الانتقال إلى عصر جديد للقراءة: عشر سنوات قبل الثورة

في عام ٢٠٠٢، ظهرت رواية للكاتب الذي لم يكن معروفًا على الإطلاق حتى ذلك الحين، علاء الأسواني. حاول علاء الأسواني — الذي يعمل بالأساس طبيبًا ولديه عيادة خاصة — نَشْرَ رواية قصيرة من تأليفه في التسعينيات، ولكن عبثًا كانت محاولاته؛ حيث رفضت الهيئة العامة للكتاب الموافَقة على نشر رواية الأسواني بعد أن قدَّمها لهم، وبررت ذلك بأن الرواية تُمثِّل إهانة لمصر والمصريين. لكن الأسواني واصل الكتابة. وفي ذلك الوقت بدأت بعض دور النشر الخاصة في الظهور؛ الأمر الذي ساعد الأسوانيَّ على التحرر من قيود الهيئة العامة للكتاب. وعندما عرض الأسواني روايته الجديدة «عمارة يعقوبيان» على أحد أصحاب دور النشر، تحمَّس الأخير لها بشدة وهنَّأه عليها. إلا أنه أعرب عن أسفه للأسواني لعدم قدرته على المجازفة بنشر هذه الرواية؛ إذ إن خطر حظر الرواية يبدو كبيرًا للغاية. كما رفض ثلاثة ناشرين آخرين نشر الرواية للسبب نفسه. هنا بعث الأسواني بنصِّ الرواية إلى ناشرٍ في بيروت، فوافق على نشرها. إلا أن الكاتب جمال الغيطاني — الذي نشر مقتطفات من رواية الأسواني في جريدته الأدبية «أخبار الأدب» التي تصدر في القاهرة — نصح زميله الصاعد إلى عالم الأدب بالعدول عن فكرة نشر روايته في الخارج؛ لأن منع نشر الكتاب في مصر سيكون أهون كثيرًا من نشره خارج البلاد أساسًا. بعد ذلك قابل الأسوانيُّ محمد هاشم الذي يمتلك دارًا صغيرة للنشر، تُعاني مشكلاتٍ مالية خانقة، هي دار «ميريت» للنشر. كان هاشم — بحكم كونه ناشطًا سياسيًّا يسعى إلى المثالية — معتادًا على الاختلاف مع النظام الحاكم، وأبدًا لا يهابُ نشر تلك الكتب التي تلمس شغاف قلبه؛ فنَشَر رواية «عمارة يعقوبيان». ونفدت الطبعة الأولى من الرواية تمامًا بعد شهرين فقط من نشرها. وطُبِعَت الرواية مرة أخرى، وصارت خلال فترة زمنية قصيرة جدًّا الروايةَ الأكثر بيعًا في العالم العربي، وذلك طوال الفترة بين عامَي ٢٠٠٢ و٢٠٠٣. وقبل أن تُدرك السلطات الرقابية أن هناك رواية يتمُّ تداولها في الأسواق تحتوي على قدر كبير من النقد وتتمتع بحيز واسع من التحرر، كانت الرواية قد حقَّقت بالفعل انتشارًا كبيرًا، واحتفت بها الأوساط النقدية الأدبية، بدرجةٍ بدا معها أن الإقدام على حظر الرواية من قِبل الدولة هو ضربٌ من الخيال، وهذا حسبما دوَّن الأسواني لاحقًا.

إذنْ، ما الذي جعل هذه الرواية تحظى بشعبية كبيرة جدًّا في مجتمع لا يهتم أحد فيه بالقراءة سوى النخبة المثقفة؟ فكما سبقت الإشارة، فإن ثُلث سكان مصر أُمِّيُّون، لا يستطيعون القراءة أو الكتابة، حتى الذين يستطيعون القراءة منهم لا يقرءون طواعيةً، وإنما فقط عندما يكونون مضطرين لذلك. كل ذلك قد تغيَّر.

