فتح خيبر

الله أكبر! خربت خيبر. إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المُنذَرين.

النبي

وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا … وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا (الفتح: ١٨–٢١).

وهذا وعد آخر بفتح قريب، تليه فتوح أخرى مُقبِلة لم يتمكن المسلمون منها، لكن الله يُمهِّدها لهم، فيُحيط بها ويُجهِّزها للفتح، حيث يبدو أن الأتباع لم يُعجِبهم ما حدث بالحديبية، ولم يُدرِكوا مرامي العهد البعيدة، وأفصح بعضهم عن أن النبي لم يُحقِّق لهم في الحديبية ما وعدهم به سلفًا، ومع تأكيده لهم أن ما تم من عقد صلح الهدنة كان فتحًا عظيمًا، فإن رؤاهم قصرت عن تتبُّع البصيرة النبوية وهي تعمل في الآتي؛ ومن هنا جاءت تلك الآيات بوعد جديد، يُعوِّض المسلمين عن فتح مكة ويُثيبهم بدلًا عنها بفتح آخر قريب، إضافة لفتوحات أخرى أعظم حاولوها ولم يقدروا عليها؛ ومن ثَم عقَّب الحكم على الآيات بقوله:
أخبرني عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، قال: خيبر. وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا، قال: فارس والروم.١
وعقَّب موسى بن عقبة بقوله: «لما رجع رسول الله من الحديبية، مكث عشرين يومًا أو قريبًا من ذلك، ثم خرج إلى خيبر، وهي التي وعده الله إياها.» أما مروان والمسور فقد قالا: «انصرف رسول الله عام الحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح بين مكة والمدينة.»٢ وهو الأمر الذي يُفصِح عن معرفة القائد بدواخل رجاله، وضرورة الإسراع بما يُعوِّضهم بغنائم فورية، عوضًا عن أملهم الطَّموح في ثروات مكة العظمى، وهو ما وعاه البيهقي وهو ينقل عن الرواة القول:
انصرف رسول الله عام الحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله عز وجل فيها خيبر.
وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها،
فعجل لكم
هذه خيبر.٣

وفي الطريق إلى خيبر، كانت غطفان بثقلها، تلك القبيلة الفزارية التي يقودها الطماع الأحمق المطاع، الذي خُذِل في اتفاقه السري بالخندق، وتم التخذيل بين الأحزاب دون أن يجني لطمَعه مَغنمًا، وعاد صفر اليدَين، فلا هو حارب برجاله مع قريش فغنم، ولا هو عاد من محمد بما اتفقا عليه من مكاسب.

ومن ثَم كانت خطة القائد أن ينزل الرجيع ليقطع بين غطفان وخيبر، وكان توقُّع القائد صائبًا؛ فقد جهَّزت غطفان رجالها لما سمعت بمسير جند الله لتُظاهِر خيبر ضد الجيش الإسلامي. وهنا، وما إن تحرَّك رجال غطفان نحو الرجيع حتى سمعت مُؤخِّرة جندهم ضجيجًا خلفهم، في بيوتهم، وجلبة شديدة، فعاد رجال غطفان سراعًا إلى ديارهم؛ خوفًا على أموالهم ونسائهم وذراريهم، لكن كتبنا الإخبارية لا تُحيطنا علمًا شافيًا وواضحًا بحقيقة ما حدث في ديار غطفان مما أجبرها على لزوم ديارها.٤
المهم، وما يجب استنتاجه، أن غطفان لزمت ديارها بعد خطة مُقدَّرة ومُحكَمة أجبرتها على عدم الحركة، ليستمر الجيش اليثربي في تقدُّمه الوئيد الهادئ الكامن، يسير ليلًا ويكمن نهارًا، يستخفي حتى يبغت خيبر فجأة في حصونها وصياصيها. ويصل جند الله سارِين دون صوت عند سدول الليل، يُحيطون بالحصون دون أن يُصدِروا صوتًا أو يُشعِلوا نارًا، حتى تبدأ خيوط الفجر تُضيء المزارع حول الحصون. ويخرج مُزارِعو خيبر كعادتهم مع إشراقة الصباح، يسحبون ماشية الحرث والسكك والفئوس، لكن ليلمح أحدهم الخوذ والدروع المُتحرِّكة، ويلمحهم آخر كامنين بين الزروع، ليكتشف مُزارِعو خيبر الدوائر المُحكَمة تُحيط بهم من كل جانب، فيرجعون يدفعهم الفزع صارخين نحو حصونهم:
محمد، والخميس معه.
ليُجاوِب صراخهم الفازع هتاف النبي في رجاله مُعلِنًا بدء الهجوم.
الله أكبر!
خربت خيبر.
إنا إذا نزلنا بساحة قوم،
فساء صباح المُنذَرين.٥

