صحيفة المعاقل

لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.

نص بصحيفة المعاقل

بين بدر وأحد تتوقف سرايا المسلمين عن مُداهَمة طريق الإيلاف، لكن مع شن حملاتها التأديبية على القبائل، مع ظاهرة جديدة تمثَّلت في شرع نظام الاغتيال، باغتيال رءوس القبائل وأشراف الناس وسراتهم وحكمائهم، وبدأ تطبيق ذلك النظام باغتيال كعب بن الأشرف الذي رثى قتلى بدر شعرًا، وتبعه قطع عدد من الرءوس خاصة بعد وقعة أحد.

وعند العودة الظافرة من بدر الكبرى، كان الوحي يسترسل طالبًا من المسلمين اليقظة والاستعداد لقتال أعدائهم، وذلك في النص وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ (الأنفال: ٦٠)؛ فأما عدو الله وعدو المسلمين فمعروف، وهم ملأ مكة، أما من هم أولئك الآخرون غير الملأ المكي الذين يعلمهم الله ولا يعلمهم سواد المسلمين؟ إنه ما أوضحته الأحداث التالية بنداء النبي لرجاله: «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه.» وهو ما تم تنفيذه بالفعل في عدة رءوس يهودية، وهو المنحى الذي جاءت مفاصله في آيات تنسخ حرية الاعتقاد، لتُنهي العمل بآيات من قبيل لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (الكافرون: ٦)، وتُلغي الصفح الجميل والصبر الأجمل، لتُؤكِّد معنًى جديدًا هو إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ (آل عمران: ١٩).

وهي السياسة التي ابتغت انضواء اليهود الكامل، السياسي والعقدي، تحت لواء الدولة الجديدة وسيادة مُؤسِّسها، أو استئصال شأفتهم من يثرب. وهو الأمر الذي كان سببه الوضع الخاص جدًّا باليهود، كأصحاب كتاب سماوي ودستور عقدي وأيديولوجيا تاريخية مُوثَّقة، وهو ما جعلهم المُنكِر الديني الحي لنبوة النبي العربي، مما كان يُشكِّل خطرًا دائمًا وحقيقيًّا على الدولة الوليدة وأيديولوجيتها العربية. وهو ما صب في إعلان واضح يُسفِر عن الهدف، فيما جاء مرويًّا عن الزهري عن عروة:
نزل جبريل على رسول الله بهذه الآية: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (الأنفال: ٥٨). فقال رسول الله : أنا أخاف من بني قينقاع. فسار إليهم ولواؤه بيد حمزة.١
ومن ثَم انجلت غزوة قينقاع عن هجرتهم من يثرب كأول قبائل يهود يتم إجلاؤها عن المدينة، مع استيلاء المسلمين على كراعهم وأسلحتهم وأرضهم. ولكن لأن الرياح لا تأتي عادة بما تشتهي السفن، فقد أجمعت قريش أمرها على قتل محمد، بعد أن طال حصاره لها حتى كاد يقضي عليها، وذلك في الوقعة المعروفة بوقعة أحد، التي انهزم فيها المسلمون هزيمة مريرة، أدَّت بالبيهقي إلى تصوير حال يثرب بعد الهزيمة بقول واضح يقول: «… وفارت المدينة بالنفاق فورَ المِرجل.»٢

