التحرير بؤرة الأحداث: من المكتب إلى الشارع

يقع مقهى «زهرة البستان» في زقاقٍ جانبي مُعبَّق بالأتربة ليس بعيدًا عن ميدان التحرير، مشكِّلًا نقطة الملتقى المفضَّلة لأرباب المشهد الثقافي والنخبوي في القاهرة. ومع اشتداد وتيرة التظاهرات واحتدامها، كان غالبًا ما يُشكِّل ملاذًا للكثيرين. اسمه «زهرة البستان» لا يمتُّ إلى واقعه بصلة؛ إذ لا يُرى هنا أي أثر لا للبستان ولا حتى للزهور. تتزاحم على الأنف روائحُ عوادم السيارات وزيوت المحرِّكات؛ وفي هذه الأجواء يترعرع الأدب وأبطاله. مثالُ ذلك الشخصيات الممتلئة بالعنفوان في سلسلة الكوميكس الممنوعة «مترو»1 لراسمها مجدي الشافعي، أو رواية «تغريدة البجعة»2 المُطعَّمة بالرثاء وتعاصف المشاعر لكاتبها مكاوي سعيد. بعضُ رواد المقهى بات الْتِقاؤهم هنا يوميًّا ضرورةً من ضرورات الحياة؛ إذ يعدُّون المقهى امتدادًا لغرفة معيشتهم الخاصة. من الشوارع الرئيسية المجاورة تتناهى إلى أسماع الرواد أصواتُ آلات التنبيه وصرخاتُ السباب والمشاجرات، ومن النوافذ المطلَّة تهبُّ نغماتُ الموسيقى العربية الشعبية الرائعة، وعلى كلا جانبَي الزقاق تصطفُّ طاولاتٌ معدنية صغيرة مهتزة تُجاورها كراسٍ بلاستيكية، تُعطي مُطلَق الحرية للجالسين عليها لتوزيع النظرات على الكل، الذين يمرُّون سريعًا والذين يَعلقون في الممر لوهلةٍ قصيرةٍ ثم يمضون. الكلُّ هنا يعرف بعضُهم بعضًا، وهم في مُجملهم كُتَّاب وفنانون وصحافيون ومعارفهم. يحتسي روَّادُ المقهى القهوة التركية أو الشاي أو الليمون المُحلَّى بالسكر، ويُدخِّنون النرجيلة أو السجائر. من لا يضع هاتفه على أذنه بالفعل، فإنه يُبقيه في متناول يده على الطاولة. الجو صحوٌ في هذه الظهيرة من شهر نوفمبر ٢٠١١م. كنا نرتدي المعاطف والقُبعات ونلتحفُ بالشِّيلان حول أعناقنا، نتجاذبُ أطراف الحديث عن الثورة والأدب، عندما أقبل علينا الناشر محمد هاشم؛ وهو كاتب وناشط سياسي، عنيد الطباع، ويُمثِّل القلب النابض لدار «ميريت» للنشر. وبغية تأسيس هذه الدار، استدان هاشم مبالغ ماليةً ضخمة، لم يقدر على سدادها إلى يومنا هذا، على الرغم من أن دار «ميريت» قد نشرت لعديد الكُتَّاب اللامعين من أمثال: علاء الأسواني، وأحمد العايدي، ومنصورة عز الدين. منذُ أعوامٍ لم تَعُد الدارُ محلَّ عمله فقط، وإنما أصبحت في الوقت نفسه ناديًا تحتدم فيه النقاشاتُ الأدبية والسياسية. اشتُهِر محمد هاشم بجرأته كناشرٍ على التصدِّي للأعمال الأدبية التي تتجاوز حدود المألوف والمسموح، والكتب التي يتهدَّدها خطرُ الحظر والمصادرة. وقد خصَّصت مجلةُ «إيه بابليك سبيس» الأمريكية في العام ٢٠٠٩، ملفًّا بلغ تعدادُ صفحاته الخمسين، تناول المشهد الأدبيَّ المتفتِّح بفضل محمد هاشم.3 علاوةً على ذلك، كان هاشم عضوًا نشطًا في حركة «كفاية»، التي ما فتئت تحشدُ لمظاهراتٍ ضد نظام مبارك منذُ تأسيسها في العام ٢٠٠٤. وكان أعضاءُ مجموعة «كُتَّاب من أجل التغيير» — التي انبثقت عن كفاية — يلتقون بانتظامٍ في حجرات مكتبه. يحكي هاشم عن هذا قائلًا: «كانت الدارُ من البداية بمنزلة حلبةٍ كبيرة. الأشخاصُ أنفسهم الذين كانوا يشاركون في المظاهرات، هم الذين يتواصلون بشكلٍ مكثَّف عبر الإنترنت وفي اجتماعنا اليوميِّ في حجرات المكتب.»

تنشر دار «ميريت» في المعتاد من ستين إلى سبعين كتابًا في العام، أغلبها في طبعاتٍ قليلة العدد تتراوح بين ألف وثلاثة آلاف نسخة. هذا العامَ تراجع الإنتاجُ بشكلٍ ملحوظ. منذُ اندلاع الثورة، كان كثيرٌ من الكُتَّاب في ميدان التحرير يوميًّا تقريبًا. اليوم تُشكِّل السياسةُ معالم الحياة في مصر، وهكذا كان الوضعُ أيضًا بين النخب. وكان لهذا أثره في تواري الإبداع الأدبيِّ عن الواجهة. أيُّ تأثير كان للتغيُّرات الحادثة في مصر على الكتب الناشئة؟ سؤالٌ أودُّ معرفة الإجابة عنه من محمد هاشم. هل بالفعل هناك شيءٌ يسمَّى أدب الثورة؟! يُجيبُ متشككًا: «الأدبُ الذي يتناول سقوط جدار برلين لم يُكتَب حتى يومنا هذا. أنا لا أعتقد أن الثورة تفرز أدبًا جيدًا بشكلٍ مباشر، لكننا سنرى.»

سيرًا على الأقدام، نُولِّي وجهنا شطر دار النشر، التي تبعد عن هنا بشارعين فقط. في الطابق الثاني من مبنًى يحوي مكاتب، لا يبدو لافتًا للنظر في شارع قصر النيل، وبالكاد يبعد مائة متر عن التحرير، تمكنَّا أخيرًا أن نترك خلفنا ضوضاء الزحام في القاهرة، تلك الضوضاء التي تُخرجك عن شعورك، وها نحن نستنشق هواءً نقيًّا. في الغرفة الأولى، اختفى حائطان تمامًا خلف مجموعة من كتب دار «ميريت» المعروضة للبيع. إلى جوار ذلك، تستقرُّ صورة مركَّبة ضخمة الحجم، تُظهر الرئيس السابق حسني مبارك على متن طائرةٍ تستعدُّ للإقلاع، ومعه خاتمٌ على جواز سفرٍ مؤرَّخٌ بيوم الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١؛ تاريخ اليوم الذي اندلعت فيه شرارة الثورة ضده. أما في مكتب هاشم، فتجري مناقشةٌ حاميةُ الوطيس، تتناول هجومًا لفظيًّا شنَّه إسلاميون ضد سيداتٍ غير منتقباتٍ في جامعة تونس. والمعروفُ أن تونس أكثر ليبراليةً من مصر، وشبابها أكثر ثقافة وتحررًا. وهنا كان السؤالُ الذي راود عديدَ الحاضرين: إذا كان الإسلاميون هناك يسيرون على هذا النحو، فكيف سيبدو الوضع هنا مستقبلًا؟ مصر دولة فقيرة، وكثير من الأشخاص الذين يقبعون تحت خط الفقر مقتنعون أن: «الإسلام هو الحل». هكذا تَعَنْوَن شعارُ جماعة الإخوان المسلمين، التي أرست لها قاعدةً كبيرةً من الداعمين بفضل تقديمها المساعدات للمحتاجين على مدار أعوامٍ طويلة، في حين — وعلى العكس من ذلك — أهمل نظامُ مبارك الفقراء، بتبنِّيه وجهة النظر الرأسمالية واتباعه للغرب على طول الخط.

