هل الشقاق طبع في العرب؟١

(١) إلى الأستاذ الكبير أحمد حسن الزيَّات

صديقي الأستاذ

لقد اطَّلعتُ على السؤال الذي وجَّهتموه إليَّ في مقالكم المعنون: «هل الشقاق طبْع في العرب؟»

فقد أشرتُم في المقال المذكور إلى حوادث الشقاق والتنافُس والتخاصُم التي توالت في تاريخ العرب، واستعرضتُم الأحزاب السياسية والفِرَق الدينية التي ظهرت بينهم، ثم ذكرتُم رأي ابن خلدون في هذا المضمار، وفي الأخير تساءلتم: «هل كتَب الله على العرب أن يعيشوا أبدًا بطبيعة البادية ونفسية الغابة وعقلية القبيلة؟»

فوجب عليَّ أن أُلبي طلبَكُم، فأكتُب إليكم ما أعتقده في هذه القضية الهامة. غير أني رأيتُ من الضروري أن أقف أولًا أمام «المقدمات» التي صدَّرتم بها هذا السؤال، قبل أن أُحاوِل الإجابة عنه إجابةً مباشرة.

١

فاسمحوا لي أن أسألكم بدوري: هل تظنون أن الاختلافات التي ذكرتُموها كانت من خصائص الأُمَّة العربية وحدها؟

أنا لا أشُك في أن جوابكم عن هذا السؤال سيكون بالنفي لأنكم تعرفون جيدًا — كما يعرف ذلك كل من يستعرض التَّارِيخ العام — أن تواريخ الأُمَم الأخرى لم تخلُ من أمثال تلك الاختلافات.

فيترتَّب على ذلك إذن أن أنقلَ البحثَ إلى كمية هذه الاختلافات وشدتها، فأسألكم: هل تعتقدون أن الاختلافات السياسية والدينية التي حدثت في تاريخ العرب كانت أكثرَ وأشَدَّ وأعنفَ من التي تجلَّت في تواريخ الأُمَم الأخرى؟

أنا أعرف أن الآراء الشائعة الآن لا تدع مجالًا للتفكير مليًّا في هذا السؤال؛ لأنها تحمل الأذهان على الردِّ عليه فورًا بالإيجاب.

وأعترف بأني أيضًا كنتُ — مدةً من الزمن — من المتأثِّرين بهذه الآراء الشائعة، ومن المسلِّمين بأن تاريخ العرب يشذ في هذه القضايا عن تواريخ الأُمَم الأخرى شذوذًا كبيرًا. غير أني بدأتُ أشُك في صحة هذه الآراء الشائعة عندما أخذتُ أتعمَّق في دراسة التَّارِيخ العام، وازددتُ شكًّا فيها كلما تغلغلتُ في هذه الدراسة، إلى أن أصبحتُ أعتقد اعتقادًا جازمًا بأنها لا تتفق مع الحقائق التَّارِيخية الثابتة أبدًا؛ لأنها لا تقوم على مقارناتٍ شاملة، بل تستند إلى استقراءٍ ناقص جدًّا.

إننا ننفعل ونتألم ونغضب … عندما نقرأ أخبار الاختلافات التي حدثت في تاريخ العرب … ولا سيما عندما نتتبَّع نتائج هذه الاختلافات، ونطَّلع على كيفية تضاؤل سلطة الخلافة، وتشتُّتها بين سلطات السلاطين وملوك الطوائف العديدين.

إننا ننفعل ونتألم من هذه الأخبار والحوادث التَّارِيخية؛ لأننا نقيس أحوال القرون الماضية بمقاييس الأزمنة الحاضرة … ولا نُكلِّف أنفسنا عناء البحث في التَّارِيخ العام بحثًا شاملًا؛ لكي نعرف ما إذا كانت تلك الأحوال من الأمور التي تشذ فيها الأُمَّة العربية عن سائر الأُمَم، أو كانت من الأمور الطبيعية التي تتساوى فيها جميع الأُمَم في بعض الأطوار من تاريخها.

فيجب علينا قبل كل شيء، أن نُطلِق أذهاننا من ربقة هذه الآراء الشائعة لنَدرُس هذه القضايا من جديد، بنظراتٍ علمية بحتة، مع استقراء الحوادث التَّارِيخية استقراءً تامًّا.

فلنبدأ أولًا بقضية الاختلافات الدينية. ولنَستعرِض ما حدث منها في أوروبا طَوالَ القرون الوسطى وخلال النصف الأول من القرون الأخيرة … نجد أنها لم تكن قَط أقل تنوُّعًا ولا أَخفَّ عمقًا مما حدث في العالم العربي خلال الأزمنة المذكورة، إن لم تكن أكثر تَنوُّعًا وأشد عنفًا منها …

أَحصُوا المذاهب المختلفة التي نشأَت في الغرب منذ ظهور المسيحية في مختلف البلاد الأوروبية خلال القرون المذكورة … استَعرِضوا الخلافات الدينية والمذهبية التي حدثَت بين الدول وبين الكنائس من جهة، وبين الكنائس المختلفة من جهةٍ أخرى … استَقْصُوا أخبار الحروب الأهلية والدولية التي نَجمَت عن هذه الاختلافات الدينية في مختلف أقسام البلاد الأوروبية، حتى في فرنسا التي تَظهَر الآن أكثر تباعُدًا عن الاهتمام بالأمور الدينية من جميع بلاد العالم … قلِّبوا صحائف التَّارِيخ التي سجَّلَت أعمال محاكم التفتيش من جهة، وحياة مؤسسي المذاهب الدينية من جهةٍ أخرى … فإنكم تُضطَرون إلى التسليم بأن الاختلافات الدينية التي حدثَت في البلاد الأوروبية كانت — بوجهٍ عام — أوسع نطاقًا، وأكثر تنوعًا، وأشد عنفًا من التي حدثَت في العالم العربي.

وأما الاختلافات السياسية فأمرها يحتاج إلى بحثٍ أشمل، وتفكيرٍ أعمق، فيجب علينا أن نُلاحِظ قبل كل شيء، أن العرب انتشروا — بعد الهجرة النبوية — بسرعةٍ خارقة، في بقاعٍ واسعة جدًّا من القارات الثلاث المعلومة قديمًا، ففتحوا خلال قرنٍ واحد بلادًا أوسع بكثيرٍ مما فتحه الرومان خلال ثمانية قرون.

تَصوَّرُوا الاتساعَ الهائلَ الذي وصلَت إليه الدولة العربية في أوائل القرن الثامن للميلاد … تتبَّعوا حدود تلك الإمبراطورية التي كانت تمتد من سواحل بحر المحيط الأطلسي إلى شواطئ نهر السند وسهول كشغر، ومن سفوح همالايا إلى جبال البرنس والألب، ومن باب المندب إلى جبال القافقاس. وتذكَّروا في الوقت نفسه بساطة وسائط المناقلة والمواصلة ووسائل الحروب والسيطرة التي كانت معلومةً ومستعملةً في تلك العصور … ثم قولوا لي: كيف كان يمكن أن تبقى تلك السلطنةُ المتراميةُ الأطراف مصونةً من مَغبَّة الانقسام مدةً طويلة من الزمن، بالرغم من اختلاف الشعوب الكثيرة التي دخلَت تحت حُكْمها، وبالرغم من طول المسافات الهائلة التي كانت تفصل ثغورها عن عاصمتها، وضآلة الوسائط التي كانت تضمن اتصال هذه العاصمة بتلك الثغور.