كانت خيبر أرض زرع وسط بدو جياع، خبرت غدر العربان وإغاراتهم المُتكرِّرة وقت نضوج المحصول، عندما كانوا يهبطون عليها كالجراد ينهبون عرَق الشهور والتعب والجهد؛ وهو ما دعا الخيابرة إلى إقامة عدد من الحصون القوية والصياصي، لصد تلك الغزوات البربرية، لكن التجربة الجديدة مع الجيش الإسلامي المُنظَّم، أثبتت أنهم ليست مانعتهم حصونهم، فتدنى المسلمون يفتتحون الحصون حصنًا حصنًا، ليسقط حصن ناعم، وعنده يستشهد الصحابي محمود بن مسلمة، عندما ألقت عليه امرأة خيبرية رحاها من على سور الحصن، ثم حصن النطاة ليسقط بعده حصن الشق، ويهرب سكان كل حصن إلى الحصن الذي يليه، حتى يتحصنوا جميعًا في الحصون الخمسة الباقية، الأخبية والوطيح والسلالم والقموص والكتيبة.

ويظن الخيابرة أنهم باتوا في أمان، فيرفضون النداء المُردَّد حولهم بالخروج من الحصون مستسلمين، ليمر أربعة عشر يومًا من الحصار، انتهى بعدها النبي إلى قرار يتم تنفيذه لأول مرة في بلاد العرب، هو الأمر بإقامة المنجنيق لدك الحصون؛ ذلك السلاح الذي كان قاصرًا على جيوش الإمبراطوريات. وأيقن المُتحصِّنون بالهلاك، وأنه لو ضربها بالمنجنيق لدكها دكًّا، وآل مصير البقية الباقية إلى مآل قريظة.

وما إن يُشاهِد المُتحصِّنون فوق أسوارهم شكل العمل الذي يتم تحتهم في العراء، وطبيعته، حتى يُدرِكوا أنها أيام حتى ينتصب السلاح الرهيب. وهنا يخرج من الحصن تحت راية السلام زعيمهم كنانة بن أبي الحقيق، حاملًا للنبي صلحًا على شروط صلح النضير؛ أن يُغادِروا بلادهم، ويتركوا للنبي أموالهم وحصونهم وأرضهم، لا يأخذون معهم لا صفراء ولا بيضاء، اللهم إلا ما يستر العورة من لباس؛ فقط نظير أن يحقن النبي دماءهم، ووافق النبي، وهو ما نقله ابن كثير عن الواقدي وهو يروي:
فنزل إليه ابن الحقيق، فصالحه على حقن دمائهم ويُسيِّرهم، ويُخلون بين رسول الله وبين ما كان لهم من الأرض والأموال والصفراء والبيضاء والكراع والحلقة، على البر، إلا ما كان على ظهر الإنسان يعني لباسهم.٦
ثم يُردِف:
فنزلوا من شدة رعبهم منه فصالحوه، وأموال بني النضير المُتقدِّم ذكرها، مما لم يُوجَف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت هذه الأموال لرسول الله خاصة.٧
لكن الصلح بهذه الشروط الواضحة لم يسِر حتى كمال اكتماله، فقد أضاف النبي إلى الشروط شرطًا آخر حول الأموال حين قال:
وبرئت منكم ذمة الله ورسوله، إن كتمتم شيئًا.
فصالحوه على ذلك.٨
أو ما جاء عند ابن سعد برواية ابن عباس، في سؤال النبي للزعيم الخيبري المرعوب كنانة بن أبي الحقيق، وأخيه الربيع:

أين آنيتكما التي كنتما تُعِيرانها أهل مكة؟

ويرتبك الزعيم المهزوم، ويجف حلقه وهو يقول مُتلعثِمًا: «هربنا فلم تزَل تضعنا أرض وترفعنا أخرى، فذهبنا، فأنفقنا كل شيء.» فيرد النبي :
إنكما إن كنتما تكتماني شيئًا فاطلعت عليه، استحللت دماءكما وذراريكما.
فقالا: نعم.٩
وهنا نعلم أنه كان شَركًا وقع فيه الزعيمان حيث نعلم أن النبي كان يعلم سلفًا بأمر كنز عظيم، بل كان يعلم بمكانه، حيث يقول ابن سعد: «إن الله قد دل رسوله على ذلك الكنز.»١٠ بينما يُوضِّح لنا ابن هشام في سيرته، سر معرفة الرسول بالكنز المخبوء، في قوله:
أتى رسولَ الله رجل من يهود فقال لرسول الله :
إني قد رأيت كنانة يُطيف بهذه الخربة كل غداة.
وهو ما دفع النبي للشرط السابق ذكره، والذي أورده ابن هشام في قوله:
فقال رسول الله لكنانة:
أرأيت إن وجدناه عندك، أأقتلك؟
قال: نعم.١١
وهنا نُتابِع من ابن سعد، الذي لم يعلم بأمر ذلك اليهودي الذي باع قومه وأفشى سر الكنز العظيم، مما دعا ابن سعد لاعتبار معرفة النبي بأمر الكنز خبرًا إلهيًّا، فنجده يقول في روايته مُتابِعًا:
فدعا النبي رجلًا من الأنصار فقال: اذهب إلى قراح كذا وكذا، ثم ائتِ النخل فانظر نخلة على يمينك أو عن يسارك، فانظر نخلة مرفوعة، فأتِني بما فيه. فانطلق، فجاء بالآنية والأموال.١٢

والآن وقد كُشِف خداع الرجلَين، وجِيء بكنزهم للنبي، توجَّه النبي إلى كنانة مرة أخرى يسأله ما بقي من كنزه، فأنكره.

فأمر به رسول الله الزبير بن العوام فقال:
«عذِّبه حتى تستأصل ما عنده.»
فكان الزبير يقدح بزند في صدره، حتى أشرف على نفسه.
ثم دفعه رسول الله إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة.١٣
وانطلق السيف الإسلامي يعمل في المستسلمين، ليقتل منهم في قول ابن سعد «ثلاثة وتسعين رجلًا من يهود، منهم الحارث أبو زينب، ومرحب، وأسير، وياسر، وعامر، وكنانة بن أبي الحقيق، وأخوه، وإنما ذكرنا هؤلاء وسمَّيناهم لشرفهم.»١٤
وكان تبرير تلك المقتلة واضحًا لكل ذي عينَين، وهو ما ألح ابن كثير على شرحه وبيانه في قوله:
قلت: ولهذا لما كتموا وكذَّبوا وأخفوا ذلك المسك الذي كان فيه أموال جزيلة،
تبيَّن أنه لا عهد لهم!
فقتل أبي الحقيق، وطائفة من أهله، بسبب:
نقض العهود والمواثيق!
فقتل رسول الله ابنَي أبي الحقيق،
وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب.
وسبى رسول الله نساءهم وذراريهم وأموالهم؛
بالنكث الذي نكثوه.
وأراد إجلاءهم عنها، فقالوا:
يا محمد، دعنا نكون في هذه الأرض نُصلِحها ونقوم عليها. ولم يكن لرسول الله ولا لأصحابه غلال يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم خيبر، على أن لهم الشطر من كل زرع ونخيل.١٥
وهكذا، وبعد المقتلة التي نتجت عن نقض العهود من زعماء خيبر، رأى من بقي منهم أن يقترحوا على النبي أمرًا آخر، هو أن يظلوا في أرضهم يزرعونها يفلحونها ويستخرجون خيراتها، بدلًا من مُغادَرتهم وخراب الأرض وبوارها من بعدهم، على أن يظلوا على دينهم دون تبعية دينية، لكن مع تبعية خراجية، يُعطون بموجبها ليثرب شطر محصولهم، مع شرط تنبيهي من النبي، يقول لهم مُردِفًا:
على أنا إذا شئنا أن نُخرِجكم أخرجناكم.١٦

وبانتهاء المعركة وبعد هذا الاتفاق، جاء دور السبايا وتقسيم الأموال؛ فأما الأموال التي أوجف عليها المسلمون بالخيل والركاب، فقد قُسِّمت بينهم، أما التي استسلمت وعقدت الاتفاق، فعائدها كان خاصًّا لرسول الله، أما السبايا فقد تم تقسيمهن بين المُقاتِلين من جند الله.