على فتراتٍ زمنيةٍ تفاوتت في قِصَرها، انفتح البابُ مراتٍ عديدة، ودائمًا يدلف إلى الدار كُتَّاب وكاتبات من كل حدبٍ وصوب. وقد شارك أيضًا الروائيُّ عادل المايري في النقاش الذي تناول التحوُّل في المجتمعات العربية. إنه أحد أفراد الأقلية المسيحية في مصر، قضى عشرة أعوامٍ من عمره في فرنسا، ويتحدَّث الفرنسية بطلاقة. نجاحُ الإسلاميين في الانتخابات كان سببًا في شعوره بالقلق: «قبل عدة أيامٍ، قال أحدُ السلفيين إن كل الأعمال الأدبية للأديب المصري الحائز على جائزة نوبل، هي أعمال بغاءٍ وعهر، وإن من يقرأ نجيب محفوظ، يتبادر لديه انطباعٌ بأن مصر ما هي إلا دارُ فسقٍ وفجور؛ ولهذا السبب لا بد من حظر هذه الكتب. يا له من عبث!» كان محمد هاشم في هذه الأثناء قد ارتكن إلى مكتبه وأخذ يضرب بأصابعه على لوحة مفاتيح حاسوبه الشخصي. بين الحين والآخر، كان يُلقي بملحوظةٍ في دائرة النقاش أو يعلو صوته بالضحك لنكتةٍ أُلقِيَتْ، ثم يُعاودُ العمل مجدَّدًا.

لم يمضِ على ذلك سوى أيامٍ قلائل، حتى ألقى المجلسُ العسكريُّ الحاكم القبضَ عليه واتَّهمه بتوزيع الخوذات والأقنعة المضادة للغازات على المتظاهرين، وهذا يُعَدُّ بمنزلة تحريضٍ ضد الجيش. ردَّ هاشم بدعوى قضائية مضادة، وسُمِعَتْ أقواله التي أبدى فيها فخره بدعم الشباب المصريِّ الثائر ضد القوة المفرطة من جانب المجلس العسكري. ثم حصل عام ٢٠١١ نظير خدماته الجليلة متعدِّدة الأوجه، على جائزة حقوق الإنسان التي يمنحها مركز الشعراء والكُتَّاب والروائيين الألماني. وأفادت الحيثيات بأنه يتسم بشجاعة كبيرة بوصفه ناشطًا سياسيًّا، ومحبٌّ للمخاطرة بوصفه ناشرًا؛ لقد كان الوحيد الذي نشر رواية «عمارة يعقوبيان»4 للكاتب علاء الأسواني قبل عام ٢٠٠٢. وكانت اللحظة الفارقة التي حوَّلت ذلك الكاتب — الذي كان مغمورًا حتى ذلك الحين — إلى نجمٍ لامعٍ في سماء الأدب. وكان العديد من دور النشر الأخرى قد رفضت مسوَّدة الرواية قبل ذلك، بدعوى أنها «خطيرة للغاية».

نجم الميديا

علاء الأسواني هو الكاتب الأشهر والأنجح في مصر. منذ سنواتٍ وهو يضع برواياته ومقالاته السياسية إصبعًا على الجروح التي تنزف في البلاد. لم يحظَ أحدٌ بمثل ما ناله من شرف الحضور الدائم في ميدان التحرير والظهور المتواصل في وسائل الإعلام منذ اندلاع شرارة الثورة. لقد هاجم في إحدى حلقات التوك شو المُتلفزة على قناة «أون تي في» الخاصة، رئيسَ الوزراء الأسبق أحمد شفيق المعيَّن من قِبل مبارك في ٢٠١١، بلهجة شديدة أجبرت هذا الأخير على الاستقالة في اليوم التالي. حدث هذا في أوائل شهر مارس ٢٠١١. الآن وبعد عام، ألتقي الكاتبَ المشاكس في عيادته لطب الأسنان في حي جاردن سيتي، جنوب ميدان التحرير. هو ما زال يمارس مهنته الأساسية كطبيب أسنان، لكن على نطاقٍ ضيِّق، وقد اقتسم عيادته مع زميلةٍ له. إنها التاسعة والنصف مساءً وما زال هناك مرضى ينتظرون العلاج. وأخيرًا قدِم الكاتبُ متأخرًا بعض الشيء؛ إذ كان منشغلًا بحوار مُتلفز لفضائية الجزيرة حول الصراع بشأن الدستور الجديد للبلاد. وعن حضوره الطاغي في وسائل الإعلام يقول: «أنا أشارك في النقاشات التي تُجريها القنواتُ الخاصة، فقط عندما أستشعر أنه من واجبي أن أشرح شيئًا ما.» في الصحف المستقلة، تبرزُ أيضًا وجوهٌ أخرى من الكُتَّاب، منهم: أهداف سويف، وبهاء طاهر، وجمال الغيطاني، وسحر الموجي، وخالد الخميسي، ويوسف زيدان. لكن الأسواني يظهر على الشاشة أيضًا، ويشرح السبب في ذلك قائلًا: «تصلُ تعليقاتي وأعمدتي التي أكتبها في أنجح اليوميات المصرية — صحيفة «المصري اليوم» المستقلة — إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين قارئ، ناهيك عن الاقتباسات والنشر الإلكتروني. هذا العدد ضئيلٌ جدًّا إذا ما قُورِن مع التعداد السكانيِّ الذي يبلغ قرابة ٨٥ مليونًا؛ ومن ثَمَّ فهو لا يُسبِّب أي نوعٍ من القلق للسلطة، ولن يُؤثِّر على مُضيِّها قدُمًا في سياساتها. لكن الحكومة تراقب برامج التلفاز بصرامةٍ شديدة؛ إذ لا تهاوُن مع هذه البرامج التي تصل إلى جمهورٍ عريضٍ من المشاهدين، يتراوحُ بين ثلاثين وأربعين مليونًا. ولهذا السبب يُمارَس ضغطٌ عنيف على مالكي القنوات الخاصة. على الجهة المقابلة، تُدارُ القنواتُ الحكوميةُ من بابها على أيدي عناصر قوات الأمن، وهناك يُلقَّن الصحفيون جيدًا ما عليهم قوله حين ظهورهم على الشاشة. كان هذا أيام مبارك، وهو النهجُ نفسه المتبَع الآن.»

أما حقيقة أن الأسواني يستطيعُ حتى الآن توجيه النقد للسلطة دون أن يُعاقَب على ذلك، فهو لا يعتبرها علامةً على حرية التعبير في مصر؛ إذ يقولُ إن وسائل الإعلام الحكومية ليست على وفاقٍ معه، كما أن وسائل الإعلام الخاصة ليست حرة هي الأخرى. صحيحٌ أنه لا يتدخَّل أحدٌ في نصوصه أو في الحلقات المُتلفزة التي يُشارك فيها، إلا أن وسائل الإعلام الخاصة غالبًا ما تُجبَر على إجراء الرقابة الذاتية: «رجلُ أعمالٍ يمتلكُ قناةً تليفزيونية ويستضيفُ الأسواني في حوارٍ على شاشة هذه القناة، وفجأةً يُتَّهَم بأن إحدى شركاته أو مشاريعه تُخالف القانون. حينها لن يُقرَّ أحدٌ بأن هذا يأتي كعقوبةٍ على خلفيةِ حلقةٍ تليفزيونية تنتقدُ النظام. لقد حدث هذا بالفعل مع رجل أعمالٍ، تربطني به علاقة صداقة.»

