الشبح مرة أخرى

في تلك الليلة ظهر الشبح مرة أخرى … وقف على ناصية الشارع المسدود لحظات يرقب كل شيء … حتى إذا تأكد أن لا أحد يراه أسرع في طريقِه حتى منزل الأستاذ «كرم» وصعد السلالم مسرعًا وبخفةٍ إلى السطح حيث وقف هناك يرقب الشارع.

وأخرج الشبح من جيبه بعض الساندوتشات التهمها في شهيةٍ كبيرة، ثم وقف مستندًا إلى سور السطح، وأخذ يرقب الشارع دون مللٍ حتى إذا بدأ نور الفجر يغزو الشارع. أسرع ينزل السلالم ثم يُغادر المنزل دون أن يشعر به أحد، وسار حتى خرج من الشارع …

في صباح هذا اليوم، اتصل المفتش «سامي» ﺑ «تختخ» في الساعة العاشرة صباحًا، فوجد «تختخ» ما زال نائمًا. واندهش المفتش لهذا فلم يكن من عادة «تختخ» أن ينام حتى ساعة متأخرة. وعندما استيقظ «تختخ» أخبرته والدته باتصال المفتش «سامي» به، فأسرع إلى التليفون دون أن يغسل وجهه … وكان المفتش في انتظار مكالمته فقال له: ماذا حدث … هل سهرت كثيرًا أمس؟

تختخ: فعلًا.

المفتش: لماذا؟

تختخ: لأسبابٍ سأشرحها لك فيما بعد … ربما بعد ساعةٍ أو أكثر.

المفتش: ولماذا لا تشرحها الآن؟

تختخ: قد تضحك مني الآن … ولكن بعد ساعةٍ قد تعجب!

المفتش: وما هي الأخبار!

تختخ: إن لدى «نوسة» فكرةً ممتازةً وبعض الاستنتاجات تؤيدها … إن «نوسة» تقول إنه من المؤكد أن العصابة حصلت على المفاتيح الأصلية للخزينة وقلَّدَتها … وبما أن تحرياتكم تؤكد أن الأستاذ «نزيه» أمين الخزينة رجلٌ فوق مستوى الشبهات … فلا بد أن شخصًا آخر هو الذي أوصل هذه المفاتيح إلى العصابة!

المفتش: فكرة معقولة … ولكن من هو الآخر؟ … إن أمين الخزينة يؤكد أن المفاتيح لم تغادر جيبه مطلقًا.

تختخ: لقد تحرينا هذه المسألة، واتضح أن الأستاذ «نزيه» أمين الخزينة قام بإجازةٍ في الشهر الماضي، وسلَّم مفاتيح الخزينة لموظفٍ يُدعى «جلال»، ولا بد أن «جلال» هذا هو الذي سلَّم المفاتيح للعصابة. أليس هذا معقولًا؟

المفتش: معقول جدًّا … ونحن نستطيع القبض على «جلال» هذا في دقائق، وعن طريقه يمكن الوصول إلى العصابة!

تختخ: تمامًا … ولكن «جلال» في إجازة!

المفتش: مسألة سهلة … فكل موظفٍ يقوم بإجازةٍ لا بد أن يترك عنوانه في المكان الذي يقضي فيه إجازته حتى يمكن استدعاؤه في أي وقت، وسوف أطلب الآن الشركة وأعرف منها عنوان «جلال».

تختخ: هناك شيءٌ أخشاه!

المفتش: ما هو؟

تختخ: إنك لن تجد «جلال» في أي عنوان … فلا بدَّ أنه أخذ نصيبه من الغنيمة وهرب!

المفتش: على العكس؛ فغيابه سوف يُحيطه بالشبهات أما عودته فدليل براءته … فإذا كان ذكيًّا فسوف يبقى في مكانه، وعلى كل حالٍ سوف نبدأ في البحث عنه حالًا.

تختخ: ومن ناحيتي فإنني أبحث بطريقةٍ أخرى … وإن كنت حتى الآن لست متأكدًا منها … وسوف أخطرك إذا جدَّ جديد.

المفتش: وأنا أيضًا.

تختخ: إلى اللقاء إذن يا سيدي المفتش.

المفتش: إلى اللقاء.

وعاد «تختخ» لغسل وجهه، وارتدى ملابسه، واستعد للخروج بعد أن تناول إفطارًا خفيفًا، وشرب الشاي.

ذهب «تختخ» لمقابلة الأستاذ «كرم» في منزله؛ فقد كان يريد أن يعرف ما إذا كانت العصابة قد ظهرت مرة أخرى أو لا … واستقبله الرجل مرحِّبًا وقال: لقد ظهروا مرةً أخرى أمسِ ليلًا!

تختخ: أمس ليلًا!

كرم: نعم … في الثالثة صباحًا بالضبط ولكنهم لم يدخلوا الفيلا … لقد مروا بالحديقة فقط … ويبدو أنهم كانوا يريدون الاطمئنان على شيءٍ فيها.

تختخ: ماذا تقصد بالضبط؟

كرم: إنني أتصور أن العصابة قد أخفَت النقود في الحديقة وأن رجالها يحضرون للاطمئنان على وجود النقود في مكانها.

تختخ: وكانت الساعة الثالثة بالضبط؟

كرم: نعم، لقد نظرت في ساعتي وتأكَّدت من موعد حضورهم.

تختخ: في هذه الحالة لا بد من عمل كمين لهم.

كرم: إنني أفكر بطريقةٍ أخرى … ما رأيك أن نقوم نحن بتفتيش الحديقة … فقد نعثر على النقود المسروقة.

