الفصل الرابع

سباق تطوير القنبلة الهيدروجينية

ظهيرة الثالث والعشرين من سبتمبر ١٩٤٩، وقف رئيس الوزراء البريطاني كليمنت آتلي على درجات مقر الإقامة الرسمي في ١٠ شارع داوننج، وقرأ بيانًا مختصرًا جاء فيه: «إن حكومة جلالته تملك أدلة على أنه في غضون الأسابيع القليلة الماضية وَقَعَ تفجيرٌ ذرِّيٌّ في الاتحاد السوفييتي.» وباستثناء الدعوة لمزيد من التعاون نحو السيطرة الدولية على الأسلحة الذرية لم يُقدِّم البيانُ أيَّ معلومات أخرى. لم يُحدِّد البيان وقت وقوع التفجير ومكانه أو كيفية رصده، رغم أنه اتضح لاحقًا أن البيان أُلقِيَ بعد مرور قرابة الشهر على التفجير الفعلي — وهو تفجير تجريبي لقنبلة من البلوتونيوم أُجْرِيَ في التاسع والعشرين من أغسطس — الذي تم رصده بعد وقوعه بالفعل بواسطة طائرة تجسس كانت تأخذ عينات من الهواء. لكن لم يكن أي من هذا له أهمية في ذلك الوقت. وحين حاول الصحفيون المتحمسون إثراءَ القصة وجدوا تكتمًا مماثلًا من جانب المسئولين الحكوميين. كان الاستقبال الجماهيري للخبر فاترًا على نحو لافت. وحين استهلَّت هيئة الإذاعة البريطانية نشرة أخبارها المسائية بهذا الخبر، تحدَّث التقرير بلهجة محايدة تقليدية. وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أصدر الرئيس هاري ترومان بيانًا مماثلًا في الوقت عَيْنِه تقريبًا، ولم يُقدِّم هذا البيان هو الآخر سوى القليل من التفاصيل، بَيْدَ أنَّه عمدَ إلى تلطيف الاحتجاج السياسي الداخلي من خلال التأكيد على أن حتمية تطوير الاتحاد السوفييتي للقنبلة يومًا ما «كانت موضوعة في اعتبارنا طوال الوقت». كانت تبعات الأمر غير واضحة لكن الرسالة كانت كذلك؛ فقد انتهى الاحتكار الذري الأمريكي في وقت مبكِّر للغاية عمَّا توقَّعَه أكثرُ المراقبين جدِّية. بالنسبة للشعب البريطاني، مثَّل الأمر تذكِرة له بأن جُزُره الصغيرة كثيفةَ السكان كانت معرضةً على نحو خطير للسلاح الجديد. أما بالنسبة للشعب الأمريكي — المحميِّ بعاملَي الوقت والموقع — فقد كان إحساس الخطر الوشيك أقلَّ إلحاحًا على الدوام.

كانت دهشة الجماهير من خبر إتقان الاتحاد السوفييتي للقنبلة الذرية فاترةً على نحو لافت. لقد جاء تطوير القنبلة في وقت مبكر عما توقعه الجميع تقريبًا، بيد أن هذه القدرة لم تكن في حد ذاتها مصدرًا للصدمة. كانت التوقعات بشأن الوقت الذي سيتمكَّن فيه الاتحاد السوفييتي من دخول العصر الذري متباينةً بدرجة كبيرة، وهو ما يعكس ندرة الأدلة الملموسة المتعلقة بالبرنامج الذري السوفييتي. وقد تنبَّأ أول التقديرات الصادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية — وكان تاريخه الحادي والثلاثين من أكتوبر ١٩٤٦ — أن السوفييت سيكونون قادرين على إنتاج القنبلة «في وقت ما بين عامَيْ ١٩٥٠ و١٩٥٣». شددت تقديرات لاحقة تشديدًا أكبر على الحد الثاني لهذه الفترة الزمنية. وقبل أن يُفجِّر الاتحادُ السوفييتيُّ قنبلتَه الأولى بخمسة أيام وحَسْب كانت وكالة الاستخبارات المركزية قد تنبَّأت بأن «أقرب موعد ممكن» سيكون فيه الاتحاد السوفييتي قادرًا على تطوير القنبلة سيكون منتصف عام ١٩٥٠، وإن كان «الموعد الأكثر ترجيحًا» هو منتصف عام ١٩٥٣. أسهم العديد من صناع السياسات بتخميناتهم بشأن هذا الأمر. فمثلًا أخبر السفير الأمريكي في موسكو، والتر بيدل سميث — الذي ترأَّسَ لاحقًا وكالةَ الاستخبارات المركزية — جيمس فورستال إبان ذروة حصار برلين في سبتمبر من عام ١٩٤٨ أن الاتحاد السوفييتي سيحتاج ما لا يقل عن خمسة أعوام كي يُطوِّر القنبلة. وقد أخبر فورستال قائلًا: «ربما يملكون المعرفة النظرية بشأن هذا الأمر، بَيْدَ أنَّهم لا يملكون القدرات الصناعية المعقَّدة لترجمة هذه المعرفة المجردة إلى أسلحة فعلية.» أما سير هنري تيزارد — رئيس برنامج الطاقة الذرية البريطاني — فقد رأى أن الموعد المتوقع هو عام ١٩٥٧ أو ١٩٥٨. ذهب البعض إلى أن الموعد سيكون متأخرًا عن هذا، فيما رأى آخرون أن الاتحاد السوفييتي لن يستطيع التغلب مطلقًا على الصعوبات التكنولوجية التي تحفُّ هذه العملية. وحتى أكثر السيناريوهات تشاؤمًا — والذي تصوَّرته مجموعات داخل القوات الجوية الأمريكية — فقد رأى أن الموعد المرجَّح هو عام ١٩٥٢ أو ١٩٥٣.

حظي الإعلان بتغطية مُكثَّفة في الصحافة العالمية، لكن إجمالًا كان ردُّ الفعل الجماهيري هادئًا نسبيًّا. بل إن البعض استغلَّ غياب المعلومات التفصيلية من أجل التشكيك فيما إذا كان التفجير السوفييتي قد وَقَعَ من الأساس. لقد رفضت الإعلاناتُ العامة عن القنبلة مَنْحَ أي معلومات عن الكيفية التي رُصِدَ بها التفجير، وهو ما أَشْعَلَ بدوره المزاعمَ الآتية من دعاة الانعزال المتشددين بالكونجرس، مثل السيناتور أوين بروستر (العضو الجمهوري بمجلس الشيوخ عن ولاية مين) القائلة بأن الاتحاد السوفييتي — في واقع الأمر — لم يملك قنبلة ذرية. وقد ساعد غيابُ أي إعلانٍ لاحِقٍ من جانب السوفييت على تعزيز موقف هؤلاء المتشككين. ولم يختبر الاتحاد السوفييتي قنبلتَه الثانية إلا بعد عامين تاليين. ففي الرابع والعشرين من سبتمبر ١٩٥١، التقطت منظومة كشف الطاقة الذرية التابعة للقوات الجوية إشاراتٍ صوتيةً شديدةً على نحو غير معتاد آتية من داخل الاتحاد السوفييتي، وقد تمَّ لاحقًا التأكيد على أنه تفجير ذرِّيٌّ آخر.

