شبح على السطح

في هذه الليلة اتجه شبحٌ إلى المنزل رقم ۱۸ حيث يسكن الأستاذ «كرم» وصعد السلالم في هدوءٍ حتى وصل إلى السطح، وتلفَّت حوله في حذرٍ وعندما تأكَّد أن لا أحد هناك … سار بهدوءٍ حتى وصل إلى حافة السطح التي تطل على الشارع، ووقف خلف السور يرقب الشارع في انتباهٍ شديد …

ظل هذا الشبح في مكانه يرقب الشارع بلا مللٍ حتى بدأ ضوء الفجر يتسلَّل في الأفق، فانسحب الشبح في هدوء، ونزل السلالم بخفة، ثم انطلق يمشي مسرعًا في الشارع.

وعندما اجتمع الأصدقاء في ذلك الصباح تأخَّر «تختخ» عن الحضور دون أن يعلم الأصدقاء السبب. فجلسوا ينتظرونه ويتحدثون عن لغز العصابة التي سرقَت خمسين ألف جنيه واختفت دون أن يتمكنوا أو يتمكن رجال الشرطة من الوصول إليها … وقال «محب»: لقد قلت رأيي من البداية … إن اللغز كله يمكن أن يحل إذا استطعنا معرفة الطريقة التي توصَّل بها رجال العصابة إلى مفاتيح الخزينة … هل كانت معهم المفاتيح الأصلية … معنى هذا أن أمين الخزينة مشترك معهم في السرقة … لقد أعطاهم المفاتيح ليلًا، وأخذها منهم صباحًا … أما إذا لم تكن المفاتيح الأصلية، فلا بد أن المفاتيح الأصلية وقعت في يدهم فترة تكفي لتقليدها، فكيف وصلت إليهم المفاتيح؟ … إن في الإجابة عن هذا السؤال حلًّا للغز!

لوزة: كيف يمكن ذلك؟

محب: لقد استمرَّت المطاردة حتَّى الفجر وروقب الشارع حتى اليوم الثاني، أي إن اللصوص لم يتمكَّنوا من توصيل المفتاح الأصلي إلى أمين الخزينة الذي كان موجودًا في ذلك الوقت في مكان الحادث مع رئيس مجلس الإدارة.

عاطف: وكذلك فقد قال المفتش «سامي» إن أمين الخزينة رجلٌ فوق مستوى الشبهات … وقد دلَّت التحريات على ذلك.

محب: كيف وصلت المفاتيح إذن إلى العصابة؟! هل طارت من تلقاء نفسها إليهم، أو حملتها إليهم العفاريت؟

صمت الأصدقاء فلم يُجب أحدٌ … وبعد فترة قالت «نوسة»: إن عندي فكرة بسيطة ولكنها يمكن أن تحل لغز المفاتيح.

التفت الأصدقاء جميعًا إليها في انتباه وقالت «لوزة»: وماذا تنتظرين؟! تحدثي فورًا … ما هو تفسيركِ لهذا اللغز العجيب؟

نوسة: نفرض أن أمين الخزينة هذا قام بإجازةٍ … هل تغلق الخزينة أبوابها؟

عاطف: بالطبع لا.

نوسة: إن مفاتيح الخزينة ستسلم إلى موظفٍ آخر يقوم بالعمل مكان أمين الخزينة … أليس كذلك؟

عاطف: تمامًا!

نوسة: هذا الموظف سنفرض أنه على علاقةٍ بالعصابة … لقد سلم المفاتيح لها … وقامَت العصابة بتقليد المفاتيح وأعادَت المفاتيح الأصلية له … ثم احتفظت بالمفاتيح المقلدة حتى تفتح الخزينة بها.

محب: هذه فكرة ممتازة حقًّا يا «نوسة» … ولكن لماذا لم تقم العصابة بسرقة الخزينة بعد أن قلَّدت المفاتيح مباشرة؟

نوسة: هناك ثلاثة أسبابٍ كل منها يصلح سببًا لانتظار العصابة؛ الأول: حتى لا تنكشف صلة الموظف الذي سلَّمها المفاتيح بحادث السرقة. الثاني: أن تكون الخزينة خاليةً في هذه الفترة … أو أن النقود التي بها لا تستحق السرقة … الثالث: ألَّا تكون العصابة قد وضعت خطتها بعد!