تختخ: هذه فكرةٌ ممتازة … وفي استطاعتنا أن نستعين بأصدقائي الأربعة في البحث والحفر.

كرم: يكفي واحد فقط … ومن الأفضل أن يتم هذا ليلًا؛ فمن غير المعقول أن نقوم بالحفر نهارًا أمام كل الناس وإلَّا كنا مجانين.

تختخ: طبعًا، وما هي الساعة التي تفضِّل أن نحضر فيها؟

كرم: منتصف الليل، وسنعمل بهدوءٍ حتى لا يسمع الجيران شيئًا، وأرجو ألا تخطر أحدًا سوى صديقك الذي سيأتي معك؛ فقد يتسرَّب الخبر إلى العصابة ويجب أن نكون حذرين أليس كذلك؟

تختخ: طبعًا!

وخرج «تختخ» واتجه فورًا إلى منزل «عاطف»، وروى للأصدقاء الحديث الذي دار بينه وبين «كرم» وحذرهم من التحدث إلى أي شخص بما حدث، ثم طلب من «محب» أن يصحبه في منتصف الليل إلى الشارع المسدود لمقابلة الأستاذ «كرم» والاشتراك في الحفر.

قال «عاطف»: وأنا؟

وقالت «نوسة»: وأنا؟

وقالت «لوزة»: وأنا؟

ورد «تختخ»: بالنسبة ﻟ «نوسة» و«لوزة» من الصعب أن تخرجا من المنزل في منتصف الليل، فلن تجدا عذرًا مناسبًا … أما «محب» فيستطيع، وكذلك «عاطف».

عاطف: وما هو دوري؟

تختخ: مطلوب منك أن تحضر إلى الفيلا التي سنحفر في حديقتها الخلفية، وليكن موعد وصولك بعد منتصف الليل بنصف ساعة فإذا وجدتنا نحفر، فراقبنا من بعيد … فإذا لم تجدنا في الحديقة، فعليك بالذهاب جريًا على الشاويش «فرقع» وإحضاره معك، واطلب منه أن يتصل بالمفتش «سامي» في أي مكان يكون!

عاطف: ولكن إذا لم تكونوا في الحديقة فأين تكونون؟!

تختخ: أعتقد أننا سنكون داخل الفيلا!

عاطف: ولماذا لا نتصل بالمفتش «سامي» من الآن؟

تختخ: إن خطتي قد تكون كلها مجرد خيال … ولا داعي لأن نحضر المفتش «سامي» في وقتٍ غير مناسب … وكذلك إذا أخطرنا الشاويش «فرقع» من الآن، فقد يعدها نكتة أو مقلبًا دبرناه ضده، وأنتم تعرفون الشاويش «فرقع» … فهو يتصور باستمرارٍ أننا نعطله عن أداء واجبه، ولكن إذا ذهبت إليه في منتصف الليل فسوف يتأكد أن المسألة خطيرةٌ وسوف يحضر فورًا.

عاطف: ولكن ما هي خطتك يا «تختخ»؟

ابتسم «تختخ» وهو يقول: إنها مفاجأة لكم جميعًا … بل هي مفاجأة لعدد كبير من الناس، هذا إذا تم كل شيء كما أتصوره، ولكن قد لا يحدث شيء مما أتوقع … وعلى كل حال لم يبقَ سوى ساعاتٍ وتعرفون كل شيء!

نوسة: إنك غامض جدًّا يا «تختخ»!

تختخ: إن القضية كلها غامضة، ومثيرة، فلتكن نهايتها أكثر إثارة … وسوف تعجبون بي كثيرًا إذا حللت هذه القضية على طريقتي، أو قد تضحكون من سذاجتي وبلاهتي حتى تموتوا من الضحك!

لوزة: إن هذا شيء مثير حقًّا!

وفي هذه اللحظة جاءت الشغالة تستدعي «تختخ» لتليفون مع المفتش «سامي»، فأسرع «تختخ» إلى التليفون.

قال المفتش: لقد صحَّت فكرتك … فهذا الموظف المدعو «جلال» والذي كان مسئولًا عن الخزينة في غياب الأستاذ «نزيه» ليس موجودًا في أي مكان!

تختخ: اختفى؟

المفتش: نعم اختفى تمامًا … لقد ترك عنوانًا غير صحيحٍ وبحثنا عنه في منزله وفي كل مكانٍ فلم نجده … إن حل القضية كلها في يده!

تختخ: وقد نحلها بطريقةٍ أخرى!

المفتش: كيف؟

تختخ: لا أريد أن أقول لك الآن ولكن بعد منتصف الليل بنصف ساعةٍ قد يصلك تليفون من «عاطف» فكن مستعدًّا للحضور!

المفتش: إن المسافة بين المعادي والقاهرة بعيدة، وقد تكونون في خطر … فلماذا لا أكون قريبًا منكم في المعادي؟

تختخ: لا بأس، فلتأتِ إلى المعادي، ولكن أحب أن أحذِّرك أن خطتي في كشف اللغز قد تكون غير صحيحة، ويكون حضورك بلا فائدة.

المفتش: ولماذا هذا الغموض؟

تختخ: إنها مباراةٌ في الذكاء بيني وبين العصابة، وأريد أن أكسب هذه المباراة! كما أنني أخشى إذا قلت لك خطتي أن تتدخل، وتشعر العصابة أنها مراقبةٌ فتضيع الفرصة.

المفتش: إلى اللقاء إذن!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١