شارك علاء الأسواني عام ٢٠٠٤ رفقة قوًى ليبرالية أخرى في تدشين حركة كفاية، ووهب نفسه للحشد من أجل تأسيس حركتَي «كُتَّاب من أجل التغيير» و«أطباء من أجل التغيير». عايش بنفسه عددًا لا حصر له من المظاهرات، سرت جميعها على النسق نفسه: عدة مئات من المتظاهرين يتجمَّعون، فيفرِّقهم آلافٌ من رجال الشرطة؛ لهذا فهو لم يكن يتوقَّع حدوث شيءٍ خارقٍ للعادة، عندما كان يدعو جموع الشعوب إلى مواصلة الخروج في تظاهراتٍ ضد النظام في ٢٥ من يناير ٢٠١١ يوم عيد الشرطة، كان يعكف حينها على روايةٍ جديدة له. بكل هدوءٍ ووداعة كان قد أنهى الفصل الافتتاحي، ثم تناول شيئًا سدَّ به رمقه ونزل إلى الشارع؛ كي ينضمَّ مع رفاقه إلى قطار التظاهرات. وكان ما رآه شيئًا يفوقُ الوصف: مئات الآلاف من البشر يتحرَّكون ببطءٍ شديد صوب ميدان التحرير. تشير عقارب الساعة إلى الخامسة عصرًا. لم يكن ذلك سوى البداية. قضى الأسواني الأيام الثمانية عشر التالية — وحتى الإطاحة بمبارك — في ميدان التحرير بصورةٍ يومية تقريبًا، ألقى خطابات، وأجرى حوارات، واحتفل. قبل ذلك بعامٍ على وجه التحديد، كان قد خطَّ بقلمه في عمودٍ له بجريدة «الشروق» اليومية المستقلة، سيناريو الثورة: «لكن إذا خرج مليون مصري في تظاهراتٍ عارمةٍ في الشوارع أو نفَّذوا حالة إضراب عام؛ إذا حدث هذا ولو لمرةٍ واحدةٍ فقط، فإن النظام لن يكون بوسعه إلا التجاوب مع مطالب الشعب. التغييرُ، حتى درجة معينة، هو أمر ممكن وليس بعيدًا، لكن علينا أولًا أن ندفع ثمن ذلك. سننتصرُ في هذه المعركة فقط عندما نناضل بعزيمة راسخة لننال حقوقنا، أيًّا كان حجم التضحية. الديمقراطية هي الحل.»5

هذه الجملة الأخيرة — التي يختم بها الكاتبُ أعمدته الصحفية منذُ سنوات — هي تحريف لشعار الإخوان المسلمين «الإسلام هو الحل». وبهذه الطريقة يُؤكِّد الأسواني على قناعته بوجود بديل يفوق الإخوان المسلمين. ومعنى أنه قد نشر هذا النص الذي تنبَّأ فيه بالثورة في ذلك الحين ولم يقع تحت طائلة القانون، هو أن النظام قد بات هشًّا بالفعل.

حضور الكاتب إلى ميدان التحرير عاد عليه باكتساب مودة الآخرين واحترامهم. ومع بدء معركة انتخابات الرئاسة في عام ٢٠١٢، تأسست على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك صفحةٌ بعنوان «الأسواني رئيسًا للجمهورية»، إلا أن الكاتب الذائع الصيت لم يودَّ معرفة شيءٍ عنها: «لقد اقترح عليَّ أصدقاء قبل ذلك بكثير أن أترشَّح لانتخابات البرلمان. وكنتُ لأحصل على تأييد كبير لو حدث ذلك، ولكنني أعلنتها صراحةً في التلفاز، أنني لن أترشح. علاوةً على ذلك، كانت هناك نقاشات ترمي إلى تقديمي مرشَّحًا لتولِّي حقيبة وزارة الثقافة، وقد أجبتُ على ذلك بالنفي حينها. أشعر أنني سأخدم الناس وأخدم مصر من موقعي ككاتبٍ أكثر من وجودي في منصبٍ سياسي. أنا أعرف حدودي جيدًا. لكنني بطبيعة الحال، أشمُّ رائحة نفاقٍ إذ أرى كل هؤلاء الناس يمنحونني ثقتهم. لقد عملتُ بكدٍّ واجتهاد كي أحقِّق هذا النجاح في عملي ككاتب.» هو يُوكِّد أنه ليس عالمًا في السياسة أو محللًا بدرجة محترف، وإنما هو كاتبٌ، وهو في وظيفته هذه يشعر بقربه من الناس. «أرى أن الكاتب والمثقَّف مرتبط بشعبه وبقيَمه الإنسانية. لا أقدرُ على تخيُّل كاتب يتقوقع خلف مكتبه ويسرد أفكاره، في حين أن هناك عشرين مليون إنسانٍ يتظاهرون في الشوارع ويناضلون من أجل الحرية. لا بد أن يمتلك الكاتبُ رؤيةً إنسانية. هنا أرى نفسي أسيرُ على خطى العظماء من الكُتَّاب من أمثال: جابرييل جارسيا ماركيز، وفيودور دوستويفسكي، وألبير كامو، وجان بول سارتر، وإرنست هيمنجواي. يجب على الكُتَّاب أن يأخذوا على عاتقهم أداء دور الطليعة المدافِعة عن القيم الكونية، وليس فقط تلك القيم المتبَعة في بلادهم.»

كان أهم تغييرٍ أحدثتْه الانتفاضةُ الشعبية هو أنها غيَّرت الأشخاص أنفسهم وثقافتهم ومشاعرهم ونظرتهم لأنفسهم. «المصريون لم يعودوا اليوم كما كانوا في السابق. لقد حطَّموا حاجز الخوف. هذا هو أهم شيء؛ لم يعودوا يخشَوْن وطأة القمع والقهر، لم تَعُدْ طريقة مبارك — التي تعتمدُ على استغلال خوف الناس — تُجْدِي نفعًا اليوم. ولهذا السبب أنا في قمة التفاؤل. لن يستطيع أحدٌ أبدًا أن يسلبنا هذا المكسب الذي حققناه. النظام يتعامل اليوم مع مواطنين يختلفون تمامًا عن أولئك الذين كانوا موجودين قبل الثورة.» إلا أن الأسواني يتحسَّر على ضياع الوقت الكثير بسبب أخطاء استراتيجية، وقعت أثناء معركة الإطاحة بالنظام القديم: «لقد وقع سوء تفاهم من البداية؛ حيثُ كان تنحِّي مبارك عن الحكم بالنسبة للثوار هو الخطوة الأولى للإطاحة بنظامه. واعتقدنا أن المجلس العسكري سيتولَّى تنفيذ هذه الخطوة نيابةً عنا. لكن في الحقيقة، كان المجلس العسكري يسعى وراء أهدافٍ أخرى مغايرة تمامًا؛ فبالنسبة إليه كان تنحِّي مبارك أمرًا ضروريًّا للإبقاء على النظام القديم. لقد انتظرنا من المجلس العسكري أن يحقق لنا أمورًا لم تخطر ببال قادته من الأساس. لقد حوَّل الثورةَ إلى انقلاب عسكري؛ لهذا كان كل ما حدث بعد ذلك هو نزاعًا وحيدًا بين إرادة الثورة وإرادة المجلس العسكري.»

