الفرعون نيكاو ٦٠٩–٥٩٤ق.م

ني كاو وحم أب رع

(١) مقدمة

نيكاو: ذكر «أونجار»١ في كتابه عن تأريخ «مانيتون» ص٢٧١ أن هذا الملك هو نيكاو الثاني، أما «هردوت» (Herod. II, P. 158) فقد لفظه «نيكوس». وجاء ذكره في العهد القديم بلفظة «نخو»، وهو الملك «نخوس» الذي جاء اسمه في الورقة الإغريقية التي عثر عليها «صولت» في «طيبة»، وهو الاسم الذي وحده «فيدمان» بنيكاو الثاني (Geschichte Aegypten. P. 156)، والظاهر أنه في الواقع «نيكاو الأول» لا الثاني (راجع L. R. III P. 414). و«نيكاو» الثاني هو ابن «بسمتيك الأول» (راجع Herod. II 158)، وقد اختلف المؤرخون في مدة حكم هذا الملك فيقول «مانيتون»: إنه حكم ست أو تسع سنوات، وذلك حسب اختلاف روايات من نقل عن «مانيتون»، فيقول كل من «أفريكانوس» و«يوزيب»: إنه حكم ست سنوات. وجاء في «سنسيل» أنه حكم تسع سنوات Cf. Wiedemann, Ibid. P. 116، أما على الآثار فأعلى رقم لحكمه هو السنة السادسة عشرة. (راجع L. R. III P. 88).

(٢) الحالة العامة عند تولي «نيكاو» عرش الملك

تولى الملك بعد موت «بسمتيك» ابنه «نيكاو» في عام ٦٠٩ق.م، والواقع أنه ورث عن والده ملكًا ثابت الأركان قائمًا على أسس وطيدة، ولا أدل على ذلك من أن حادث توليه عرش الكنانة قد مر دون قيام أي معارضة أو شغب من قبل أي أمير من الأمراء الإقطاعيين الذين سلبهم والده فيما مضى ملكهم. وقد كان أول ما وجه همه إليه «نيكاو» هو السياسة الخارجية، فبعد سقوط «نينوه» قام أمير آشوري يدعى «آشور بالليت» الثاني في مدينة «حران»، واستولى عليها ولقب نفسه ملكًا هناك عام ٦١١ق.م، وبقي فيها حتى حوالي عام ٦٠٦ / ٦٠٥ق.م، وقد نشبت بينه وبين «نابوبولصر» ملك بابل حرب ضروس في عام ٦١١ق.م، وفي عام ٦١٠ق.م استولى الميديون بمساعدة السكتيين على «حران»، وقد اضطر الملك «آشور-بالليت» إلى التقهقر مجتازًا نهر «الفرات». والواقع أن تغيير الجالس على عرش مصر لم يحدث أي تغير في السياسة الخارجية المصرية. وكل ما نعرفه في هذا الصدد أنه في باكورة عام ٦٠٩ق.م سار جيش مصري عظيم إلى بلاد آسيا، وانضم إلى الجيش الآشوري، غير أنه لا يمكننا أن نحكم إذا كان ذلك قد حدث في حياة الملك «بسمتيك الأول» أو بعدها بقليل. وعلى أية حال زحف جيش مصري، ومعه الجيش الآشوري في صيف عام ٦٠٩ق.م في شهر «دوز»، وعبر نهر الفرات وتغلب الجيشان على فرقة من الجيش البابلي، ولكن مع ذلك لم يظفر الجيشان بالغرض المقصود، وهو استعادة بلدة «حران». وعلى ذلك تحرك «نابوبولصر» بنفسه على رأس جيش لمساعدة حاميته.

ومما يؤسف له جد الأسف أن المصدر الوحيد الذي استقينا منه معلوماتنا عن هذه الحروب، قد وجد مهشَّمًا عند هذه النقطة، ولم يبقَ لنا منه إلا بعض قطع صغيرة لم نستخلص منها شيئًا يذكر (راجع Luckenbill, Ibid. § 1184/5).

أما حوادث السنين التالية لذلك فيحدثنا عنها كتاب العهد القديم (كتاب الملوك الثاني الإصحاح ٢٣ سطر ٢٩) حيث يقول: في أيامه صعد فرعون «نيكاو» ملك مصر على ملك آشور إلى نهر الفرات، فصعد الملك «يوشيا» للقائه فقتله في «مجدو» حين رآه.

ولكن نعلم اليوم من حوليات المؤرخ «جاد» أن الغرض من المشروع المصري في هذه السنة، كان على النقيض تمامًا مما جاء في الرواية اليهودية؛ أي إن «نيكاو» كان قد زحف بجيشه لمعاضدة «آشور بالليت»، ولكن قبل أن نتحدث عن دخول «نيكاو» في ساحة القتال في عام ٦٠٨ق.م لا بد أن نلقي نظرة خاطفة على الأحوال في بلاد «يهوذا» وقتئذ؛ لأجل أن نتفهم الموقف على الوجه الأكمل.

كانت مملكة «يهوذا» منذ عهد الملك «سنخرب» وحصاره لبلدة «أورشليم» عام ٧٠١ق.م تابعة لبلاد آشور، غير أنها في السنين العشرة الأخيرة قد أخذت في التألب على «آشور»، ورفضت القيام بما عليها من واجبات؛ وذلك لأن «يهوى» إلهها قد انتقم لها من «نينوه» بما أنزله بها من عقاب، فقد لاقت تلك المدينة العظيمة نهاية محزنة، وقد أثر ذلك الحادث تأثيرًا هائلًا في كل أنحاء العالم، وبخاصة بلاد «يهوذا»، إذ قد أصبحت الثقة بيهوى قوية جدًّا مما يبشر بمستقبل ذهبي لشعبه.