قولوا لي: أيَّة سلطنةٍ من السلطنات التي يذكُرها التَّارِيخ القَديم والوسيط استطاعت أن تُسيْطِر على مثل هذه البقاع المترامية الأطراف، مدةً أطول من التي سيطر عليها العربُ دون أن تتعرض إلى اختلافاتٍ وانقسامات؟

لا ننسَ أن إمبراطورية إسكندر الأكبر — في القرون الأولى — تجزَّأَت بعد موت مؤسِّسِها، مع أنها كانت أصغر بكثير من الإمبراطورية العربية. كما أن إمبراطورية شارلمان — في القرون الوسطى — لم تسلم من الانقسام بعد موت عاهلها، مع أنها كانت قليلة الاتساع جدًّا بالنسبة إلى اتساع الدولة العربية في أواخر عهد الأُسرة الأُموية، أو أوائل عهد الأُسرة العباسية.

ولا ننسَ أن انقسام السلطنات والإمبراطوريات الكبيرة وانحلالها إلى إقطاعياتٍ صغيرة كانت من الأمور الطبيعية المألوفة في جميع أنحاء العالم المعروف في القرون الأُولى والوسطى.

ولذلك أعود وأسألكُم مرة أخرى: كم أُمَّةً من الأُمَم التي عرفها التَّارِيخ كانت أقل اختلافًا وأكثر اتحادًا من الأمة العربية من الوِجهة السياسية؟

اليونان؟ … ولكن التَّارِيخ يشهد شهادةً صريحة على أن هذه الأمة لم تتحد سياسيًّا في يوم من الأيام … كانت كل مدينةٍ من المدن اليونانية الكثيرة مملكةً قائمة بذاتها، دولةً مستقلة عن غيرها. وهذه الحالة كانت تبدو لليونانيين طبيعيةً وضرورية، حتى إن كبار مُفكِّريهم كانوا يُحبِّذون هذه الحالة، وكانوا يشاركون الرأي العام في هذا المضمار. وقد قال أفلاطون: إن عدد المواطنين في الدولة — أي الجمهورية — يجب ألا يزيد على خمسة آلاف. وقال أرسطو إن الدول يجب أن تكون صغيرةً حتى يستطيع جميع أفرادها أن يعرف بعضهم بعضًا معرفةً مباشرة.

في الواقع أن هذه المدن المستقلة — أي هذه الدويلات الصغيرة — كانت تتفق وتتحالَف من حينٍ إلى حين؛ لدرء الخطر الخارجي الذي يُحدِق بالجميع، غير أن هذا التحالُف كان لا يلبث أن ينفصم وينحل من جرَّاء تنافُس المدن الرئيسية على زعامة الحِلْف.

ومن المعلوم أن أشهر وأهم هذه المحالفات تكوَّنَت عند هجوم الميديين على بلاد اليونان. غير أن هذه المحالفة أيضًا لم تُعمَّر طويلًا، بل انحلَّت وزالت قبل أن يمضي على تكوينها عَقْدان من السنين!

وقد انقضى تاريخ اليونان السياسي بالمنافسات والمنازعات التي قامت بين أثينا وإسبارطة وكورنت. ومن المعلوم أن هذه المنافسات أدَّت إلى حدوث عدَّة حروبٍ دامية بين مختلف المدن اليونانية، كان أشهرها الحروب التي عُرِفَت باسم حروب البلوبونيز.

ولا ننسَ أن هذه الحروب التي اشتركَ فيها معظمُ المدن اليونانية هي التي أدَّت إلى تحطيم الأسطول الإسبارطي من جهة، وإلى تدمير أسوار أثينا من جهةٍ أخرى.

ولقد حدثت هذه المنافسات والمحاربات بين تلك الدويلات، مع أن مساحة البلوبونيز — مع شِبْه جزيرة آتيكا — كانت أقل من مساحة بعض المديريات في مصر، والمحافظات في سوريا، والمتصرفيَّات في العراق. ومع أن المسافة التي تفصل أثينا عن إسبارطة لا تختلف كثيرًا عن المسافة التي تمتد بين القاهرة والإسكندرية، وتقلُّ كثيرًا عن التي تفصل دمشق عن بغداد، وتتضاءل تمامًا أمام المسافات الشاسعة التي تفصل بغداد عن قرطبة، ولا سيما بلخ عن لشبونة.

إن هذه المئات من الدويلات اليونانية التي تقاسمت هذه الرقعة الصغيرة من الأرض ظلَّت متفرقةً متنافسة متخاصمة، ولم تجتمع تحت إدارةٍ واحدة إلا عندما دخلَت تحت حُكْم دولةٍ أجنبية.

ترون أيها الأستاذ أن الأُمَّة اليونانية لم تكن قَط في حالةٍ تُحسَد عليها من هذه الوِجهة.

وأما الرومان فلا شك في أنهم امتازوا بين أمم التَّارِيخ القَديم بالاتحاد والانتظام. والإمبراطورية التي أسَّسَوها عاشت مدةً أطول من مثيلاتها بوجهٍ عام.

غير أنه يجدُر بنا أن نلاحظ أن هذا الامتياز نتج عن توافُر عدة عواملَ وأوضاعٍ مساعدة لم تتيسر لغيرها أبدًا.

  • أولًا: أن السلطنة الرومانية تكونت بتدرُّجٍ عظيم، وهذا التدرُّج ساعد على رسوخ الأوضاع الجدِيدة واستقرارها مساعدةً كبيرة.
  • ثانيًا: أن الإمبراطورية الرومانية شَمِلَت جميع سواحل البحر الأبيض المتوسط. ولا حاجة إلى القول بأن روما كانت في نقطةٍ مركزية من هذا البحر، وقد ساعد ذلك كثيرًا على اتصال العاصمة بمختلف أقسام السلطنة عن طريق البحر بسرعة وسهولة، بالنسبة إلى وسائط النقل والمواصلة المعلومة في تلك العصور القَديمة.
  • ثالثًا: أن السلطنة الرومانية لم تتباعَد عن السواحل كثيرًا، ولم تتغلغل في الأقطار القاريَّة أبدًا. إنها لم تسيطر على جزيرة العرب ولا على ما بين النهرَين، فمعظم أقسام العراق، وجميع بلاد إيران وخُراسان، وما وراء النهر والأفغان ظلَّت خارجةً عن حوزة السلطنة الرومانية، وذلك قلَّل إلى حدٍّ كبير مشاكل الحكم التي تُلازم السلطنات المترامية الأطراف.

إن اجتماع هذه الأسباب الأساسية هو الذي ساعَدَ على إطالة عمر الإمبراطورية الرومانية، بالنسبة إلى ما كان معتادًا في القرون الأُولى والوسطى.