كانت شكوك الأسواني ومخاوفه تجاه نوايا الجيش كبيرة، لدرجة أنه قُبيل انتخابات الإعادة على منصب رئيس الجمهورية، أعلن على الملأ أنه سيدعم مرشَّح جماعة الإخوان المسلمين. في أبريل ٢٠١٢، اشترك الأسواني مع محمد البرادعي — الحائز على جائزة نوبل للسلام — في تأسيس حزب الدستور، الذي تجمَّعت تحت لوائه قوًى ليبرالية وعلمانية. قدَّم الحزبُ نفسه على الساحة كبديلٍ لجماعة الإخوان المسلمين التي سيطرت على المشهد السياسي. كان الهدف الأكثر إلحاحًا بالنسبة للحزب، هو وضع دستور لكل المصريين، بغض النظر عن دياناتهم أو جنسهم. لكن النشاط السياسي للكاتب بات يطغى على حياته تمامًا؛ فدفعه ذلك إلى الإذعان إلى رغبته الملحَّة في مواصلة العمل ككاتبٍ بالأساس، وغادر الحزب وعاد إلى مكتبه بعد طول انقطاع كي ينتهيَ من روايته؛ تلك التي كان قد بدأها قبل اندلاع الثورة. وقد وَجدَت التجارب والخبرات التي جمعها من وجوده في الشارع انعكاسًا لها داخل الرواية، حسبما يقولُ المؤلِّف.

الثورة بوصفها تكليفًا

في نهاية فبراير ٢٠١٢ — وكان محمد البرادعي قد سحب للتوِّ رغبته في الترشُّح لانتخابات الرئاسة — أعلنت الكاتبة منى برنس على حسابها الخاص على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك عزمها خوض غمار المنافسة على أعلى منصبٍ في البلاد. عندما أدلت بتصريحات صحفية لها للنسخة الإنجليزية من جريدة «إيجيبت إندبندنت» اليومية الإلكترونية، قالت: «إنني سيدةٌ شابة، وأعوِّل على الشباب الذين يُكافحون من أجل التغيير. أغلبُ المُرشَّحين تجاوزت أعمارهم السبعين خريفًا. لا يُمكن أن يئُول مصير الثورة التي أشعلها الشباب إلى أن يحكم البلاد شخصٌ هرم.»6 لم تكن الكاتبةُ والناشطةُ ومُدرِّسةُ الأدب الإنجليزي — المولودة عام ١٩٧٠ — تنوي أبدًا الانخراط في السياسة، إلا أنه بعد انسحاب البرادعي لم تعُد ترى أحدًا من المُرشَّحين يُجسِّد الطموحات التي يرنو إليها جيلُها. كان هذا هو ما دفعها إلى أن تأخذ بزمام المُبادرة بنفسها: «نحنُ غالبًا ما نهتم فقط بمصالحنا الخاصة، ونسعى فقط من أجل تحقيق نجاحات على المستوى الشخصي، ونادرًا ما نعمل للصالح العام. وبعد ذلك نعود فنشتكي أن شيئًا من الواقع لم يتحرَّك قيد أنملة. لقد أردتُ أن أحطِّم هذا الجدار من السلبية وأسخِّر نفسي من أجل ألا تذهب أهدافنا من الثورة سدًى.» وتشعرُ منى برنس بالدهشة إزاء ظاهرة الألتراس، وهم المُشجِّعون الشباب لنادي الأهلي لكرة القدم؛ حيثُ إن أولئك الشباب هم من كانوا يتقدَّمون الصفوف في مواجهة الشرطة والبلطجية أثناء الانتفاضة الشعبية في ميدان التحرير. هؤلاء الشباب يُمثِّلون أملًا في المستقبل بالنسبة للكاتبة: «إنهم مجانين وأنا أعشقهم، إنهم حيويون وأقوياء وأحرار، هذا جيل جديد يأبى التسليم بالحدود، إنهم لا يخشَوْن شيئًا.» من واقع عملها مُدرِّسة في جامعة القاهرة، كانت في غالب الأحيان مُحبطةً من الإنجازات الضعيفة للطلاب ومن سلبيتهم. «أثناء الثورة تعرَّفتُ إلى جانبٍ مغايرٍ تمامًا للشباب، الجانب المُثابر والشجاع والمُبدع.» كانت هذه الخبرة المدهشة والمشجِّعة هي ما دفعت بها إلى تسخير نفسها للمجتمع بشكلٍ أكبر. وترشُّحها إلى منصب الرئاسة يحمل في طياته قيمةً رمزية بالمقام الأول: «أردت أن أحطِّم تلك الكليشيهات المحفوظة وأبيِّن أنه ليس فرضًا أن يكون رئيسُ الجمهورية رجلًا عجوزًا، وإنما يمكن أن يكون أيضًا امرأةً شابة، غير منتقبة، وذات شعرٍ أكرت.» كم تعشق منى برنس السباحة عكس التيار! وبهذه الطريقة تُرسِّخ لظهورٍ نسائي أكبر أمام الرأي العام. تقول: «أردتُ أن يعلم الناسُ أن هناك دائمًا خيارات بديلة إذا ما دقَّق المرءُ النظر قليلًا.» شعارها المُميز هو عنوان روايةٍ لها: «إني أحدِّثك لترى».7
لم يسجِّل جميعُ الكُتَّاب حضورهم عندما اندلعت الانتفاضة الشعبية ضد نظام مبارك؛ فبالنسبة للكاتبة أهداف سويف، فإنها كانت قد ارتحلت إلى لندن في مطلع السبعينيات بعد دراستها للأدب الإنجليزي في القاهرة؛ كي تتفرغ لكتابة أطروحة الدكتوراه هناك. وهناك أيضًا تعرَّفت إلى الرجل الذي صار شريك حياتها وما يزال. هي تقضي الشطر الأكبر من عامها في إنجلترا، البلد الذي يحتضنُ مدرسة ابنيها، وهو نفسه الذي شَهِد مولدها ككاتبة؛ رُشِّحت روايتها «خارطة الحب»8 لجائزة البوكر عام ١٩٩٩. لكنها تزورُ مصر بانتظام، وأحيانًا أكثر من مرة خلال السنة. في الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١ كانت في الهند لحضور مؤتمرٍ أدبيٍّ هناك. قبل ذلك بيوم قالت في مقابلة مع التليفزيون الهندي: «نتابع بمنتهى الإثارة ما يحدث في تونس. يتردد في الأصداء السؤالُ المخيف: هل ستتحرك مصر؟ ونسمعُ إجابات من قبيل: مصر كبيرة للغاية وعصيَّة. لكن، لم يحدث في مصر على الإطلاق هذا الكم من الاضطرابات على الصعيد المدني، كما هو الوضع في السنوات الخمس الأخيرة. وهذا مؤشر جيد.» بعدها بثلاثة أيام حطَّت طائرتُها الرِّحالَ في القاهرة، واتصلت من المطار بأختها كي تسألها عما إذا كان يُمكنها أن تتجه رأسًا إلى التحرير لو أن هناك تظاهرات في الميدان. إلا أنه، وعلى الرغم من خروج الوضع عن السيطرة في تظاهرات الإسكندرية والسويس، بقي الوضع هادئًا في العاصمة. «كانت القاهرة تحبسُ أنفاسها وتستعدُّ ليوم الجمعة.» هكذا كتبت أهداف سويف في يومياتها «القاهرة مدينتي … وثورتنا».9 ظلت دارُ النشر البريطانية المتعهدة للكاتبة تضغط عليها منذ سنوات لتأليف كتاب عن مسقط رأسها. إلا أنها كلما حاولت المُضيَّ قُدمًا في تأليف الكتاب أُصِيبَتْ بحالةٍ من الاكتئاب واليأس. هي لم تكن تودُّ أن يبدوَ كتابها أشبه بقصيدة رثاء، فهل حانت اللحظة المناسبة الآن؟ لكنها كانت ما تزال مُتردِّدة: «أردتُ أن أعيش الثورة وأن أساهم في تشكيلها، لا أن أكتفيَ بالكتابة عنها.» ثم ما كان منها إلا أن مكثت في القاهرة لتنجز المهمتين معًا؛ فشاركت في أحداث الثورة ونقلت أخبارها إلى وسائل الإعلام العالمية وسجَّلت يومياتها. وسريعًا تلاشت مشاعر الحسرة والألم التي كانت تعتمل داخلها: «مدينتي عادت إليَّ مجدَّدا.» في يومياتها تأخذنا معها عبر القاهرة الثائرة، وتصحبنا بمعية ابنتَيْ أختها إلى ميدان التحرير، إلى «مليونية»؛ وهو الاسم الذي يُطلَق على المظاهرات التي يتجاوز عدد المُشاركين فيها مليونًا. ما عايشته هناك — من تضامن كافة طبقات المجتمع باختلاف مشاربها السياسية، ومن الآمال التي كانت معقودةً هناك، ومن حالة الزخم الثوري، ومن حالة الوعي الجديدة بالذات، ومن شعور الإحساس بالمسئولية من قِبل أبناء وطنها — أثَّر فيها أيَّما تأثير: «هذه الملايين من البشر يبدون وكأنهم ماردٌ خرج من القمقم.» لكن وبنبرةٍ ملؤها الريبة أخذت تصف المشهد في مكتب أحد النشطاء، والذي تحوَّل إلى مركزٍ من مراكز الثورة: «هنا تتجمع أركانُ المعارضة لنظام مبارك. أغلبُ الحضور تتجاوز أعمارهم الخامسة والستين. كلهم يتحدَّثون في الوقت نفسه ولا يستمعون إلا إلى ما يريدون سماعه؛ ومن ثَمَّ يلتقطونه من فم قائله ويستأثرون بالحديث عنه. جالت بخاطري أفكارٌ غير ودودة تجاه هؤلاء: «هذه هي القيادة السياسية، التي فشلت».» وتتذكر أهداف سويف بمشاعر غير طيبة، تلك النقاشات التنظيرية العديدة التي أُجْرِيَتْ في العقود القليلة الماضية، ولم تُؤدِّ إلى نتيجةٍ تُذكَر. إلا أنه كانت هناك مجموعة من قادة الثورة الشباب مدعوَّة إلى حضور الاجتماع: «عندما دخلوا بعثوا في الحضور شحنةً من الطاقة. ستة شباب، كلهم في العشرينيات من عمرهم. كان تحرُّكهم أشبه بفريق كرة قدم. يتجمَّعون ويتشاورون سريعًا؛ ومن ثَمَّ يُعبِّرون عن كلمتهم بنظرةٍ أو بإيماءةٍ من الرأس. موجزون في حديثهم، متهكِّمون على ذاتهم، واثقون في أنفسهم، مهذَّبون. أرادوا أن يُبيِّنوا أنه دون كل هذه الاحتجاجات والكتابات النقدية وفعالية المعارضة الراسخة، ما كان لهم أن يفعلوا ما هم بصدد فعله اليوم: «لقد تعلَّمنا منكم.» هكذا أعلنوها صراحةً وسط الحجرة، «ونحنُ نبني على ما قدَّمتموه أنتم.» وران الصمت على الحضور. بعدها قال واحدٌ من كبار السن: «نحنُ نفعل ما أردتم أنتم فعله دائمًا».»