وقد كانت الكارثة التي لحقت بجيش آشور في «حران» عام ٦٠٩ق.م في نظر «نيكاو» فرصة سانحة لمضاعفة جهوده لمد سلطانه على البلاد المجاورة له، وذلك أنه كان ينظر إلى مملكة آشور على أنها دولة تقف حاجزًا منيعًا بينه وبين دول آسيا الصغرى العظيمة، التي كانت آخذة في الظهور حديثًا، وعلى ذلك رأى «نيكاو» أنه لا بد من الإبقاء على كيانها؛ ولهذا السبب زحف في باكورة عام ٦٠٨ق.م بجيش مصري تحت إمرته متجهًا نحو آسيا بمحاذاة الشاطئ شمالًا. والواقع أن هذا العمل لم يغضب «يهوذا»، ولكن خاف القوم في «أورشليم» من أن يجر ذلك إلى تسلط أجنبي من جديد على بلدهم، كما كانوا يريدون أن تزول بلاد آشور جملة من العالم٢ في آنٍ واحد. وقد صحت عزيمة الملك «يوشيا» في المقاومة؛ وذلك لأنه رأى أنه لا يمكنه أن يصبر على تحمل سيادة جديدة، غير أنه بذلك العمل كان قد تجاهل حقيقة واقعة وقتئذ؛ وذلك أنه منذ أكثر من مائة سنة مضت قد قضى على استقلال الولايات الصغيرة، التي كانت تتألف منها «سوريا» و«فلسطين»، وأصبح أمر البت في استقلال مثل هذه الدويلات في يد الدول العظمى؛ ومع ذلك وجدنا أن «يوشيا» قد زحف بجيشه، وقلبه مملوء بالاعتقاد المطلق في مساعدة ربه «يهوى». وقد تقابل جيشه بجيش «نيكاو» في سهل «مجدو» المشهور بالمواقع التاريخية العظيمة التي جرت فيه منذ عهد «تحتمس الثالث». وكتابا الأيام يقدمان لنا معلومات غاية في الأهمية عن هذه الحرب. (راجع أخبار الأيام الثاني الإصحاح ٣٥ سطر ٢٠ … إلخ) حيث يقول:

بعد كل هذا حين هيأ «يوشيا» البيت صعد نحو ملك مصر إلى «كركميش»؛ ليحارب عند «الفرات» فخرج «يوشيا» للقائه (٢١)، فأرسل إليه رسولًا يقول: ما لي ولك يا ملك «يهوذا». لست عليك أنت اليوم ولكن على بيت حربي والله أمر بإسراعي. فكف عن الله الذي معي فلا يهلكك (٢٣) ولم يحول «يوشيا» وجهه عنه، بل تنكر لمقاتلته ولم يسمع لكلام «نيكاو» من فم الله، بل جاء ليحارب في بقعة «مجدو». وأصاب الرماة الملك «يوشيا» فقال الملك لعبيده: انقلوني لأني جرحت (٢٤) فنقله عبيده من المركبة، وأركبوه على المركبة الثانية التي له وساروا به إلى «أورشليم»، فمات ودفن في قبور آبائه، وكان يهوذا ينوحون على «يوشيا» … إلخ.

ويدل ما جاء في كتاب الأخبار على أن «نيكاو» قد تبادل الحديث مع «يوشيا»، وقد بين له في حديثه أنه لا يريد منه أو من «يهوذا» أي شيء، غير أن مكان المقابلة هذا كان بعيدًا عن حدود ملك يهوذا الشمالية. وهذه كانت حقيقة في أنه لم يأتِ لإخضاع «فلسطين» و«سوريا»، ولكنه جاء لمعاضدة الآشوريين، ولكن «يوشيا» لم يؤمن بذلك ونازله، وكانت العاقبة أن هزم جيشه هزيمة نكراء، وسقط «يوشيا» نفسه في حومة الوغى صريعًا، ثم زحف الجيش المصري بعد ذلك شمالًا، ولكن مما يؤسف له أننا لم نعلم شيئًا عن ذلك الزحف ولا عما وصل إليه «نيكاو» في شمالي «مسوبوتاميا»، وكذلك لا نعلم ما آل إليه أمر الملك «آشور بالليت»، وما أصاب البقية الباقية من ممتلكاته. وقد اضطر «نيكاو» بسبب زحف «يوشيا» أن يدخل بلاد يهوذا، (وقد جاء ذكر ذلك في كتاب الملوك الثاني الإصحاح ٢٣ الأسطر من ٣١–٣٥)، فاستمع لما جاء فيها:

كان «يهوآحاز» ابن ثلاث وعشرين سنة حين ملك، وملك ثلاثة أشهر في «أورشليم»، واسم أمه «حموطل» بنت «أرميا» من لبنة (٣٢) فعمل الشر في عيني الرب حسب كل ما عمله آباؤه (٣٣) وأسره فرعون «نيكاو» في «ربلة» في أرض «حماة»؛ لئلا يملك في «أورشليم»، وغرم الأرض بمائة وزنة من الفضة ووزنة من الذهب (٣٤) وملك فرعون «نيكاو» «الياقيم» بن «يوشيا» عوضًا عن «يوشيا» أبيه وغير اسمه إلى «يهوياقيم»، وأخذ «يهوآحاز» وجاء إلى مصر فمات هناك؛ (٣٥) ودفع «يهوياقيم» الفضة والذهب لفرعون إلا أنه قوم الأرض لدفع الفضة بأمر فرعون. كل واحد حسب تقويمه. فطالب شعب الأرض بالفضة والذهب ليدفع لفرعون «نيكاو» … وقد أخذ ابن الملك «يوشيا» المسمى «يهوآحاز» أسيرًا في «ربلة»، وهي على ما يظن كانت مقر معسكره، وذلك بعد أن حكم «يهوآحاز» ثلاثة أشهر، ونصب مكانه أخاه «يهوياقيم» وفرض عليه جزية.

