الفصل الرابع

لِقَاءُ الْأَمِيرِ

(١) فَتَاةُ الْغَابَةِ

وَبَيْنَا كَانَتِ الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» نَائِمَةً، كَانَ الْأَمِيرُ «صَفَاءٌ» مُنْصَرِفًا إِلَى الصَّيْدِ فِي الْغَابَةِ، مُتَنَوِّرًا بِمَا يَحْمِلُهُ أَتْبَاعُهُ مِنَ الْمَشَاعِلِ. وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَتْبَعُ الْآرَامَ (الظِّبَاءَ) وَالْغِزْلَانَ، جَادَّةً مُسْرِعَةً فِي اللِّحَاقِ بِهَا، حَتَّى بَلَغَتْ مَكَانَ «صَفِيَّةَ». فَوَقَفَتِ الْكِلَابُ عِنْدَهَا وَلَمْ تُوَاصِلْ سَيْرَهَا، وَظَلَّتْ وَاقِفَةً بِالْقُرْبِ مِنَ الْأَعْشَابِ الَّتِي تَرْقُدُ خَلْفَهَا الْأَمِيرَةُ الْفَتَاةُ. وَعَجِبَ الْأَمِيرُ الْفَتَى حِينَ رَأَى كِلَابَهُ الْعَادِيَةَ (الْمُسْرِعَةَ) فِي أَثَرِ الظِّبَاءِ وَالْغِزْلَانِ، تَكُفُّ فَجْأَةً عَنِ الصِّيَاحِ، وَتُمْسِكُ بَغْتَةً عَنِ النُّبَاحِ، ثُمَّ تَجْلِسُ حَوْلَ «صَفِيَّةَ» صَامِتَةً سَاكِنَةً. وَسُرْعَانَ مَا نَزَلَ الْأَمِيرُ «صَفَاءٌ» عَنْ جَوَادِهِ وَتَرَجَّلَ لِيَدْفَعَ الْكِلَابَ إِلَى الصَّيْدِ، وَلَكِنْ شَدَّ مَا عَرَتْهُ الدَّهْشَةُ حِينَ وَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى أَمِيرَةٍ رَائِعَةِ الْجَمَالِ تَرْقُدُ عَلَى أَدِيمِ هَذِهِ الْغَابَةِ، فَنَظَرَ فِيمَا حَوْلَهَا فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا إِلَى جِوَارِهَا، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ تَنَامُ مِثْلُ هَذِهِ الْأَمِيرَةِ الْحَسْنَاءِ وَحْدَهَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْمُوحِشِ. وَأَيْقَنَ أَنَّهَا تَائِهَةٌ ضَلَّتْ طَرِيقَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا اللَّيْلُ، فَنَامَتْ رَيْثَمَا يَنْبَلِجُ الصُّبْحُ. وَلَمَّا أَطَالَ النَّظَرَ إِلَيْهَا عَنْ كَثَبٍ (عَنْ قُرْبٍ)، لَمَحَ أَثَرَ الدُّمُوعِ الَّتِي تَسَايَلَتْ مِنْ عَيْنَيْهَا الْمُغْمَضَتَيْنِ. وَكَانَتِ الْأَمِيرَةُ تَرْتَدِي ثَوْبًا سَاذَجًا مِنَ الْحَرِيرِ الثَّمِينِ، فَبَدَتْ لِعَيْنَيْهِ يَدَاهَا الْبَيْضَاوَانِ، وَأَنَامِلُهَا الْوَرْدِيَّةُ، وَشَعَرُهَا الْمُرَجَّلُ قَدْ رُشِقَ فِيهِ مُشْطٌ مِنَ الذَّهَبِ، وَعِقْدُهَا اللُّؤْلُئِيُّ الثَّمِينُ يَلْتَمِعُ فِي الظَّلَامِ الْبَهِيمِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ يُدْرِكَ أَنَّهَا فَتَاةٌ مَوْفُورَةُ الثَّرَاءِ، كَرِيمَةُ الْمَنْبِتِ.