ومع كل هذا يجب ألا ننسى أن هؤلاء الرومان أيضًا لم يسلموا من آفات الاختلاف والتنافس، استعرضوا تاريخ روما بنظرةٍ فاحصة، ولاحِظوا كَم من المنازعات قامت بين مختلف الطبقات الاجتماعية، حتى في مدينة روما نفسها، وحتى في عهد الجمهورية! وكم من الحروب الداخلية نَشبَت بين القُوَّاد في عهد الإمبراطورية! وكيف أصبَحَت الجيوش ذات الكلمة النافذة في تنصيب الأباطرة! وكيف كانت الغلبة والكلمة العليا في هذا الأمر تارةً إلى الجيوش المرابطة في إسبانيا، وطورًا إلى الجيوش المرابطة في سوريا، وتارةً إلى الجيوش المرابطة في إفريقيا! وكيف أصبح الوصول إلى العرش رهن النجاح في مؤامراتٍ لا تُعَد ولا تُحصى!

وإذا لاحظتُم كل ذلك اضطُررتم إلى التسليم بأن الإمبراطورية الرومانية لم تَعِش سالمةً من الاختلافات، بل إنما عاشت بالرغم من الاختلافات. وأما أخلاف الرومان القدماء فلا ننسَ أنهم عاشوا متفرقين متخالفين مدة لا تقلُّ عن خمسة عشر قرنًا.

وإذا تركنا السلطنات القَديمة جانبًا، وانتقلنا إلى الدول المعاصرة لنا، وتتبَّعنا أحوالها الماضية — طوال القرون الوسطى وخلال النصف الأول من القرون الأخيرة — وصلنا إلى نتائج مماثلة لِمَا ذكرناه آنفًا.

ولنأخذ فرنسا مثلًا، فقد كان من المعلوم أنها أسبق الدول الأوروبية إلى الوحدة السياسية الكاملة، والتماسك القومي المتين، ولكنا إذا استعرضنا أحوالها خلال القرون التي ذكرناها آنفًا وجدناها بعيدة عن الوحدة كل البعد، ومسرحًا لشتى أنواع الخلافات والحروب.

أنا لا أَوَدُّ أن أُطيل الحديث في هذا الموضوع؛ ولذلك أكتفي بنقل كلمة كتبها مؤرخ فرنسا الشهير «أرنست لافيس» لتلخيص تلك الأحوال، قال المؤرخ:

«لقد مضى عهدٌ من التَّارِيخ كانت فرنسا فيه شبيهة بماكدونيا الحالية، منقسمة إلى أجزاءٍ كثيرة، متخالفة، متنابذة، متنافسة، متخاصمة. وقد وجب أن تسيل الدماء مدرارًا حتى تلتحم هذه الأقسام المختلفة، فتصل فرنسا إلى وحدتها الحالية …»

هذه كانت أحوالَ فرنسا التي سبقَت جميع الدول الأوروبية في طريق الاتحاد. وأما إذا أنعمنا النظر في تواريخ الدول الغربية الأخرى، فنجد فيها أيضًا أحوالًا مماثلة لذلك تجلَّت بمقياسٍ أوسع، وبشدةٍ أعظم، واستمرت مدةً أطول.

لا بد من أن نتذكر — في هذا الصدد — أن ألمانيا كانت منقسمة إلى أكثر من ثلاثمائة دولة ودويلة حتى أوائل القرن الماضي، وكانت لا تزال منقسمة إلى تسع وثلاثين دولة قبل ثمانين عامًا فقط!

إن اتحاد هذه الدول لم يتم إلا بعد جهودٍ كبيرة وتضحياتٍ عظيمة، وهذه الجهود قد اجتازت مراتٍ عديدة أطوارَ فشلٍ أليمة.

ولهذا كله أستطيع أن أقول بكل تأكيد: إننا كلما توسَّعنا وتعمَّقنا في دراسة تاريخ الدول الأوروبية، ازددنا يقينًا بأن معالم الاختلاف والانقسام فيها لم تكن قَط أقل من التي تجلَّت في تاريخ العرب بوجهٍ عام.

إني أقول هذا بكل تأكيد، مع علمي بأني أخالف بذلك آراءَ الكثرة الساحقة من الكُتَّاب والباحثين.

وقد فكَّرتُ مليًّا في الأسباب والعوامل التي حملت الرأي العام على التباعُد عن طريق الصواب في هذه القضية الهامة، وأعتقد أنني وصلتُ إلى معرفتها بكل وضوح:

إن مراكز رؤيتنا لتاريخ العرب تختلف — بوجهٍ عام — عن مراكز رؤيتنا لتواريخ الأُمَم الأخرى.

فنحن ننظر إلى تواريخ الأُمَم الأخرى عن بُعْد، نظرةً إجمالية، فندرك خطوطها الأساسية العامة، دون أن نتعمَّق في تفاصيلها الفرعية، ولكننا ننظر إلى تاريخ العرب من قُرْبٍ نظرةً تفصيلية، فنطَّلع على كثير من تفاصيله، دون أن نحيط علمًا بخطوطه الأساسية.

وأستطيع أن أقول: إن موقفنا تجاه التَّارِيخ العام موقفُ رجلٍ يتفرج على الجبل من السهل البعيد.

وأما موقفنا تجاه تاريخ العرب فهو موقفُ رجلٍ يسيرُ في قلب الجبل ويتغلغلُ في وِهاده.

ومن المعلوم أن الجبال تتألف عادةً من وهاد ووديان، ومرتفعات ومنخفضات، وهضابٍ ومنحدرات، فلا تبدو عاليةً شامخة إلا لمن ينظر إليها من بعيد، ويدرك شكلها العام دون أن يَتبيَّن خطوطها الفرعية المعقَّدة.

إن تواريخ الدول الأوروبية تبدو لنا جبالًا مرتفعة شامخة؛ لأننا ننظر إليها بنظر المؤلِّفين الأوروبيين، ومن الخارج ومن البُعْد، فلنغيِّر موقفنا منها ونظراتنا إليها، وذلك بالتغلغل فيها، نرَ عندئذٍ أنها مؤلَّفة من وِهادٍ ووديان بالرغم من منظرها الخارجي العام.

وأما تواريخ الدول العربية فتبدو لنا مجموعةَ مرتفعاتٍ ومنخفضات مشوَّشة ومعقَّدة؛ لأننا ننظر إليها بنظر الإخباريين القدماء، ومن داخلها، فلنغيِّر موقفنا منها، ولننظر إليها من بُعْد — نظرةً تسمو عن التفرُّعات — فنرى عندئذٍ أنها أيضًا مرتفعةٌ شامخة، وبالرغم مما فيها من وِهادٍ ووديان.

يجب علينا أن نضع هذه الحقيقة نُصْب أعيننا على الدوام، وأن نسعى لتوحيد نظراتنا إلى صحائف التَّارِيخ القومي والتَّارِيخ العام، ولنَعدِل عن استعمال نظاراتٍ مُكبِّرة للعيوب في الأُولى، ومُصغِّرة للعيوب في الثانية، كما اعتدنا ذلك إلى الآن.