وقد كشفت عمليات إعادة تقييم القدرات النووية السوفييتية في ضوء هذه الأخبار عن أن المخزون السوفييتي من القنابل الذرية سيرتفع من معدل قنبلتين شهريًّا إلى إجمالي خمس قنابل أو أكثر شهريًّا بنهاية عام ١٩٥٠. ووفق تقديرات الاستخبارات الأمريكية من شأن هذا أن يؤدي إلى نمو الحصيلة التي كان من المرجح أن يمتلكها الاتحاد السوفييتي من القنابل الذرية بحلول منتصف عام ١٩٥٠ من ما يقدر ﺑ ١٠ إلى ٢٠ قنبلة إلى نحو ٢٠٠ قنبلة بحلول منتصف عام ١٩٥٤. شكَّل هذا الرقم نوعًا من العتبة الحرجة من منظور التخطيط العسكري الأمريكي؛ إذ قرر القائمون على التخطيط العسكري الأمريكي أنه ما إن يملك السوفييت القدرة على إلقاء نحو ٢٠٠ قنبلة ذرية على أهداف داخل الولايات المتحدة، فسيكونون قادرين على تدمير الكثير من أهم الأهداف الأمريكية؛ وبذا يوجهون ضربات قاصمة للقدرة الحربية الأمريكية.

الاحتكار الذري الأمريكي

تحركت الولايات المتحدة ببطء يثير الدهشة في هذه الأيام الأولى من أجل صياغة سياسة استراتيجية متماسكة تربط التخطيط العسكري بأهداف السياسة الخارجية. لقد تمتعت الولايات المتحدة لما يربو على أربع سنوات بقليل باحتكار ذرِّيٍّ. وخلال تلك الفترة، فشلت واشنطن — ومعها حلفاؤها على الجانب الآخر من الأطلسي، وخصوصًا بريطانيا العظمى — في صياغة عقيدة متماسكة تجعل القوة الرهيبة للأسلحة الذرية في خدمة السياسة الخارجية الغربية، حتى مع تصاعد الإجماع في الرأي على أن الغرب كان في حرب من نوع جديد مع النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي. كل ما كان بمقدورهم توجيهه كان نوعًا من التهديدات الفارغة نسبيًّا بشأن موضوعات متفرقة. وقد شكا وزير الدفاع الأمريكي جيمس فورستال من هذا النهج واصفًا إياه بأنه «جهد مشتت». وبعد أن جرى على نحوٍ رسميٍّ تبنِّي مفهوم «احتواء» الاتحاد السوفييتي في أواخر نوفمبر ١٩٤٨، افترض أغلب صناع السياسات بإدارة ترومان — أو بالأحرى أملوا — أن الاحتكار الذري الأمريكي سيردع السوفييت عن خرق السلام مخافة التسبب في حرب شاملة.

بَيْدَ أنه لو كانت هذه نية ترومان بالفعل، فيبدو أنها لم تنجح. لقد كان من المفترض أن تكون القنبلة هي «السلاح الرابح»، لكن بحلول عام ١٩٤٨ كان من الواضح بجلاء أن الغرب لم يكن في طريقه لربح الحرب الباردة أو لمنع موسكو من تحدي المصالح الغربية على نحو متكرر، وبدا أن السوفييت يملكون زمام المبادرة على كل الجبهات ذات الأهمية. وقد كتب المحلل الاستراتيجي الفرنسي ريمون آرون في عام ١٩٥٤ قائلًا إنه «حين يستعرض المرءُ الفترةَ الكاملةَ التي أعقبت قصف هيروشيما، من الصعب مقاومة الانطباع بأن الاحتكار الذري الشهير سبَّبَ للولايات المتحدة الخسارةَ لا المكسبَ؛ إذ لم يكن لهذا الاحتكار أي فائدة خلال الحرب الباردة.» استمرت الأزمات السياسية في التلاحق: في يوغوسلافيا وإيران واليونان وإيطاليا وفرنسا وألمانيا. وقد ارتكز الجدل بشأن ما إذا كانت القنبلة الذرية ستُستخدَم أم لا على سؤال أهم؛ وهو ما إذا كان «ممكنًا» من الأساس استخدام القنبلة الذرية.

لقد تحوَّل الانتباه الآن إلى بناء قدرة ذرِّيَّة حقيقية. وقد أدَّت الضغوط السياسية المطالبة بإعادة القوات المحاربة إلى أرض الوطن علاوة على التحوُّل السَّلِس من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلم إلى عملية تسريح ضخمة من الجيش الأمريكي في أعقاب الحرب العالمية الثانية. كانت هناك أولويات محلِّية تَسْبِق عملية الاستعداد لحرب أخرى، وفي الجدل الأزلي بين السلاح والغذاء انتصر الغذاء. وقد رأى أولئك القَلِقون من التهديد البازغ للاتحاد السوفييتي — مثل جيمس فورستال — أن عملية التسريح تجاوزت الحدَّ المقبول. تغلغل القلق في نفوس المخططين العسكريين الأمريكيين من أن عملية التسريح التي تَلَت الحرب جعلت الولايات المتحدة قادرة بالكاد على الوفاء بالتزاماتها الحالية، وأنه لو حدث أن أَقْدَمَ السوفييت على عمل عسكري في مسرح آخر، فلن يكون هناك ما يكفي من القوات الغربية لدرئه. كانت القيود سياسية، وليست اقتصادية أو لوجستية. فعلى النقيض من القوى العظمى الأخرى، خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية مرتكزة على أساس اقتصادي متين، ولم تتعرض أراضيها أو نسيجها المجتمعي لضرر. ومن منظور منتقدي حدود الإنفاق الدفاعي المنخفضة التي فرضتها إدارة ترومان كان كل ما يتطلبه الأمر لوقف تدهور الموقف الأمريكي هو الإرادة السياسية لعمل ذلك.

أحد النواتج الجانبية لعملية التسريح التي أعقبت الحرب كان توقُّف البرنامج الذري الأمريكي بشكل شبه تام. كان الرئيس ترومان حين أعلن قصف هيروشيما بالقنبلة الذرية قد ألْمَحَ إلى أن عملية إنتاج القنابل الذرية تَسِيرُ على قدم وساق؛ إذ قال: «هذه القنابل قيد الإنتاج في صورتها الحالية، كما يتم تطوير أنواع أخرى أشد قوة.» ورغم أن ما قاله ليس خطأً من الناحية الشكلية، فإنه كان مضللًا عن عمد. في الواقع، كانت لدى الأمريكيين حفنة قليلة من القنابل في ذلك الوقت وإبان المراحل المبكرة من الحرب الباردة، وهذا كان نتاجًا لقرارات سياسية اتخذتها واشنطن وليس بسبب أي قيود لوجستية. فبنهاية عام ١٩٤٥ كانت الولايات المتحدة قد بَنَتْ ستَّ قنابل ذرِّيَّة، وبنهاية عام ١٩٤٧ كانت تملك ٣٢ قنبلة فقط، فيما وصل عدد القنابل بنهاية عام ١٩٤٨ إلى ١١٠ قنابل. وبنهاية عام ١٩٤٩، حين فجَّر الاتحاد السوفييتي أولى قنابله الذرية، كانت الولايات المتحدة تملك ٢٣٥ قنبلة ذرية. ثم نما مخزون القنابل الذرية على نحو أسرع بكثير بعد عام ١٩٥٠، حين أمر ترومان بتعزيز القوة العسكرية على خلفية الحرب الكورية.