والآن يتساءل الإنسان ما الذي كان منتظرًا أن يحدث بعد ذلك؟ لقد أصبحت «سوريا» و«فلسطين» في قبضة مصر، ولما كانت البقية الباقية من الدولة الآشورية لا تزال موجودة، فإن ذلك كان يحتم وجود الجيش المصري في هذه الأصقاع ليديرها، على أن احتلال كل من «سوريا» و«فلسطين» لم يكن إلا مجرد نتيجة للحرب السابقة، وليس بالغرض الأصلي منها.٣
ومن جهة أخرى يتساءل المرء هل كان تقهقر مصر من آسيا الصغرى على وجه عام أمرًا ممكنًا؟ فإذا حدث ذلك فإن معناه أن تنزل مصر عن هذا الاقليم الاستراتيجي بالنسبة لبلادها في حال لإحدى دول آسيا الصغرى القوية المنتصرة التي حاربت معها مصر منذ زمن بعيد. والواقع أن احتمال هذا الفرض كان أمرًا يصعب تصوره، إذ لا شك في أن مصر المجاورة لتلك الدول كانت قوية الجانب، وكانت جارتها دولة قوية تنتظر منها مصر الهجوم عليها في كل لحظة بما لديها من قوة وعتاد. وعلى ذلك لم يرَ «نيكاو» بدًّا من بسط سلطانه على «فلسطين» و«سوريا» بصورة فعالة. وقد عرفنا من قبل الخطة التي سلكها مع مملكة «يهوذا». هذا ونعرف من متن مهشم مقدار تسلط «نيكاو» على مدن «فنيقيا»، وخضوعها له وهذه الوثيقة عثر عليها في «صيدا» (راجع Griffith, P. S. B. A. XVI, P. 90-91)، وهي عبارة عن قطعة من لوحة صغيرة من البازلت منقوش عليها اسم «نيكاو».
وتدل شواهد الأحوال على أن نفوذ مصر العالمي في عهد الأسرة الثامنة عشرة، والذي كان قد امتد حتى نهر الفرات قد عاد لها الآن كرة أخرى دون أن يكون «بسمتيك» أو «نيكاو» قد قصدا ذلك فعلًا، كما يدعي بعض المؤرخين، ولا نعلم إذا كان ملك «بابل» المسن «نابوبولصر» الذي استولى على الجزء الجنوبي والجنوبي الغربي من دولة «آشور» قد قام بهجوم على «نيكاو» في سنة ٦٠٨ق.م–٦٠٦ق.م، ولكن من جهة أخرى نعلم أنه في عام ٦٠٥ق.م كان هذا العاهل وهو في شدة مرضه قد أرسل ابنه «نبوخد نصر» لمحاربة «نيكاو»، وقد دارت بينهما حرب في ربيع عام ٦٠٥ق.م عند «كركميش»٤ الواقعة على نهر الفرات، وهزم فيها المصريون هزيمة منكرة حتى إنه كان في مقدور «نبوخد نصر» أن يزحف بجيشه حتى تخوم مصر، إذ لم يكن أمامه أية قوة تصده وقتئذ، وقد جاء ذكر ذلك في كتاب الملوك الثاني الإصحاح ٢٤ سطر ٧ فاستمع لما يقول:

ولم يعد أيضًا ملك مصر يخرج من أرضه؛ لأن ملك بابل أخذ من مصر إلى نهر الفرات كل ما كان لملك مصر.

وقد كان ذلك فيما بعد هو ما آل إليه أمر «آشور-بالليت» الثاني آخر ملوك آشور، وقد اضطر «نبوخد نصر» إلى أن يكف عن غزو مصر بعد أن كان قد وقف على أبوابها، وذلك بسبب موت والده المفاجئ مما حتم عليه العودة أدراجه إلى بابل، وقد جاء في «أرميا» الإصحاح السادس والأربعين السطر ٣، ٤ ما يأتي من التهكم اللاذع بعد هزيمة مصر:

أعدوا المجن والترس وتقدموا للحرب (٤) اسرجوا الخيل، واصعدوا أيها الفرسان وانتصبوا بالخوذ، اصقلوا الرماح، البسوا الدروع، (٥) لماذا أراهم مرتعبين ومدبرين إلى الوراء، وقد تحطمت أبطالهم وفروا هاربين ولم يلتفتوا. الخوف حواليهم يقول الرب: (٦) الخفيف لا ينوص والبطل لا ينجو. في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا (٧) من هذا الصاعد كالنيل، وكأنهار تتلاطم المياه … إلخ.

والآن يتساءل المرء عما ستئول إليه حالة العلاقات المقبلة بين مصر ودولة «بابل» الجديدة. التي كانت قد زحفت بسرعة حتى تخوم أرض الكنانة، ولم تنجُ منها إلا بمعجزة؟

والواقع أن سياسة «نيكاو» — كما يقول بعض المؤرخين — كانت تسير على نهج سياسة والده «بسمتيك»؛ أي إنها كانت لا ترمي إلى الفتح، بل تنشد المحافظة على الموقف في آسيا الصغرى، وذلك بأن تجعل أي هجوم من هذه الناحية أمرًا مستحيلًا؛ ولذلك فإن «نيكاو» عندما رأى أن دولة آشور قد أصبحت غير قادرة على القيام بذلك وجد من الضروري؛ لتنفيذ سياسته الاستيلاء على «فلسطين» و«سوريا» عنوة، وهذه البلاد كانت وقتئذٍ ضمن أملاك «نبوخد نصر» ملك «بابل». والواقع أن هذا العاهل كان مثله كمثل الملك «نيكاو» قد أجبر على الدخول في حرب مع «آشور»، وقد كان غرض «نبوخد نصر» هو إصلاح ما أُفسد من مملكته التي كانت قد مُزِّقَتْ شر ممزق في المائة سنة الأخيرة، هذا فضلًا عن أنه لم يكن من الرجال الفاتحين. ولا غرابة في ذلك إذ نجد في نقوشه أنه كان يتكلم دائمًا عن مبانيه وورعه وتقاه؛ أما عن حروبه العظيمة وانتصاراته، فإنه لم يكن يشير إليها مرة واحدة. وعندما عقد النية على الذهاب لفتح مصر لم يكن يفكر في أن الطريق التي سلكها من قبله «آشور-بنيبال» كانت طريقًا وعرة محفوفة بالمخاوف، ولكن فضلًا عن ذلك فإن دولة «كلدية» كانت تكتنفها بابل من الشرق ومن الشمال، وكانت وقتئذٍ معها على مصافاة، ولكن من حيث القوة كانت دولة «ميديا» الفتية تفوقها. وحتى في الحروب الطاحنة التي قامت مع «آشور بالليت» و«نيكاو» من قبل البابليين والسكتيين، فقد انتصروا فيها بوجه عام، وقد كان هذا الانتصار ضروريًّا لما هنالك من روابط بين مسوبوتاميا (= أرض «الجزيرة») و«سوريا»؛ لأن «حران» كانت من الأهمية بمكان، وذلك بسبب مشروع تقسيم أملاك آشور القديمة، إذ كان لا بد من أن ينزل عنها لبلاد «ميديا» هذا مع العلم أن صداقة «بابل» مع بلاد «ميديا» أساسها ما كان بينها وبين بلاد آشور من عداء مشترك، ولكن هذه العداوة كانت قد أصبحت من سنة لأخرى مجرد ذكريات تاريخية لا قيمة لها. وعلى ذلك وصل كل من «نيكاو» و«نبوخد نصر» ملك «بابل» إلى اتفاق، وعقدا في هذا الوقت على ما يظهر محالفة رسمية فيما بينهما، كان من شروطها ألا يخرج ملك مصر عن نطاق حدود بلاده من بعد اليوم قط، وقد جاء ذكر هذه المحالفة في كتاب الملوك الإصحاح ٢٤ سطر ٧ فاستمع لما جاء فيه:

ولم يعد كذلك ملك مصر يخرج من أرضه؛ لأن ملك بابل أخذ من نهر مصر (وادي العريش) إلى نهر «الفرات» كل ما كان لملك مصر.

أما أول تغيير في العلاقات بين مصر وبابل، فقد ظهر في عام ٥٧٩ق.م وذلك أن الملك «يواقيم» صاحب «يهوذا» قد انتقل على حسب مجريات الأمور من المعسكر المصري إلى المعسكر البابلي، ولكنه في هذه الآونة امتنع عن دفع الجزية؛ وذلك لأن اليهود كانوا يعتقدون كثيرًا في قدرة إلههم «يهوى» وقتئذ، وعلى الرغم من الدروس القاسية التي تلقوها في خلال السنين العشرة الأخيرة، فإن اعتقادهم هذا في إلههم لم يتزعزع؛ ولكن بجانب ذلك كانوا يأملون في قوة حقيقية أعلى، فقد انتظروا أن تقوم مصر بثورة على «نبوخد نصر» فتكون لهم نجدة وعونًا، ولكن الملك «نيكاو» لم يفكر في ذلك؛ ومن أجل هذا لما لم يجد «نبوخد نصر» من يقف في وجهه حاصر «أورشليم» واستولى عليها. وكان مصير حلف «يهوياقيم» هو وابنه الذي كان يدعى «يهوياكين» أن أخذ الأخير أسيرًا، ولم يكن قد مضى عليه أكثر من ثلاثة أشهر في الحكم، وكذلك سيق معه ٨٠٠٠ أسير من عظماء القوم، هذا بالإضافة إلى صناع كثيرين، وقد سبق كل أولئك إلى «بابل». وقد نصب الملك «نبوخد نصر» مكان «يهوياكين» عمه «متنيا» وأسماه «صدقيا»، وقد جاء ذكر هذه القصة في كتاب الملوك الثاني الإصحاح ٢٤ الأسطر من ١–١٧.

(١) في أيامه صعد «نبوخد نصر» ملك بابل، فكان له «يهوياقيم» عبدًا ثلاث سنين، ثم عاد فتمرد عليه (٢) فأرسل الرب عليه غزاة الكلدانيين وغزاة الآراميين وغزاة الموابيين وغزاة بني عمون، وأرسلهم على يهوذا ليبيدها حسب كلام الرب الذي تكلم به عن يد عبيده الأنبياء. (٣) إن ذلك كان حسب كلام الرب على «يهوذا»؛ لينزعهم من أمامه لأجل خطايا «منسي» حسب كل ما عمل؛ (٤) وكذلك لأجل الدم البريء الذي سفكه؛ لأنه ملأ «أورشليم» دمًا بريئًا، ولم يشأ الرب أن يغفر (٥) وبقية أمور «يهوياقيم»، وكل ما عمل أما هي مكتوبة في سفر أخبار الأيام لملوك «يهوذا»، (٦) ثم اضطجع «يهوياقيم» مع آبائه وملك «يهوياكين» ابنه عوضًا عنه … إلخ.