(٢) فِي مَحَفَّةٍ

وَلَمْ تَسْتَيْقِظِ الْأَمِيرَةُ، بِرَغْمِ مَا اكْتَنَفَهَا مِنْ ضَجِيجِ الْخَيْلِ، وَعُوَاءِ الْكِلَابِ، وَصَخَبِ الْجُنْدِ يُحِيطُونَ بِهَا مُتَجَمِّعِينَ. وَكَانَ الْأَمِيرُ فِي دَهْشَتِهِ لَا يَكُفُّ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْأَمِيرَةِ وَقَدْ تَمَلَّكَهُ الْعَجَبُ وَتَعَاظَمَتْهُ الْحَيْرَةُ. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ حَاشِيَتِهِ يَعْرِفُهَا. وَلَمَّا اشْتَدَّ بِهِ الضِّيقُ لِطُولِ هَذِهِ الرَّقْدَةِ الْمُقْلِقَةِ، أَمْسَكَ بِيَدِهَا فَلَمْ تُبْدِ حَرَاكًا، ثُمَّ هَزَّ يَدَهَا مُتَلَطِّفًا لِيُوقِظَهَا مِنْ نَوْمِهَا الْعَمِيقِ، فَلَمْ تَسْتَيْقِظِ الْفَتَاةُ مِنْ سُبَاتِهَا، فَقَالَ لِجُنْدِهِ: «لَيْسَ مِنَ الْمُرُوءَةِ أَنْ نَتْرُكَ الْأَمِيرَةَ التَّائِهَةَ، وَلَعَلَّهَا ضَلَّتْ (تَاهَتْ) فِي هَذِهِ الْغَابَةِ الْفَسِيحَةِ الْأَرْجَاءِ، الْمُلْتَوِيَةِ الشِّعَابِ، أَوْ لَعَلَّ بَعْضَ السَّحَرَةِ قَدْ رَمَى بِهَا فِي هَذَا الْمَطْرَحِ الْقَصِيِّ. وَلَكِنْ كَيْفَ نَحْمِلُهَا وَهِيَ رَاقِدَةٌ؟» فَقَالَ لَهُ الْقَائِدُ الْكَبِيرُ «وَثَّابٌ» الَّذِي يَتَوَلَّى أَمْرَ كِلَابِ الصَّيْدِ: «نَسْتَطِيعُ — أَيُّهَا الْأَمِيرُ — أَنْ نَصْنَعَ لَهَا مَحَفَّةً مِنْ غُصُونِ الْأَشْجَارِ، ثُمَّ نَحْمِلُهَا إِلَى فُنْدُقٍ قَرِيبٍ لِتَسْتَرِيحَ فِيهِ؛ حَتَّى لَا تَعُوقَ سُمُوَّكَ عَنْ مُوَاصَلَةِ الصَّيْدِ.»

(٣) فِي عَالَمِ الْأَحْلَامِ

فَقَالَ الْأَمِيرُ: «إِنَّ فِكْرَتَكَ لَمُوَفَّقَةٌ صَائِبَةٌ، فَهَيِّئْ لَهَا الْمَحَفَّةَ يَا «وَثَّابُ» لِتَضَعَهَا فِيهَا، وَلَكِنْ لَا تَذْهَبْ بِهَا إِلَى فُنْدُقِ الْغُرَبَاءِ — كَمَا اقْتَرَحْتَ — بَلِ اذْهَبْ بِهَا إِلَى قَصْرِي، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَمِيرَةَ — فِيمَا يَبْدُو لِي — عَرِيقَةُ الْأَصْلِ، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيَّ مُنْذُ رَأَيْتُهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ إِلَّا مَلَكًا كَرِيمًا هَبَطَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى عَالَمِنَا الْأَرْضِيِّ. وَسَأُشْرِفُ — أَنَا نَفْسِي — عَلَى الْعِنَايَةِ بِالْأَمِيرَةِ وَحِيَاطَتِهَا، وَلَنْ أُقَصِّرَ فِي إِعْدَادِ مَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْنَا مِنْ حَفَاوَةٍ وَتَكْرِيمٍ.» وَسُرْعَانَ مَا هَيَّأَ لَهَا «وَثَّابٌ» وَجُنُودُهُ مَحَفَّةً مِنْ أَفْنَانِ الشَّجَرِ، ثُمَّ أَلْقَى الْأَمِيرُ مِعْطَفَهُ فِي الْمَحَفَّةِ لِيَكُونَ لَهَا فِرَاشًا وَثِيرًا (لَيِّنًا)، وَاقْتَرَبَ مِنْهَا وَهِيَ لَمَّا تَزَلْ مُسْتَغْرِقَةً فِي سُبَاتِهَا، وَحَمَلَهَا مُتَلَطِّفًا بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمَحَفَّةِ، ثُمَّ أَرْقَدَهَا عَلَى مِعْطَفِهِ.