لم يكن بناء المزيد من القنابل الذرية ليحقِّق الكثير دون تطوير عقيدة نووية وسياسة إشهار قابلتين للتطبيق. وقد كانت أول أزمة من أزمات الحرب الباردة تؤكِّد على هذا هي أزمة برلين عام ١٩٤٨، والتي تُعَدُّ أولى الأزمات النووية الحقيقية التي شهدتها الحرب الباردة. ويزعم أحد المراقبين أنه في ضوء السابقة التي أرستها هذه الأزمة، «من الجلي دون أدنى شك أنها كانت أخطر أزمات الحرب الباردة.» وحين حاصر ستالين برلين في منتصف عام ١٩٤٨ بدا أن هذا يقدِّم الدليل الملموس الذي كانت تفتقر إليه حتى ذلك الوقت تحذيرات فورستال وغيره من أن الاتحاد السوفييتي لا يملك مصالح متعارضة مع مصالح الولايات المتحدة وحسب، بل إنه أيضًا لن يتورَّع عن العمل على تحقيق هذه المصالح. ردًّا على هذا الحصار التزم ترومان التزامًا صريحًا بالحفاظ على الوجود الغربي في برلين، رغم أنه لم يكن يملك أدنى فكرة عن كيفية تحقيق هذا. وكانت أشهر ردود الفعل على هذا التحدي هو الجسر الجوي إلى برلين، ذلك الجهد البارع الهادف لتوصيل المؤن للمليونيْ شخص القاطنين بالقطاع الغربي من المدينة جوًّا. بَيْدَ أنَّ ترومان لم يرَ في الجسر الجوي أكثرَ من محض وسيلة للمماطلة.

كانت هيئة الأركان المشتركة قد أوضحت بما لا يقبل الشك أنه لم يكن هناك من سبيل للفوز في حرب تقليدية في أوروبا ضد الجيش الأحمر. ورغم أن بعض الخطط الأمريكية الحربية شديدة السرية حاولت استخدام القنابل الذرية، فقد ظلت الكيفية التي يمكن أن يسهم بها هذا السلاح الجديد في الجهد الحربي غير واضحة. وقد أمل المخططون العسكريون أن تكون القنبلة الذرية «مزية متفردة» في الحرب ضد الاتحاد السوفييتي، بينما كانوا يدركون في الوقت عَيْنِه أن الطبيعة والبنية الجغرافية للاتحاد السوفييتي لا تسمح إلا بوجود القليل من الأهداف ذات القيمة العالية. كان استهداف مدن مثل موسكو ولينينجراد أمرًا ممكنًا، بيد أنه كان سيتسبب في مضار كثيرة دون فوائد مماثلة؛ إذ إنه في نظر بلد خسر نحو ٢٧ مليونًا من أبنائه في الحرب العالمية الثانية لن تكون للصدمة قيمة كبيرة ومن غير المرجح أن تسهم هذه الخطوة في النصر. لقد بيَّنت الحرب العالمية الثانية قيمة استهداف المنشآت الحربية للعدو بواسطة القوة الجوية الاستراتيجية، لكن كان الاتحاد السوفييتي يختلف اختلافًا كبيرًا عن اليابان أو ألمانيا. فنظام النقل السوفييتي، الذي وصفه المخططون العسكريون بأنه «أهم التروس في ماكينة الحرب السوفييتية»، كان يمتد عبر مسافات شاسعة دون أن يحوي سوى محاور تجميع قليلة، وقد كان شديد الانتشار بحيث يستحيل أن يُمثِّل هدفًا ممكنًا للعدد القليل نسبيًّا من القنابل الذرية الذي كانت تملكه الولايات المتحدة في تلك الفترة. كانت الصناعات العسكرية السوفييتية مُوزَّعة بدرجة كبيرة هي الأخرى، ووحدها المصادر البترولية للدولة هي التي مثَّلت هدفًا ممكنًا للقصف. ولم يَرَ مجلس الأمن القومي الأمريكي أن الولايات المتحدة تملك القدرة على تنفيذ «ضربة حاسمة» ضد الاتحاد السوفييتي إلا في عام ١٩٥٦.

استنزفت عمليةُ التسريح التي أعقبت الحرب على نحوٍ خطيرٍ الخياراتِ العمليةَ المتاحة أمام الرئيس لاستغلال الاحتكار الذرِّيِّ، كما أعاقت السرية الشديدة المحيطة بالمعلومات المرتبطة بالأسلحة الذرية هذه الخيارات بدرجة أكبر؛ فالرئيس نفسه لم يكن قادرًا على أن يحصل على إجابة مباشرة حول عدد الأسلحة الموجودة في المخزون الأمريكي وما يمكنها أن تفعله. وفي مواجهة العجز العسكري الواضح الذي كشف عنه غياب أي خيارات جيدة للتعامل مع حصار برلين، عملت هيئة الأركان المشتركة على مراجعة الوضع الدفاعي للولايات المتحدة، بداية بالاستراتيجية النووية. وقد استغلَّ فورستال وهيئة الأركان المشتركة الحصارَ في مساعيهم الهادفة لمعارضة ميزانيات ترومان الدفاعية الشحيحة، واستغلوا الفرصة للقول بأن الاعتماد على محض تصوُّر للقوة لم يكن بالأمر الكافي، ولا بد أن يكون مدعومًا بقدرات عسكرية ملموسة. وفي ذروة حصار برلين، خوَّل فورستال — وقد أحبطه تردُّد ترومان في حسم مسألة «ما إذا كانت القنبلة الذرية ستُستخدَم في الحرب أم لا» — من تلقاء نفسه هيئةَ الأركان المشتركة بأن تَبْنِي تخطيطَها للحرب على الافتراض بأن السلاح النووي سيُستخدَم بالفعل.

علاوة على ذلك، أظْهَرَ الحصارُ عدمَ كفاءة الاستراتيجية النووية الأمريكية حين أُجبرت واشنطن على ارتجال نوع من الردع الذري عن طريق إرسال القاذفات «الذرية» من طراز «بي-٢٩» إلى بريطانيا وألمانيا. وكان كل ذلك محض خداع.

قليلون فقط هم من فكروا في الكيفية التي ستُشَن بها حرب ذرية. وقد اقترح ونستون تشرشل توجيه إنذار للسوفييت يُهدِّد بأنه ما لم تتراجع القوات السوفييتية عن حصار برلين، وتنسحب من ألمانيا الشرقية، وتتراجع حتى الحدود البولندية؛ فإن القاذفات الذرية الأمريكية ستمحو المدن السوفييتية من الوجود. وقد اتخذ قائد القوات الأمريكية في ألمانيا، الجنرال لوشيوس دي كلاي، موقفًا مشابهًا وأخبر فورستال أنه «لن يتردَّد في استخدام القنبلة الذرية وسيضرب موسكو ولينينجراد أولًا.» كما كان وزير الخارجية البريطاني إرنست بيفن متحمسًا هو الآخر كي يُريَ موسكو «أننا جادُّون فيما نقول».

رغم إغراء الهجوم على موسكو، كانت واشنطن تخطو في تمهل. فعلى حد تعبير السياسة الحكومية البريطانية الرسمية، بدا من المشكوك فيه أن يُضيف الغرب «لدغة العقرب» إلى تلك التهديدات النووية، وهو ما أقرَّ به واضعو السياسات الأمريكان في هدوء. إن محض إقدام ستالين على حصار برلين في خطوة استفزازية في المقام الأول، رغم الاحتكار الذري الأمريكي، كان في حد ذاته دليلًا واضحًا على أن الردع لا بد وأن يكون ظاهرًا جليًّا، وأن وجود الأسلحة الذرية في حد ذاته ليس بالأمر الكافي. علاوة على ذلك، خشي الكثيرون من أن تكون الولايات المتحدة قد قطعت على نفسها التزامات تَفُوق قدراتها العسكرية.