وتدل شواهد الأحوال على أن «نيكاو» ملك مصر لم يحرك ساكنًا في أثناء ذلك من هذه الناحية، غير أننا من ناحية أخرى نجد أنه قد سلك طريقًا أخرى في تعزيز قوة بلاده، إذ أخذ في إنشاء أسطول بحري عظيم لمصر. والواقع أن هذه كانت سياسة جديدة في تاريخ مصر المتأخر، وتدل الأحوال على أن «نيكاو» أراد أن ينشئ قوة بحرية في البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في البحر الأحمر، وذلك ببناء سفن من التي لها ثلاثة٥ صفوف من المجاديف، ثم نجد أنه في السنين الأولى من حكمه قد بدأ بداية حسنة في هذه الناحية لدرجة أن الفنيقيين المعروفين وقتئذ بمهارتهم البحرية قد أصبحوا تحت سلطانه. وعلى ذلك نجد أن «نيكاو» قد عمل على إعادة الطريق المائية، التي يحتمل جدًّا أنها كانت موجودة في عهد الأسرة الثامنة عشرة، بل من عهد «سنوسرت» الأول وهي عبارة عن قناة تأخذ ماءها من فرع النيل البيلوزي بالقرب من مدينة «بوبسطة»، وتوصل ما بين البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، ومع ذلك فإن المشروع لم ينفذ حتى نهايته، والظاهر أن عدم انجازه كان يرجع إلى صعوبات فنية، ويقول «هردوت» في ذلك (Herod. II, 158) ما يأتي: كان «نيكاو» بن «بسمتيك» قد أصبح ملكًا على مصر، وقد بدأ أولًا بالقناة التي توصل إلى البحر الأحمر، وهي التي أتمها الملك «دارا» الفارسي فيما بعد وطولها أربعة أيام ووسعها قد حفر؛ ليحمل سفينتين حربيتين جنبًا لجنب (من ذوات ثلاثة الصفوف من المجاديف الواحد منها فوق الآخر)، ويؤتى بالماء لها من النيل ويدخلها من فوق مدينة «بوبسطة» بقليل وتمر بالقرب من المدينة العربية «باتوموس» Patumos، وتصل إلى البحر الأحمر، وقد حفرت أجزاء السهل المصري الذي يقع نحو بلاد العرب أولًا، وفي أعلى هذا السهل يقع الجبل الذي يمتد نحو «منف» وفيه محجران، وعلى طول قاعدة هذا الجبل امتدت القناة طولًا من الغرب إلى الشرق، ثم امتدت إلى المضايق مارة من الجبل نحو السمت ونحو الجنوب في الداخل حتى خليج العرب (البحر الأحمر)، ولكن الجزء الذي يكون العبور فيه أقصر وأسهل ما يكون هو الذي من البحر الشمالي (= البحر الأبيض) إلى البحر الجنوبي، وهو الذي كان يسمى البحر الأحمر؛ أي من جبل «كاسيوس» الذي يفصل مصر عن «سوريا».
ومن هذه النقطة نجد أن المسافة كانت ألف استاد حتى الخليج العربي، وهذه إذن هي أقصر طريق، ولكن القناة كانت أطول من ذلك بكثير؛ لأنها كانت متعرجة، وقد مات في حفرها مائة وعشرون ألف مصري في عهد الملك «نيكاو». وقد أوقف «نيكاو» الحفر في وسط العمل؛ وذلك لأن الوحي الإلهي التالي قد كان عقبة؛ وهو أنه يعمل لأجل همجي، وذلك لأن المصريين كانوا يسمون كل الناس الذين لا يتكلمون لغتهم همجيين.٦
وعلى أية حال فإن «نيكاو» لم ينبذ مشاريعه الشاسعة لمستقبل بلاده، إذ استمر في تنمية أسطوله فأرسل سفنًا حربية يقودها فنيقيون ليقوموا بالرحلة المشهورة حول «لوبيا» (أي: أفريقيا)، وهي الرحلة التي قدم لنا «هردوت» عنها قصة مدهشة (Herod. IV, 42)، فقد أكد لنا هذا المؤرخ صحة هذه الرحلة عندما قال: كان «نيكاو» ملك مصر هو أول من عرفنا عنه البرهنة على صحة هذا الحادث، وذلك أنه بعد أن أوقف حفر القناة الموصلة من النيل إلى الخليج العربي أرسل بعض الفنيقيين في سفن بأمر منه؛ ليسبحوا عائدين مخترقين أعمدة «هركيل» إلى البحر الشمالي (البحر الأبيض المتوسط)، وبذلك يعودون إلى مصر. وعلى حسب ذلك قام الفنيقيون من البحر الأحمر وساحوا في البحر الجنوبي، وعندما دخل الخريف ذهبوا إلى الشاطئ وبذروا الأرض في أي جزء اتفق أنهم رسوا فيه، ثم انتظروا حتى زمن الحصاد، وبعد حصد الغلة أقلعوا ثانية، وبعد انتهاء سنتين على تلك الحال كانوا قد لفوا حول أعمدة «هركيل» في السنة الثالثة، ووصلوا إلى مصر وقصوا على ما يظهر لي ما هو غير معقول، ولكن يمكن أن يصدقه آخرون «وهو أنهم بلفهم حول «لوبيا» كانت الشمس على يمينهم. وهذه الملاحظة تبرهن لأهل عصرنا الحالي على صحة هذه الرحلة، ولكن كان لا بد من انتظار أحد عشر قونًا حتى يتسنى للبرتغاليين بقيادة «فاسكودي جاما»؛ ليبدءوا من جهة مضادة اللف حول أفريقيا الذي تنسب المبادرة به إلى «نيكاو»، وهو الذي أغنى بدرجة عظيمة علم الجغرافيا والتجارة العالمية.

(٣) آثار «نيكاو» وعصره

وجد اسم الملك نيكاو الثاني على عدة آثار بعضها من عمله وبعضها لرجال عصره، نذكر منها ما يأتي:
  • (١)
    وجدت لوحتان مؤرختان بالسنة الأولى من عهد هذا الفرعون لكاهن يدعى «بسمتيك»، وهما الآن بمتحف «ليدز» وقد مات صاحبهما في عهد «أحمس الثاني»، وسنتحدث عنهما فيما بعد (راجع Br. A. R. IV § 1026).
  • (٢)
    وعثر له في محاجر «طرة» على لوحة مؤرخة بسنة ضم الأرضين. ويظن كل من «دارسي» و«جوتييه» أن عبارة ضم الأرضين تعني السنة الثانية من حكم هذا الفرعون (راجع L. R. IV, P. 87, Note 2). وكان أول من كتب عن هذه اللوحة هو الأثري «برنج» (راجع Perring-Vyse, Operations carried on at the Pyramids of Giza Vol. III P. 98)، ثم كتب عنها «ليبسيوس» (راجع L. D. III, 273 a)، وأخيرًا نقل نقوشها «دارسي» (راجع A. S. T. XI, P. 259–261).
    وعندما وجدت هذه اللوحة كان سطحها مهشمًا، وقد أمكن «دارسي» قراءة كثير من نقوشها؛ وهاك وصفها: رسم في الجزء الأعلى من هذه اللوحة قرص الشمس المجنح، ويشاهد في هذا الجزء الأعلى كذلك منظر مزدوج. وقد نقش على اليمين الإله الطيب رب الأرضين (وحم أب رع) معطى الحياة مثل رع أبديًّا. ويقدم إناءين من النبيذ للإله «بتاح» الذي يشاهد واقفًا في ناووسه، وقد لقب «بتاح جميل» (كامل) الوجه ويقبض بيده على رموز الحكم والحياة والثبات. وعلى اليسار يشاهد الملك: ابن رع من ظهره «نيكاو» معطى الحياة مثل «رع» أبديًّا يقدم قربانًا للإلهة «نيت». ولم يبقَ من صورتها إلا جزء من التاج. ويحتوي الجزء السفلي من اللوحة على ستة أسطر مُحِي بعض كلماتها، وهاك ترجمة ما بقي حسب ما ذكره «دارسي»:

    السنة التي جاءت بعد اتحاد الأرضين.