عالم مصر المصغر: علاء الأسواني

كان الافتقار إلى الكرامة والحرية وقلة فرص العمل أمام الشباب، من الأسباب الرئيسة لثورة ٢٥ يناير ٢٠١١. وقد صوَّرت رواية «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني ذلك بوضوح بالغ؛ إذ تحكي هذه الرواية عن قصة حياتية متشابكة تقع أحداثها في القاهرة في الوقت الحالي، وتتميز بأن لغتها سهلة الفهم. تجمع هذه الرواية جميع الطبقات الكائنة داخل المجتمع المصري، وتدور أحداثها داخل عمارة في قلب المدينة يعود تاريخ بنائها إلى القرن التاسع عشر، كانت في السابق مبنًى سكنيًّا فاخرًا قبل أن يتدنَّى مستوى المعيشة بها ويتدهور. تجمع هذه الرواية جميع طبقات المجتمع، بدايةً من حارس العقار والخادم، مرورًا بالبائعة، وحتى الرجل الكبير السن الساعي وراء شهواته، ورجل الأعمال الفاسد الذي ارتفع مستواه المادي بعد أن كان في الحضيض بطريقة مشكوك فيها، وتزوَّج بعدها من سيدة أخرى في الخفاء كي يحصل على مقعد في البرلمان بطريقة ملتوية. يتردد الدين على ألسنة الأبطال بصورة مستمرة، إلا أن تطبيقه في الحياة اليومية وصل إلى مرحلة متدنية للغاية: «كان «عزام» يتوقَّع المبلغ لكنه آثر المساومة لعل وعسى … وقال «الفولي»: «اسمع يا حاج! تصدق بالله! …» فردد الحاضرون جميعًا: «لا إله إلا الله!» «أنا باخُد في دواير أقل من دايرة قصر النيل مليون ونص و٢ مليون، وياسر ابني أهو قدامك يقولَّك … لكن والله العظيم أنا بحبك يا حاج ونفسي تبقى معانا في المجلس».»1

يبلغ الحاج «عزام» من العمر ستين عامًا، وهو متزوج ولديه ثلاثة أبناء بالغين. طلب من شيخ أن يُعطيه الإذْن لكي تكون له عشيقة. اشترط عليه الشيخ أن يتزوجها. كانت الفتاة الشابة التي يريد أن يتزوج منها تُدعى «سُعاد» وهي فتاة فقيرة من الإسكندرية، مطلَّقة وأم لولد صغير. وافقت على الزواج من «عزام». تبدو فكرة الزواج للوهلة الأولى فكرة شريفة، إلا أن شروط عقد الزواج التي تمَّ الاتفاق عليها كانت قاسية؛ فبموجب هذا العقد يجب أن تترك «سعاد» ابنها «تامر» مع والدتها في الإسكندرية، كما يجب أن يبقى الزواج سرًّا وألا يُنجبا أي أطفال. «كل يوم بعد أن يؤدي الحاج صلاة العصر في مكتبه، يصعد إليها في الشقة الفخمة التي اشتراها من أجلها في الدور السابع من العمارة، يتناول الغداء ثم ينام معها إلى ما قبل العشاء ويتركها إلى اليوم التالي … كان هذا هو النظام الوحيد الذي يسمح له برؤيتها بغير أن تضطرب حياته مع أسرته.» إلا أن «سُعاد» كانت تأمل في المزيد، واعتقدت أنها إذا أنجبت من زوجها طفلًا فسوف تستطيع أن تُضيف قيمة لعلاقتهما. لكنها عندما أصبحت حُبْلى، أجبرها الحاج «عزام» على الإجهاض وأعادها مرة أخرى إلى عائلتها في الإسكندرية. وهذا يعبِّر بشكل تام عن النفاق وسلطة المال.