وَكَأَنَّمَا كَانَتِ الْأَمِيرَةُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ سَابِحَةً فِي جَوٍّ بَهِيجٍ مِنَ الْأَحْلَامِ، فَقَدِ ابْتَسَمَتْ وَجَمْجَمَتْ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ وَهِيَ تَقُولُ: «أَبِي، أَبِي، لَقَدْ كَتَبَ اللهُ لَنَا النَّصْرَ، وَمَنَحَنَا الْفَوْزَ، وَأَتَمَّ لَنَا إِنْقَاذَكَ إِلَى الْأَبَدِ … إِنَّ مَلِكَةَ الْجِنِّيَّاتِ … هَذَا الْأَمِيرُ صَفَاءٌ …! إِنِّي أَرَاهُ … مَا أَكْرَمَهُ … اللهُ يَرْعَاهُ.»
figure

(٤) فِي قَصْرِ الْأَمِيرِ

وَدَهِشَ الْأَمِيرُ «صَفَاءٌ» حِينَ سَمِعَ الْفَتَاةَ تَنْطِقُ اسْمَهُ وَهِيَ سَابِحَةٌ فِي أَحْلَامِهَا، وَلَمْ يُخَامِرْهُ شَكٌّ فِي أَنَّهَا تُعَانِي مَكَايِدَ بَعْضِ السَّحَرَةِ، فَأَمَرَ حَمَلَةَ الْمَحَفَّةِ أَنْ يَتَرَيَّثُوا (يَتَمَهَّلُوا) فِي سَيْرِهِمْ، وَيُبْطِئُوا فِي مَشْيِهِمْ، حَتَّى لَا تَنْزَعِجَ الْفَتَاةُ فَتَهُبَّ مِنْ نَوْمِهَا مَذْعُورَةً فَزِعَةً.

وَمَا زَالَ الْأَمِيرُ يَرْعَاهَا وَيَمْشِي إِلَى جَانِبِ مَحَفَّتِهَا حَتَّى بَلَغَتْ قَصْرَهُ، فَأَمَرَ بِإِعْدَادِ الْحُجْرَةِ الْمَلَكِيَّةِ لِنَوْمِهَا. وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُزْعِجَهَا أَحَدٌ، فَحَمَلَهَا بِنَفْسِهِ إِلَى الْحُجْرَةِ، وَوَضَعَهَا عَلَى السَّرِيرِ الْمَلَكِيِّ، وَأَمَرَ الْوَصَائِفَ اللَّوَاتِي عَهِدَ إِلَيْهِنَّ فِي الْقِيَامِ عَلَى خِدْمَتِهَا، أَنْ يَسْتَدْعِينَهُ مَتَى اسْتَيْقَظَتْ.