ويُؤكِّد لنا رواة السير والأخبار جميعًا، أن غزوة خيبر قد فشا فيها إتيان المسلمين لنساء يهود على ملأ، ففشت السبايا الخيبريات في المسلمين، إلى الحد الذي دفع النبي لوقف اغتصاب النساء الحبالى، يُناشِد رجاله بندائه الراقي الرحيم:
لا يحل لامرئ أن يسقي ماءه زرع غيره.١٧
وكان النبي قد قتل كنانة بن أبي الحقيق، زوج صفية بنت حيي بن أخطب سيد النضير، وكان قد سبق وقتل أباها حييًّا في مذبحة قريظة؛ لذلك، وحتى لا ينصرف ذهن كائد للإسلام ونبيه الكريم، إلى أن قتل زوجها كنانة، كان للاستيلاء على صفية، فإن كتب الأخبار تأتي هنا واضحة لا تحمل في خبرها لبسًا، فتُعلِمنا أن النبي لم يعلم بجمال صفية بنت حيي زوجة كنانة، إلا بعد أن قُتِل زوجها بالفعل، لنقضه العهود والمواثيق، وتتفق جميعًا حول رواية أنس بن مالك الذي قال:
قدمنا خيبر، فلما فُتِح الحصن،
ذُكِر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب،
وقد قُتِل زوجها،
وكانت عروسًا.
فاصطفاها لنفسه.١٨
وقد قدَّرت الأقدار، أن تحظى صفية بالإكرام، فتحظى بسيد الخلق أجمعين ، رغم أنها بنت عدو الله حيي بن أخطب، الذي حزَّب الأحزاب، وزوج زعيم يهود خيبر كنانة بن أبي الحقيق، الذي نقض العهود والمواثيق، بعد اتفاقه السلمي مع النبي، وهو ما يشرحه أنس في قوله:
جُمِع السبي،
فجاء دحية الكلبي فقال: يا رسول الله، أعطِني جارية من السبي.
قال: اذهب فخذ جارية.
فأخذ صفية بنت حيي،
فجاء رجل إلى رسول الله فقال:
يا نبي الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيد قريظة والنضير؟ ما تصلح إلا لك!
قال: ادعوا بها. فلما نظر إليها ،
قال: خذ جارية من السبي غيرها.١٩
وفي رواية أخرى أن دحية الكلبي صديق النبي، تم تعويضه عن صفية بسبعة رءوس دفعة واحدة، وهو ما أخبرنا به ثابت في قوله: «وقعت صفية في سهم دحية، وكانت جارية جميلة، فاشتراها رسول الله بسبعة رءوس، ودفعها إلى أم سليم تصنعها وتُهيِّئها.»٢٠
وما إن ارتحل الجيش عن خيبر، حتى أناخ في سد الصهباء في الطريق إلى يثرب، وضُرِبت للنبي وصفية قبة، ظل فيها النبي معها من الأيام ثلاثة، أو بتعبير ابن كثير:

وأقام ثلاثة أيام يبني بها.

وكانت التي جمَّلتها إلى رسول الله ومشَّطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان، أم أنس بن مالك.٢١
ويروي البيهقي:

وقد بات أبو أيوب ليلة دخل بها رسول الله قائمًا قريبًا من قُبته.

ولما خرج الرسول من القبة سأله عن طوافه حول القبة كل ذلك الوقت، فرد أبو أيوب مُفصِحًا عن مدى إخلاص الرجال لصاحب الدعوة:
لما دخلت بهذه المرأة،
وذكرت أنك قتلت أباها وأخاها وزوجها،
وعامة عشيرتها،
فخفت لَعمر الله أن تغتالك.٢٢
وهو الأمر الذي يجد صداه فيما أفصح عنه لسان صفية عندما آلت إلى النبي في قولها: «كان رسول الله من أبغض الناس إليَّ، قتل زوجي وأبي، فما زال يعتذر إليَّ ويقول إن أباك ألَّب عليَّ العرب، حتى ذهب ما بنفسي.»٢٣