وعندما نفعل ذلك نفهم حق الفهم أن الأحكام الشائعة بيننا على تاريخ العرب، إنما هي وليدةُ نظراتٍ خاطئة ومقارناتٍ قاصرة؛ ولهذا السَّبب كانت في حاجةٍ شديدة إلى التصحيح والتقويم بوجهٍ عام.

وأما ما ذكرتموه عن رأي ابن خلدون في هذه القضية فهو أيضًا في حاجة إلى إنعام النظر؛ فقد نقلتُم الفِقراتِ التالية من مقدمة هذا المفكِّر العظيم:

«والعرب أصعب الأُمَم انقيادًا بعضهم لبعض؛ للغلظة والأنفة وبُعْد الهمة والمنافسة في الرياسة، فقلَّما تجتمع أهواؤهم؛ من أجل ذلك لا يحصُل لهم الملْك إلا بصبغةٍ دينية من نبوة أو ولايةٍ أو أثَرٍ من الدين على الجملة.»

أنا أعرف أن ابن خلدون أبدى هذا الرأي في مقدمته المشهورة، ولكني أرى من الضروري أن نَفطِن جيدًا إلى ما يقصد من كلمة العرب الواردة في هذه الفِقرات، ثم نبحث عن نصيب رأيه هذا من الصحة والصواب.

من الأمور التي يجب أن تبقى نُصْب أعيننا على الدوام — حين نقرأ مقدمة ابن خلدون ونستشهد بها — أن مؤلفها كان يقصد من كلمة «العرب» العربان بوجهٍ خاص، وفقًا لِما هو مُتعارَف بين العوام، ولم يقصد قَط أفراد الأُمَّة العربية بوجهٍ عام، كما نفهمها ونتصورها نحن الآن.

إنني سردتُ الأدلة الكثيرة التي تُبرهِن على ذلك برهنةً قاطعة في عدة مقالات نشرتُها في بيروت وبغداد، وفي فصلٍ خاص من الدراسات التي كتبتُها عن مقدمة ابن خلدون، ولا أرى لزومًا إلى إعادة تلك البراهين والأبحاث في هذا المقام، ولكن لمَّا كانت الدراسات المبحوث عنها قد نفدَت، رأيتُ أن أنقل هنا نموذجَين من البراهين المسرودة فيها، وقد انتخبتُ أحدها من القسم الأول من المقدمة، والثاني من القسم الأخير منها، قلت:

فلنُلاحظ الفصل الذي يقول فيه ابن خلدون «إن العرب إذا تغلَّبوا على أوطانٍ أسرع إليها الخراب»، ولنُنعِم النظر في الأدلة التي يذكرها لتعليل رأيه هذا:

«فغاية الأحوال العادية كلها عندهم الرحلة والتقلُّب، وذلك مناقضٌ للسكون الذي به العمران ومنافٍ له، فالحجر مثلًا إنما حاجتُهم إليه أثافي للقِدر فينقلونه من المباني فيخرِّبونها عليه ويُعدُّونه لذلك. والخشب إنما حاجتهم ليعمروا به خيامهم، ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم، فيخرِّبون السقف عليه» (ص١٤٩).

ومن البديهي أن مدار البحث هنا لا يتعدى البدو الذين يعيشون تحت الخيام. ولا مجال للشك في أن ابن خلدون عندما كتَب هذه العبارات وقال: «لا يحتاجون إلى الحجر إلا لوضع القدور، ولا إلى الخشب إلا لنصب الخيام» لم يفكر قَط في أهل دمشق أو القاهرة، ولا بسُكَّان تونس أو فاس. إنما قصد أعراب البادية وحدهم.

وقال في الفصل الأخير من المقدمة: «وقد كنا قدَّمنا أن الصنائع من مُنتحَل الحضَر، وأن العرب أبعد النَّاس عنها؛ وصارت العلوم لذلك حضرية، وبَعُدَ العرب عنها وعن سُوقها» (ص٥٤٤).

يُلاحَظ أن ابن خلدون يذكر هنا كلمة العرب مرتَين مقابلًا لكلمة الحضر، بشكل لا يترك مجالًا للشك في أنه يقصد منها البدو على وجه التخصيص، ويُخرج من نطاق شمولها الحضر على الإطلاق. إني أرى من الضروري أن أَلفِت الأنظار إلى موضع الفِقرات الآنفة الذِّكر من أبحاث المقدمة. إن تلك الفقرات مستخرجَة من الفصل السابع والعشرين من الباب الثاني، وعنوان الباب المذكور هو: «العمران البدوي والأُمَم الوحشية والقبائل وما يعرض في ذلك من الأحوال»، وذلك أيضًا يدُل على أن ما جاء في هذه الثغرات يَنْصَبُ على الذين يعيشون في حالة البداوة، ولا يشمل الذين يعيشون في المدن. ومن المعلوم أن أحوال المدن والدول تكون موضوعات البابَين الثالث والرابع من المقدمة، والفقرة الآنفة الذِّكر لا تدخُل في نطاق البابَين المذكورَين.

وبناءً على كل ما تقدَّم يحق لنا أن نُعبِّر عن رأي ابن خلدون في هذه القضية وفق أسلوب كلامنا الحالي، بالعبارات التالية: «إن العرب — عندما كانوا في حالة الفطرة والبداوة — لم يستطيعوا أن يؤلِّفوا دولة، ويؤسسوا مُلْكًا، إلا عندما تأثَّروا بدين أو ولاية تُزيل عنهم التحاسُد والتنافُس، وتحملهم على الانقياد والاجتماع.»

ومن الغريب أن كلمات ابن خلدون في هذا المضمار — عندما تُفرغَ في هذا القالب — تُصبِح موافقةً تمام الموافقة للنظرية التي توصَّل إليها علماء الاجتماع في العصر الحاضر عن منشأ الملْك بوجهٍ عام؛ لأن أصحاب هذه النظرية يقولون إن الممالك لم تتكون في بادئ الأمر إلا بفضل المعتقداتِ الدينية.

إن الأبحاث التي قام بها عددٌ كبير من العلماء والمفكرين، مستندين إلى المعلومات التي جمعوها عن أحوال الأقوام البدائية من جهة، وعن تواريخ الدول القَديمة من جهةٍ أخرى، قد أوصلَتْهم إلى هذه النظرية، فقالوا: إن تكوُّن الجماعات السياسية الكبيرة والممالك العظيمة، في القرون القَديمة، لا يمكن أن يُفسَّر إلا بتأثير الاعتقادات الدينية، على اختلاف أنواعها وأطوارها، فالاعتقاد بقُوًى خارقة للعادة — من الاعتقاد بالقوى السحرية إلى الإيمان بالقوة الإلهية — هو الذي مهَّد السُّبُل إلى تكوُّن الجماعات الكبيرة، واستقرار الحياة السياسية في أطوار البداوة والهمجية.

وقد كتب الباحث الإنكليزي المشهور «فرايزر» كتابًا ضخمًا ضمَّنه أمثلةً وبراهينَ كثيرة، تدُل على أن المَلَكية نشأَت من الاعتقادات السحرية، كان النَّاس يخضعون للمَلِك لاعتقادهم بأنه يتمتَّع بقوةٍ سحرية، وكانوا يرون من الطبيعي أن يخلُفه ابنُه؛ لاعتقادهم بأن هذه القوة السحرية تنتقل منه إليه.

