مقدمة

إرهاصات في الأدب

عندما سافرت إلى مصر لأول مرة قبل سبعة عشر عامًا، حزمت بين أمتعتي ثُلاثية نجيب محفوظ، مؤرخ بلاده والأديب العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل حتى الآن؛ لذا أصبحت أعمال محفوظ من كلاسيكيات الأدب المصري منذ زمن طويل.1 وسواء كنتُ أتحدث مع نادل في الأقصر أو مع طالبات في الإسكندرية أو مع سائقي سيارات الأجرة في القاهرة أو مع ربات البيوت، فالجميع يعرفون محفوظًا، إلا أن أغلبهم لم يرَوْا سوى الأفلام المأخوذة عن رواياته، ولم يقرءوا إلا القليل من كُتبه. ورغم ذلك كان محفوظ أكثر الكُتَّاب المصريين شعبية على الإطلاق، بل كان بمنزلة الأيقونة. ثم ساءت الحال بالنسبة للأدباء الذين خلفوه؛ إذ لم يلحظ وجودَهم سوى النخبة المثقفة فحسب.

الأمر الذي دام حتى حلول الألفية الجديدة؛ عندئذٍ تبدَّلت الحال كلها فجأة، حين أصبحت رواية علاء الأسواني «عمارة يعقوبيان» حديث المدينة، حتى إن الشباب الجالسين في أحد المقاهي نصحوني بقراءتها مردِّدين الكلمات التالية: «عندما تقرئينها ستفهمين مصر.» ثم صدر كتاب خالد الخميسي «تاكسي» ليصبح بدوره الأكثر بيعًا. وعنه يقول رجل شاب لم يُمسك في يده بكتاب من قبلُ طواعية: «إنه كتاب سهل القراءة ويبعث على المتعة، كما أنه يتناول حياتي ويتحدث بلُغتي.» وفي السنوات التالية ظللت أستكشف روايات أخرى؛ كي أغوص معها في فلك ثري لعالَم يبدو لي غريبًا ومألوفًا في الوقت نفسه، فيه أرى مصر وأسمعها وأشعر بها تنبض وتئنُّ وتشكو، بل وتضحك أحيانًا. أثناء القراءة أعايش كيفية لمس الفساد والنفاق وإساءة استخدام السلطة في الحياة اليومية للأناس البسطاء، مِن مُدرِّسات وأمهات وحُرَّاس عقارات وسائقي سيارات الأجرة؛ عندئذٍ أتعجب من إمكانية صدور مثل هذه الكتب دون الخضوع للرقابة. ومنذ سنوات وأنا ألتقي هؤلاء الأدباء والأديبات، بدءًا من منصورة عز الدين، مرورًا بنوال السعداوي، وصولًا إلى مجدي الشافعي. وهم يحكون لي عن إحباطهم ويأسهم ويصفون كذلك استراتيجياتهم في المقاومة لينتهيَ الحديث بالنقد الصريح لمبارك وشلته. وعندما انفجر غضب الملايين المكبوت في يناير عام ٢٠١١ لتندلع المظاهرات بأعداد غفيرة غير مسبوقة، تذكَّرت هذه الروايات وتلك الحوارات، ثم اتضح لي أن مصر كانت على شفا الانفجار منذ فترة طويلة؛ فالأدباء لم يتنبَّئُوا بذلك، بل تفاجَئُوا به هم أنفسهم، إلا أن أدبهم أشار إليه مثلما يفعل جهاز استشعار ما قبل الزلازل. يهدف هذا الكتاب إلى إلقاء الضوء على الكثير من الانتفاضات الأدبية الصغيرة التي لمست الاستعداد للتمرد في ظل أزمات القراءة المتنامية.

•••

والآن وبعد مرور سنتين، فقد زالت سكرة الشعور بالمرارة. «ثورة؟! أي ثورة؟!» هكذا تساءل بدهشةٍ المدوِّن كريم عامر الذي تعرَّض للحبس طوال أربعة أعوام في عهد مبارك، كما واجه تهديدات الإسلاميين له بالموت بعد مبارك فاضطُر لمغادرة البلاد. هل تحوَّل إذنْ كل شيء للأسوأ؟ فقد تزايد العنف ضد المرأة في الأماكن العامة، بل وصل الأمر إلى درجة الاغتصاب الجماعي في ميدان التحرير. وراح المحامون الإسلاميون يلاحقون الفنانين قضائيًّا بتهمة التجديف والازدراء، كما أعلن أحد شيوخ الدعوة السلفية ومشايخ الأزهر عقب اغتيال أحد رموز المعارضة التونسية وجوبَ تطبيقِ الحدِّ على قيادات المعارضة المصرية، ومن بينهم عمرو موسى ومحمد البرادعي؛ وفقًا للشريعة الإسلامية. هل هذه هي ثمار الثورة؟! ما يُطلَق عليه اليوم اسم «ثورة» ليس إلا بداية لعملية طويلة ومرهقة. وفي ظل نشوة الفرحة بسقوط مبارك كان البعض يعتقد أن كل شيء سيتحسَّن الآن، ولم يُدركوا أن مفهوم ما هو جيد لدى طالبة علمانية يختلف عنه لدى سائق حافلة متديِّن. وعندما رأى الإسلاميون الذين كانوا يعملون في الخفاء حتى ذلك الوقت أن وقتهم حان؛ فهم لم يفوزوا بأول انتخابات برلمانية بعد مبارك فحسب، بل إن رئيس البلاد جاء من صفوفهم، اعتبر الكثير من الليبراليين واليساريين والعلمانيين وشباب الثورة المصرية ذلك بمنزلة الصفعة على وجوههم؛ فقد سُرِقت منهم الثورة؛ هكذا كانت شكواهم. بل إن مفهوم الثورة في حد ذاته فقدَ معناه؛ فالناس يتحدثون اليوم في صحوة عن التمرد؛ انتفاضة شعبية، تمرد أو ثورة. ماذا يقول الأدباء الذين تظاهروا في ميدان التحرير وهتفوا عاليًا مطالبين بالحرية، والكرامة، والعمل، والديمقراطية؟!

