذ قد تمهَّد ذلك نتقدَّم إلى وصف صور السماء معتمدين على نسخة خطية من كتاب الصوفي وعلى كتاب محاسن السماء للدكتور فان ديك وما ذكره القزويني في هذا الموضوع في كتابه عجائب المخلوقات ونحو ذلك من الكتب، وكلها تذكر الصور الشمالية أولًا ثم صور دائرة البروج ثم الصور الجنوبية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