القنبلة السوفييتية

أظهر ستالين عدم اكتراثه بالتأثير الرادع للقنبلة. وقد كان هذا نذيرًا بالفجوة الواسعة بين الفهم السوفييتي والفهم الأمريكي لمفهوم الردع النووي، وهي الفجوة التي ترسخت في العقود التالية، وكما صرح ستالين في تعليقات نشرتها صحيفة «برافدا» في سبتمبر ١٩٤٦ فإن «القنبلة الذرية مقصود منها إخافة ذوي الأعصاب الضعيفة، لكنها تعجز عن تحديد مصير الحرب.» عوضًا عن ذلك عبَّر عن إيمانه الراسخ بأن ما أسماه العوامل الدائمة من شأنها أن تضمن تفوُّق الاتحاد السوفييتي في أي حرب مستقبلية، كما حدث في الحرب الماضية.

كان عدمُ الاكتراث المحسوب من جانب ستالين مناورةً استراتيجية. لقد كان أمرًا ملائمًا من الناحيتين السياسية والدبلوماسية، بَيْدَ أنَّه كان يُخفي الحقيقة عن عمد. فخلف هذا المظهر العام الزائف، كشفت تعليقات ستالين الخاصة وتوجيهاته عن فهم أدق للتأثير المحتمل للقنبلة الذرية على العلاقات الدولية. كان علماؤه أنفسهم قد حذَّروه في مايو ١٩٤٢ من أن البريطانيين والأمريكيين ربما يعملون على نحو مشترك من أجل بناء القنبلة الذرية — بل إنه في واقع الأمر عَلِمَ بشأن مشروع مانهاتن قبل أن يعلم به هاري ترومان نفسه — لكن استيعابه لمعنى ذلك السلاح الجديد كان بطيئًا. فقد كان متشككًا في البداية في أن مثل هذا السلاح قد يكون مهمًّا، وحين أَعْلَمَه مدير الاستخبارات بأن بعض التقارير تُفِيد بأن البريطانيين والأمريكيين يتعاونون من أجل بناء القنبلة الذرية، عبَّرَ ستالين عن شكوكه من كون هذا جزءًا من برنامج تضليل متعمَّد. لكن ما إن اقتنع ستالين بالأمر — وهو ما جرى على سبيل المفارقة عن طريق الغياب المريب للمعلومات العلمية من الدوريات، وذلك في إطار الجهود الحكومية الأنجلو أمريكية لحجب المعلومات عن الألمان، لا عن طريق أي تأكيد إيجابي — حتى أدرك أهمية القنبلة. ويزعم بافل سودوبلاتوف — وهو جاسوس سوفييتي سابق — أنه حين اقترح أحد كبار العلماء السوفييت على ستالين في أكتوبر ١٩٤٢ أن يسأل روزفلت وتشرشل عن البرنامج، ردَّ ستالين قائلًا: «ستكون من السذاجة السياسية أن تعتقد أنهما سيطلعانني على معلومات بشأن أسلحة ستهيمن على العالم في المستقبل.» وهو تعليق مثير الاهتمام؛ لأنه يبيِّن شكَّه الواضح في حلفائه كما يُبيِّن إقراره بالقدرة الثورية للقنبلة الذرية.

بدأ السوفييت برنامجَ القنبلة الذرية عام ١٩٤٣ خوفًا من أن يتوصَّل الألمان إلى القنبلة أولًا، بَيْدَ أن الموارد المخصصة لهذا الأمر تفاوتت مع الوقت بسبب وجود العديد من القضايا الأخرى المُلِحَّة. على أي حال، كانت تلك مخاطرة ضخمة مُكلِّفة؛ إذ وحدها الولايات المتحدة كانت تملك رفاهية الأمن الإقليمي والموارد الطبيعية وملياريْ دولار كي تنفقها على البرنامج. ولم تحتلَّ الأسلحة الذرية قمةَ الأولويات إلا بعد قصف هيروشيما.

قبل هذا الوقت، بدا وكأن ستالين قد بخس قيمة مقدار الدمار الذي يُسبِّبه هذا السلاح الجديد، وإن كان هذا قد تغيَّر دون شك بعد القصف الذري المأساوي لليابان. ويتضح الدليل الأكبر على أن ستالين أدرك قدرة القنبلة على قلب موازين السياسة الدولية من أوامره إلى رئيس جهاز الأمن السوفييتي لافرينتي بيريا، وكبير علماء الذرة السوفييت إيجور خرشاتوف بألا يدخرا أي موارد في سبيل تقوية برنامج القنبلة السوفييتي «على المستوى الذي يليق بروسيا». وقد وعد ستالين بمنح علماء الذرة السوفييت حرية غير مسبوقة في عملهم وكل الدعم المادي الذي تستطيع الدولة تقديمه. وقد أخبر علماءه قائلًا: «لقد زلزلت هيروشيما العالمَ بأسره. لقد اختل التوازن. ابنوا القنبلة؛ فسوف يدرأ هذا عنَّا الخطر العظيم.» وقد كان لهذا القرار تأثيرات واسعة النطاق على تطوير قطاع صناعي عسكري سوفييتي حديث، ومهَّدَ فعليًّا الطريقَ لخلفائه من أجل امتلاك برنامج نووي ضخم من شأنه أن يُوجِد تكافؤًا استراتيجيًّا عمليًّا مع الغرب في غضون عقدين من الزمان.

fig5
شكل ٤-١: جوليوس وإيثيل روزنبرج وهما يغادران محكمة مدينة نيويورك الاتحادية بعد توجيه الاتهام الرسمي لهما. وقد أُدِينَ الزوجان لاحقًا بتهمة التجسس وأُعْدِما.

لعب الجواسيس السوفييت دورًا مهمًّا. فرغم أن مشروع مانهاتن كرَّس أغلب موارده الأمنية في سبيل حماية المشروع من التجسس الألماني، استفاد السوفييت من تيار ثابت من المعلومات التفصيلية — بما في ذلك تصميمات أصلية مُحدَّدة — هرَّبَها من البرنامج بعضُ المتعاطفين والعملاء؛ مثل: كلاوس فوش وديفيد جرينجلاس، وجوليوس وإيثيل روزنبرج (أُعْدِمَ الأخيران بتهمة الخيانة عام ١٩٥٣).

وترسم لنا الأرشيفات السوفييتية التي صارت متاحة للعلن في أوائل عقد التسعينيات، إضافة إلى نزع صفة السِّرِّية عما يُطلَق عليه «وثائق فينونا» — وهي ترجمات لنحو ثلاثة آلاف رسالة أُرْسِلَتْ بين موسكو ومحطات الاستخبارات السوفييتية في الولايات المتحدة في عقد الأربعينيات — صورةً للعصر الذهبي للتجسس السوفييتي. هذه المعلومات — بدورها — كان يتم توجيهها مباشرة إلى العلماء السوفييت عن طريق منظمة بيريا. وفي ذلك الوقت — بواكير الحرب الباردة — قلَّ مَنْ يشكُّون في أن هذه المعلومات سرَّعت على نحو مباشر من عمل برنامج القنبلة الذرية السوفييتي.

خلال سنوات حكم ستالين، تجاهلت العقيدة العسكرية السوفييتية بالأساس الأسلحة النووية بوصفها أسلحة هجومية. لكن كانت هناك جهود نشطة للدفاع ضد القاذفات الأمريكية طويلة المدى التي قد تكون مُسلَّحة بقنابل ذرِّية. ونحو عام ١٩٤٨ احتلت المنظومات الدفاعية المضادة للطائرات الأولوية القصوى، وذلك في الوقت عَيْنِه تقريبًا الذي بدأ فيه العلماء السوفييت ووزارة الدفاع السوفييتية في البحث في تكنولوجيا الصواريخ البالستية (القوسية) العابرة للقارات والمنظومات الدفاعية المضادة للصواريخ البالستية.