(٥) يَقَظَةُ الْفَتَاةِ

وَلَبِثَتِ الْأَمِيرَةُ رَاقِدَةً حَتَّى الضُّحَى، فَلَمْ تَسْتَيْقِظْ إِلَّا وَقَدِ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَتَلَفَّتَتْ حَوْلَهَا مَدْهُوشَةً حَائِرَةً، فَلَمْ تَرَ السِّنْجَابَ الصَّغِيرَ إِلَى جَانِبِهَا، فَابْتَهَجَتْ حِينَ رَأَتْهُ قَدْ غَابَ وَاسْتَخْفَى عَنْ نَاظِرِهَا، وَحَمِدَتِ اللهَ عَلَى خَلَاصِهَا مِنْهُ، وَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: «أَتُرَانِي فِي حُلْمٍ أَمْ فِي يَقَظَةٍ؟ وَهَلْ كُتِبَ لِيَ الْخَلَاصُ مِنْ أَسْرِ الْجِنِّيَّةِ «سُنْعُبَةَ»؟ فَأَيَّةُ قُوَّةٍ مِنْ قُوَى الْجِنِّ خَلَّصَتْنِي مِنْ أَسْرِهَا؟ لَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ أَنْقَذَنِي مِنْهَا كَانَ أَقْوَى بَأْسًا، وَأَنْفَذَ أَمْرًا، وَأَعْظَمَ شَأْنًا.»

(٦) قُدُومُ الْأَمِيرِ

وَسَارَتِ الْأَمِيرَةُ إِلَى النَّافِذَةِ، فَرَأَتْ جُنُودًا وَقُوَّادًا يَرْتَدُونَ ثِيَابَهُمُ الْحَرْبِيَّةَ الْفَاخِرَةَ، فَتَعَاظَمَتْهَا الدَّهْشَةُ، وَهَمَّتْ أَنْ تُنَادِيَ بَعْضَ الْجُنُودِ، ثُمَّ عَدَلَتْ عَنْ رَأْيِهَا حِينَ سَمِعَتْ خَفْقَ أَقْدَامٍ تَدْنُو مِنْهَا، وَحَانَتْ مِنْهَا الْتِفَاتَةٌ فَرَأَتِ الْأَمِيرَ «صَفَاءً» أَمَامَهَا وَهُوَ لَا يَزَالُ يَرْتَدِي ثِيَابَ الصَّيْدِ. وَلَمْ يَكَدْ يَرَاهَا حَتَّى حَيَّاهَا فِي احْتِرَامٍ وَتَلَطُّفٍ وَإِعْجَابٍ، وَلَمْ تَكَدْ تَرَاهُ حَتَّى عَرَفَتْ فِيهِ صُورَةَ الْأَمِيرِ الَّذِي رَأَتْهُ فِي حُلْمِهَا حِينَ كَانَتْ نَائِمَةً، فَابْتَدَرَتْهُ قَائِلَةً عَلَى غَيْرِ إِرَادَةٍ مِنْهَا: «إِنَّهُ الْأَمِيرُ صَفَاءٌ!» فَقَالَ لَهَا مُتَعَجِّبًا مَدْهُوشًا: «كَيْفَ عَرَفَتْنِي سَيِّدَتِي الْأَمِيرَةُ؟ أَتُرَانَا الْتَقَيْنَا قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ؟ فَكَيْفَ نَسِيتُ اسْمَكِ وَلَمْ أَعُدْ أَذْكُرُ شَيْئًا؟» فَقَالَتِ الْأَمِيرَةُ وَقَدِ احْمَرَّ وَجْهُهَا خَجَلًا: «كَلَّا، لَمْ نَلْتَقِ — يَا سَيِّدِي — قَبْلَ الْيَوْمِ، وَلَمْ أَرَكَ إِلَّا مُنْذُ زَمَنٍ قَلِيلٍ فِي عَالَمِ الْأَحْلَامِ. أَمَّا اسْمِي، فَلَا سَبِيلَ لَكَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ؛ لِأَنَّنِي لَمْ أُقَابِلْ فِي حَيَاتِي أَحَدًا قَبْلَ أَمْسِ، وَلَمْ يَعْرِفِ اسْمِي أَحَدٌ غَيْرَ أَبِي وَعَدُوَّتِهِ اللَّدُودِ «سُنْعُبَةَ». وَلَعَلَّكَ تَدْهَشُ إِذَا قُلْتُ لَكَ: إِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ اسْمَ أَبِي قَبْلَ أَمْسِ!»