تتشارك أهداف سويف — المولودة عام ١٩٥٠ — مع كثيرين من أفراد النخبة ممن هم في مثل سنها، في الاندهاش والاحترام تجاه الجيل الشاب بفكره الجديد والمتطور، والذي أقدم على الاستخدام العقلاني لوسائل التواصل الاجتماعي في الثورة. واحدٌ من أولئك الناشطين الشباب، هو المُدوِّن الشهير — الذي سبق اعتقاله مراتٍ عديدة — علاء عبد الفتاح، الذي هو ابنُ شقيقتها. في ختام يومياتها، تترك أهداف سويف الكلمة لأربعةٍ من الناشطين الشباب. هنا يكتب علاء عبد الفتاح: «دعوكم من حديث الخبراء واسمعوا إلى الشعراء؛ نحن نعيش ثورةً حقيقية. تخلَّوْا عن حذركم وافتحوا صدوركم للمجهول؛ نحن نعيش ثورةً حقيقية. تناسَوا الحسابات وآمنوا بالحلم؛ نحن نعيش ثورةً حقيقية.»

بعد بدء الانتفاضة الشعبية بما يربو عن العام، الْتَقيتُ أهداف سويف في منزلها القديم الجديد في حي الزمالك التقليدي الراقي. حيث قالت لي ونحن في شرفة الطابق السادس: «عدتُ للعيش من جديد في الشقة التي ترعرعتُ فيها.» في الخلفية تُدوِّي أصوات السيارات المارة فوق الجسر المعلَّق الذي يخترق الحي الواقع في الجزيرة النيلية. أشياء كثيرة تغيَّرت منذ العام ١٩٧٣، وهو العام الذي شهد رحيل الكاتبة إلى إنجلترا. «منذ السابع والعشرين من يناير ٢٠١١، تحوَّل مركز حياتي من جديد إلى مصر. الآن أعيشُ بشكلٍ رئيس في القاهرة.»

لقد استدعتها تلك الأحداث التي لم تكن تخطر ببال أحد. الآن أصبح لديها مهمةٌ تُؤدِّيها، لا سيما أن تجعل من نفسها شيئًا مُفيدًا لمصر؛ حيث تقول في هذا الصدد: «لم أَعُدْ أتخيَّل أن أكون في مكانٍ آخر غير مصر؛ فالأشياء الحاسمة كلها تحدث هنا. كلٌّ يحاولُ في مجاله أن يقدِّم شيئًا مفيدًا. الثورة والمسار الذي تأخذه وتتطور فيه، هو نتاج كل الأشياء الصغيرة التي يفعلها كل واحدٍ منا؛ لذا من المهم جدًّا أن أكون هنا.» تنشر الكاتبة أهداف سويف عمودًا أسبوعيًّا في جريدة «الشروق» اليومية المستقلة، يتحوَّل إلى مادة للنقاش العام بمجرَّد نشره. إلى جانب ذلك، تُشارك بوصفها ناشطةً سياسية في فعاليات التظاهرات والمسيرات: «لأن شيئًا لم يكن ليحدث لو لم ينزل الناسُ إلى الشوارع بأنفسهم عندما يوجد سبب للتظاهر أو للتضامن مع شخص آخر، سأكون موجودةً هناك بنفسي. أنا على علاقة وثيقة بالشباب وبالرجال الأكبر سنًّا أيضًا، وأنا مُقتنعةٌ أنه لا بد من اتحاد الطرفين معًا. هذا ما أدعمه، ليس من مُنطلق كوني كاتبة، وإنما من مُنطلق شخصي وقدراتي الاجتماعية.»