أحداث في خيبر

وفي خيبر أحداث حدثت، تُفصِح عن كثير مما في النفوس من مكامن، وتكشف عما في العقول من مفاهيم؛ فهذه صفية تصفو للنبي ويزول ما بنفسها من بغض له، لتُخبِره وهو يبني بها داخل القبة برؤيا رأتها، يأتينا خبرها في قص البيهقي علينا:
أقام رسول الله بين خيبر والمدينة ثلاث ليالٍ يبني بصفية … ورأى بعين صفية خُضرة، فقال: يا صفية ما هذه الخضرة؟ قالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت القمر زال من مكانه فوقع في حجري، فأخبرته بذلك، فلطمني وقال: وقال: «تمنِّينَ ملِكَ يثرب؟!» أو: «تمنِّينَ هذا الملِكَ الذي بالمدينة؟!»
فأُعجِب الرسول برؤياها.٢٤
وهو الرد الذي يُعبِّر عن رؤية العرب آنذاك للنبي كمَلِك على يثرب، أو رؤيتهم الأوسع لما هو آتٍ، في صياغة ابن هشام لرد كنانة على زوجته صفية:
ما هذا إلا لأنك تمنَّين ملك الحجاز محمدًا.٢٥
وهو ما أعجب ابن كثير فطرب له وهو يُوصِّف رؤيا صفية في قوله: «فسألها ما شأنها؟ فذكرت له ما كانت رأت من تلك الرؤيا الصالحة رضي الله عنها وأرضاها.»٢٦
ومفهوم كنانة بن أبي الحقيق، ومفهوم صفية بنت حيي عن النبوة بحسبانها ملكًا، هو الفهم الطبيعي الناشئ عن تأسيس دولة للعرب في يثرب، وهي رؤية واضحة من صفية تتفق مع مفاهيم توراتها، قبل أن تُعاشِر النبي وتعرف معنى النبوة الحقة، فهي لا تعلم حسب مأثورها الديني سوى الملك، كملك داود، وملك سليمان وغيرهما، أما أنبياء التوراة فكانوا مجرد دراويش، وما يفعله محمد هو بالمطابقة فعل داود وسليمان عندما وحَّدا قبائل البدو في دولة تأسيسية في فلسطين، وفي ضوء هذا الفهم يلتقي تجريد الكتائب والجيوش مع أساليب ملوك التوراة، وهو الأمر الذي ترك في نفسها في مبدأ الأمر بغضًا شديدًا لذلك الملك الذي حلمت به، وزادها بغضًا ما رأته يفعل بقومها إزاء إخفائهم أمر كنزهم عنه، ويروي ابن هشام مشهدًا لا شك كان ذا أثر عميق في نفس صفية، حيث يقول نقلًا عن ابن إسحاق:
ولما افتتح رسول الله القموص، حصن بني الحقيق، أُتِي رسول الله بصفية بنت حيي بن أخطب وبأخرى معها فمر بهما بلال، وهو الذي جاء بهما، على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية، صاحت، وصكَّت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله ، قال: أغربوا عني هذه الشيطانة.
وأمر بصفية فحيزت خلفه،
وأبقى عليها رداءه.
فعرف المسلمون أن رسول الله قد اصطفاها لنفسه، وقال رسول الله لبلال: أنُزِعت منك الرحمة يا بلال، حتى تمر بامرأتَين على قتلى من رجالهما؟٢٧
وهكذا كان الرسول يُنبِّه هذا وينهى ذاك، ويُحاوِل رفع القسوة وانعدام الرحمة، ويمنع نكاح الحبالى من النساء، ومع ذلك ظلَّت هناك مظاهر للقسوة تنبو هنا وتطفو هناك، مثلما حدث مع محمد بن مسلمة الذي لم يكتفِ بقتل كنانة أبي صفية ثأرًا بأخيه محمود الذي أُلقِيت عليه الرحى، حيث يقول الواقدي: «إن محمد بن مسلمة ضرب ساقَي مرحب فقطعهما، فقال مرحب: أجهِز عليَّ يا محمد. فقال محمد: ذُق الموت ذق، كما ذاقه أخي محمود.» وظل الرجل على حاله يُعاني لولا أن مر عليه الإمام علي ففصل رأسه عن جسده رحمةً به.٢٨
ومن الجدير بالذكر أن الرواة اختلفوا في أمر صفية؛ هل ظلَّت محظية ضمن جواري الرسول أم تزوَّجها لتُصبِح من أمهات المؤمنين، خاصة أنه قد بنى بها ولم تُكمِل عِدتها؟ لكن تميل الأغلبية إلى أنه أعتقها وتزوَّجها، وهو ما جاء في الشاهد: «قال حماد: قال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد، أنت قلت لأنس ما أصدَقها؟ قال: أصدقها نفسها. فحرَّك ثابت رأسه كأنه صدَّقه.»٢٩ بمعنى أنه تزوَّجها بدليل أنه أعطاها صداقًا، وأن هذا الصداق كان عتقها ولكن … «كأنه صدقة»؟!
ولا يمضي من الزمن هُنَيهات وأيام، حتى يحدث أمر جلل، حيث كانت محاولة اغتيال سيد الخلق بالسم، وهو ما جاء في رواية تقول:
دخل رسول الله على صفية، ومعه بشر بن معرور، وهو أحد بني سلمة، فقدَّمت إليهم الشاة المَصلية، فتناول رسول الله الكتف وانتهش منها، وتناوَل بشر عظمًا وانتهش منه.٣٠
ويلوك النبي نهشته من لحم الكتف، ليلفظه بسرعة ويهتف بضيوفه: «ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة يُخبِرني أنه مسموم.» فلم يقُم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان، ويموت بشر من نهشته، ويشعر النبي بآثار السم القاتل تسري في بدنه، فيحتجم يومئذٍ، وقد حجمه مولى بني بياضة بالقرن والشفرة، وبقي رسول الله بعده ثلاث سنين، حتى كان وجعه الذي تُوفِّي فيه، فقال: «ما زلت أجد في الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر عددًا، حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري.» فتُوفِّي رسول الله شهيدًا. قال ابن هشام: الأبهر هو العرق المُعلَّق بالقلب … فكان المسلمون يرون أن رسول الله قد مات شهيدًا، مع ما أكرمه به الله من النبوة.»٣١
ثم نعلم من كتب الأخبار والسير والتاريخ، أن تلك الشاة المسمومة، جاءت صفية هدية من قريبة يهودية لها هي زينب بنت الحارث أهدتها لها لتُقدِّمها إلى سيد الخلق المصطفى، ولما سألها النبي لمَ اقترفت ذلك العمل الشنيع؟ قال: «قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي.» قال القاضي عياض: واختلفت الآثار والعلماء؛ هل قتلها النبي أم لا؟»٣٢
ورغم أن غزوة خيبر كانت ناجحة بكل المقاييس، إلا أن رواتنا لم يعودوا بقادرين على تجاوُز منهجهم الإعجازي، في إلحاق كل حدث بمعجزات مناسبة، ونموذجًا لذلك ما روته الأخبار عما حدث أمام أحد حصون خيبر في رواية ابن كثير حيث يقول:
فترامَوا … حتى أصاب نبلهم بنان النبي ، فأخذ عليه السلام كفًّا من الحصى فرمى حصنهم، فرجف بهم حتى ساخ في الأرض، وأخذهم المسلمون أخذًا باليد.٣٣