وقد برهن المؤرخ الفرنسي المشهور «فوستل دو كولانج» — في كتابه المدينة القَديمة — أن الحياة السياسية عند اليونان والرومان أيضًا قامت على بعض الاعتقادات والعبادات.

وقد لاحظ جميع المؤرخين أن الاعتقاداتِ الدينيةَ لَعِبَت دورًا هامًّا في سياسة دول القرون الأولى، والاعتقادات الدينية السياسية اجتازت مراحلَ عديدة ومتنوعة؛ الملك إله … الملك ابن الإله … الملك من نسل الآلهة … الإله يتقمَّص جسد الملك … الإله ينفخ في الملك شيئًا من روحه … الإله يمد الملك بإلهاماته … هذه أشكالٌ مختلفة — وأطوار متتالية — من الاعتقادات التي كانت تربط المَلَكية بالدين، وتُساعِد على جمْع طوائفَ كبيرةٍ من النَّاس تحت إدارةٍ واحدة، في تلك القرون القَديمة.

أنا لا أرى هنا مجالًا لذِكْر الأمثلة والبراهين والنصوص التي تؤيد هذه النظرية؛ ولذلك سأكتفي بالإشارة إلى كتاب «تيارات التَّارِيخ العالمي العظيمة» الذي نشَره أخيرًا «جاك بيرين» أستاذ التَّارِيخ في جامعة بروكسل. تصفَّحوا المجلد الأول من هذا الكتاب القيِّم (وهو المجلد الذي يُلخِّص التطورات التَّارِيخية التي حدثَت في العالم منذ القِدَم حتى ظهور الإسلام)، تجدوا في كل فصلٍ من فصوله تقريبًا بعض الأبحاث التي تنمُّ عن الترابط المتين، الذي كان قائمًا في تلك العصور القَديمة، بين تطوُّر الحوادث السياسية وبين تقلُّب المعتقدات الدينية.

لا شك في أن الحروب كانت تلعب دورًا أساسيًّا في توسُّع الممالك وتكوُّن الإمبراطوريات؛ فإن مَلِك قُطْر من الأقطار يستولي على مدن وأقطارٍ أخرى بقوة السلاح، ويُوسِّع حدود ملْكه عن طريق الفتوح العسكرية. غير أن نتائج هذه الفتوح ما كانت تدوم وتستقر إلا إذا دعمَها شيء من التفاعُل والتزاوُج والتلاقُح بين معتقدات البلاد الفاتحة وبين معتقدات البلاد المفتوحة. وهذا التفاعل كان يأخذ أشكالًا مختلفة؛ تارةً كان الاعتقاد ينتشر بأن آلهة جميع تلك البلاد لا يختلف بعضهم عن بعض إلا بالأسماء، فكان يصبح الملك ممثلًا لآلهة البلاد الفاتحة والمفتوحة على حدٍّ سواء. وطورًا كان يتولَّد الاعتقاد بأن إله الملك الفاتح هو الإله الأكبر وأما آلهة البلاد المفتوحة فهي من أتباع ذلك الإله الأعظم … وعلى كل حالٍ كانت هذه المعتقدات المتنوعة تساعد — إلى حدٍّ كبير — على خضوع أهالي البلاد المفتوحة للحكم الجدِيد خضوعًا نفسيًّا، فكانت تُقلِّل أو تزيل الحاجة إلى استعمال القُوة والقَسوة لإدامة ذلك الخضوع.

ولا أرى حاجة إلى القول بأن أمثال هذه المعتقدات الدينية السياسية ما كان يمكن أن تدوم بعد انقضاء عهود الوثنية القَديمة. ومع هذا أرى من الضروري أن أُشير إلى نظرية «سياسية دينية» سادت على الأذهان في أوروبا — في عهد تكوين الممالك — حتى القرن الثامن عشر، وهي النظرية القائلة بأن الملوك يحكمون بتفويض من الله. ومما لا مجال للشك فيه أن هذه النظرية كانت بمثابة «الأصداء الأخيرة» لتلك المعتقدات القَديمة التي شرحناها آنفًا.

وخلاصة القول أن الأبحاث التَّارِيخية والاجتماعية تدُل دلالةً قاطعة على أن خضوع النَّاس إلى أحكام السلطات لم يتيسر — في بادئ الأمر — إلا بفضل المعتقدات الدينية.

ويظهر من ذلك — بكل وضوح — أن ما قاله ابن خلدون في مقدمته المشهورة عن العرب في طور البداوة، لا يختلف عما يقوله العلماء والمفكرون المعاصرون عن الأُمَم القَديمة بوجهٍ عام.

فنستطيع أن نقول — بكل تأكيد — إن تاريخ العرب لا يشذُّ عن تواريخ سائر الأُمَم من هذه الوِجهة أيضًا.

٢

بعد هذه النظرات الانتقادية التي وجَّهناها إلى المقدمات التَّارِيخية، يجدُر بنا أن نرجع إلى السؤال الأصلي لنرى: هل الشقاق طبْع في العرب؟

إن المقارناتِ التي قمنا بها آنفًا بين تاريخ الأُمَّة العربية وبين تواريخ الأُمَم الأخرى من وِجهة الشقاق، تُسهِّل علينا الإجابة عن هذا السؤال إجابةً مبنية على قياسٍ صحيح واستقراءٍ تام:

إن الشقاق وليد الأنانية، والأنانية طبْعٌ غريزي في الإنسان، وجماح هذه الأنانية لا يكبحها إلا التَّربية الاجتماعية المتينة، والتشكيلات الحكومية القوية، والنزعة المثالية الفعالة، والإيمان الديني أو القومي أو الوطني العميق.

ففي كل أمة من أمم الأرض، وفي كل دور من أدوار التَّارِيخ، يظهر أُناس تتغلب في نفوسهم الأنانية على العوامل التي ذكرناها آنفًا، ولكن الرأي العام من جهة، والقوانين الموضوعة من جهةٍ أخرى، تُعاقِب هؤلاء وتَعزِلهم عن المجتمع بصورٍ شتى ووسائطَ متنوعة، وتجعلهم عِبرة للآخرين، فتحُول بذلك دون استفحال هذه الأنانية وانتشارها بين الناس.

غير أنه يأتي أحيانًا في كل أمة من أمم الأرض بعض الأدوار من التَّارِيخ تضعُف فيها هذه القوى الوازعة، فتَنفَلِت الأنانيات عن عِقالها، وتتضاءل تأثيرات الرأي العام فيها، فتَقِلُّ سلطة الحكومات عليها، وكل ذلك يؤدي إلى ازدياد الشقاق وانتشار الخلاف بين الناس.

هذا ما حدث، وما يحدث، وما سيحدث في كل أمة من الأُمَم، وفي جميع أدوار التَّارِيخ.

وليس في طباع العرب ما يجعلها شاذةً عن سائر الأُمَم في هذا المضمار.

هذا هو جوابي، يا صديقي الأستاذ، عن السؤال الذي وجَّهتموه إليَّ:

لا يوجد في طباع الأُمة العربية ما يجعلها شاذةً عن سائر الأُمَم في أمر الاتفاق والانشقاق.

