الفصل الخامس

في الحياةِ العامة

مضت السنون والسيدة فاطمة على دأبها الذي عهدناه عاكفة على بيتها، تزيدها عكوفًا عليه تربية الأبناء وخدمة البيت التي تنفرد بها ولا تجد معينًا عليها في كثير من الأيام غير زوجها.

ثم توفي النبي صلوات الله عليه، فأقامتها الحوادث فجأة على غير مرادها في معترك الحياة العامة أو الحياة السياسية كما نسميها في أيامنا، ولم يكن لها مُنْصَرف عن ذلك المعترك في تلك الآونة؛ لأن الخلاف فيها كان خلافًا على ميراث أبيها، ميراث الخلافة، وميراث التركة القليلة التي أعقبها.

ومسألة الخلافة في يوم وفاة النبي إحدى المسائل التي طال فيها الجدل، ولا يعسر على المنصفين أن يخرجوا من ذلك الجدل الطويل على رأي متفق عليه، وذاك أن الخطر الأكبر في ذلك اليوم إنما كان من فتنة السقيفة: سقيفة بني ساعدة، حيث اجتمعت قبائل الخزرج بزعامة شيخها سعد بن عبادة، تطلب الإمارة، ثم نصح لهم عويم بن ساعدة باختيار أبي بكر للخلافة، فأعرضوا عنه ونبذوه، ثم خطر لِذِي رأي منهم أن يقسمها شطرين: أمير من الأنصار وأمير من المهاجرين، وما برح سعد بن عبادة على جلالة شأنه في قومه نافرًا من البيعة لأبي بكر بعد انعقادها وهو يأبى إلا أن «يستبد الأنصار بهذا الأمر دون الناس؛ فإنه لهم دون الناس». ثم أصر على إبائه حين انفضَّ جمع السقيفة وجاءه الرسل يدعونه للمبايعة فعاوده الغضب وقال لهم: «أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل وأخضب سنان رمحي»، وناشدوه أن لا يشق عصا الجماعة فعاد يقول: «إني ضاربكم بسيفي ما ملكَتْه يدي، مقاتلكم بولدي وأهل بيتي ومن أطاعني من قومي. وايم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أُعرض على ربي.»

ثم كان ثمة خطر لا يقل عن هذا الخطر في حاضره ولا في مغبته لو لم يعجل له العاملون بما يقطع دابره،١ وهو خطر الفتنة التي راح أبو سفيان يحضأ٢ نارها بين علي والعباس، وبين بني هاشم وسائر بطون قريش، يَعِدُ قومًا بنصرة بني أمية ونصرة قريش من ورائها، ويوسوس لقوم آخرين بمثل هذا الوعد أو بمثل هذا الوعيد، وما كان من همه أن ينصف بني هاشم ولا أن يؤيد الأنصار، وإنما أراد الوقيعة التي يخذلهم بها جميعًا ويخرج منها بالسيادة الأولى التي كانت له على قريش في الجاهلية.

وما من شك في خطر هذه الفتنة من أبي سفيان ولا خطر تلك الفتنة من سقيفة بني ساعدة، فانحسمت الفتنة بانعقاد البيعة لأبي بكر، ولم يطلبها، بل كان مشتغلًا بدفن الرسول. ودُعي إلى السقيفة مرتين وهو لا يعلم فيمَ يدعى ويعتذر باشتغاله ويغضب لدعوته، حتى همَّ عمر بمبايعة أبي عبيدة بن الجراح قبل أن ينشعب الجمع في السقيفة بين الخزرج والأوس والأنصار والمهاجرين، وقبل أن تنجح المسعاة من أبي سفيان في خفائها، وقد كاد أن يعلنها.

وكان علي في تلك الساعة العصيبة إلى جوار الجثمان الطاهر المسجى في حجرته، فدخل عليه أبو سفيان قائلًا: «يا أبا الحسن! هذا محمد قد مضى إلى ربه، وهذا تراثه لم يخرج عنكم، فابسط يدك أبايعك!»