(٧) حِوَارٌ عَجِيبٌ

فَقَالَ الْأَمِيرُ: «وَكَيْفَ جَهِلْتِ اسْمَ أَبِيكِ، وَجَهِلَ النَّاسُ اسْمَكِ؟» فَأَنْشَأَتِ الْأَمِيرَةُ تَقُصُّ عَلَيْهِ كُلَّ مَا حَدَّثَهَا بِهِ وَالِدُهَا أَمْسِ مِنْ عَجَائِبِ الْأَنْبَاءِ، ثُمَّ بَاحَتْ لَهُ فِي سَذَاجَةٍ نَادِرَةٍ بِمَا جَلَبَهُ عَلَيْهَا الْفُضُولُ وَالِاشْتِغَالُ بِمَا لَا يُفِيدُهَا، وَالتَّسَرُّعُ فِي تَعَرُّفِ مَا لَا يَعْنِيهَا، وَمَا جَرَّهُ عَلَيْهَا ذَلِكَ مِنَ الْأَحْدَاثِ الْمَشْئُومَةِ، ثُمَّ خَتَمَتْ حَدِيثَهَا قَائِلَةً: «وَلَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَبْلَغِ مَا أُكَابِدُهُ مِنْ أَلَمٍ — أَيُّهَا الْأَمِيرُ — بَعْدَ أَنِ اضْطُرِرْتُ إِلَى تَرْكِ أَبِي، وَفَرَرْتُ مِنَ اللَّهِيبِ الَّذِي أَضْرَمَتْهُ «سُنْعُبَةُ» الْجَارِمَةُ الْحَاقِدَةُ. لَقَدْ أَوْصَدَتِ (أَغْلَقَتِ) الْأَبْوَابَ دُونِي، وَأَحَاطَ بِيَ اللَّهَبُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَلَمْ أَرَ بُدًّا مِنْ تَرْكِ الدَّارِ، وَلَمْ أَكَدْ أَفْعَلُ حَتَّى رَأَيْتُنِي مُسْتَهْدَفَةً لِلْبَرْدِ وَالْجُوعِ، وَلَكِنَّ فَضْلَ الله تَدَارَكَنِي، فَاسْتَوْلَى عَلَيَّ السُّبَاتُ، وَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ غَرِقْتُ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ حَافِلٍ بِالْأَحْلَامِ الْبَهِيجَةِ. وَمَا زِلْتُ أَجْهَلُ: كَيْفَ وُجِدْتُ هُنَا؟ وَفِي أَيِّ قَصْرٍ أَنَا؟ وَأَغْلَبُ الظَّنِّ أَنَّنِي الْآنَ فِي قَصْرِكَ!» فَقَالَ لَهَا الْأَمِيرُ يُطَمْئِنُهَا بَاسِمًا: «صَدَقْتِ يَا عَزِيزَتِي، وَلَمْ تَعْدِي الصَّوَابَ.» ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهَا كَيْفَ عَثَرَ عَلَيْهَا فِي الْغَابَةِ، وَأَفْضَى إِلَيْهَا بِمَا تَفَوَّهَتْ بِهِ — وَهِيَ فِي نُعَاسِهَا — مِنْ قَوْلٍ، دَلَّهُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى أَحْلَامًا سَارَّةً بَهِيجَةً.