يجب علينا أن نعرف ذلك حق المعرفة، كما يجب علينا أن نعتقد اعتقادًا جازمًا بأن طبائع الأُمَم لا تبقى على وتيرةٍ واحدة على مر العصور. وقد صدق من قال: «إن من يتوهم الاستقرار في طبائع الأُمَم كمن ينشدُ البقاء في الموجات التي تحدث على سطح الماء عندما ترمي حجرًا فيها.» فإن الماضي لا يُقيِّد الحاضر تقييدًا مطلقًا. وتحقُّق الوحدة والاتفاق في الماضي لا يكفي لدرء أخطار التفرقة والشقاق في الحاضر، كما أن حدوث التفرقة والشقاق في الماضي لا يمنع الاتحاد في المستقبل.

فيجب علينا أن نتخلَّص من نزعة الانشغال بالماضي كثيرًا، وأن نُقلِع عن الالتفات إلى الوراء دائمًا، فلا يجوز أن نُحاوِل تبرير مساوئنا الحالية بنقائص أسلافنا الأقدمين، ولا أن نسعى لإلقاء مسئولية نكباتنا على عاتق تاريخنا القَديم، ولا يسوغ لنا — على وجه خاص — أن نستسلم إلى دواعي الخَوَر والكسل، وأن نتقاعس عن الكفاح والعمل، بحُجة أن الحالة الحاضرة نتيجةٌ حتمية لطبائع الأمة، ولمجرى تاريخها العام.

لا ريب في أن حالتنا الحاضرة سيئة للغاية، والنكبات التي مُنينا بها أخيرًا كانت في منتهى الفظاعة، كما أن الأخطار التي تُهدِّد مستقبلنا عظيمةٌ جدًّا.

غير أنه يجب علينا أن نعلم العلم اليقين أن أسباب ذلك لا تعود إلى طبائع أُمتنا، ولا إلى ماضينا البعيد، بل إنما تعود إلى أخطائنا نحن، وإلى أحوال ماضينا القريب. إني لن أحاول في هذا المقام أن أُحلِّل وأسرد الأسباب التي أدت إلى نكباتنا الأخيرة واستوجَبَت فشلنا الأليم، ولن أبحث عن الأشخاص الذين يجب أن يُعتبروا مسئولين عن هذا الفشل وتلك النكبات. ومع هذا سأقول بلا تردُّد: إن أهم الأسباب — في نظري — هو بقاؤنا بعيدين عن تفهُّم وتمثُّل روح العصر الذي نعيش فيه، وتقصيرنا في التسلُّح بسلاح العلم الحقيقي.

غير أني أرى أن هناك سببًا آخر ربما كان أبعد أثرًا وأشد خطرًا من كل ذلك، هو ضعف إيماننا بقضايانا القومية، وعدم إقدامنا على معالجة تلك القضايا بعزم وحزم.

إننا لم نستجمع قُوَانا المادية والمعنوية، ونحشدها لتحقيق هدفنا الأسمى، بل إنما عملنا بتراخٍ وتردُّد، بدون عزم قوي وتنظيم متين وإيمان عميق، فأضعنا بذلك فرصًا كبيرة، وانتهينا إلى فشلٍ ذريع.

ومهما يكن الأمر يجب علينا ألا نقطع الأمل في النجاح في المستقبل وألا نتأخر عن إعادة الكرَّة بإيمانٍ أعظم؛ إذ يجب علينا ألا ننسى أنه ما من أمةٍ وصلت إلى الكمال الذي تنشده إلا بعد أن اجتازت عقباتٍ كثيرة، وذاقت مرارة الفشل مراتٍ عديدة، واضطُرت إلى تضحياتٍ كبيرة.

إن الأُمَم الحية الوثَّابة تتعظ بالنكبات، فتندفع إلى العمل وتُواصِل الكفاح بحرارة أشد وعزم أمتَن، كما أنها تغضب من الفشل وتستفيد من دروسه، فتعيد الكرَّة لتضمن النجاح ولو بعد حين.

وأستطيع أن أقول: إن الإيمان القوي العميق بإمكانيات أُمتنا، والعمل الحازم المتواصل لتحقيق غايتنا، والاستعداد التام للكفاح مصحوبًا بروح التضحية الحقيقية، ومدعومًا بالأمل الذي لا يُقهر …

هذه هي أهمُّ ما يترتَّب علينا من واجباتٍ بعد هذه النكبات.

أقول هذا وأنا ألمَحُ معالم الخَوَر والقنوط باديةً على معظم الوجوه، وهمسات الشك والاعتراض منتشرة في كل الجهات … وكأني أسمع سلسلةَ أسئلةٍ اعتراضية تُقابِل ما قلتُه آنفًا: ألا تدرك هول النكبات التي نزلَت بنا أخيرًا؟ أفلا تُلاحظ فظاعة الاختلافات التي تَهزُّ كيانَ جامعة الدول العربية هزًّا عنيفًا؟ ألا تشعُر بالأخطار التي صارت تُهدِّد مُستقبلَنا في عُقْر دارنا؟ …

نعم إني أدرك وأشعر وأُلاحظ كل ذلك إدراكًا تامًّا وشعورًا عميقًا وملاحظةً دقيقة، وأتألَّم من كل ذلك ألمًا شديدًا.

ومع هذا أرى من حقي أن أسأل بدوري: ألم تُبْتَلَ أممٌ كثيرة بنكباتٍ مثل هذه، بل وأشد منها؟ فهل كانت نكبة بروسيا وألمانيا بعد واقعة ينا — مثلًا — أقل هولًا وفظاعةً من نكبتنا الحالية؟ ومع ذلك ألم يستطعِ الألمان أن يتخلَّصوا من آثار تلك النكبة؟

وهل كان فشل مؤتمر فرانكفورت في ألمانيا — قبل قرنٍ واحد من يومنا هذا — أقلَّ خطرًا من فشل مجلس جامعة الدول العربية هذه السنة؟ ألم يقُل بعض الساسة — عقب انحلال المؤتمر المذكور: «إن الألمان فقدوا حتى قابلية الدفاع عن أنفسهم؟» ألم يتساءل بعض الكُتَّاب عندئذٍ قائلين: «أين هي ألمانيا؟ هل لها وجودٌ في غير مُخيِّلة بعض الشعراء وأحلام بعض رجال السياسة؟!» ومع كل ذلك ألم تتحقَّق وحدة ألمانيا في حياة مَن حضروا مؤتمر فرانكفورت الفاشل؟

وبناءً على هذه الملاحظات أقول بلا تردُّد: لا يجوز لنا أن نترك مجالًا لتسرُّب الخَوَر والقنوط إلى أنفسنا. ويجب علينا أن نعلم علم اليقين أن النكبة لا تصل إلى حدها الأقصى إلا عندما تُثبِّط العزائم، كما أن الفشل لا يصبح تامًّا إلا عندما يؤدِّي إلى التقاعُس عن مواصلة العمل والكفاح …

فعلينا أن نحذر كل الحذر من العمل على زيادة النكبة وإتمام الفشل بالاستسلام إلى القنوط والخَوَر …

(٢) تعليقات

علَّق الأستاذ الكبير أحمد حسن الزيَّات على المقالة السابقة بمقال عنوانه: «تعليق على جواب»، وفيما يلي نص هذا التعليق مع ملاحظاتي عليه، وقد قسَّمتُ التعليق إلى ستة أقسام، وكتبتُ ملاحظاتي على كل قِسْم على حدة.