منذ سنواتٍ تُكرِّس أهداف سويف نَفْسَها للدفاع عن حرية التعبير، وقد شاركت مثل علاء الأسواني ومحمد هاشم في رابطة «كُتَّاب من أجل التغيير»؛ إذ ترعرعت منذ صغرها ثنائية اللغة، وشرعت تكتب وتنشر اليوم على نطاق واسع باللغة الإنجليزية. ويُمكن العثور على كتبها في مصر مترجمةً بالعربية أيضًا. لم تُعانِ أبدًا من سيف الرقابة. فعلى عكس سنوات الستينيات والسبعينيات، عندما كان الكُتَّاب يُزَج بهم في المعتقلات أو يُنفَوْن من البلاد بسبب أعمالهم، فإن الرقابة اليوم باتت أكثر تسامحًا مع الأعمال الأدبية. لكن الأمر يختلف تمامًا مع الفنون التصويرية، مثل الأفلام والكوميكس؛ ففي مجتمعٍ تبلغ فيه نسبة الأمية ما يقرب من ٣٣٪،10 يكون لوسائل الإعلام المصوَّرة تأثير كبير للغاية؛ ولهذا، ما إن ظهرت رواية الكوميكس النقدية اللاذعة «مترو» لراسمها مجدي الشافعي عام ٢٠٠٨، حتى صُودِرَتْ وحُظِرَ نشرها. إلا أن الشافعي واصَلَ المسيرة، وشاركه عديدٌ من الرَّسامين وفناني الجرافيتي. عندما كان ملايينُ المصريين على وشك الإطاحة بالرئيس، ظهرت فجأةً رسوم الجرافيتي على كثير من الأسوار في الشوارع. كان ذلك شيئًا جديدًا. وعن هذه الظاهرة تقول أهداف سويف: «هذا شيء صحي ومُفرح للغاية. كان باستطاعتنا وقتها أن نُراقب كيفية تطوُّر رسوم الجرافيتي يومًا بعد الآخر. في البداية كانت مُجرد كتابات، ثم تحوَّلت إلى صورٍ لأشخاص، ثم إلى رسائل هادئة اللهجة، وصولًا إلى الجداريات الكبيرة في وسط المدينة، سواءٌ في ميدان التحرير أو في شارع محمد محمود الذي شَهِدَ كثيرًا من النزاعات. ثم أُزِيلَتْ هذه الرسومات. وذهب الأولاد إلى هناك وكتبوا: «شكرًا، على الحائط الأبيض المُناسب للرسم.» وعاودوا الرسم عليه من جديد. وتُعتبَر رسوم الجرافيتي هذه أكثر ما يُعبِّر بجلاء عن حالة حرية التعبير في أيامنا تلك. إنها المعركة نفسها دائمًا وأبدًا، ولكن نحن الآن في موقعٍ مختلف؛ لأن الناس باتوا ببساطةٍ يخرجون إلى الشارع ويفعلون ذلك بأنفسهم.»

مع الإطاحة بمبارك عادت المشاهد الثقافية التي أُخْفِيَتْ قسرًا من قبل، لتطفوَ على الواجهة العامة من جديد، بعد أن كانت من المحرَّمات منذ العمل بقانون الطوارئ عام ١٩٨١. وهكذا تعاونت مجموعة من صنَّاع الثقافة من مُختلف المجالات ونظَّموا مهرجانًا ثقافيًّا شهريًّا، سَمَّوْه «الفن ميدان». كلمة الميدان أيضًا تحمل في طياتها معنًى إضافيًّا يشير إلى «ميدان المعركة»، وهو ما يُؤكِّد على المطلب النضالي للاحتفال. يُنظَّم المهرجان كل شهرٍ في عدة مدن مصرية. اجتذبوا إليهم جمهورًا عريضًا من خلال حفلات فرق البوب والراب المصرية، وتنظيم ورش الرسم والتلوين للأطفال والشباب. هناك كانت تُرى السيدات المنتقبات تمامًا إلى جوار المراهقات المرتديات للجينز الضيق. إلا أنه أحيانًا كانت تقع أيضًا استفزازات من بعض المتحرِّشين، كما حدث في شهر أبريل ٢٠١٢، حسبما تحكي أهداف سويف: «هُوجِم المهرجان من البلطجية، الذين جاءوا مرَّتَيْن أثناء النهار واستطاع الرجالُ طَرْدَهم، ثم عاودوا الكرَّة ليلًا. ولدى آخر فقرات «فرقة إسكندريلا»، اعتلى أحدُ الأشخاص خشبة المسرح وفي يده سكين، وصرخ بصوتٍ جهير أن على الجميع المغادرة. انضمَّ إليه آخران، مُسلحان مثله بالسكاكين. لكن كان هناك مئاتٌ من النشطاء وزوَّار المهرجان استطاعوا الإيقاع بالثلاثة وأوسعوهم ضربًا، ونقلوهم إلى إحدى نقاط الشرطة — التي من المُحتمل أن تكون قد أطلقت سراحهم لاحقًا. بالطبع كانت هذه هي نهاية الاحتفالية.» قبل ذلك بيومين اثنين، كانت صاحبة فكرة المهرجان — بسمة الحسيني — قد ظهرت في أحد برامج التوك شو. اندفع المُذيع ليطرح عليها السؤال: «أليس من العجيب أنه بإمكانك تنظيم هذا المهرجان وأن تتكفل الشرطة بتوفير الأمان لك؟!» فأجابت: «الشرطة لا تُوفِّر لنا الأمان، ونحن سعداء جدًّا بذلك؛ لأنه عندما تظهر الشرطة، تنشأ المشكلات توًّا.» تعتقد أهداف سويف أن هؤلاء البلطجية ما هم إلا رد الشرطة على الكلام الذي لم تستسغه في إجابة بسمة: «نحنُ في معركة، لكن القُوَى تغيَّرت. الآن بات من البديهي أمامنا أن بإمكاننا فعل ما نريد. وعندما تحاول أن تعوقنا عن ذلك، فلا بد لك أن تستخدم القوة في ذلك، لكن الوضع لم يَعُدْ كسابق عهده، عندما كُنَّا لا نجرؤُ على النزول إلى الشوارع.»

النشوة والإفاقة من الأحلام

ميدان التحرير هو قلب القاهرة، وهو مركز السلطة في مصر كلها. ستة شوارع تُفضي إلى الميدان المؤسَّس في العام ١٨٦٠ على طراز ساحة النجمة في باريس، وهو يربط بين المتحف المصري ومقر الجامعة العربية والمُجمَّع؛ ذلك المبنى الإداري والمركز البيروقراطي للبلاد والمشيَّد في العام ١٩٥١. من الجهة الجنوبية الشرقية تُطل وزارة الداخلية على الميدان، وفي الجهة الشمالية الغربية يقع المقر المركزي للحزب الوطني الديمقراطي السابق، والذي تزعَّمه مبارك. وإبَّان الإطاحة بهذا الأخير، أُضْرِمَتِ النيران في المبنى وظلَّ لفترةٍ طويلة تنبعثُ من رماده المتفحِّم رائحة الدخان، وكأنه نصبٌ تذكاري يشهد على انتهاء تلك الحقبة من التاريخ. أهداف سويف — التي عايشت هذه اللحظة التي سجَّلها التاريخ بأحرفٍ من نور — تستذكر في يومياتها أولى التظاهرات التي شاركت فيها قبل ذلك بعقود: «كان الميدان على مدى أربعين عامًا بمنزلة الكأس المقدَّسة بالنسبة إلينا. منذ عام ١٩٧٢، عندما فرَّقت قوات أنور السادات الطلاب المتظاهرين في مركزها وأودعتهم في المعتقلات، كانت عديد التظاهرات والمسيرات التي تحاولُ احتلال التحرير تبوءُ بالفشل. لم ننجح في تحقيق ذلك إلا قبل عامين، عندما سيطرنا على ناصية صغيرة من الجزيرة المرورية أمام المُجمَّع ولمدة ساعة. كنا خمسين شخصًا، مُحاطين بحوالي ألفين من مُجنَّدي قوات الأمن المركزي.»