(٨) مَلِكَةُ الْجِنِّيَّاتِ

ثُمَّ خَتَمَ حَدِيثَهُ قَائِلًا: «إِنَّ مَا لَمْ يَقُلْهُ أَبُوكِ لَكِ — فِيمَا أَظُنُّ — هُوَ أَنَّ «الزُّهَرَةَ»، مَلِكَةُ الْجِنِّيَّاِتِ، وَهِيَ زَعِيمَةُ أُسْرَتِي، تَخَيَّرَتْكِ لِي زَوْجًا، حِينَ تُدْرِكِينَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِكِ. وَلَا رَيْبَ عِنْدِي أَنَّ مَلِيكَتَنَا «الزُّهَرَةَ» هِيَ الَّتِي أَوْحَتْ إِلَيَّ بِأَنْ أَخْرُجَ لِلصَّيْدِ عَلَى ضَوْءِ الْمَشَاعِلِ؛ حَتَّى تُتَاحَ لِيَ الْفُرْصَةُ لِلُقْيَاكِ فِي تِلْكَ الْغَابَةِ الَّتِي كُنْتِ تَائِهَةً فِيهَا. وَلَعَلَّكِ تَعْلَمِينَ أَنَّكِ سَتَبْلُغِينَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِكِ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، فَأَرْجُو أَنْ تَعُدِّي هَذَا قَصْرَكِ الْمُخْتَارَ، تَأْمُرِينَ فِيهِ مَا تَشَائِينَ وَتَنْهِينَ، لَا رَادَّ لِأَمْرِكِ، وَلَا عِصْيَانَ لِمَشِيئَتِكِ، وَلَا تَوَانِيَ فِي تَلْبِيَةِ إِشَارَتِكِ، وَتَنْفِيذِ رَغْبَتِكِ. وَلَنْ تَمْضِيَ أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْكِ وَالِدُكِ الْأَمِيرُ «غَالِبٌ»، فَيَجْتَمِعَ الشَّمْلُ الشَّتِيتُ، وَنُقِيمُ حَفَلَاتِ الْعُرْسِ إِنْ شَاءَ اللهُ.»

(٩) عَلَى المَائِدَةِ

فَشَكَرَتِ الْأَمِيرَةُ «صَفِيَّةُ» لِلْأَمِيرِ أَصْدَقَ الشُّكْرِ، وَمَضَتْ إِلَى غُرْفَةِ الزِّينَةِ حَيْثُ وَجَدَتْ جَمْهَرَةً مِنَ الْوَصِيفَاتِ يَتَرَقَّبْنَهَا، حَامِلَاتٍ أَلْوَانًا لَا تُحْصَى مِنْ نَفِيسِ الْحُلِيِّ، وَرَائِعِ الْحُلَلِ. وَلَمَّا كَانَتْ «صَفِيَّةُ» لَا تُعْنَى بِالْمَظَاهِرِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَتَرَدَّدْ فِي ارْتِدَاءِ أَوَّلِ ثَوْبٍ قُدِّمَ لَهَا، وَهُوَ مِنَ الْغَارِ الْوَرْدِيِّ الْمُحَلَّى بِأَفْخَرِ وَشْيٍ. وَقَدْ وَضَعَتْ عَلَى رَأْسِهَا قَلَنْسُوَةً مِنَ الدِّمَقْسِ (الْحَرِيرِ) مُزَيَّنَةً بِالْوُرُودِ، حَالِيَةً بِالْأَزْهَارِ. ثُمَّ عَمَدَتِ الْوَصِيفَاتُ إِلَى شَعْرِهَا فَرَجَّلْنَهُ وَجَعَلْنَهُ عَلَى هَيْئَةِ تَاجٍ. وَمَا كِدْنَ يَنْتَهِينَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ الْأَمِيرُ يَدْعُوهَا لِتَنَاوُلِ الْفَطُورِ، فَانْطَلَقَتْ «صَفِيَّةُ» مَعَهُ إِلَى غُرْفَةِ الطَّعَامِ، حَيْثُ هُيِّئَ لَهَا مَأْكَلٌ هَنِيٌّ. وَكَانَتْ — كَمَا عَلِمْتَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ الصَّغِيرُ — لَمْ تَطْعَمْ شَيْئًا مُنْذُ يَوْمَيْنِ، فَأَقْبَلَتْ عَلَى الطَّعَامِ فِي شَهِيَّةٍ نَادِرَةٍ، وَشَوْقٍ بَالِغٍ شَدِيدٍ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