١

سألتك: هل الشقاق طبْع في العرب؟ فأجبتَني أن الشقاق طبعُ في جميع الناس، وكما سُقتُ إليكَ في سؤالي شهادة التَّارِيخ على شقاق العرب في الجاهلية والإسلام، وفي البداوة والحضر، وفي الدين والسياسة، وفي الشدة والرخاء، سُقتَ إليَّ في جوابك شهادةً على شقاق اليونان والرومان والفرنسيين والألمان في كل أولئك! وقصر الشقاق على العرب، والخلاف على المسلمين، لم يخطُر ببالي حين وجَّهتُ إليك سؤالي؛ فإن من يقصر الخلاف في حياة النَّاس على بعض دون بعض كمن يقصر التقلُّب في حال الطبيعة على أرض دون أرض، والله العليم بكل سر والشهيد على كل أمر يقول: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاس أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ …. إنما قصدتُ بسؤالي أن أواضعك الرأي في طبيعة الشقاق العربي الذي لم يَحسِمه الدين ولم تُخفِّفه التجارب: أيصدُر عن علةٍ تزول، أم يصدر عن جِبلَّةٍ تبقى؟

ملاحظاتي على التعليق

إن جوابي كان يتضمن ردًّا صريحًا على هذا السؤال: أنا لا أعتقد بوجود «جبلة تبقى» في الأُمَم بوجهٍ عام، فلا أعتقد بوجود «جبلةٍ تبقى» عند العرب أيضًا، بطبيعة الحال.

وقد ذكرتُ بعض الشواهد التَّارِيخية على تغيُّر طبائع الأُمَم، بتغيُّر الأحوال والأطوار. ولزيادة التأكيد أوَدُّ أن أنقل إليكم ما كتبَه أحد كبار مؤرِّخي فرنسا عن أحوال الألمان في القرن السابع عشر.

يقول «أرنست لافيس» في كتابه «نظرة عامة إلى تاريخ أوروبا السياسي» ما يلي:

«إن أعظم الحروب بين آل بوربون وآل هابسبورغ — يعني بين فرنسا وبين النمسا — وقعَت على مسرح البلاد الألمانية، والسياسة الفرنسية وجدَت مجالًا واسعًا للعمل في جسم الإمبراطورية المتفكِّك. إنها كانت ترشو وتشتري الأمراء البروتستان؛ لكونهم أعداءً طبيعيين للنمسا الكاثوليكية، كما كانت ترشو وتشتري الأمراء الكاثوليك؛ لكونهم أعداءَ السلطة الإمبراطورية بصفتهم أمراء. كان الساسة في فرنسا يعرفون سعر «أمير من الطبقة الفلانية أو الطبقة الفلانية»، أو سعر وزير أو مستشار أو خليلة. وكان لدى قصر فرساي تعرفةٌ مفصَّلة عن الضمائر الألمانية.»

إذن، فإن الأنانية والنفعية والشقاق … كانت وصلَت في ألمانيا إلى هذا الحد الفظيع. ولكن كل ذلك لم يمنع الألمان من أن يتخلَّصوا من جميع هذه الأنانيات والنفعيات، وأن يصبحوا فيما بعدُ أشدَّ اتحادًا وأقوى تماسُكًا من جميع أمم الأرض.

كيف كان يستطيع مُفكِّرو الألمان أن ينهضوا بأمتهم النهضة المعلومة لو كانوا اعتقدوا أن الشقاق جبلَّة فيها؟

وإذا كان الألمان قد تطوَّروا فعلًا، وانتقَلوا من تلك الحالة التي وصفها لافيس إلى الحالة التي عرفناها فيهم في عصرنا هذا … فكيف يجوز لنا أن نتشَكَّك في إمكان تطوُّر الأمة العربية، ونتساءل فيما إذا كان الشقاق طبعًا في العرب وجبلَّة فيهم لا تزول؟

كلَّا أيها الأستاذ، إن الشقاق عند العرب ليس جبلَّة لا تزول، بل هو علة من العلل التي تزول … على شرط العمل لمعالجتها عملًا جديًّا، بطبيعة الحال.

هذا، ويجب ألا ننسى أن أول شرطٍ من شروط الشفاء في كثيرٍ من الأمراض والعلل، في الأفراد وفي الأُمَم على حدٍّ سواء، هو الاعتقاد بإمكان الشفاء.

والمريضُ الذي لا يعتقدُ بالعلاج، ويقطعُ الأملَ من الشفاء، يكون قد ضاعف المرض وزادَه خطرًا.

٢

والذي رابني من هذا الشقاقِ ما أراه اليوم من تمرُّده على الميثاق الجامع، وخروجه على الرأي الجميع، وتحدِّيه للخطر المشترك، لشهوةٍ تستبد ببعض النفوس، أو لنزوةٍ تعصف ببعض الرءوس، لا لفلسفةٍ تبرر سياسة الفُرقة كما كان عند الإغريق، ولا لاجتهادٍ يتوخَّى سلامة الجماعة كما كان عند الرومان.

ملاحظاتي على التعليق

هنا أجد نفسي — مع الأسف — أمام مثالٍ جديد لِما قلتُه مرارًا، عن اعتيادنا في النظر إلى تاريخنا بمنظارٍ يختلف عن المنظار الذي ننظر به إلى تواريخ الأُمَم الأخرى.

صحيح، إن الشقاق عند العرب هو «لنزوة تعصف ببعض الرءوس، أو لشهوة تستبد ببعض النفوس»، ولكن، ألم يكن الأمرُ كذلك عند الأُمَم الأخرى أيضًا؟ إنكم تجيبون على هذا السؤال بالنفي؛ إذ تقولون بأنه عند اليونان «الفلسفة تُبرِّر الفُرقة»، وعند الرومان «الاجتهاد يتوخى سلامة الجماعة».