ويقول عمه العباس: «يا ابن أخي، هذا شيخ قريش قد أقبل، فامدد يدك أبايعك ويبايعك معي. فإنا إن بايعناك لم يختلف عليك أحد من بني عبد مناف، وإذا بايعك عبد مناف لم يختلف عليك قريشي، وإذا بايعتك قريش لم يختلف عليك بعدها أحد من العرب.»

فيجيبه علي: «لا والله يا عم! إني لأكره أن أبايع من وراء رتاج.»

ولقد كان أحكم في جوابه هذا من شيخ الدهاة من بني هاشم وشيخ الدهاة من بني أمية، فما للخلافة معدى عنه إن كانت ولاية عهد يعلمها جميع المسلمين، وما للبيعة هناك جدوى إن تمَّت وراء رتاج وانشقت بعدها عصا المبايعين والمعارضين.

ولقد تمت البيعة على الوجه الذي عرفه التاريخ، فإن يكن هناك جدال فلا جدال بين المنصفين في فضل الأئمة الذين أدركوا الفتنة قبل مسعاها من السقيفة ومسعاها من دار أبي سفيان، ولا جدال بين المنصفين فيما ابتغوه من خير وحكمة، فما ابتغى أبو بكر ولا عمر ولا أبو عبيدة نفعًا لأنفسهم، وما قصروا بعد يوم البيعة في نصرة دينهم، وما كان في وسع أحد أن يبلي أجمل من بلائهم في دفع الغائلة عن الإسلام من فتنة الردة ومن غارة الفرس والروم، ولا أن يفتح للإسلام في العراق والشام وفارس ومصر فتحًا أعظم وأقرب مما فتحوه.

وآمن عليٌّ بحقه في الخلافة، ولكنه أراده حقًّا يطلبه الناس ولا يسبقهم إلى طلبه، ولم تمنعه البيعة لغيره أن يعينه بالرأي والسيف ويصدق العون لأبي بكر وعمر كأنه في عون رسول الله وهو بقيد الحياة.

وقد اختلف الصدِّيق والفاروق والإمام يومًا أو أيامًا بعد وفاة النبي عليه السلام، فمن شاء فليأخذ بحجة هذا ومن شاء فليأخذ بحجة ذاك، ولكن الحجة الناهضة لهم جميعًا أنهم لم يكدحوا لأنفسهم ولا لذويهم، ولم يقفوا دون الغاية في خدمة دينهم، ولم يَحْيَ أحد منهم حياةً تريب في صدقه وصدق طويته وحسن بلائه، وما مات أحد منهم وله من الدنيا نصيب يأسى عليه.

وكانت السيدة فاطمة ترى حق علي في الخلافة، أو ترى أن قرابة النبي أحق المسلمين بخلافته، وأن بلاء علي في الجهاد وعلمه المشهود به يؤهلانه لمقام الخلافة. وكان هذا رأي طائفة من الصحابة الصالحين أدهشهم أن يجري الأمر على غير هذا المجرى، فاجتمعوا عندها واجتمعوا في غير بيتها يتشاورون فيما بينهم، أيبايعون أم يتخلفون، ولم نطلع على رواية واحدة ذات سند يعول عليه ترمي أحدهم بشق عصا الجماعة أو بالسعي في تأليب الناس على نقض البيعة. وبعد مساجلات بينهم وبين أبي بكر وعمر سفرت الفتنة عن مقصدها وتكشَّفت الدسيسة التي بيَّتها أبو سفيان، فقد عاد أبو سفيان يعرض مبايعته على علي ويتحفز للوقيعة. فصده علي وعرض له بذكر الغششة والمخادعين، ثم قال له: «إنك تريد أمرًا لسنا من أصحابه»، فلما يئس من هذا الباب طرق بابًا آخر لعله يلج منه إلى مأربه، وذهب إلى العباس يقول له: «امدد يدك يا أبا الفضل أبايعك فلا يختلف عليك القوم». ثم يقول: «إنك والله لأحق بميراث ابن أخيك»، فيرده العباس كما رده علي، ويكاد الخلاف ينتهي عند هذا وينطوي بانطواء الكلام في مسألة الخلافة، لولا مسألة «فدك» أو مسألة الميراث التي اختلف فيها سند أبي بكر وسند فاطمة مرة أخرى، وأوشك أبو بكر أن يستقيل المسلمين من بيعتهم، مخافة السخط من بنت رسول الله.