من غير أن يُدرِك ذلك الراوية أن هذا الحل العملي، كان بديلًا مُناسِبًا عن كل ذلك الحصار الطويل وساعات المعارك وإقامة المنجنيق، وأنه كان بالإمكان في سُوَيعات أن يرمي النبي تلك الحصى على كل حصن لينتهي الأمر بكل بساطة، ويُؤمِن الجميع إزاء تلك المعجزة الكبرى، وهو ما يُذكِّرنا بحصى بدر الإعجازية.

وأحاديث أخرى عن معجزات أخرى، تبزر وسطها رواية هي بحق من اللطائف، لتُعبِّر عن الجزاء الفوري للمؤمن بالنكاح حتى للموتى، وهو ما جاء خبره مُتعدِّدًا في كتب الأخبار عن الراعي الأسود الذي أسلم يوم خيبر ودخل المعركة، فقُتِل بحجر، وجاء الرسول ووقف أمام الشهيد الذي أسلم من لحظات، «فالتفت إليه رسول الله ومعه نفر من أصحابه، ثم أعرض عنه، فقالوا: لمَ أعرضت عنه؟ قال: إن معه الآن زوجتَيه من الحور العين.»٣٤
وبينما الجيش في الطريق إلى يثرب، يأمر الرسول بالالتفاف دورة كبرى، يهبط بها بغتة على وادي القرى، وفي أربعة أيام أنهى الأمر وقسَّم غنائم وادي القرى على أصحابه، وعامل يهود الوادي على أرضهم بشروط خيبر، يزرعون أرضهم ويُعطون نصف الناتج ليثرب، وبلغ ذلك يهود تيماء وفدك، وبينما يُعرِّج عليهم أتَوه هم بالطاعة، يُصالِحونه على ذات الشروط دون حروب.٣٥

وهكذا جاءت حصافة يهود خيبر بمنفذ لقبائل الشمال، الضاربة على مواطن الخصب، لتنجو من الذبح والدمار، فسارعت القبائل تدفع الجبايات، وتئوب لسلطان الدولة العربية معلنة الخضوع طوعًا، لبرز هيكل الدولة واضحًا في قواعد زراعية ثابتة، تتجاوز مفهوم الغنيمة البدوي الابتدائي، الذي كان سائدًا حتى غزوة خيبر.