تغيَّرَتْ آراء ستالين في القنبلة الذرية تدريجيًّا. وبجمع هذا التغيُّر مع السرية الشديدة المفروضة من جانب النظام السوفييتي، فإن الجهود الهادفة لتحديد ما إذا كان الزعيم السوفييتي قد شعر بالردع بفعل القنبلة الأمريكية تواجه تعقيدات كبيرة. وقد ذهب فلاديسلاف زوبوك — وهو من كبار الباحثين في السياسة الخارجية السوفييتية — إلى أن تفكير ستالين بشأن القضايا النووية — شأنه شأن أغلب زعماء النادي النووي الآخرين — قد تطوَّر مع الوقت. ويقول زوبوك:

لو أن أحدًا قد سأل ستالين بعد قصف هيروشيما عام ١٩٤٥ ومرة ثانية قُرْبَ وفاته في أواخر عام ١٩٥٢ عمَّا إذا كان يؤمن بأن القنبلة سوف تُؤثِّر على احتمالية نشوب الحرب في المستقبل، فمن المحتمل أن يحصل على إجابتين مختلفتين. ففي عام ١٩٤٥ كان ستالين سيردُّ على الأرجح بقوله إن الاحتكار الذري الأمريكي كان يُشجِّع الولايات المتحدة في مسعاها للسيطرة على العالم، وإنه جعل احتمالية نشوب الحرب أمرًا أكثر ترجيحًا. لكن في بدايات عام ١٩٥٠، وبعد أول اختبار سوفييتي للقنبلة الذرية، كان ستالين على استعداد أن يقول إن ميزان القوى تحوَّلَ مجددًا إلى صالح قوى الاشتراكية والسلام.

أما تشرشل فقد أصرَّ على أن القنبلة الذرية الأمريكية كانت الحائل الوحيد ضد المدِّ الشيوعي. وقد أخبر جمهوره في ويلز عام ١٩٤٨ قائلًا: «لا شيء يَحُول بين أوروبا وبين الخضوع التام للطاغية الشيوعي إلا القنبلة الذرية التي يملكها الأمريكيون.» وكان يكثر من ترديد هذه المقولة.

أهي حقًّا «سنوات الفرصة» الضائعة؟

بالنظر للأمر من منظورنا الحالي، من المثير للدهشة أن القوة الذرية الوحيدة في العالم — الولايات المتحدة — لم تُقْدِم على تحركات أكثر حزمًا لمنع غيرها من الدول من تطوير القنبلة الذرية. لا يعني هذا أن فكرة الحرب الوقائية لم تخضع للنقاش؛ إذ خضعت بالفعل لنقاش مُطوَّل داخل دوائر سرية. وقد ذهب البعض إلى أن الولايات المتحدة قد أضاعت المزية التي كانت تتمتع بها، وأن مصدر القوة العسكرية الأمريكية الأعظم قد أُضِيع هباءً، وهو قرار كان يمكن أن يكون له تبعات كارثية. وقد كتب جيمس فورستال في أواخر عام ١٩٤٧ يقول إن السنوات المتبقية من عمر الاحتكار — مهما امتد عمر الاحتكار — ستكون هي «سنوات الفرصة». ومنذ وقت مبكر يرجع إلى يناير عام ١٩٤٦ قال الجنرال ليزلي جروفز — القائد العسكري لمشروع مانهاتن: «إذا كنا واقعيين أشد الواقعية، فلن نسمح لأي قوة خارجية لا تربطنا بها علاقة تحالف وثيق … بأن تصنِّع أسلحة ذرية أو تمتلكها. وإذا بدأت دولة كتلك في تصنيع الأسلحة الذرية فسندمر قدرتها على تصنيعها قبل أن تتقدم على نحو كافٍ بحيث تُمثِّل تهديدًا لنا.» ومع هذا، لم تتبنَّ الولايات المتحدة أي استراتيجية للحرب الوقائية، ولم يدعم أكثرُ المسئولين الحكوميين نفوذًا الفكرةَ.

شاع هاجس السوء بين ظهرانيْ دوائر صناعة السياسات حيال ما يمكن أن يفعله السوفييت لو أنهم امتلكوا القنبلة، وهو ما أدى إلى نطاق واسع من التوصيات. كان الحديث عن الحرب الوقائية مثيرًا للجدل، وقد حمل مسحة من الاهتمام وصلت ذروتها في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، بَيْدَ أنَّ هذا الاهتمام سرعان ما خبا وسط الثورة النووية الحرارية للرءوس الحربية الهيدروجينية والصواريخ البالستية بعيدة المدى.

ورغم الفتور الواضح الذي قابل به الجمهور الأمريكي فكرةَ الحرب الوقائية — إذ أظهرت استطلاعاتٌ عِدَّةٌ للرأي في أوائل الخمسينيات أن نسبة المؤيدين للحرب الوقائية ضد السوفييت تتراوح بين ١٠ إلى ١٥ بالمائة — فإن فكرة شن حرب على السوفييت قبل أن يتمكَّن ستالين من بناء ترسانته الذرية الكبيرة تمتعت بدعم عريض على نحو لافت، وإن كان بمنأًى عن الدعاية — في الأوساط الرسمية في واشنطن — وكانت موسكو على علم بذلك. وكان هذا في جزء منه أمرًا متوقعًا.

كانت القواتُ الجوية ومؤسسةُ راند منبعَ فكرة الحرب الوقائية، وظَلَّا مؤيِّدَيْن لها لفترة طويلة بعد رفضها في الدوائر الأخرى. لكن في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، حين كانت نافذة الفرصة لا تزال موجودة، جاء دعم الحرب الوقائية من مصادر أقل ترجيحًا. فقد نُقِل عن عالم الذرة الكبير ليو زيلارد دعمه للحرب الوقائية منذ وقت مُبكِّر يَعُود إلى أكتوبر ١٩٤٥. كما وجد جورج كينان وزميله المختص بالشأن السوفييتي بوزارة الخارجية تشارلز بولن — وكلاهما من المعتدلين فيما يخص السياسة العسكرية للحرب الباردة — أن منطق الحرب الوقائية له وجاهته.

أدَّى عددٌ من الأسباب إلى عدم انتصار ذلك الرأي. بادئ ذا بدء، كان الأمر راجعًا إلى طبيعة الشخصية الوطنية؛ فلم تكن الولايات المتحدة معتادة على شن الحروب. فبعد تلقِّيها الضربة الأولى على صورة هجوم مباغت في بيرل هاربر، وضع صانعو السياسات — والجمهور الأمريكي — السياسةَ الخارجية الأمريكية موضع إكبار. ورغم أن الولايات المتحدة احتفظت لنفسها بالحق في اتخاذ فعل عسكري وقائي، فإن تنفيذ ذلك على أرض الواقع كان عليه أن يتغلَّب على قناعات قومية عميقة مفادها أن شنَّ الحروب ليس بالسبيل الأفضل للتصرف على الساحة الدولية.