وخلاصة الحديث في أمر «فدك» أنها قرية كان النبي يقسم فيئها بين آل بيته وفقراء المسلمين، فلما قضى عليه السلام أرسلت فاطمة إلى أبي بكر تسأله ميراثها فيها وفيما بقى من خمس خيبر! فقال أبو بكر: «إن رسول الله كان يقول: «إننا معشر الأنبياء لا نُوَرَّث. ما تركناه صدقة». وإني والله لا أغيِّر شيئًا من صدقة رسول الله عن حالها التي كان عليها» ويقال: إن الزهراء احتجت عليه بقوله تعالى عن نبي من أنبيائه — زكريا — «يرثني ويرث من آل يعقوب» وقوله تعالى: «وورث سليمان داود». وإن أبا بكر قال لها: «يا بنت رسول الله! أنت عين الحجة ومنطق الرسالة، لا يد لي بجوابك، ولا أوقعك عن صوابك، ولكن هذا أبو الحسن بيني وبينك، هو الذي أخبرني بما تفقدت، وأنبأني بما أخذت وتركت.»

وجاء في شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة «إن أبا بكر قال: يا ابنة رسول الله! والله ما وَرَّث أبوك دينارًا ولا درهمًا وإنه قال: إن الأنبياء لا يُوَرَّثُون. فقالت: إن فدك وهبها لي رسول الله ، قال: فمن يشهد بذلك؟ فجاء علي بن أبي طالب فشهد، وجاءت أم أيمن فشهدت أيضًا، فجاء عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف فشهدا أن رسول الله كان يقسمها. فقال أبو بكر: صدقت يا بنت رسول الله، وصدق علي، وصدقت أم أيمن، وصدق عمر، وصدق عبد الرحمن بن عوف، وذلك أن مالك لأبيك، كان رسول الله يأخذ من فدك قُوتَكم ويقسم الباقي ويحمل منه في سبيل الله، فما تصنعين بها؟ قالت: أصنع بها كما يصنع بها أبي! قال: فَلَكِ على الله أن أصنع كما يصنع فيها أبوك، قالت: اللهِ لتفعلن؟ قال: اللهِ لأفعلن. قالت: اللهم اشهد. وكان أبو بكر يأخذ غلتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم ويقسم الباقي، وكان عمر كذلك، ثم كان عثمان كذلك، ثم كان علي كذلك.»

وفي خلال الخلاف على هذه القضية قال عمر لأبي بكر: «انطلق بنا إلى فاطمة فإنا قد أغضبناها». فانطلقا فاستأذنا عليها فلم تأذن لهما، فأتيا عليًّا فكلماه، فأدخلهما. فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط، فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام، فتكلم أبو بكر فقال: «يا حبيبة رسول الله، والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي، وإنك لأحب إلي من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ولا أبقى بعده، أفتراني عرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله؟ ألا إني سمعت أباك رسول الله يقول: «لا نُوَرَّث. ما تركناه فهو صدقة.» فقالت: «أرأيتكما إن حدثتكما حديثًا عن رسول الله تعرفانه وتعملان به؟» قالا: «نعم». فقالت: «نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: رضاء فاطمة من رضائي وسخطها من سخطي؟» قالا: «نعم سمعناه من رسول الله.» قالت: «فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه.» فقال أبو بكر: «أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة»، ثم انتحب يبكي حتى كادت نفسه تزهق. ثم خرج فاجتمع إليه الناس فقال لهم: «يبيت كل رجل منكم معانقًا خليلته مسرورًا بأهله وتركتموني وما أنا فيه؟ لا حاجة لي في بيعتكم. أقيلوني بيعتي».»