بالرغم من انعكاس انتفاضة عام ٢٠١١ الشعبية في الكتابات الشبيهة بالمذكرات أو في المدونات، فإن الأحداث لا تزال حديثة وغير ناضجة بعدُ كي تُصاغ أدبيًّا. ولكن الأدباء الذين يقدِّمهم هذا الكتاب يوضِّحون أن التمرد والثورة كانا يتشكلان منذ سنوات، وأنهما لم يُحقِّقا أهدافهما بَعْدُ. لقد كررت زياراتي لستة عشر كاتبًا وكاتبة ممن شاركوا — بوصفهم مواطنين ناشطين — في الاحتجاجات، أو كان لهم حضور طاغٍ في وسائل الإعلام الاجتماعية أو من خلال أعمالهم الأدبية ولا يزالون حتى اليوم؛ حيث حَاورْتُهم بشأن دوافعهم للكتابة ومشاكلهم مع الرقابة والرقابة الذاتية وبشأن تأثير الأدب؛ فأنا أعرف الكثيرين منهم منذ زمن طويل، بينما تعرفت على بعضهم أثناء هذا البحث الذي أجريته؛ لأن هناك مواهب جديدة تظهر باستمرار، كما تَجِدُ في مصر ضروبٌ أدبيةٌ حديثةٌ — مثل: روايات الرعب، والخيال العلمي، والجرافيك — جمهورًا لها. فالأدب ليس بسلاح، والكُتَّاب ليسوا واضعي استراتيجيات أو محاربي شوارع أو سياسيين؛ أي إنهم لا يمكنهم إنقاذ العالم، إلا أنهم يمكنهم أن يحكوا، وأن يصفوا عالمهم، ويضعوه محل تساؤل ويسخروا منه، وهكذا يجعلونه قريبًا منا؛ ومن ثَمَّ يمنح الأدبُ المصريُّ القُرَّاءَ في الغرب إطلالةً على الطبيعة الروحية والصراعات التي يعرفها القليلون، وليس بالإمكان أن تظهر في أيٍّ من الدراسات أو الإحصاءات، ولا بالإمكان أن نلمسها أثناء رحلات قصيرة على نهر النيل. كما أن الأدب ليس فقط بوسيلة لحوار الحضارات. ورغم ذلك كثيرًا ما يتهمنا بعض المثقفين العرب — يتهموننا نحن في الغرب — بأننا لا نبحث في أدبهم إلا عن تأكيدات لأحكامنا المسبقة، لا سيما تلك التي تفيد بأن المجتمعات في الشرق الأوسط تتسم بالفساد والتخلف والقمع؛ لذا يُقبل القُراء في الغرب على قصص الضحايا والغرائب الشرقية. وهو ما أضع في مواجهته حقيقة مفادها أن الرأي العام العالمي لم يسبق وأن كان مهتمًّا بمصر طوال العقود الماضية مثلما كانت الحال أثناء أسابيع الانتفاضة الشعبية، عندما أسقط الشعب المصري حاكمه الديكتاتور؛ إذ لم يسبق وأن تُرجِم هذا العدد من الروايات العربية إلى لغات أوروبية مثلما هي الحال خلال السنوات الماضية، ولم يكن من بينها روايات تؤكد أيًّا من الأحكام المسبقة، بل كانت روايات تنبض بالحياة وروح الدعابة أو اليأس، بل وينطوي السرد فيها على السخرية، تصف كيف يحلم الناس في هذه المنطقة ويكرهون ويأملون ويفكرون ويحبون. تحديدًا هذه الروايات هي التي تناولتها في هذا الكتاب؛ حيث يتحدث مؤلفوها عنها.

وأنا أتوجه بالشكر إلى الكُتَّاب المصريين الذين ألهموني من خلال رواياتهم وحواراتهم معي أثناء العمل في هذا الكتاب؛ فقد كانوا يتيحون الوقت دائمًا للقائي حتى في أشد الأوقات ضيقًا أثناء الثورة، حين كان مئات الصحفيين ينشدون إجراء أحاديث معهم، كما أشكر فيرنر شويرير وسيبيله شتام وأنا تريكسل الذين راجعوا أجزاءً من الكتاب بقراءتهم النقدية، وزوَّدوني بملاحظات ونصائح، وشجعوني بحماسهم لموضوعه، كذلك أشكر مايا جوسبرتي على أفكارها بشأن تصميم الجرافيك لغلاف الكتاب، وختامًا أتوجه بالشكر لأمي التي قرأتْ أوائل فصول الكتاب في مراحله الأولى، وظلت تسألني: «متى سينتهي العمل به؟»

سوزان شاندا
مارس ٢٠١٣

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