الأهم من ذلك هو الشك في أن الحرب الوقائية ضد الاتحاد السوفييتي من شأنها أن تُحقِّق نجاحًا. لقد وضعت عملية التسريح التي أعقبت الحرب قيودًا شديدة على القدرات العسكرية الأمريكية، ولم يكن الحلفاء في أوروبا الغربية في موضع يُمكِّنهم من تقديم أي إسهام عسكري ذي معنى. وسيكون الطريق ممهدًا أمام الجيش الأحمر السوفييتي — الذي حافظ ستالين عليه بأعداد ضخمة بوصفه وسيلته الخاصة في «الردع» — حتى القنال الإنجليزي. هذا بدوره أثار سؤالين؛ أولهما: كي تكون الحرب الوقائية فعَّالة، هل ستحتاج ما هو أكثر من ضربات جوية بالقنابل الذرية؟ والثاني: ألن تكون الولايات المتحدة مضطرة لإرسال قوات أرضية لاحتلال أراضٍ في قلب روسيا؟ كانت الحقيقة الواضحة أن الولايات المتحدة لم تكن قادرة على شن حرب وقائية ضد الاتحاد السوفييتي لمنع القنبلة الشيوعية ولا ميَّالة لذلك.

قرار القنبلة الهيدروجينية

من الجلي أن موسكو لم تشعر بالترويع بسبب الاحتكار الذري الأمريكي. أما الآن وقد تحطَّم هذا الاحتكار، بات العديد من المراقبين مقتنعين بأن السوفييت سيصيرون أشد خطورة. وقد أدركت المصادر المُطَّلعة — ومن بينها مجتمع الاستخبارات — أن الاتحاد السوفييتي سيستغرق بعض الوقت حتى يطور مخزونًا قابلًا للاستخدام من القنابل الذرية؛ إذ كان السوفييت يملكون بحلول عام ١٩٥٠ نحو ٥ قنابل ذرية مقارنة ﺑ ٣٦٩ قنبلة تملكها الولايات المتحدة. كان أمام الولايات المتحدة طريقان؛ الأول هو استغلال الفرصة والضغط من أجل نزع سلاح الطرفين. كان السوفييت قد عارضوا الجهود المبكرة للسيطرة الدولية على الأسلحة الذرية على أساس أن هذا سيسلبهم الحق في تطوير قدراتهم الذرية بينما ستظل الولايات المتحدة محتفظة بترسانتها. أما الآن وقد صارت القوتان تملكان القنبلة الذرية، فسيكون الأمر في حقيقته عملية تضحية متبادلة. أما الطريق الثاني فكان الانخراط في منافسة وسباق تسلح شاملين. ولِعددٍ من الأسباب — أغلبها نابع من عقلية الحرب الباردة — اختارت الإدارة الأمريكية الطريقَ الثاني. وكانت تلك نقطة فاصلة.

ومع هذا، استمرَّ الصقور داخل الحكومة الأمريكية في الضغط من أجل تنفيذ أهدافهم. كان جيمس فورستال قد شكا طويلًا من أن أسقف الميزانية المنخفضة التي فرضتها إدارة الرئيس ترومان كانت تفرض وجود «استراتيجية في حدِّها الأدنى، لا استراتيجية ملائمة». وقد كان خلَفُه، لويس جونسون، ميَّالًا من الناحية الأيديولوجية نحو الانضباط المالي، ولم يكن يَمِيل إلى تحدي توجيهات الميزانية التي يُحدِّدها له القائد الأعلى. لكن بسبب سلسلة من إخفاقات الحرب الباردة — وخصوصًا الاختبار الذري السوفييتي و«خسارة» الصين لصالح حزب ماو تسي تونج الشيوعي، وكلاهما حدث عام ١٩٤٩ — أجبرت الضغوط السياسية ترومان في نهاية المطاف على إعادة النظر في الإنفاق الدفاعي والاستراتيجية التي تتماشى معه. وبنهاية هذه العملية، زاد الإنفاق الدفاعي بنسبة ٤٥٨٪ بنهاية عام ١٩٥٢ المالي مقارنة بميزانية عام ١٩٥١ المالي، وارتفع عدد القوة العاملة في وزارة الدفاع من نحو ٢٫٢ مليون عام ١٩٥١ إلى نحو ٥ ملايين.

خلال شتاء ١٩٤٩-١٩٥٠، استَعَرَ نقاشٌ عالي السرية في الدوائر العلمية ودوائر وزارة الدفاع حول إمكانية الاستمرار في جيل جديد من الأسلحة يستغل الطاقة المنطلقة عند اندماج ذرات الهيدروجين، وليس الانشطار الذري كما الحال في القنبلة الذرية. حمل هذا النوع الجديد من القنابل على نحو غير رسمي اسمَ القنبلة «الخارقة»، في إشارة إلى قدرته الفائقة مقارنة بالقوة التفجيرية للقنبلة الذرية، كما حمل عدة أسماء أخرى مثل القنبلة الهيدروجينية أو القنبلة النووية الحرارية، أو القنبلة النووية وحسب. أُجْرِيَت الأبحاث الأولية على هذا السلاح داخل مشروع مانهاتن على يد فريق من العلماء بقيادة الفيزيائي إدوارد تيلر. لكن مع انعدام الأمل في تحقيق نجاح فوري وتقلُّص الميزانيات العسكرية في ظل البيئة الاقتصادية لما بعد الحرب، توقَّفت الأبحاث. واستنادًا إلى بيانات نظرية، تنبَّأ تيلر بأن القنبلة الهيدروجينية ستفُوق في قوتها قنبلةَ هيروشيما بمئات المرات، وستكون قادرة على تدمير مساحة قدرها مئات من الأميال المربعة، مع انتشار أكبر للإشعاع.

تركَّز النقاش حول ما إذا كانت هناك حاجة لمثل هذا السلاح، وحول مدى أخلاقية تصنيعه، وحول أثر تطويره على العلاقات مع موسكو. تسبب النقاش في إشاعة جو من المرارة، وفي النهاية أدى إلى انقسام ليس فقط في صفوف صناع السياسات، بل في صفوف علماء الذرة أنفسهم. وفي يناير ١٩٥٠ استقبل ترومان وفدًا برئاسة دين أتشيسون — وزير الخارجية وقتها — مؤيدًا لتطوير القنبلة الهيدروجينية. وبعد اجتماع استمر سبع دقائق وحسب، قرر الرئيس الاستمرار في الأبحاث، رغم عدم وجود أدلة ملموسة على أن القنبلة الهيدروجينية من المؤكد أن يتم بناؤها بالفعل، ورغم أن عددًا من العلماء زعم أنه يستحيل بناؤها. بل ونادى كثيرون غيرهم، من بينهم جيمس كونانت وجيه روبرت أوبنهايمر — الفيزيائي الذي ترأَّس فريق لوس ألاموس خلال مشروع مانهاتن — بأن بناء هذه القنبلة أمر غير ضروري. بل إن ألبرت أينشتاين عارض تطوير القنبلة الهيدروجينية علانية قائلًا:

إن فكرة تحقيق الأمن عن طريق التسليح القومي هي — في ظل الحالة الراهنة للأساليب العسكرية — وهمٌ مُدمِّر … وإن سباق التسلُّح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي — المفترض به أساسًا أن يكون إجراءً وقائيًّا — بات يحمل طبيعة هيستيرية.

وقد أكدت اللجنة الاستشارية التابعة للجنة الطاقة الذرية على أن القنبلة الهيدروجينية الهدف منها أن تُستخدَم في الإبادة الجماعية، ولا شيء آخر:

من شأن استخدام هذا السلاح أن يتسبب في إزهاق عدد لا يُحصَى من الأرواح البشرية؛ فهو ليس سلاحًا يُمكِن استخدامه فقط في تدمير المنشآت المادية ذات الأغراض العسكرية أو نصف العسكرية. ومن ثم فإن استخدامه يُعزِّز سياسة إبادة التجمعات السكانية المدنية أكثر بكثير مما تفعل القنبلة الذرية نفسها.

