الفصل السابع والخمسون

نهضة التعليم في العراق

صديقي

سألتموني أن أكتب كلمة عن نهضة التعليم في العراق وعن تأثير مصر في تلك النهضة وما ينطوي عليه من المعاني.

وأجيب بأن التعليم في العراق يتقدم تقدمًا سريعًا، والأمة العراقية في هذه الأيام تتطلع إلى حفظ مكانتها الأدبية والعلمية بين الأمم الحية، وفي وزارة المعارف العراقية رجال أكفاء يصلون النهار بالليل في درس مناهج التعليم، والتفكير في تحقيق المستقبل العلمي والأدبي لتلك البلاد.

ومن الواضح أن العراق له ماض مجيد في الميادين العلمية والأدبية وهو يجاهد جهاد الأبطال ليكون في حاضره ما يذكر بماضيه، وهو اليوم يرسل البعثات العلمية إلى مصر وإلى غير مصر ليعد فريقًا من أبنائه للأستاذية الصحيحة التي تعرف مطالب العصر الحديث، ولن تمضي أعوام حتى نسمع بأن بغداد استردت مجدها العلمي والأدبي في عصر بني العباس، وليس ذلك بعزيز على الأشبال في دجلة والفرات.

وقد ظهرت بواكير ذلك الأمل المنشود، ففي العراق لهذه الأيام معاهد كثيرة ابتدائية وثانوية وعالية، وسنسمع قريبًا أن حكومة العراق قررت إنشاء (الجامعة العراقية) وهو حلم جميل دعوت إليه مرات ومرات، وسيحقق بإذن الله فما يمكن أن تعيش بغداد بلا جامعة وهي التي أذاعت علوم المعقول والمنقول في المشرقين، وإليها يرجع أكثر الفضل في نشر علوم اللغة والدين.

ولو شهدتم شواهد التشجيع للمعلمين والمتعلمين في العراق لرأيتم المعجب والمطرب، ففي أكثر الحفلات المدرسية يحضر الوزراء والنواب والأعيان، وقد يتفق في أحيان كثيرة أن يتفضل حضرة صاحب الجلالة الملك غازي الأول بحضور بعض الحفلات تشجيعًا للحياة العلمية والأدبية.

أما نصيب مصر في نهضة التعليم بالعراق فهو يشرفها كل التشريف وأهل العراق يذكرون مصر بالخير ويثنون على جهود أبنائها في بلادهم أطيب الثناء.

ولا بد في هذا المقام من النص على بعض الأسماء التي نهضت بالتعليم في العراق، وأول هذه الأسماء هو الأستاذ محمد عبد العزيز وهو رجل لم أسمع اسمه إلا من أفواه الأساتذة بالعراق، هو رجل يجهله المصريون ويعرفه العراقيون، وقد حدثني الدكتور فاضل الجمالي بأن هذه الرجل سيسجل اسمه حتمًا في اليوم الذي يوضع فيه تاريخ لنهضة التعليم الحديث بالعراق.

ولا يمكن نسيان الأستاذ عبد الرازق السنهوري فقد كان له فضل كبير في تنظيم كلية الحقوق.

وللأستاذ الزيات والدكتور عزام سيرة عطرة عن ألسنة الرجال هناك.

وحيثما توجهت رأيت آثار الأساتذة المصريين في تلك البلاد، وفيهم جنود مجهولون لا يعرفون غير الواجب، وهم جمهور من المدرسين في المتوسطات والثانويات.

وتأثير مصر في العراق لا يقتصر على التدريس فهناك ألوف من العراقيين يتصلون بمصر اتصالًا علميًا عن طريق التأليف، فالمؤلفون المصريون لهم تلاميذ أوفياء بالعراق، ولا يصدر في مصر كتاب جيد إلا كان أهل العراق أول من يطلعون عليه، وهم يتابعون الثقافة المصرية بشغف وشوق، ولهم موازين يعرفون بها أقدار النوابغ من الشعراء والكتاب والمؤلفين.

وكذلك الحال في الصحافة المصرية فهم يطلعون على ما يصدر في مصر من جرائد ومجلات، وكلما كانت المجلة قوية كان اتصالهم بها أشد، والمجلات الجدية تقدم عندهم على المجلات الهزلية، بخلاف ما قد يقع عندنا في بعض الأحيان.

وقد درست هذه المسألة وأنا في بغداد وأخذت إحصائيات عن توزيع المؤلفات والمجلات، فصح عندي بعد التحقيق أن أهل العراق يؤثرون المطبوعات التي يغلب عليها التعمق، وليس معنى هذا أنهم ينفرون من الفكاهات، ولكن معناه أنهم لا يقبلون على الأدب الخفيف إلا بعد التزود من الأدب الرزين.

فإن سألتم عن مصير التعاون العلمي بين مصر والعراق فإني أجيب بأنه سيزداد من يوم إلى يوم، ولكن ذلك الازدياد يتوقف على فهم مصر لقيمة الأمانة العلمية، وهذه الأمانة توجب التواضع ونسيان الذات، هذه الأمانة توجب أن يفهم المصري أنه ليس غريبًا في العراق، فأهل تلك البلاد يؤذيهم أن نشعر في بلادهم بالغربة، لأنهم في الواقع أهل وأحباب.

وقد اتفق لي أن كتبت رسالة وجدانية بعنوان (القلب الغريب في ليلة عيد) فعاتبوني عليها مرات كثيرة وساءهم أن أقول إني في بلدهم غريب.

والعراق يثق بمصر ثقة عظيمة، ولهذه الثقة أثمان يجب أن يؤديها المصريون، والمصري لا يحتاج إلى مجهود كبير ليظفر بمحبة أهل العراق فيكفي أن يكون رجلًا أمينًا يعرف الواجب ولا يتدخل فيما لا يعنيه من شؤون تلك البلاد.

وأعتقد أن الاتصال بالعراق ينفع أجزل النفع، فهو يقوّي روح العروبة ويغرس معنى التضحية ويصل الرجل بأصول الشهامة والنبل.

ولو كان بيدي شيء من الأمر لفرضت أن لا يعين في مصر وزير للخارجية إلا بعد أن يثبت أنه رجل زار الأقطار العربية وعرف ما يجب أن يقوم بيننا وبين تلك الأقطار من صروح المحبة والوداد.

ومستقبل مصر بين الأمم العربية مرهون بفهم هذه الحقائق، وظفر مصر بمحبة الأمم العربية هو في ذاته مغنم عظيم لا يزهد فيه إلا غافل أو جهول.

وسبحان من لو شاء لهدانا جميعًا إلى سواء السبيل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