وترنَّحت الدولة «الطالعة»، وكان لا بد من اتخاذ عمل سريع وحاسم ودءوب لا يكل ولا يهدأ، لإصلاح ما أفسدته أحد، وذلك بضرب كل من سوَّلت له نفسه الطمع في النيل من سلطان الدولة. ولما لم يكن مُمكِنًا الخروج في ذلك الظرف إلى قريش، والجروح لم تزَل طازجة، ومعنويات المسلمين في حضيضها، فقد اتجه السيف الإسلامي إلى اجتثاث الرءوس التي أخذت ترتفع وتتطاول على السلطان المحمدي في يثرب أو خارجها؛ ومن ثَم تدحرجت رءوس عدة، منها رأس «سلام بن أبي الحقيق» المعروف بأبي رافع، و«أبي عفك عمرو بن عوف»، و«عصماء بنت مروان عقيلة بن خطمة»، و«خالد بن سفيان» سيد هذيل، و«فاطمة بنت ربيعة» زعيمة فزارة ومحل شرفها وفخرها؛ ليكون هذا المسلسل من العنف والاغتيالات والتصفية الجسدية، إعلانًا عن أن السيف المحمدي وإن كُسِرت منه الذؤابة في أحد، فإنه ما زال قويًّا مُقتدِرًا بل وعنيفًا، إعلانًا عن إصرار لا يتزحزح على استدامة الدولة والحفاظ على مُستقبَلها، ولو مع التضحية بأرواح كثيرة.

بهزيمة أحد كان لا بد من وقفة مُتأنِّية، تُؤجِّل — مُؤقَّتًا — بعض القرارات، حتى يأتي الله بأمره، ويستعيد المسلمون — إبان ذلك التأجيل — قوتهم وتعافيهم المعنوي. كذلك دفعت الهزيمة في أحد سيد يثرب ليُفصِح لرءوس قريش الصلبة عن الأغراض البعيدة للدعوة؛ كي لا تتكرر مأساة أحد بهذا العنف. فهذا «أبو قتادة الأنصاري» تهزُّه مَناظر أهله مذبوحين في أحد، ومشهد الحمزة مبقورًا، فيُشير بالتمثيل بجُثَث قتلى قريش في أحد، لكن ليرد عليه سيد الخلق مُفصِحًا برسالة تقول:

يا أبا قتادة

إن قريشًا أهل أمانة، من بغاهم أكبَّه الله تعالى إلى فيه، وعسى إن طالت بك مدة، أن تحقر عملك مع أعمالهم، وفعالك مع فعالهم، ولولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله.٣
ومن هنا نعود إلى ابن سعد نسمعه وهو يقول في طبقاته الكبرى: «إن رسول الله لما هاجَر إلى المدينة، صلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، وكان يُحِب أن يُصرَف إلى الكعبة، فنزلت عليه: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا. فوُجِّه إلى الكعبة. وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يُصلِّي إلى بيت المقدس. ونزل فرض شهر رمضان بعدما صُرِفت القبلة إلى الكعبة بشهر، في شعبان، على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهاجَر رسول الله وأمر رسول الله في هذه السنة بزكاة الفطر.»٤
وهو ذات ما أكَّده ابن الأثير في سرده لأحداث العام الثاني للهجرة، ولحظه ابن كثير الدمشقي، وهو يسرد أحداثًا ينسبها للعام الثاني للهجرة،٥ في قوله:
وفيها — أي عام ٢ﻫ — حُوِّلت القبلة … وفيها فُرِض صيام رمضان … وفيها فُرِضت زكاة النُّصب وزكاة الفطر، وفيها خضع المشركون من أهل يثرب واليهود … صانَعوا المسلمين وأظهر الإسلام طائفة كثيرة من المشركين واليهود، وهم في الباطن منافقون … قال ابن جرير: وفيها كتب الرسول صحيفة المعاقل، وكانت مُعلَّقة بسيفه.٦
إن حديث ابن كثير هنا يحسم أمورًا كثيرة مُختلَفًا عليها بين كُتاب السير والأخبار؛ فهناك من يُشير إلى أن صحيفة المعاقل قد كُتِبت بين أهل يثرب جميعًا وبين المسلمين، وأنها كُتِبت بعد الهجرة مباشرة، بينما يذهب آخرون إلى توقيتها بنهاية العام الثاني للهجرة. وأهمية حديث المعاقل ترجع لارتباطه بأحداث أهم سبَّبته ونتجت عنه، وقد ذهب ابن كثير في مبتدأ فصله مع الكثرة القائلة بكتابة المعاقل مُبكِّرًا وقت الهجرة، بحيث تبدو يثرب جميعًا قد عمَّها الإيمان، وبحيث يظهر النبي سيدًا يملك كل مُقوِّمات السيادة من الوهلة الأولى، فخضع لسيادته الجميع بما فيهم يهود يثرب، فكتبوا معه معاهدة تعاقلية، يردون فيها كل أمر إليه وحده. وقد ذهبنا في الجزء الأول من هذه الدراسة ذات المذهب، حتى نبَّهنا إلى ضرورة إعادة النظر في تزمين صحيفة المعاقل، الدكتور عبد الهادي عبد الرحمن،٧ وكانت إعادة النظر مَدعاة لنتيجة مَفادها إن القول بعقد المعاقل عند الهجرة مباشرة، أمر يُخالِف مُعطَيات الواقع، وشروط الفهم السليم، وكان للرجل في ذلك فضل غير منكور.