لم يكشف بيان ترومان الذي أفصح من خلاله عن توجيهاته عن الجدال الذي شابَ المناقشات عالية السرية التي جَرَتْ في الكواليس. ففي بيان هزيل مختصر تضمَّن الدعوة لمزيد من السيطرة الدولية على الأسلحة الذرية أعلن ترومان أنه:

من مسئولياتي بوصفي القائد الأعلى للقوات المسلحة أن أحرص على أن يكون بلدنا قادرًا على الدفاع عن نفسه ضد أي معتدٍ محتمل. ومن ثم، فقد أصدرتُ توجيهاتي للجنة الطاقة الذرية بأن تُواصِل عملها على كل أشكال الأسلحة الذرية، بما في ذلك ما يُسمَّى القنبلة الهيدروجينية أو القنبلة الخارقة. وشأن كل الأعمال الأخرى في مجال الأسلحة الذرية، يتم العمل الآن ومستقبلًا على أساس يتفق مع الأهداف الشاملة لبرنامج السلم والأمن الخاص بنا.

كان قرارًا جللًا، يعبِّد الطريق للثورة النووية الحرارية وسباق التسلح الذي صاحَبَها.

أملى إحساسُ الضرورة القصوى التصرُّفَ بسرعة. لذا بعد أسابيع قليلة من إعلان ترومان، طلب لويس جونسون — بتشجيع من هيئة الأركان المشتركة — «التنفيذ الفوري لعملية تطوير شاملة للقنابل الهيدروجينية ووسائل إنتاجها وإلقائها». ومع بداية مارس من عام ١٩٥٠ ارتقى برنامج الأسلحة النووية الحرارية إلى مرتبة «الأمور ذات الأولوية القصوى».

وفي اليوم عَيْنِه الذي أمر فيه ترومان بتطوير القنبلة الهيدروجينية، أعطى أيضًا تعليماته لكل من أتشيسون ولويس جونسون بتقييم التهديد السوفييتي في ضوء القدرة الذرية السوفييتية الوليدة وتطورات الحرب الباردة الأخيرة. وتحت توجيه بول إتش نيتز، خَلَفِ كينان في منصب مدير هيئة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية، صاغت مجموعةٌ من مسئولي وزارتَي الدفاع والخارجية بيانًا شاملًا لاستراتيجية للأمن القومي وقدَّمَتْه إلى الرئيس في أوائل أبريل عام ١٩٥٠. هذه الوثيقة — التي عُرِفَتْ باسمها البيروقراطي: تقرير مجلس الأمن القومي رقم ٦٨ «أهداف الولايات المتحدة وبرامجها للأمن القومي» — أثارت المخاوف على نحو متعمد، ودعَتْ إلى حشد ضخم للموارد وإلى استراتيجية أكثر خشونة بما يتماشى معه. وبلهجتها المُلِحَّة وتوصياتها السياسية الجافة المُتَّسمة بطابع الصقور، عكست هذه الوثيقة تغيُّرًا في الاتجاه من حيث السياسات المتبعة، لكن جوهرها عبَّر عن آراء الكثيرين من صناع السياسات بواشنطن، تلك الآراء التي ظلَّتْ تختمر لفترة من الوقت.

كان تقرير مجلس الأمن القومي رقم ٦٨ مهتمًّا بالأساس بمشكلة «أسلحة الدمار الشامل» (وهو أول تقرير يستخدم هذا المصطلح في الوثائق الخاصة بالسياسات). وقد قدَّرَ التقريرُ أنه «في غضون السنوات الأربع القادمة سيحُوز الاتحاد السوفييتي القدرةَ على إلحاق ضرر بالغ بمراكز حيوية داخل الولايات المتحدة، شريطة أن يُوجِّه الضربة الأولى، وشريطة أيضًا أن لا تواجَه الضربة برد أكثر فعالية مما نملك حاليًّا.» وقد حذَّر التقريرُ أنه ما إن يملك الاتحاد السوفييتي «قدرة ذرية كافية لشن هجوم مفاجئ علينا، ودحض تفوُّقنا الذري، وإنشاء موقف عسكري في صالحه على نحو حاسم، قد يقع الكرملين فريسة إغراء توجيه ضربة سريعة وبطريقة سرية.» في هذه الظروف، وفي ضوء أن إجراءات السيطرة الدولية على الطاقة الذرية ليس من المتوقع أن يكون لها وجود يُذكَر، رأى نيتز ورفاقه أن الولايات المتحدة لا تملك خيارًا آخر تقريبًا خلا زيادة قدراتها الذرية والنووية الحرارية إن أمكن، وذلك بأسرع ما يُمكِنُها. ينبغي زيادة مخزون الأسلحة الذرية بسرعة، وينبغي الاستمرار في برنامج القنبلة الهيدروجينية بوتيرة أسرع وأسرع.

حذَّرَ التقريرُ أيضًا من مخاطر «العدوان التدريجي» الذي بموجبه يستطيع الاتحاد السوفييتي تهديد المصالح الأمريكية دون اللجوء إلى مواجهة عسكرية مباشرة. فمن خلال استغلال عدم استعداد واشنطن لاستخدام أسلحتها الذرية ما لم تتعرض لهجوم مباشر، ربما تمثِّل موسكو تهديدًا عسكريًّا من خلال طرق أخرى أكثر إبهامًا، وهو ما قد يُصِيب سياسةَ الدفاع الأمريكية بالبلبلة، ويتجاوز التأثير المحدود الذي قد يكون عليه الردع الذري. وحين دخلت قواتُ كوريا الشمالية كوريا الجنوبية في الخامس والعشرين من يونيو ١٩٥٠، في ذروة نقاش حامٍ داخل الإدارة الأمريكية بشأن تقرير مجلس الأمن القومي رقم ٦٨، طرحت هذه الخطوة ما كان في جوانب عدة تحديًا جديدًا؛ إذ لم يكن هذا السيناريو متوقعًا من جانب الاستراتيجية الغربية الحالية. وحسب كلمات المحلل الاستراتيجي الفرنسي ريمون آرون فإن «الحرب الكورية علَّمَتْ زعماءَ العالم أن هناك من الأشياء في السماوات والأرض أكثر مما هو موجود في النماذج.» وقد طرح التفوُّق السوفييتي من حيث القوة العسكرية التقليدية — والذي ضمَّ «قدرة انشطارية مرجحة وقدرة نووية حرارية ممكنة» — تحديًا خطيرًا جاهَدَ المخططون العسكريون في تفسيره. ومن ثم، استحثَّ هذا الأمرُ عمليةَ إعادة تقييم شاملة لافتراضات الأمن القومي الأمريكي، وبدا أنه يُرجِّح كفة الآراء الداعية لتبنِّي ما ورد في تقرير مجلس الأمن القومي رقم ٦٨.

ما وراء عالم المنطق

كان للقرار على الفور آثار عميقة على عملية تطوير الأسلحة النووية وعلى السياسة النووية. فقد تلقَّت الترسانة الذرية تعزيزًا جديدًا، مع انخراط العلم والتكنولوجيا الأمريكيين في إنتاج رءوس ذرية أصغر وأرخص مكَّنت الجيش الأمريكي من نشر آلاف الأسلحة الذرية التكتيكية على ميدان المعركة. كما تعززت عمليتا البحث والتطوير النوويتان بفعل رغبة كل فرع من فروع القوات المسلحة في المشاركة في العمل. وخلال عقد الخمسينيات حوَّل الجيشُ تركيزَه نحو الصواريخ البالستية الأرضية فوق متوسطة المدى، فيما ركَّزت البحرية أولًا على القاذفات الذرية المنطلقة من حاملات الطائرات، ثم بعد ذلك إلى الغواصات العاملة بالطاقة النووية والمسلحة بالرءوس النووية. لكن قاذفات القيادة الجوية الاستراتيجية ظلَّت الدعامة الأساسية للقوات الاستراتيجية الأمريكية. والأهم من ذلك أن العمل على مشروع القنبلة الهيدروجينية جرى تسريعه، وفي الحادي والثلاثين من أكتوبر ١٩٥٢ فجَّرت الولايات المتحدة أولى قنابلها النووية الحرارية (الهيدروجينية) في المحيط الهادي.