    منشور جلالته له الحياة والصحة والعافية، الذي وضع أمام كل مشرف على المحاجر (؟) أو المشرف على أعمال البناء يصغي (؟) للملك. هذه اللوحة هي حدود محاجر «طرة» الجديدة، ولن يفتح أي شخص مدخل قطع أحجار في هذا الجبل في الجهة الشرقية من العمود الذي هناك المقابل للمرسوم، وجلالته قائم باستخراج أحجار من جبل عيان (؟) (لأجل أن يقيم معابد) لآبائه كل آلهة مصر، وللقصر المسمى «عظيم الآلهة العظيم للأبدية» (على عرش حور) سرمديًّا، وقد عمل ذلك معطى الحياة والثبات والقوة مثل رع أبديًّا.

    ويلحظ هنا كما ذكرنا أن تاريخ هذه اللوحة قد دون بصورة غريبة في بابها. ومما يؤسف له أن «نيكاو» لم يضف إلينا في نقشه هذا أي سنة من حكمه تقابل السنة، التي وحد فيها الأرضين تحت صولجانه، ويتساءل الإنسان ما هي هذه السنة؟ ولا شك في أن «نيكاو» قد تسلم من والده «بسمتيك الأول» البلاد دون أن يكون فيها أية ثورة. ويقول «دارسي» تفسيرًا لعبارة توحيد الأرضين: إنه في الواقع منذ حكم الكوشيين كانت «طيبة» والأملاك الشاسعة، التي سيطر عليها كهنة آمون العظام في الوجه القبلي، تؤلف إقليمًا واحدًا يكاد يكون مستقلًّا على رأسه حكومة دينية تتشرف عليها زوج الإله «آمون» أو المتعبدة الإلهية. وقد نصب «بسمتيك الأول» بما أوتي من مهارة على رأس هذا الإقليم، أو بعبارة أخرى هذه الإمارة ابنته «نيتوكريس»، وذلك بجعل المتعبدة الإلهية «شبنوبت» الثانية أخت «تهرقا» تتبناها، ومن ثم أصبحت هذه اللإمارة تابعة له. وعندما تولى «نيكاو» عرش الملك يحتمل أن «نيتوكريس» قد نزلت لأخيها عن امتيازاتها في هذه الإمارة، وهي التي كانت تعد البقية الباقية من الاثنتي عشرة إمارة، التي انقسمت إليها البلاد قبل تولي «بسمتيك» عرش مصر. وبضم هذه الإمارة أصبحت البلاد موحدة، وهذا هو ما تشير إليه نقوش اللوحة وتسميه اتحاد الأرضين، ولكن يلحظ أن السلطة الدينية لأتباع آمون قد بقيت في يد «نيتوكريس»، كما استمرت بعد وفاتها في يد المتعبدة الإلهية «عنخ نس نفر أب رع»، وهذا الرأي يعضده ما كان يحمله المدير العظيم للبيت من ألقاب تتصل بالملك مباشرة، كالألقاب التي كان يحملها مدير البيت العظيم «أبا». وعلى أية حال يجوز من جهة أخرى أن هذه الصيغة كانت لا تعني إلا تولية الملك عرش البلاد المزدوج، ولم يكن قد تولاه والده من قبل موحدًا، بل كان لا يزال منقسمًا قسمين.

رشيد

عثر للفرعون «نيكاو» على جعران قلب في مكان دفنه على ما يظن. (راجع Rosellini, Mon. Storici, II, P. 131).

سايس

عثر للفرعون «نيكاو» على جعران قلب في مكان دفنه «أدفينا» على ما يظن. وهذا الجعران كان فيما سبق في كلية «الجزويت» بباريس، ولكن يظهر أنه قد اختفى في عهد الثورة على ما يظن (راجع Petrie, Hist. III, P. 337).

أدفينا

وكذلك وجد لنيكاو خاتم من الجبس عليه اسمه (راجع Petrie, Tanis II, XXXV, 2).

ليتوبوليس (أوسيم)

وجد في آثار هذه البلدة الجزء الأسفل من تمثال من الجرانيت الوردي، وقد أقامه «بسمتيك الثاني» في معبد «سخم» على شرف الملك «نيكاو الثاني»، وقد مثله راكعًا متعبدًا ونقش عليه أن «بسمتيك» قد خلد اسم الملك الذي أنجبه … وهو «نيكاو» المحبوب من سيد «سخم» (A. S. IV, P. 92).

متحف «فلورنس»

يوجد في متحف «فلورنس» لوحة مؤرخة بالسنة الثالثة اليوم الأول من بئونة؟ من حكم جلالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري (وحم اب رع) بن رع «نيكاو» المبرأ.

ومن هذه اللوحة نفهم أن فردًا يدعى «بسمتيك» قد ولد في هذه السنة من حكم «نيكاو»، وتوفي في السنة الخامسة والثلاثين في السادس من شهر بئونة، وهو في الواحدة والسبعين وأربعة الأشهر وستة الأيام من عمره. وأهمية هذه اللوحة من الوجهة التاريخية عظيمة مثل لوحتي «ليدن» ولوحة «اللوفر»، اللتين تحدثنا عنهما فيما سبق (L. R. IV, P. 87) عند الكلام على «بسمتيك الأول»، وسنتحدث عن صاحب لوحة فلورنس وأهميتها كرة أخرى عند التحدث عن بسمتيك صاحبها في عهد أحمس الثاني (أمسيس).