كانت المعارضة حينها ضعيفة وظلت بلا أهمية، وانعزلت النخبة المثقفة عن الشعب. نشأت أهداف سويف في رحاب عائلة تشتغل بالسياسة وتحتل مكانًا في الطبقة المتوسطة، وكان والداها مُدرِّسَين بالجامعة. أصبح الجيل الثالث من هذه العائلة الآن في مرحلة العشرينيات من العمر. «إنهم أكثر حنكة ورزانة وفعالية مما كنا نحن عليه.» حسبما تقولُ الكاتبة. «نحنُ — الثوار الأكبر سنًّا — ظللنا نحاول منذ ١٩٧٢ أن نحتل ميدان التحرير. هم فعلوا ذلك. هم سيغيِّرون وجه العالم. نحنُ سنسيرُ وراءهم، وسنرهن البقية الباقية من أعمارنا لدفع جهودهم إلى الأمام.»

تتمحور يوميات أهداف سويف عن الثورة حول الأيام الثمانية عشر، مع انطلاق أولى المظاهرات الحاشدة وحتى الإطاحة بمبارك. إنها تلك الأيام التي أيقظت في عديد المصريين الشعور بقيمة الذات، ودعَّمَتْ هذا الإحساس نصوصٌ وأفلامٌ وصورٌ وثائقية عديدة، تُمجِّد هذه الفترة وأبطالها؛ إنها تلك الفترة التي شعر فيها الشعب لأول مرة أنه يستطيع تحريك شيءٍ ما. وقبل أن تختم كتابها نهاية العام ٢٠١١، أجرت سويف في أكتوبر نوعًا من المُكاشفة والمحاسبة؛ فقد تلاشت حالة النشوة، وحان موعد اليقظة، وانهارت الثقة في الجيش. وبعد أن امتنع الجنود في تلك اللحظات الحاسمة من الثورة عن تصويب فُوَّهات بنادقهم تجاه الشعب — وهو الأمر الذي عجل بتنحِّي مبارك — إذا بهم يتعاملون الآن بمنتهى القسوة من منطلق الممارسات السلطوية لإعادة النظام. لم يَطُل الوقتُ كثيرًا حتى تواترت التقاريرُ عن عنفٍ همجي تمارسه الشرطة، وحالات تعذيبٍ بحق متظاهرين معتقلين؛ عديد المدنيين قُدِّموا لمحاكمات عسكرية؛ الأمر الذي اندلعت ضده تظاهرات احتجاجية عديدة. وقد خيَّم على الثوار الاعتقاد بأن المجلس العسكري الذي يترأسه المشير محمد حسين طنطاوي، ويتولَّى أعمال الحكومة مؤقتًا، لا يفكِّر أبدًا في تسليم السلطة. تقول أهداف سويف: «لقد أراد المجلس العسكري مواصلة سيرة النظام القديم، مع بعض التغييرات التجميلية، وربما بوجوهٍ جديدة.» أو كما قالت نوال السعداوي: «لقد أطحنا برأس النظام القديم، لكن الجسد ما زال حيًّا كما هو. ومن الممكن أن ينموَ له رأس جديد.» السعداوي هي واحدة من مناصري الحركة النسائية منذ نعومة أظفارها، وقد نزلت إلى ميدان التحرير للتظاهر رغم سِنِي عمرها التي تجاوزت الثمانين. كثير من الأشياء حدثت منذ ذلك الحين. أول انتخابات برلمانية حرة، أسفرت عن انتصار كاسح للإسلاميين؛ حيث أثار فَوْزُ السلفيين المحافظين والمتشددين حالةً من القلق — إن لم تكن حالةً من المخاوف — لدى القطاع العلماني من الشعب. وعادت نجاحات الإخوان المسلمين لتتكرر في أول انتخابات رئاسية بعد مبارك في صيف ٢٠١٢. وفوَّتت قوى المعارضة من الليبراليين والعلمانيين واليساريين على نفسها الفرصة في توحيد صفوفها؛ ما أدَّى إلى الْتِحاق مرشَّح الإسلاميين وآخَر من نظام مبارك البائد بجولة الإعادة في انتخابات الرئاسة. وقد انتُخِبَ الدكتور محمد مرسي مرشَّح جماعة الإخوان المسلمين رئيسًا جديدًا للبلاد. لكن أين بقي الثوار؟! وأين هي مصر الخيالية التي كانوا يحلمون بها؟! وأين هي أصلًا الرؤى والاستراتيجيات؟! تتنهد أهداف سويف وتُشعِل سيجارة: «بالنظر إلى الوراء، ينبغي أن أقول اليوم إنه ما كان يتعيَّن علينا العودة إلى منازلنا في الحادي عشرَ من فبراير بعد الإطاحة بمبارك. كان لزامًا علينا أن نُشكِّل هيئة ممثلة تنوب عنَّا وتتحدث باسم الثورة، وهذا ما لم نفعله. لقد وثقنا في الجيش واعتقدنا أنه لن يهاجم الشعبَ المصري. لقد خُدِعْنا، وكان ذلك خطأً.»

لكن الكاتبة لا تودُّ التوقُّف كثيرًا أمام الأخطاء التي وقعت فيها الثورة، وإنما تودُّ النظر إلى المستقبل. هي مؤمنة تمام الإيمان أن الناس باتوا يقفون اليوم في مكان مغاير لما كانوا فيه قبلًا: «كل إنسان كوَّن لنفسه مفهومًا عن تأثير ما وقع من أحداث. الكل يعلم أن لهم الحق في أن يتحدثوا وأن يُستمَع لهم، وأن لهم الحق في الحرية والعدالة الاجتماعية. لا بد أن نتحلى بالذكاء والإصرار، وأن نعمل بكدٍّ واجتهاد، وأن نعيَ تمامًا أن هذه العملية ستستغرق فترة زمنية طويلة؛ ولذلك فنحن بحاجةٍ لاستراتيجيات طويلة المدى. الشيء الوحيد المفزِع والذي لا يمكن استرجاعه، هو الأشخاص الذين ماتوا وأولئك الذين فَقدوا أَعْيُنَهم أو أعضاءً من أجسادهم، أو أُصِيبوا بالشلل. في الوقت نفسه، فإن هذا الألم الذي يعتصرنا هو الحافز الذي يملؤنا بالطاقة. لن يسمح أحدٌ بأن تذهب هذه التضحيات هباءً.»