الواقع يقول بمُهاجَرة النبي ضعيفًا مُتخفِّيًا هاربًا من مدينته وأهله، إلى حمى أخواله في يثرب، ولاجئًا مع أتباعه إلى مدينة أخرى غريب عليها. وهو ما يُحيط الصورة — التي رسمتها كتب الأخبار والسير لذلك الاستقبال الهائل والطاعة العمياء والكاملة من اليثاربة لسيدهم المكي — بكثير من الشك وعدم القبول؛ حيث تُناقِض تلك الصورة الإخبارية بشدة بنود الصحيفة التعاقلية، التي وضعت أمر يثرب جميعًا بيد النبي ، في ذات الوقت الذي تُؤكِّد فيه ذات الكتب أن غالب أهل يثرب كانوا إما يهودًا أو وثنيين، وأن من دخل منهم في حِلف الدعوة كان في أعمِّه من المنافقين أو الدسائس على المسلمين؛ ومن هنا رجع ابن كثير عما قال في البداية ليُؤخِّر زمن صحيفة المعاقل إلى السنة الثانية للهجرة، بحيث تبدو الأحداث منطقية بشكل أكثر، وبحيث تبدو النتائج مُتفِقة مع مُقدِّماتها من أحداث، فاختار زمنًا تحوَّل فيه المسلمون إلى قوة قادرة على فرض هيمنتها.

وللتحديد أو مُحاوَلة التدقيق في الزمن الذي كُتِبت فيه المعاقل، نجد أن غزوة قينقاع لم يرِد فيها — في أي رواية إخبارية — أية إشارة لتعاقُد المسلمين مع اليهود، كما لم نسمع بمُنابَذة يهود قينقاع للنبي بنقض العهود، كما حدث في وقائع أخرى تالية مع قبائل يهودية أخرى، وهو ما يُشير إلى أنه حتى غزوة قينقاع لم تكن تلك الصحيفة قد كُتِبت بعد؛ ومن هنا نظن أن تلك الصحيفة قد كُتِبت ضمن مجموعة الإجراءات الحاسمة مع التراجعات المحسوبة، التي تمَّت بعد هزيمة المسلمين في أحد.