متحف «جيميه»

يوجد بمتحف «جيميه» «بباريس» لوحة خاصة بمنح قطعة أرض للإله «أوزير» في ضواحي «بوبسطة»، وقد جاء عليها تأريخ للملك «نيكاو» غير مؤكد السنة … ثم يأتي بعد ذلك أسماء الملك «نيكاو» الخمسة، وهي «حور» (المسمى) ذكي القلب، والسيدتان (المسمى) المنتصر، وحور الذهبي (المسمى) محبوب الآلهة، وملك الوجه القبلي والوجه البحري (وحم أب رع)، ابن رع المسمَّى «نيكاو» (راجع Moret, Revue de I’Histoire de Relig. I, LIV (1906), P. 147; Catal. De la. Galerie Egypt. Du Musée Guemet, P. 99–102 et PL. XLIII).

أدفينا

عثر على خاتم جرة من الجبس ومقبض جرة كتب على كل منهما طغراء الملك «نيكاو»: بن رع «نيكاو». وقد عثر على هذين الأثرين في «أدفينا» (راجع Petrie, Tanis, II, P. 71-72, PL. XXVI No. 2; Hall, Catal. Of Egyptian Scarabs etc. in the British Museum, I, P. 291).
وهما محفوظان الآن بالمُتْحَف البريطاني (No. 2783-2784).

متحف «القاهرة»

يوجد بمتحف القاهرة وزن يعادل دبنين عثر عليه في «سايس» (راجع Weigall, Catal. Gen. Weights and Balances, No. 31604, P. 22 & PI. III)، وقد نقش على هذا الوزن الإله الطيب (وحم أب رع) رب الأرضين «نيكاو» عاش مخلدًا.

تل الفراعين

عثر الأثري «ادجار» على تمثال بولهول من الشست قيل: إنه باسم الملك «نيكاو»، غير أن النقوش التي عليه وجدت مهشمة، ولا يمكن التحقق من هذا الاسم.

قرية «طرينة» بالدلتا

شاهد الأثري «نافيل» قطعة من الحجر الرملي الأحمر في باب جامع قرية «طرينة» بمركز «المحلة الكبرى» غربية. وقد نقش عليها: «حور» صاحب القلب الذكي ملك الوجه القبلي والوجه البحري (وحم أب رع) بن «نيكاو» (راجع Naville, The Mound of the Jews etc. P. 60-61, PL. XX, Note 4).

مجموعة بتري

وفي مجموعة «بتري» توجد أسطوانة من الحجر الرملي، جاء عليها الإله الكامل (وحم أب رع) عاش أبديًّا (Petrie, Historical Scarabs No. 196)، وتوجد في المُتْحَف البريطاني لوحة صغيرة من الخزف، نقش عليها في طغراءين ملك الوجه القبلي والوجه البحري (وحم أب رع)، وابن رع «نيكاو». Hall, op. cit. I, No. 2805

المُتْحَف البريطاني

وكذلك توجد أقداح من الخزف محفوظة بالمُتْحَف البريطاني باسم هذا الفرعون (راجع B. M. No. 24238; Petrie, Historical Scarabs No. 1963). كما يوجد محراب صغير من البرونز في نفس هذا المُتْحَف. وقد نقش عليه ملك الوجه القبلي والوجه البحري (وحم أب رع) بن رع «نيكاو» (راجع A guide to the 3rd and 4th Egyptian Romms 1904, P. 33).
هذا ويوجد عدد لا بأس به من الآثار الصغيرة التي عليها اسم «نيكاو» الثاني في المجاميع الخاصة والعامة في متاحف أوروبا وغيرها. وهذه الآثار هي أوانٍ من المرمر ولوحات من الزجاج، وقطعة موازين وتمثال من البرونز وتعاويذ … إلخ. وقد عمل بها كل من «فيدمان» و«بتري» قائمة (راجع Petrie, Hist. III, P. 335; L. R. IV, P. 90-91).

منف

اشترى «بتري» تمثالًا من «منف» لرجل يدعى «وزحور». وتدل النقوش التي عليه على أن «وزحور» هذا كان مشرفًا في «أسوان» في أثناء إقامة المباني التي عملت في عهد «نيكاو»، وقد كان يحمل لقب حاكم الباب أو نقطة الحدود الخاصة بالبلاد الجنوبية، ومثله كمثل الموظفين القدامى الذين أقاموا في هذا المكان من عهد الأسرة السادسة، وحملوا نفس اللقب الذي يحمله، وهذا التقليد في الألقاب كان شائعًا في عهد النهضة، التي كانت ترمي لإحياء كل قديم يدل على مجد مصر. وهاك النص الذي جاء على هذا التمثال:
المقرب لدى ملك الوجه القبلي والوجه البحري (وحم أب رع) «نيكاو» مثل رع. الأمير الوراثي والحاكم وحاكم باب الممالك «وزحور» يقول: لقد كنت قائدًا لأعمال على الجبل لعمل مسلات عظيمة من الجرانيت، وكل الآثار التي من الديوريت والجرانيت لأجل … (راجع Petrie, A Season in Egypt, PL. XXI, No. 5; Br. A. R. IV, § 980).

متحف «القاهرة»

يوجد في متحف القاهرة الجزء الأسفل من تمثال للإله «أوزير»، وقد مثل جالسًا على قاعدة بسيطة وهو مصنوع من البازلت الأسود اشتُري من «الأقصر»، وقد جاء عليه النص التالي: (راجع Cat. Gen. Musée du Caire, Statues des Divinités P. 100 No. 38372).
  • النقش الذي أمام القدمين على القاعدة: «أوزير» الكائن الكامل المحمي والمدير العظيم للبيت للمتعبدة الإلهية المسمى «بدي حورنسو». وعلى عارضة المقعد اليمنى وعلى يمين القدمين نقش: المقرب من «أوزير» الكائن الكامل الإلهي، المدير العظيم للبيت للمتعبدة الإلهية «نيتوكريس»، عاشت مخلدة (المسمى) «بدي حورنسو» (المرحوم).
  • ونقش على العارضة اليسرى من المقعد: المقرب لدى أوزير «خنتي أمنتي»، والمدير العظيم لبيت المتعبدة الإلهية الأخت الملكية للملك «نيكاو» عاش مخلدًا (المسمى) «بدي حورنسو» المرحوم.
  • ونقش على الجزء الذي أمام القاعدة وحولها المتن الثاني من اليمين: المدير العظيم لبيت الزوجة الإلهية (المسمَّى) «بدي حورنسو» المرحوم، وأمه هي ربة البيت «شبسن رنونت» المرحومة إن روحك في السماء وجسمك (في الأرض).
  • من اليسار: المدير العظيم لبيت المتعبدة الإلهية «بدي حورنس» المرحوم بن المشرف على الكتبة، والذي في حجرة المتعبدة الإلهية «أي: الخادم الخاص» المسمَّى «أخأمون دو» المرحوم. إنك تصل إلى بيتك للأبدية وإلى قبرك السرمدي …