ولكني أسألكم أيها الأستاذ: ما هي قيمة هذه الفلسفة؟ وما هو وزن هذا الاجتهاد؟

وإذا كانت فلسفة من الفلسفات قد تُبرِّر بقاء مدينة أثينا مستقلةً عن مدينة إسبارطة، فلا أدري أية فلسفة من الفلسفات تستطيع أن تُبرِّر نشوب الحرب بين المدينتَين واستمرارها بشدةٍ متناهية، إلى أن تتهدَّم أسوار الأُولى وتَفنَى أساطيل الثانية؟

ولا أدري اي اجتهاد يتوخى سلامة الجماعة يستطيع أن يُبرِّر الثورات والحروب التي كانت تقوم في روما، بين قُوَّاد الجيوش، كلما مات أحد الأباطرة وشَغَر كرسي الإمبراطور؟

أفلا يحق لي أن أُكرِّر ما قلتُه مرارًا، بأننا ننظر إلى تاريخنا بمناظرَ سوداء، في حين أننا ننظر إلى تواريخ الأُمَم الأخرى بمناظرَ وردية الألوان؟

كلَّا أيها الأستاذ، نحن هنا أمام وقائعَ متماثلة تمام المماثلة. لماذا نعتبر إحداها من آثار النزوات والشهوات ونعتبر الثانية من ثمرات الفلسفات والاجتهادات؟

٣

أما قولُك يا صديقي أن العرب ليسوا بِدْعًا من الأُمَم في الشقاق والانشقاق، فإني كنتُ أرفعهم في نفسي وفي رأيي فوق ذلك؛ لأن الأُمَّة العربية إحدَى أُمتَين اختارهما الله لإعلان دينه وإعلاء حقه، فبعث آخِر رُسله من بينها، وأنزل دستور شَرعه بلسانها، ووضَع ميزانَ عدله في يدها، فإذا هي أصاخت كغيرها إلى صوت الغريزة، واستجابت لدعاء الهوى، لم تكن حَرِيَّة بقول الله فيها: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ، ولا بقوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ.

ملاحظاتي على التعليق

أنا لم أتعوَّد المناقشة في المسائل الدينية، ولكن تجاه الآيات القرآنية التي استشهدتُم بها، أراني مضطرًّا إلى القول بأن هذه الآيات القرآنية كان يجب أن تُزيل من ذهنكم كل أنواع الشكوك في هذا الأمر، وكان يجب أن تحملكم على القول، بدون تردُّد، إن الشقاق لم يكن «جبلَّة تبقى» في العرب.

وذلك لأنه كيف يُعقل أن يختار الله «أمة لإعلان دينه وإعلاء حقه» بعد أن يجعلها «مجبولة بالشقاق»؟ وكيف كان يمكن أن يأتي قول الله فيها: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ … لو كانت هي مجبولة بالشقاق والنزوات والشهوات، ولا سيما لو كانت هذه الأوصاف فيها جبلةً تبقى، لا علةً تزول؟

٤

وأما تفسيرك العرب بالبدو في قول صديقك ابن خلدون فلا يؤخر في التهمة ولا يُقدِّم في الدفاع؛ لأنك تعلم أن الموج من العُباب، وأن العرب من الأعراب، وأن العصا من العُصَية، والطباع قلَّما تتغير بانتقال صاحبها من سُكنى الوبر إلى سُكنى الحجر، ومن رعاية الإبل إلى رعاية الناس.

ملاحظاتي على التعليق

اسمحوا لي أيها الأستاذ، أن أقول إن قولكم إن «الطباع قلَّما تتغير بانتقال صاحبها من سُكنى الوبر إلى سكنى الحجر، ومن رعاية الإبل إلى رعاية الناس …» يخالف أثبتَ حقائق علم الاجتماع؛ لأن الأبحاث الاجتماعية تدُل دلالةً قاطعة على أن أهم عوامل الحياة الاجتماعية هو «بناء المجتمع»، وأن طباع الأقوام التي تعيش في حالة البداوة تختلف أشد الاختلاف عن طباع الأقوام التي تعيش عيشة الحضر.

وأنا أجزم بأن تفطُّن ابن خلدون إلى هذه الحقيقة الاجتماعية كان من أَبرزِ آثار العبقرية التي أَظهَرَها في مقدمته المشهورة.

لأنها تُعتبر الآن من أهم حقائق علم الاجتماع.

٥

وأما تعليلُك هذه الصدعات التي أصابت العروبة فمزَّقَت الكلمة، وفرَّقَت الدين بسرعة الفتح، واتساع الرقعة، ومئونة الانتقال، وصعوبة الاتصال، فيُضعِفه علمُك بأن الصدعة الصغرى كانت في «السقيفة» بعد أن قُبِضَ الرسول، وأن الصدعة الكبرى كانت في «الدار» بعد أن قُتِلَ عثمان.

ملاحظاتي على التعليق

اسمحوا لي أيها الأستاذ أن أخالفكم في هذه القضية أيضًا، مع علمي بأن مخالفتي هذه ستكون بمثابة خروجٍ على الرأي الذي أجمع عليه المفكرون والمؤرخون منذ قرون وقرون. ويلوح لي أنكم تغالون كثيرًا في تقدير خطورة حادثة السقيفة ومقتل عثمان مغالاةً لا يجيزها النقد التَّارِيخي؛ لأنكم تعتبرون الحادثة الأولى «الصدعة الصغرى»، والثانية «الصدعة الكبرى»، وأما أنا فأبدأ بتجريد ذهني من جميع الآراء والتقديرات التي كنتُ تلقَّيتُها قَبلًا من الكُتب التي قرأتُها، ثم أحاول تقدير أهمية الواقعتَين المذكورتَين بنتائجهما الحقيقية، فأُلاحِظ أن حادث السقيفة لم يمنع انتصار العرب على السلطنتَين العظيمتَين القائمتَين عند ذاك، في اليرموك والقادسية، كما أن مقتل عثمان لم يَحُلْ دون توسُّع الفتوحات العربية من سواحل المحيط الأطلنطي إلى نهر السند وديار كشغر، بسرعةٍ خارقة للعادة، لم يسجل التَّارِيخ لها مثيلًا.

وأستنتج من ذلك أن تأثير هاتَين الحادثتَين في سير التَّارِيخ لم يكن كبيرًا إلى درجة تُخوِّلنا اعتبارهما الصدعة الصغرى والصدعة الكبرى.

٦

لا يا صديقي، إن الفردية هي علَّتنا الأصيلة، وإن العصبية هي داؤنا الموروث، وإن هاتَين الرذيلتَين هما جماع الآفات التي مُنِيَ بها العرب، وعُنِيَ بعلاجها الإسلام. وقد فصَّلتُ ذلك في مقالَين نُشِرا في «وحي الرسالة». والدليل قائمٌ اليوم يا صديقي على أن الفردية والعصبية لا تزالان تُوهنان البناء، وتحللان العقدة، وتُفرِّقان الجماعة.

ملاحظاتي على التعليق

وأنا أوافقكم على ذلك. إنما الذي أُخالفُكُم فيه هو «الشك» في إمكان التخلُّص من هذه الرذائل و«الظن» بأنها جبلَّة تبقى وعلَّة لا تزول.

فلنُبعد من أذهاننا هذه الشكوك والظنون، ولنؤمن بإمكان إصلاح أحوال أُمتنا؛ لكي نستطيع أن نعالجها معالجةً مُجدية.

أنا أشارككم في نقد أحوال العرب الحاضرة، وفي إنزال اللائمة عليها، ولكني أقول في الوقت نفسه: لقد اجتازت أممٌ كثيرة أمثال هذه الأزمات، ولكنها تغلَّبَت عليها بفضل جهود أبنائها البَرَرة.

لماذا لا نقتدي بهؤلاء لمكافحة العصبية والفردية اللتين «لا تزالان تُوهنان البناء، وتحللان العقدة، وتُفرِّقان الجماعة»؟

١  كُتِبَ جوابًا على سؤال للأستاذ الكبير أحمد حسن الزيَّات، ونُشِرَ في مجلة الرسالة سنة ١٩٤٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