ومعلوم أن هزيمة أحد قد هزَّت معنويات المسلمين بعنف، ودفعت المُناوِئين للتطاول عليهم، لكنها لم تقضِ على القوة العسكرية الإسلامية التي تنامَت وتضخَّمت منذ بدر الكبرى. وكان مَقتل ذلك العدد من المسلمين في أحد غير ذي تأثير حقيقي، وكان الأمر بعدها أمر معنويات تحتاج إلى ترتيق وإصلاح سريعَين؛ ومن ثَم نجد الحكاية الإخبارية تأتينا ببعض الروايات التي تُؤكِّد أن حملة النبي على القبيلة الثانية النضير، جاءت بعد وقعة «بئر معونة».٨ ونحن نعلم أن بئر معونة قد وقعت بعد أحد بزمن، وبعد وقعة الرجيع التي وقَّتها الواقدي في صفر سنة أربع للهجرة،٩ ونعلم أيضًا أن بني النضير قد نابَذوا النبي بنقض العهود والمواثيق في تلك الغزوة؛١٠ مما يُشير إلى أن صحيفة المعاقل كانت قد عُقِدت قبل غزوة النضير، وفي الزمن الواقع بين غزوة أحد وبين غزوة النضير، وهو ما يمكن الكشف عنه في قراءة البيهقي:
اجتمعت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى النبي : اخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حبرًا، حتى نلتقي بمكان المنصف، فيسمعوا منك، فإن صدَّقوا وآمنوا بك، آمنا بك. فلما كان الغد، غدا عليهم رسول الله بالكتائب فحصرهم فقال لهم: إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تُعاهِدونني عليه. فأبَوا أن يُعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك، ثم غدا على بني قريظة بالكتائب وترك بني النضير، ودعاهم إلى أن يُعاهِدوه فعاهدوه فانصرف عنهم.١١
ويُفهَم من الحديث هنا أن يهودًا أرادت اختبار نبوة النبي بالحوار المعرفي والفقهي الديني، لكن النبي رأى أن يتعامل معهم بمنطق آخر فجرَّد عليهم كتائبه العسكرية، وقاتَل النضير حتى نزلت على عهد مكتوب معه، ثم إن قريظة رضيت بالعهد دون قتال، ولا نعلم عهودًا تمَّت سوى صحيفة المعاقل، وهو الأمر الذي يُعضِّد ما ذهبنا إليه في توقيع المعاقل إبان محنة تطاوُل الرءوس بعد هزيمة أحد. وما يبدو لنا أن المعاقل قد تمَّت ضمن سلسلة الإجراءات السريعة التي حدثت لعلاج آثار أحد، لرفع روح المسلمين المعنوية، بإخضاع قبائل المدينة جميعًا للسلطان النبوي، وتأمين الجبهة الداخلية، في نفس الوقت الذي قدَّمت فيه دولة الإسلام تنازلًا تراجعيًّا وُضِّح في النص: «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.»١٢ وإذا كان الإخباريون يُصِرون على ربط صحيفة المعاقل زمنيًّا بمجموعة أخرى من الإجراءات تمَّت في ذات الزمن، مثل تحويل القبلة وفرض الزكاة والصوم العربي … إلخ، فمن المُحتمَل أن تكون تلك الإجراءات بدورها قد تمَّت ضمن مجموعة التراجعات التي أفرزتها أحد.

لقد كانت الحسابات التي سبقت الهجرة، واستمرت حتى غزوة بدر الكبرى، تعمل حسابًا لقوة اليهود بالمدينة، مما جعل النبي يُحاوِل استمالة اليهود والتقرُّب منهم لتحييدهم على الأقل؛ ففرض على أتباعه صوم يوم الغفران اليهودي «يوم كيبور/عيد الفصح»، وهو اليوم الأهم والأعظم في تاريخ اليهود، يوم خروجهم من مصر عبر سيناء لاحتلال فلسطين، بل واتجه النبي محمد مع أتباعه وجهة اليهود في الصلاة، نحو أورشليم القدس، وقد سبق ذلك ورافقه آيات تُمجِّد أنبياء بني إسرائيل، الذين هم أسلاف اليهود الإسرائيليين وأجدادهم، وتُمجِّد التوراة ككتاب سماوي صادق إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ (المائدة: ٤٤)، ووَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ (المائدة: ٤٣)، بل وتُمجِّد اليهود ذاتهم بتأكيد أن الله قد فضَّلهم على العالمين.