(٤) مقبرة «نيكاو»

وقد دفن «نيكاو»٧ في «سايس»، وعثر على قبره منذ زمن بعيد ولكن موميته وجدت مهشمة، ولم يبقَ سليمًا من قبره إلا الجعران الذي كان في كلية «الجزويت» بباريس كما ذكرنا من قبل (راجع Birch, History of Egypt P. 180).

(٥) أسرة «نيكاو»

لم يصل إلينا بعد اسم زوج الملك «نيكاو» الثاني. وقد ظن البعض أنها الملكة «تاخاوت»، وهي التي كانت والدة الأميرة «عنخنس نفر أب رع». راجع Lepsuis, Königsbuch PI. XLVIII, No. 642d; Brugsch Bouriant Livre des Rois No. 706.
ويقال: إنها هي التي عثر على تابوتها في «بنها» حديثًا. وقد وجد فيه بعض حلي أنيقة، وظن البعض أن «نيتوكريس» قد تزوجت من أخيها «نيكاو الثاني» (راجع Budge, Book of the Kings II P. 81). غير أن هذا لا يرتكز على أي أثر يثبت النظرية الأخيرة حتى الآن (راجع Petrie, Hist. III P. 337).
هذا ونعلم أن الملكة «تاخاوت» كانت زوج «بسمتيك الثاني» (راجع Rec. Trav. XX, P. 83).
والولد الوحيد المعروف للملك «نيكاو» هو «بسمتيك الثاني»، الذي خلفه على عرش مصر، ويسميه «هردوت» «باميس» (راجع Herod. II 159)، غير أن اسم والدته مجهول لنا، ومن المحتمل أن الملكة «تاخاوت»، كانت أخت زوجها «بسمتيك الثاني»، وعلى ذلك تكون بنت «نيكاو الثاني»، غير أنه ليس لدينا أي برهان قاطع يثبت هذه البنوة.

(٦) الأوراق البردية التي عثر عليها من عهد «نيكاو»

(راجع Rylands III P. 19) لم يعرف من عهد هذا الملك حتى الآن إلا بردية واحدة كتبت بالهيراطيقية الشاذة، وهذه الورقة تحتوي على هبة من الأرض، وهاك ملخص ما جاء فيها:
السنة الثانية ٣٠ طوبة يؤكد «بتيسي» لامرأة ملكية ستة أرورات من الأرض في ضيعة «آمون» في «تشترس»، وكانت قد أعطيت زوجه، وكان أخوها قد صدق عليها (لبتيسي) بالقرب من قبر الملك «أوسرتون» (؟)٨ ولم يذكر في الورقة يمين. وقد ذكر اسم كاتبها وجاء فيها أربع شهادات وصورة شهادة كاملة. وهذه الورقة قد أصابها التمزيق كثيرًا، وتعد أقدم بردية في المجموعة التي حصل عليها «أيزنلور» من «طيبة».
١  راجع: Unger, Chronologie des Manetho P. 271.
٢  راجع: Journal of Near Eastern Studies (1951) No. 2, P. 128.
٣  هذا هو رأي بعض المؤرخين، ولكن دلائل الأحوال توحي بأن «نيكاو» كان يريد أن يجاري «تحتمس الثالث» في كل شيء فقد فتح فلسطين وسوريا ثانية، كما أعاد لمصر أسطولها البحري الذي كان في عهد «تحتمس الثالث»، وجعلها من أعظم دول العالم من حيث التجارة، ويؤكد ما زعمناه هنا أن «نيكاو» قد اتخذ لنفسه لقب تحتمس الثالث «منخبر رع»، وقد جاء هذا اللقب على جعران واحد حتى الآن (راجع Scarabée du British Museum No. 45721: Hall, Catal. Of Egyptian Scarabs, I, P. 253, No. 2529).
وهذا بالإضافة إلى جعران تذكاري نقش على غرار جعارين «أمنحتب الثالث»، وقد ظهر عليه الفرعون المنتصر قابضًا الصولجان والمقمعة، واقفًا بين الإلهتين «نيت» و«أزيس» التي تمتد إليه بالسيف؛ لأنك قتلت كل أهل البلاد الأجنبية، ويشاهدون مهزومين مجدلين على الأرض (راجع L. R. IV, P. 90 Note 2; Newberry Catal. Gen, Scarab. Shaped Seals = No. 37399, P. 351 & PI. XVII).
٤  هذه الموقعة وقعت ما بين خريف ٦٠٥ق.م وخريف ٦٠٤ق.م (راجع Knietz, P. 160)، ومن الحقائق التي تلفت النظر بصورة عجيبة في هذا العهد أن الملك «نيكاو» قد قدم للإله الإغريقي «أبوللون» Apollon درعًا كان يحملها في هذه الحرب في معبد «ميليه» Milet، ومن ثم نفهم أنه لم يكن «آمون» أو «نيت» الحامي للفرعون وحسب، بل كان «أبوللون» الهليني هو الذي يدير دفة السياسة لملوك «سايس» (Herod. II, 159) أيضًا.
٥  انظر شكل رقم ٨ وتدل على سفينة حربية في العهد الساوي. والأصل في متحف «اللوفر».
٦  وسنتحدث عن هذه القناة بالتفصيل في كل عصورها القديمة عند التحدث عن حفرها فعلًا في عهد «دارا» الفارسي — إن شاء الله.
٧  وقد عثر حديثًا على قطعة من تمثال مجيب عليها (ملك الوجه القبلي والوجه البحري نيكاو).
٨  يجوز أنه يقصد «أوسركون».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