وترى أهدافُ سويف بُطلانَ الاتهام المُوجَّه للقُوَى التقدُّمية ومبدعي المشهد الثقافي، بأنهم جعلوا من المشاعر الثورية حالة مستمرة، بدلًا من قَوْلبتها في هياكل سياسية وصياغة أهداف، تتجاوز رفض الأمر القائم. وردًّا على هذا الادعاء، تستحضر الكاتبةُ المحاميَ اليساريَّ والناشط في مجال حقوق الإنسان خالد علي — صاحب الأربعين ربيعًا — الذي سخَّر نفسه منذ أعوامٍ للدفاع عن حقوق العمال، وعايش بنفسه الإضرابات العُمالية الكبرى في المدن الصناعية في دلتا النيل، وترشَّح هو الآخر في الانتخابات الرئاسية التي أُجْرِيَتْ عام ٢٠١٢، ولكنه خسر بسبب تفتُّت أصوات المعارضة. سويف — التي تعرف خالد علي منذ زمن طويل — دعَّمته في المعركة الانتخابية. وهذا ليس مستغرَبًا على الكاتبة. كان الارتباط الوثيق بين الأدب والسياسة بالنسبة إليها أمرًا بديهيًّا، بل لا نبالغ إن قلنا إن الأدب هو أحيانًا أداة لتعبئة الرأي العام: «لقد رسخ لديَّ الاعتقاد بأن العمل الفني من ضمن الأدوات التي تُثِير النقاشات، وأنه من الممكن — أو ربما — ينبغي أن يكون على علاقة وثيقة بالعالم الحقيقي. الأمر هنا يتعلَّق بالمسئولية وأدائها.»

وفي حين تَرَكَ كثيرٌ من الكُتَّاب عَمَلَهم الأدبيَّ لانشغالهم بالأنشطة السياسية، فإن آخرين وضعوا كتاباتهم في خدمة الثورة. إلى هذه الفئة الأخيرة ينتمي الشاعر عبد الرحمن الأبنودي صاحب الخمسة والسبعين عامًا. هو من أعطى من خلال قصائده وأغنياته الثورية شرارةَ البدء والأمل، وأعاد إلى نفوس بني وطنه ذلك الشعور بتقدير قيمة الذات. كان يُلقي أشعاره في الشوارع والميادين، والْتَفَّ حوله جمهور واسع، تنوَّع بين مختلِف الأجيال والطبقات المُجتمعية. استطاع الأبنودي، وهو شاعر الشعب، ومن خلال قصائده العامية في ستينيات القرن الماضي، أن يجعل اللهجة العامية قادرةً على منافسة اللغة الأدبية في الصالونات الثقافية.

وُلِد عام ١٩٣٨ في مدينة أبنود بصعيد مصر، وسط الفلاحين والمزارعين، وعمل في شبابه في رعاية الأغنام والصيد في نهر النيل، وأثناء هذا وذاك كان يُصغي إلى أصوات الناس وهم يُغنُّون. ظهرت موهبته الأدبية باكرًا جدًّا؛ لذا رفض — مثل أبيه — أن يدرس العلوم الإسلامية في جامعة الأزهر، وإنما الْتَحق بدلًا من ذلك بكلية الآداب في القاهرة. لقد ظل دائمًا مرتبطًا بالبسطاء من الناس وبحياتهم اليومية. «أنا أعرف جيدًا كيف أعبِّر عن همومهم وأفراحهم بصوتٍ يلمس شغاف قلوبهم.» كلمات يعبِّر بها الأبنودي عن نفسه في حوار صحفي مع النسخة الإنجليزية من جريدة «الأهرام» المصرية التي تصدر باسم «الأهرام ويكلي».11 الشعبية الفريدة التي تمتَّع بها لدى الأشخاص العاديين — الذين بالكاد يعرفون شيئًا عن الأدب — جَعَلَتْ منه كاتبًا للأغنيات لعظماء المُغنِّين من قبيل عبد الحليم حافظ، والذين كانت أصواتهم تشدو عبر أثير الإذاعة. يُميِّز عبد الرحمن الأبنودي بين «الشعر الاستهلاكي» — ذاك الذي يتعاطى مع الأحداث — والقصائد الخالدة للأجيال التالية. هذه النوعية الأخيرة «تقع من نفسك موقعًا تشعر معه وكأن هذه القصائد نبعت حروفها من داخلك، وكأنها هي نفسها الكاتب وليس أنت.» لطالما نظر الأبنودي إلى نفسه باعتباره كاتبًا سياسيًّا، لا يُمكن لأحدٍ أن يُكمِّم له فَاهُ. في السبعينيات، أُعْجِبَ الأبنودي كثيرًا بالرئيس أنور السادات. إلا أنه عندما ألقى هذا الأخير خطابه عام ١٩٧٧ أمام الكنيست الإسرائيلي، انتقده الشاعر بشدة وأدان معاهدة السلام معتبرًا إياها بمنزلة إعلان للاستسلام. قبل أعوام قليلة، شنَّ الشاعر حملة ضد الفساد في مصر، وضد «سياسة الاستنزاف» التي يُدمِّر بها النظامُ البلادَ. احتفل بانتفاضة الخامس والعشرين من يناير في الشارع وعلى كرسي مكتبه. وقد خصَّص قصيدته «الميدان» للحديث عن ميدان الحرية الخالد — ميدان التحرير — وبين ثنايا القصيدة نعى إلى الجميع سقوط نظام مبارك وقدَّم شيئًا أشبه بنشيدٍ للثورة، حسبما تذكر جريدة «الأهرام ويكلي»: «لقد جمع في قصيدته أصوات الثوريين والعمال والشعراء والنخبة والبائعين الجائلين؛ أولئك الذين لعبوا دورًا مُهمًّا في الحركة الوطنية، وساهموا في جعل الثورة حكاية يتغنَّى بها الكثيرون.»12

ويومًا بعد آخر، تلاشت اللهجة الحماسية وحالة النشوة التي كانت طاغيةً لفترة من الزمن. لقد استغلَّ الإسلاميون حالةَ الفراغ السياسي في السلطة واعتلوا المشهد السياسي في البلاد. وتباعًا لُفِّقت التُّهَم بالكفر والإلحاد لصنَّاع الثقافة، الذين يخلطون السخرية بالنكات كي يصلوا إلى المغزى الأخلاقي ويكشفوا عن الفساد المُستشري في البلاد. ولم يألُ السلفيون — أو الإسلاميون المُحافظون — جهدًا في خوض غمار المعركة ضد ما يدَّعون أنها كتب وأفلام منافية للأخلاق، وتحديدًا ضد الممثل السينمائي والمسرحي عادل إمام. قدَّموا ضده دعوى أمام المحاكم، يتهمونه فيها بازدراء الدين الإسلامي في أفلامه. هم في ذلك يتجاهلون أن عادل إمام واحد من أشهر الممثلين المحبوبين في الوطن العربي، وأن أفلامه التي يهاجمونها الآن قد مرت حين نشأتها في فترة التسعينيات على هيئة الرقابة الحكومية، التي أجازتها للعرض. وبدوره أيضًا نال الكاتب علاء الأسواني نصيبه من الهجوم والانتقاد من السلفيين ومؤيِّديهم. بعد وفاة البابا شنودة الثالث — بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية — كتب الأسواني قصة قصيرة في إحدى الصحف المستقلة، جاء فيها أن البابا دخل الجنة بعد مماته، وهناك التقى أربعةً من شهداء الثورة، اثنان منهم مسلمان والآخران مسيحيان. «وجَّه السلفيون إليَّ تهمة أنني خرجتُ عن قواعد الإسلام؛ لأنني أظهرت في هذه القصة مسيحيين داخل الجنة؛ ففي جنة السلفيين، ليس للمسحيين مكانٌ باعتبارهم كفَّارًا.» يحتدُّ الكاتب في حديثه، ويتوعَّد بالرد عليهم بدعوى مضادة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