ومع ذلك ظل اليهود يهودًا، يستمسكون بدينهم ولا يرضون بمحمد سيدًا، رغم كل الإشارات والتوضيحات التي كانت تُصِر على تأكيد أن محمدًا من ذات النسل؛ فهو الحفيد البعيد لإسماعيل شقيق إسحاق بن إبراهيم، وأن القرابة العرقية قائمة، وأن انتظار اليهود لمُخلِّص نبوي مُقبِل يجد صداه في النبي العربي الذي يُحقِّق نبوءة التوراة، حتى جاءت وقعة «أحد» لتستدعي تحرُّكًا سريعًا يكفل انضواء هؤلاء التام لسلطان الدولة لتأمين المدينة داخليًّا، فتمَّت صحيفة المعاقل كما جاء خبرها السريع عند البيهقي، مع تحرُّك آخر على مفصل قريش يُهدِّئ من عوارمها ويُطمئِّنها؛ فكان أن تم إلغاء الصوم اليهودي مع تقرير الصوم العربي الرمضاني، كما تم تحويل القبلة إلى كعبة مكة.

يقول ابن سعد: «نزل فرض شهر رمضان بعدما صُرِفت القبلة إلى الكعبة بشهر، في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهاجَر رسول الله.»١٣ ويُؤكِّد جميع أهل السير أن وقعة بدر الكبرى كانت في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة، وهو ما يقوله ابن الأثير: «وفي السنة الثانية كانت وقعة بدر الكبرى في شهر رمضان في السابع عشر وقيل التاسع عشر وكانت يوم الجمعة.»١٤

لكن؛ إذا كان الصيام الرمضاني قد فُرِض في شعبان من ذلك العام، وكانت وقعة بدر الكبرى قد وقعت في رمضان من ذات العام، فلا أقل من أن نسمع من كتب الأخبار والسير عن ظروف المسلمين وهم صائمون، ومتى أهلُّوا بالصيام ومتى أفطروا، وهل قاتلوا صائمين أم مُفطِرين، وهي العادة مع كتب الأخبار التي تُفصِّل تلك الأمور وتُدقِّق بشأنها في كل غزوة، مثلما حدث بشأن تأخير الصلاة في غزوة «قريظة»، وما حدث بشأن الصيام الرمضاني في فتح مكة، حيث تجد تفاصيل صغيرة ودقيقة. والمعنى المقصود هنا هو أن الصيام الرمضاني لو كان قد فُرِض قبل بدر الكبرى، بينما بدر قد وقعت في شهر رمضان، لوجدنا لمسألة الصيام مكانها في سرد الأحداث البدرية وهو ما لم يحدث؛ مما يعني وجوب تأجيل الصيام الرمضاني والزكاة وتحويل القبلة وصحيفة المعاقل معًا إلى الفترة التي افترضناها، خاصة مع ارتباط تلك الأحداث في سياق واحد يُناسِب بعضه بعضًا، وهو الفرض الذي يقبل الخطأ كما يقبل الصواب.

وإعمالًا لذلك كله، فإن الآيات الكريمة التي تحدَّثت عن التوراة وهداها ونورها، وعن تفضيل الله لبني إسرائيل، والقص الطويل عن أنبياء التوراة من إبراهيم إلى إسحاق ويعقوب ويوسف والأسباط وموسى وداود وسليمان … إلخ. كل ذلك أفرغ محتواه في الصحيفة التي عُقِدت بين جميع أطراف القوى في يثرب، والتي كانت أولًا نتيجة لتحوُّل حال المسلمين بعد بدر من ضعف إلى قوة، ومن لاجئين إلى مُواطِنين على ذات الدرجة. وكانت ثانيًا مُحاوَلة لفرض الهيمنة وإعادة الأمر كله لسيد المدينة الجديد بعد التهاوي المعنوي في هزيمة أحد؛ لتأمين الجبهة الداخلية ليثرب مُؤقَّتًا. كما كان لوقعة أحد نتيجة أخرى هامة، تمثَّلت في تحويل القبلة إلى الكعبة — هذا إن كان فرضنا صادقًا — في رسالة واضحة لكل الأعراب، أن قطع طريق الإيلاف وضرب مصالح الملأ الأنانية، لا يعني بالضرورة ضرب الرمز الديني المكي، ورسالة مُوجَزة برقية لأهل مكة أنفسهم تُهدِّئ من روعهم إزاء سيد يثرب. أما أصحاب السير والأخبار فلم يجدوا سببًا واضحًا يُعلِّل التحوُّل عن أورشليم إلى مكة، سوى ما ردَّده الإخباريون مع الطبري أن النبي: «كان يحب أن يُصلِّي قِبل الكعبة فأنزل الله: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ.»١٥