ثم يأتينا خبر حادث آخر يحمل أكثر من دلالة، فيعود الركب المُنتصِر قافلًا نحو يثرب، نسمعه من الواقدي عن أم عمارة عندما قالت:
سمعت رسول الله بالجرف وهو يقول لا تطرقوا النساء بعد صلاة العشاء. قالت: فذهب رجل من الحي فطرق أهله فوجد ما يكره، فخلى سبيلها ولم يهجر، وضن بزوجته أن يُفارِقها، وكان له منها أولاد وكان يحبها، فعصى رسول الله فرأى ما يكره.٣٦
ويتأكد ذات المعنى في رواية مثيلة عن سعيد بن المسيب قال:
لما نزل النبي المعرس، أمر مُناديه فنادى: لا تطرقوا النساء. فتعجَّل رجلان، فكلاهما وجد مع امرأته رجلًا.٣٧
ويبدو أن الأمر كان مُتكرِّرًا مع خروج المجاهدين، حتى قال رسول الله :
حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله، إلا نُصِب له يوم القيامة فقيل له: هذا خلفك في أهلك، فخذ من حسناته.٣٨
ولما أصبح الأمر فيما يبدو شديد الوطأة على المجاهدين، كثير التكرار، قام الرسول هذه المرة خطيبًا في الناس يقول مُهدِّدًا مُتوعِّدًا بالنكير:
ألا كلما نفرنا غازِين في سبيل الله، خلف أحدهم له نبيب كنبيب التيس يمنح أحدهم الكثبة؟
أما والله إن يُمكِّنني الله من أحدهم، لأُنكِّلنه عنه.٣٩
كانت تلك الأحداث تجري بين خيبر ويثرب، بينما مكة تُحاوِل أن تتسمع الأخبار، يهبطها الحجاج بن علاط السلمي قادمًا من عند النبي، ولا يعلمون أنه من أتباعه، ليجمع أموالًا له عندهم، ويحكي الحجاج قائلًا:
ولم يكونوا قد علموا بإسلامي، فقالوا: الحجاج بن علاط؟ عنده والله الخبر، أخبرنا عن محمد، فإن قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر وهو بلد يهود وريف الحجاز. قلت … هُزِم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقُتِل أصحابه قتلًا لم تسمعوا بمثله قط، وأُسِر محمد أسرًا. وقالوا: لا نقتله حتى نبعث إلى أهل مكة فيقتلوه بين أظهرهم بما كان أصاب من رجالهم.
فقاموا، وصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر، وهذا محمد إنما تنتظرون أن يُقدِم عليكم فيُقتَل بين أظهركم. قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكة، وعلى غرمائي؛ فإني أريد أن أقدم خيبر، فأُصيب من نفل محمد وأصحابه، قبل أن يسبقني التجار إلى هناك.
فقاموا فجمعوا لي مالي كأحث جمع سمعت به.
وهنا يسمع العباس عم النبي وعينه على قريش بالخبر الذي أتى به الحجاج بين علاط فيُهروِل إلى الحجاج فزعًا، لكن ليهمس له الحجاج سرًّا:

احفظ عليَّ حديثي يا أبا الفضل، فإني أخشى الطلب ثلاثًا، ثم قُل ما شئت، فإني والله تركت ابن أخيك عروسًا على بنت ملكهم؛ يعني صفية بنت حيي، ولقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها، وصارت له ولأصحابه.

وفي هذه الساعة، رأى العباس أن أمر ابن أخيه قد صار أمرًا، وأنه قد بات في إمكانه أن يُعلِن اتباعه له جهرًا «حتى إذا كان اليوم الثالث، لبس العباس له حُلة، وتحلَّق، وأخذ عصاه وخرج حتى أتى الكعبة فطاف بها، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل، هذا والله التجلد لحر المصيبة. قال: كلا والله الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر، وتُرِك عروسًا على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها، فأصبحت له ولأصحابه.»٤٠

وقد وضع هذا الإعلان القاسي قريشًا ورجالها العقلاء في موقع الحيرة، فلم يعرفوا هل يحزنون لنصر محمد الذي هو عدوهم الألد، أم يفرحون وهو ولدهم وفخرهم بانتصاراته؟ لكن المُؤكَّد أن نصر خيبر قد قُوبِل بحماسة قومية انتشرت في الفيافي مع أخبار السلطان العظيم لدولة الإسلام. أما الناتج المُؤسَّسي لتلك الغزوة الكبرى فقد تمثَّل في قيام دولة يثرب على هيكل إنتاجي وفَّر لها الأسس الزراعية المستقرة في خيبر.