لوزة: هذا كلام معقول جدًّا!

عاطف: فعلًا!

محب: منطقي للغاية!

لوزة: إن علينا أن نتصل ﺑ «تختخ» فورًا!

وكأنما كان «تختخ» يستمع إليهم فجاءَت الشغالة إلى «عاطف» وقالت له: إن «تختخ» يطلبك على التليفون.

أسرع «عاطف» ليتحدث إلى «تختخ» وقال له: أين أنت؟

تختخ: إني أتحدَّث من ميدان التحرير في القاهرة!

عاطف: شيء غريب … ولولا أنك بعيد عنا جدًّا لَتصوَّرت أنك تستمع إلينا … فقد كنا نريد الاتصال بك الآن!

تختخ: آسف جدًّا لأني تخلَّفت عن الاجتماع، لقد ذهبت لمقابلة بواب العمارة التي وقعَت بها السرقة لأنني كنت أريد أن أسأله بعض الأسئلة ولكني للأسف لم أجده … وسأعود فورًا.

عاطف: ما دمت قريبًا من الشركة فهناك فكرةٌ من «نوسة» خاصة بالمفاتيح التي تمَّت بها السرقة!

وشرح «عاطف» ﻟ «تختخ» فكرة «نوسة» ثم قال له: أقترح أن تذهب لمقابلة أمين الخزينة وتسأله؛ فقد تصح فكرة «نوسة» وتكون طريقًا إلى حل اللغز!

تختخ: إنها فكرة معقولة جدًّا، وسأذهب لمقابلة أمين الخزينة ثم أعود إلى المعادي … وسوف نلتقي في المساء!

عاد «تختخ» مرة أخرى إلى العمارة … وأخذ يفكِّر كيف يتحدَّث إلى أمين الخزينة … وبأي صفةٍ يتحدَّث إليه؟! ورأى أنه من الأفضل أن يتصل بالمفتش «سامي» أوَّلًا ثم يذهب إلى العمارة.

عاد إلى التليفون الذي كان يتحدث منه مع «عاطف» ووقف ينتظر دوره في الصف … فقد كان هناك عددٌ كبيرٌ من المتحدثين … وكانت فرصة للتفكير … وأخيرًا اهتدى إلى حل، ومع ذلك قرر الاتصال بالمفتش «سامي» ليسأله رأيه … وجاء عليه الدور ليتحدث … فطلب رقم المفتش «سامي» وأخذ الجرس يرنُّ في الجانب الآخر دون أن يرد أحدٌ … فأدرك أن المفتش ليس في مكتبه، وقبل أن يضع السماعة سمع صوتًا يتحدث، لم يكن صوت المفتش «سامي» فقال له «تختخ»: أرجو أن تخطر المفتش أن «توفيق» اتصل به، وأرجو أن يتصل بي في أقرب فرصة.

الرجل: إن المفتش «سامي» في مهمة خارج القاهرة، ولا نعرف متى يعود، وسوف نخطره عند عودته … هل هناك شيء هام؟

تختخ: لا … شكرًا.

ووضع السماعة ثم انصرف مسرعًا إلى العمارة … لم يكن البواب قد عاد بعد، فصعد إلى الشركة دون أن يستعمل المصعد … فقد كان مشغولًا … وتذكر «تختخ» أن العصابة قد استعملت المصعد … برغم أن المصعد يحدث صوتًا … وكان المفروض أن تستخدم السلالم … لقد سبق له أن فكر في هذه الملحوظة … وها هو ذا يتذكرها مرة أخرى.

صعد إلى الشركة … ودخل من الباب فسأله الفرَّاش الذي يجلس هناك: ماذا تريد؟

تختخ: إنني أسأل عن أمين الخزينة.