والحديث في مسألة فدك هو كذلك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى مقطع للقول متفق عليه. غير أن الصدق فيه لا مراء أن الزهراء أجلُّ من أن تطلب ما ليس لها بحق، وأن الصديق أجل من أن يسلبها حقها الذي تقوم البينة عليه، ومن أسخف ما قيل: إنه إنما منعها فدك مخافة أن ينفق عليٌّ من غلتها على الدعوة إليه، فقد ولى الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولم يسمع أن أحدًا بايعهم لمال أخذه منهم، ولم يَرِدْ ذكر شيء من هذا في إشاعة ولا في خبر يقين، وما نعلم من تزكية لذمة الحاكم في عهد الخليفة الأول أوضح بينة من حكمه في مسألة فدك، فقد كان يكسب برضى فاطمة ويرضي الصحابة برضاها، وما أخذ من فدك شيئًا لنفسه فيما ادعاه عليه مُدَّعٍ، وإنما هو الحرج في ذمة الحكم بلغ أقصاه بهذه القضية بين هؤلاء الخصوم الصادقين المصدقين، رضوان الله عليهم أجمعين.

•••

ولعلنا نجمل ما وقر في أذهان المسلمين الثقات من أمر فدك بكلمة قالها عدل من أعظم العدول بعد ثمانين سنة أو نحوها، بعيدًا من الخصومة، بعيدًا من زمانها، بعيدًا من الشبهة فيها؛ لأنه قال كلمته وفدك في يديه ينزل عنها باختباره، لا يدعوه إلى ذلك داعٍ غير وحي ضميره.

ذلك هو عمر بن عبد العزيز القائل في مستهل عهده بالخلافة: «إن فدك كانت مما أفاء الله على رسوله ولم يوجف٣ المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فسألته فاطمة إياها فقال: ما كان لك أن تسأليني وما كان لي أن أعطيك، فكان يضع ما يأتيه منها في أبناء السبيل، ثم ولي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول الله، ثم ولي معاوية فأقطعها مروان بن الحكم، فوهبها مروان لأبي ولعبد الملك، فصارت لي وللوليد وسليمان، فلما ولي الوليد سألته حصته منها فوهبها لي، وسألت سليمان حصته منها فوهبها لي، فاستجمعتها، وما كان لي من مال أحب إليَّ منها، فاشهدوا أنني قد رددتها إلى ما كانت عليه.»
في هاتين المسألتين نرى السيدة فاطمة على غير مألوفها من العكوف على شئون بنيها والابتعاد من الحياة العامة؛ لأن كلتا المسألتين تدور حول حقها ووشيجة٤ قرباها، وهما مسألة الخلافة بعد النبي ومسألة الميراث من فيئه، وإحداهما مما نسميه في لغة عصرنا بالسياسة العليا، والأخرى مما نسميه بسياسة الحكومة المالية أو الاقتصادية، ولكل منها جوانب متفرعة يعالجها مؤرخ الحوادث والسياسة من نحوها. أما في الدراسات النفسية فالمهم فيهما وفي غيرهما هو ما تترجمان عنه من خلائق صاحبة السيرة، وما تترجمان عنه حين نوجزه هو قوة إيمان بحقها تثبت عليها و«شخصية» مستقلة لا يهمل لها حساب.
١  يقطع دابره: الدابر آخر كل شيء، يقال: قطع الله دابرهم؛ أي آخر ما تبقى منهم.
٢  يحضأ: حضأ النار أرثها وأشعلها.
٣  يوجف: أوجف الفارس فرسه حثه لكي يجد في السير.
٤  وشيجة: الوشيجة: عرق الشجرة وما التف من الأشجار ونحوها. يقال: بينهم وشائج النسب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