ثم جاء التحوُّل إلى الصيام العربي ليلتقي مع تقديس يوم العروبة (يوم الجمعة وكان يُسمَّى يوم العروبة) في وقت مُبكِّر، ليُعلِن في إشارات واضحة مَنحى التحوُّل. أما أبرز الشواهد على أن صحيفة المعاقل قد عُقِدت في ظرف يستعرض فيه المسلمون قوتهم، أنها عُلِّقت بسيف رسول الله وهو ما لم يكن مُمكِنًا زمن الهجرة عندما كان المسلمون قلة ضعيفة لاجئة إلى يثرب، وكان تعليقها بسيف رسول الله رسالة ذات معنًى لجميع سكان يثرب وللمنافقين. ولحق ذلك جميعه تدريب آخر للمسلمين على نظام الدولة المُؤسَّسية؛ ففُرِضت الضرائب (الزكاة). أما أهم بنود الصحيفة التي كانت تُرفرِف على سيف النبي، فهي تلك التي قالت في مُفتتَحها: «هذا كتاب من محمد النبي الأمي.» وهو ما يُشير إلى المعاقل كفرمان صادر من سلطة النبي السيادية. فرغم أن المعاقل كانت بين أطراف، فإن تلك الأطراف لم تكن مُتكافِئة؛ لأن صيغتها وأسلوبها وإيحاءاتها، ناهيك عن ذلك الاستهلال في مُفتتَحها تُشكِّل قرارًا صادرًا من سيد قوي فوق بقية الأطراف، فهي بمثابة كتاب أمان من النبي لسكان يثرب، إضافةً إلى أن الصياغة لم تقُل: «هذا كتاب من محمد بن عبد الله.» إنما فرضت صفة النبوة على جميع المُوقِّعين أدناها، وهو الأمر الذي استثمر رغبة اليهود والمشركين اليثاربة في الأمان بعد سلِّ سيف الاغتيال وتجريد الكتائب بعد أحد، ليمنحهم سلامًا مشروطًا بسيادة المسلمين ونبيهم، وهو ما تُوضِّحه قراءة بقية بنود صحيفة المعاقل.

وضمن تلك البنود يأتي النص الذي يُؤكِّد أن المعاقل قد تمَّت:
… بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين (ويتم ذكر كل بطن من البطون وكل دار)، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وأنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا مُتناصَر عليهم … وإنكم مهما اختلفتم في شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا مُحارِبين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم … وأن بطانة اليهود كأنفسهم، وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد … وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار، يُخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله.١٦