الفراش: الأستاذ «نزيه»؟

تختخ: نعم، هل هو موجود؟

الفراش: نعم.

تختخ: لقد جئت له قبلًا ولكنه لم يكن موجودًا!

الفراش: لقد كان في إجازةٍ خلال الشهر الماضي!

دق قلب «تختخ» سريعًا عندما سمع هذه الكلمات وقال: وكان يقوم بعمله موظفٌ آخر … اسمه … اسمه …

وتظاهر «تختخ» أنه يحاول تذكُّر الاسم فقال الفراش: الأستاذ «جلال» … إنه في إجازةٍ الآن!

قال «تختخ» وهو يهمُّ بالانصراف: شكرًا … إنني أريد الأستاذ «جلال» هذه المرة فمتى يعود؟

الفراش: أظن بعد أسبوع.

تختخ: شكرًا.

وانصرف «تختخ» وهو في غاية السعادة؛ فقد حصل على المعلومات التي جاء من أجلها ببساطةٍ لم يتوقعها … وأخذ يفكر وهو يسير في ميدان التحرير متجهًا إلى باب اللوق ليأخذ قطار المعادي: إن «نوسة» على حق … إن العصابة حصلت على المفاتيح من «جلال» … إنه مشترك معهم لا شك …

وعاد «تختخ» إلى المعادي … فاتجه إلى منزله … كان موعد الغداء قد حان فجلس إلى المائدة يأكل وهو سرحان تمامًا فقال والده: هل هناك لغز جديد؟

لم يسمع «تختخ» تعليق والده فعاد الأب يكرِّر: توفيق … هل هناك لغز جديد كالمعتاد؟

انتبه «تختخ» وقال: نعم … هناك لغز!

الأب: وإلى متى يا «توفيق» تعمل في حل الألغاز؟! أليس عندك ما هو أهم … وهو مذاكرتك؟!

تختخ: ولكن يا أبي أنا لا أشترك في حل الألغاز إلا في الإجازة … وفي نفس الوقت فإنني أنجح في المدرسة بتفوُّق … لقد كنت الأول في الفصل في العام الدراسي الماضي.

ابتسمَت والدة «تختخ» وقالت: معه حقٌّ يا «خليل» إنه يستذكر دروسه وينجح … كل ما هنالك أنني خائفةٌ عليه من هذه المغامرات التي يقوم بها.

انتهى الغداء … وارتاح «تختخ» قليلًا كعادته، ثم ذهب في الموعد للقاء الأصدقاء.

استقبله المغامرون الأربعة بسيلٍ من الأسئلة عن مهمته وماذا وجد فقال ببساطة: وجدت «نوسة» على حقٍّ تمامًا … فأمين الخزينة الأصلي واسمه الأستاذ «نزيه» كان في إجازةٍ خلال الشهر الماضي … وحل محله الأستاذ «جلال» … ولا شك أن المفاتيح قد قُلِّدت في فترة استلام الأستاذ «جلال» للخزينة!

محب: في هذه الحالة يقبض رجال الشرطة على «جلال» فيحل اللغز.

تختخ: تمامًا … ولكن المفتش «سامي» ليس في القاهرة … ولا أظن أن رجال الشرطة سوف يستمعون إلينا في غيابه.

عاطف: إذن ليس أمامنا إلا الانتظار.

تختخ: نعم … من الأفضل أن ننتظر … وعلى كل حال … فإن «جلال» في إجازة وقد لا يعرف أحد مكانه … وسيعود من الإجازة بعد أسبوع!

نوسة: إني أرى أن نتصل برجال الشرطة فورًا ولا نضيع وقتًا!

تختخ: ولكن يا «نوسة» … قد لا يثبت على «جلال» شيء … إنه يستطيع أن ينكر وليست هناك قرينة واحدة ضده … ومن الأفضل أن ننتظر حتى يحضر المفتش «سامي» لنناقش الأمر معه … إنه الوحيد الذي يستمع إلينا ويثق فينا!

وبعد أن قضى الأصدقاء فترة في الحديث تفرَّقوا …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١