مثَّل التفجير ذروة جهد استثنائي من جانب إدارة الرئيس ترومان للحفاظ على تفوُّقها على الاتحاد السوفييتي في المجال النووي، ومثَّل أيضًا نقطة تحوُّل فيما يخص الردع. أما وقد صارت المراحل الافتتاحية للثورة النووية الحرارية واقعًا ملموسًا، فقد جاهد صانعو السياسات في محاولة لفهم نطاق الدمار الذي ستتسبب فيه تلك التكنولوجيا الجديدة. لقد تنبَّأ إدوارد تيلر في عام ١٩٤٧ بأن السلاح الجديد سيكون قادرًا على تدمير مساحة قَدْرُها ٣٠٠ أو ٤٠٠ ميل مربع، وأن الإشعاع سينتقل لمسافة أبعد من ذلك. ومن منظور الاستراتيجية العسكرية، غيَّرَ هذا النطاقُ الإقليمي على نحو جلي من طبيعة السلاح ككل. بَيْدَ أنه لم يمر وقت طويل حتى صار مفهومًا أن مثل هذا السلاح من شأنه أن يُغيِّر طبيعة الحرب والسلام نفسيهما. وكما قال تشرشل: «إن القنبلة الذرية — بكل أهوالها — لم تُخرجنا عن نطاق السيطرة البشرية أو الأحداث القابلة للتحكم فيها، سواء من ناحية الفكر أو الفعل، في السلام أو الحرب. لكن … [في وجود] القنبلة الهيدروجينية، شهد الأساس الكامل للشأن الإنساني ثورة عارمة.»

ورغم أن إدراك هذه الفجوة المعنوية المتعاظمة بين الأسلحة الاستراتيجية والنصر حفز على تركيز حاد للفكر الاستراتيجي استمرَّ لما لا يقل عن العقد ونصف العقد، فإن صناع السياسات الأمريكيين أُجبِروا على التعامل مع تبعاته على مستوى أكثر إلحاحًا. فقد أعلن القائد العسكري المخضرم أيزنهاور أنه في وجود أسلحة نووية حرارية قابلة للاستخدام «لم تَعُد الحرب تتسم بالمنطق على الإطلاق». وإثباتًا لهذه النقطة، نجح الاتحاد السوفييتي في تفجير أولى قنابله النووية الحرارية بعد أقل من عام، في الثاني عشر من أغسطس عام ١٩٥٣، وقد كان انفجارًا محدودًا أقل بنحو ٢٥ مرة من نظيره الأمريكي. وفي نوفمبر ١٩٥٥ نجح السوفييت في إلقاء قنبلة هيدروجينية جوًّا، بقدرة تدميرية ١٫٦ ميجاطن.

انضمت بريطانيا العظمى للنادي النووي في الثالث من أكتوبر ١٩٥٢، بتفجير ذرِّي ناجح قرب جزر مونت بيلو قبالة ساحل أستراليا، وللنادي النووي الحراري في الخامس عشر من مايو ١٩٥٧ حين فجرت قنبلة هيدروجينية بقوة تتراوح بين ٢٠٠ إلى ٣٠٠ كيلوطن، وذلك في جزر عيد الميلاد في المحيط الهادي. وتحت الإشراف اللصيق لشارل ديجول، بَنَتْ فرنسا قُوَّتَها النووية وأَجْرَتْ تفجيرًا ذريًّا في الصحراء الكبرى في الجزائر عام ١٩٦٠ تَبِعَهُ آخرُ نووي في جزر فاناجاتاوفا أتول جنوبي المحيط الهادي عام ١٩٦٨. كما انضمت الصين — المتوجسة من القوتين العظميين والمترقبة للهند — للنادي النووي عام ١٩٦٤ والنادي النووي الحراري عام ١٩٦٧، وذلك بقنبلة أُلقِيَتْ على موقع لوب نور التجريبي.

وخلال عقد الستينيات صارت إسرائيلُ — تحت الإشراف المبدئي لفرانسيس بيرين، «الأب الروحي» للقنبلة الذرية الفرنسية الذي شيَّد منشأة ديمونة للأبحاث النووية — سادسَ دولة قادرة على إنتاج الأسلحة النووية، رغم إنكار الحكومة الإسرائيلية لذلك. وقد صارت الهند (١٩٧٤) وباكستان (١٩٩٨) الدولتين النوويتين السابعة والثامنة، اللتين ركزتا الانتباه على الصراع الحامي بينهما في جنوب آسيا. كما انضمت كوريا الشمالية إلى النادي النووي في أكتوبر عام ٢٠٠٦ (انظر الفصل السابع).

خلال عقد السبعينيات، دشَّن مجلسُ الطاقة الذرية بجنوب أفريقيا برنامجًا للأسلحة النووية، وباستخدام موارد مفتوحة إلى حدٍّ بعيد قام بتخصيب اليورانيوم. وفي أغسطس ١٩٧٧، اكتشف قمر صناعي سوفييتي موقعَ التفجير التجريبي التابع لجنوب أفريقيا في صحراء كالاهاري، لكن تحت ضغوط من جانب الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وفرنسا أرجأت جنوبُ أفريقيا مؤقتًا خُطَطَها حتى عام ١٩٨٢، وبحلول ذلك الوقت كانت قد طوَّرَتْ أولى قنابلها النووية المكتملة. وبعد ذلك — ولأسباب خاصة بها كما يُظَن — أَنْهَتْ جنوبُ أفريقيا برنامجها النووي وفككت منشآتها النووية عام ١٩٨٩. وبعدها بعامين انضمَّتْ إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (انظر الفصل السابع).

ورغم أن معارضة الطاقة النووية ظهرت بعد وقت قصير من بناء القنبلة الذرية، فإن المعارضة الملموسة للأسلحة النووية لم تظهر إلا في خمسينيات القرن العشرين. وقد تسبَّبَ تفجيرُ القنبلة الهيدروجينية في جزيرة بيكيني في مارس ١٩٥٤ في جعل العالم متيقظًا بشكل حادٍّ للغبار الذري المشع للمرة الأولى. فقد انهمر الغبار الذري الناجم عن الانفجار على ساكني جزيرة مارشال وعلى سفينة صيد يابانية لا حول لها تُدعَى «لاكي دراجون». بعدها بوقت قصير، بدأت مجموعة من ربَّات المنازل بلندن حملةً للضغط على الحكومة الأمريكية من أجل وقف تجاربها النووية، وصارت هذه بدايةً لحركة حظر التجارب النووية التي وفَّرَت الدعم والأساس لمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية بعدها بأربعة عقود. ولاحقًا صار اعتراضهن المبدئي يُسمَّى «الحملة القومية لنزع السلاح النووي» التي كان الفيلسوف والرياضي البريطاني برتراند راسل المرشد الروحي لها. فإذا لم يَعُدْ للحرب معنى، فما من معنى كذلك للمزيد من تجارب الأسلحة النووية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١