أما العرب الذين خذلوا النبي من مزينة وجهينة وبكر عندما دعاهم إلى الحديبية،٤١ فقد أخذوا درسًا من نوع يليق بهم، فتم حرمانهم من غنيمة خيبر التي وُزِّعت فقط على من حضر الحديبية.٤٢
١  ابن سعد: الطبقات، سبق ذكره، مج٢، ج١، ص٨٣.
٢  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٤، ص١٨٣.
٣  البيهقي: دلائل، سبق ذكره، ج٤، ص١٩٧.
٤  ابن الأثير: الكامل، سبق ذكره، ج٢، ص٢١٦. انظر أيضًا ابن هشام: السيرة في كتاب السهيلي، ج٤، ص٤٠.
٥  ابن الأثير: الكامل، سبق ذكره، ج٢، ص٢١٧. انظر أيضًا ابن هشام: السيرة في كتاب السهيلي، سبق ذكره، ج٤، ص٤٠. انظر أيضًا ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٤، ص١٨٦.
٦  ابن كثير: البداية، سبق ذكره. ج٤، ص٢٠٠.
٧  نفسه: ص٢٠٤.
٨  الموضع نفسه.
٩  ابن سعد: الطبقات، سبق ذكره، مج٢، ج١، ص٨١.
١٠  نفسه: ص٧٧.
١١  ابن هشام: السيرة في كتاب السهيلي، سبق ذكره. ج٤، ص٤٣.
١٢  ابن سعد: الطبقات، سبق ذكره، مج٢، ج١، ص٨١.
١٣  ابن هشام: السيرة في كتاب السهيلي، سبق ذكره، ج٤، ص٤٣.
١٤  ابن سعد: الطبقات، سبق ذكره، مج٢، ج١، ص٧٧.
١٥  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٤، ص٢٠٠.
١٦  ابن سيد الناس: عيون، سبق ذكره، ج٢، ص١٧٦.
١٧  نفسه: ص١٧٣. انظر أيضًا ابن هشام: السيرة في كتاب السهيلي، سبق ذكره، ج٤، ص٤١.
١٨  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٤، ص١٩٧.
١٩  نفسه: ص١٩٨.
٢٠  ابن سعد: الطبقات، سبق ذكره، مج٢، ج١، ص٨٤.
٢١  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٤، ص٢١٢، ٢١٣.
٢٢  البيهقي: دلائل، سبق ذكره، ج٤، ص٢٣٠، ٢٣٢.
٢٣  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٤، ص٢٠١.
٢٤  البيهقي: دلائل، سبق ذكره، ج٤، ص٢٣٠، ٢٣٢.
٢٥  ابن هشام: السيرة في كتاب السهيلي، سبق ذكره، ج٤، ص٤٣.
٢٦  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٤، ص١٩٧.
٢٧  ابن هشام: السيرة في كتاب السهيلي، سبق ذكره، ج٤، ص٤٣.
٢٨  البيهقي: دلائل، سبق ذكره، ج٤، ص٤١٦.
٢٩  ابن سعد: الطبقات، سبق ذكره، مج٢، ج١، ص٨٥.
٣٠  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٤، ص٢١١.
٣١  الموضع نفسه.
٣٢  البيهقي: دلائل، سبق ذكره، ج٤، ص٢٥٧.
٣٣  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٣، ص٢٠٠.
٣٤  ابن هشام: السيرة في كتاب السهيلي، سبق ذكره، ج٤، ص٤٦.
٣٥  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٤، ٢١٩. انظر أيضًا البيهقي: دلائل، سبق ذكره، ج٤، ص٢٧١. انظر أيضا ابن سيد الناس: عيون، سبق ذكره، ج٢، ص١٨٦، ١٨٨.
٣٦  ابن كثير: البداية، سبق ذكره. ج٤، ص٢١٩.
٣٧  ابن قتيبة: عيون الأخبار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٩٨٦، مج١، ج١، ص٢١٨.
٣٨  أبو داود: السنن، ج٢، ص٧، ٨.
٣٩  صحيح مسلم، ج٣، ص١٣١٩.
٤٠  ابن هشام: السيرة في كتاب السهيلي، سبق ذكره، ج٤، ص٤٦، ٤٧.
٤١  الواقدي: المغازي، تحقيق مارسدن جونس، مؤسسة الأعلمي، بيروت، د.ت، ج٢، ص٦٢٠.
٤٢  ابن آدم: كتاب الخراج، دار المعرفة، بيروت، ١٩٧٩، ص٤٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