والمُطالِع لهذه البنود سيلمس فورًا أمرًا شديد الأهمية، حيث يتضح حصول المهاجرين على أساس اقتصادي يرفع عِبأهم عن إخوانهم اليثاربة، وإلغاء نظام المؤاخاة نتيجة ذلك. فالنص يُؤكِّد «المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ويفدون عانيهم بالمعروف والقسط»؛ ومن ثَم أصبح على الأنصار أن يعودوا إلى معاقلهم الأولى «على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى». أما البند الذي يُؤكِّد بوضوح أن تلك الصحيفة لم تكن قد عُقِدت قبل بدر الكبرى، فهو تلك السلطة الواضحة في إرجاع كل الأمور بالمدينة إلى النبي حتى الخروج من المدينة لليهودي لا يتم إلا بإذن محمد . والأكثر بلاغة في كل هذا، أن الصحيفة سردت البيوت والأفخاذ اليثربية في معاقلها، وسط تلك الأفخاذ والبيوت تم وضع المهاجرين كأحد أبناء البلد وكفخذ من الأفخاذ اليثربية الأصيلة، بحيث اكتسب المهاجرون بصحيفة المعاقل وجودهم الشرعي، ليتحوَّلوا من لاجئين إلى مُواطِنين، بل أفصح الأمر عما هو أشد بيانًا، فغدا الأنصار تابعين لا مُجيرين ومتبوعين.

وكانت النغمة العروبية الواضحة في صيام رمضان وتقديس يوم العروبة، ثم العودة عن اغتراب القِبلة الأورشليمية إلى الكعبة العربية المكية، إشارةً واضحة إلى بدء التخلي عن مُمالأة يهود المدينة، والإفصاح بتلك الإشارات القوية إلى أن الأمر كله عائد في النهاية إلى أهل الله القرشيين، وأن القدس كله في محل كعبتهم، وهي الطمأنة لقريش وتأكيد أن الإسلام لا يُهدِّد أبدًا مصالح مكة السياسية ولا الدينية المرتبطة دومًا بالاقتصادية، وأن خط سير التاريخ يحث خُطاه إلى نتائجه النهائية، وأن الحروب جميعًا ما كانت إلا لتوحيد العرب بزعامة قرشية يُمثِّلها أشرف الخلق وسيدهم المصطفى .

أما المعجزة القومية الكبرى التي قدمتها الدعوة إلى العرب، فتتمثل في إعلان أن رب الأديان الكبرى المُحيطة بالجزيرة، هو رب واحد، هو رب العالمين، وأن هذا الرب قد اختار محمدًا العربي، وأنه تكلَّم إليه باللغة العربية؛ ليسحب بذلك الامتياز الذي كان قاصرًا حتى ذلك الوقت على اليهود والمسيحيين ليمنحه للعرب المسلمين، الذين وصفهم ذلك الإله العالمي بأنهم خير أمة أُخرِجت للناس.

١  ابن سيد الناس: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ١٩٨٠، ج١، ص٣٥٣.
٢  البيهقي: دلائل النبوة، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٨، ج٣، ص٢١٦.
٣  الحلبي: السيرة، سبق ذكره، ج٢، ص٥٢٥.
٤  ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار التحرير للطباعة والنشر، القاهرة، د.ت، ج٢، ص٣، ٥، ٨.
٥  ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، ١٩٦٥، مج٢، ص١١٥، ١١٦.
٦  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٢، ص١٨٧.
٧  عبد الهادي عبد الرحمن: جذور القوة الإسلامية، دار الطليعة، بيروت، ١٩٨٨. وقد ذهب الباحث المتميز إلى توقيت المعاقل بعد غزوة بدر مباشرة.
٨  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٤، ص٧٦.
٩  نفسه: ج٤، ص٦٤.
١٠  نفسه: ج٤، ص٧٧.
١١  البيهقي: دلائل، سبق ذكره، ج٣، ص١٧٩.
١٢  محمد حميد الله: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، دار النفائس، بيروت، ط٥، ١٩٨٥، ص٦١.
١٣  ابن سعد: الطبقات، سبق ذكره، مج١، ج٢، ص٨.
١٤  ابن الأثير الكامل، سبق ذكره، ج٢، ص١١٦.
١٥  الطبري: تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، القاهرة، ذ. ت، ج٢، ص٤١٦.
١٦  ابن كثير: البداية، سبق ذكره، ج٣، ص٢٢٣، ٢٢٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