داخل الرواية هناك قصة أخرى أيضًا، تربط بين مصير البائعة الشابة «بثينة» وصديقها «طه» والرجل الكبير السن الساعي وراء شهواته «زكي بك الدسوقي». كانت «بثينة» تعيش مع والدتها وإخوتها الصغار في غرفة صغيرة من الصفيح موجودة فوق سطح «عمارة يعقوبيان». عندما مات والدها، كان لزامًا على والدتها إطعام الأسرة منذ ذلك الحين، إلا أنها لم تستطع أن تأتي بالأموال الكافية؛ فجعلت ابنتها الكبرى تبحث عن عمل. لم تترك «بثينة» أي مكان إلا وعملت به؛ فعملت سكرتيرة، ومُصففة للشعر، وموظفة استقبال، إلا أنها تركت كل هذه الوظائف بعد وقت قصير لأنها تعرضت للتحرش الجنسي من قِبل أصحاب العمل. فأقنعها كلٌّ من والدتها وصديقة لها بأن تكون ذكية وتتساهل مع الرجال قليلًا دون أن تفقد عذريتها. لقد أثار ذلك فزع «بثينة»، ولكنها عندما واجهت المصير نفسه عندما عملت بائعة بعد ذلك، وافقت على استدراج صاحب المحل لها في المخزن، وسمحت له بأن يشبع رغباته. عندما انتهي من ذلك، أعادت «بثينة» ترتيب ملابسها، ومدت يدها وطلبت منه عشرين جنيهًا. كانت تعرف حينها أنها تتحول إلى عاهرة. شعرت في البداية بالندم وكانت تعاني من الكوابيس ولم تستطع أن تُصلي، وأصبحت مع مرور الوقت تتكلم بسخرية وتنفر من «طه» — ابن حارس العقار — الذي كانت تربطها معه علاقة صداقة منذ الطفولة، وأرادت يومًا ما أن تتزوج منه. بدأ «طه» يلاحظ التغيُّر الذي طرأ على صديقته، لكنه لم يستطع تفسيره. كان «طه» شابًّا ذكيًّا، يخاف الله، لكنه لم يكن يخضع للذل والاستبداد. لم يعجب هذا سكان العمارة؛ فكيف يكون صبيٌّ في مثل ظروفه المادية البسيطة هذه يحصل على درجات في المدرسة أفضل من أطفالهم؟! ولذلك بذل سكان العمارة كل ما في وسعهم كي يجعلوه يشعر في كل مناسبة أن وضعه الاجتماعي أقل منهم، وكانوا يعاملونه وكأنه خادم. لكن «طه» كان لديه هدف وضعه نصب عينيه؛ كان يتمني أن يصبح ضابط شرطة، فتقدَّم لأكاديمية الشرطة، ونجح في الاختبارات، ولكن لم يتبقَّ أمامه سوى المرحلة الحاسمة، وهي المقابلة الشخصية، فسأله أحد الضباط: «… انت والدك مهنته إيه يا طه؟!» فأجابه: «موظف، يا أفندم.» (هكذا كتب في استمارة الالتحاق، ودفع مائة جنيه رشوة لشيخ الحارة ليوقِّع عليها) تفحص اللواء الأوراق من جديد وسأله: «موظف … أم حارس عقار؟!» سكت «طه» لحظة ثم قال بصوت خافت: «والدي حارس عقار يا أفندم.»

وبهذه الطريقة تبدَّد حلم «طه». وعندما ذهب إلى الجامعة شعر بأن العملية التعليمية مُوجَّهة لمصلحة مجموعات محدَّدة، كما شعر بغياب المساواة الاجتماعية. وجد طلابًا أغنياء مهندمين يركبون السيارات الفارهة ولديهم صديقات جميلات من جهة، ومن الجهة الأخرى طلابًا فقراء، يترددون على المساجد بصفة مستمرة؛ فقرر «طه» أن ينضم إلى هذه المجموعة الأخيرة. وبدأ في الاتصال مع أشخاص في الأوساط الدينية، وبعدها مع الأوساط المتطرفة؛ حيث إن مرارة الشعور بالظلم — التي عانى منها «طه» في أكاديمية الشرطة — قضت على قدرته على الفهم؛ جعلته يقع ببطء في تيار الإسلاميين المتشددين. اعتُقِل أثناء مظاهرة شارك فيها، ثم تم استجوابه بوحشية في السجن، فتعرض للضرب والاعتداء الجنسي؛ ما كان سببًا في تحطُّمه على المستويين الجسدي والمعنوي. كانت لدى «طه» أمنية واحدة فقط، وهي قتل مُعذِّبيه. عندما تم إطلاق سراحه من السجن، تقابل مع أحد قادة الجماعات الإسلامية، وخطيب إسلامي، فاستطاع الأخير تجنيده لمواجهة النظام مواجهة مسلحة، ونصحه كأب بأن يُحسن استخدام مشاعره الشخصية الانتقامية، وقال له: «إن المسئولين عما حدث لك ليسوا بضعة ضباط شرطة، ولكن المسئول هو النظام المُلحد الإجرامي الذي يحكمنا. يجب أن توجِّه كل غضبك ضد النظام، وليس ضد عدد قليل من الأفراد.»

استطاعت هذه الرواية أن تصوِّر لنا بطريقة يسهل فهمها، كيف أن مراكز السلطة التقليدية في النظام الحاكم الفاسد المتشبث بالسلطة تستطيع أن تُحوِّل هذا الشباب الذكي إلى أتباع مجموعة من الأصوليين المتشددين. هناك جزء في الرواية وضعه الكاتب عمدًا ليوضِّح ذلك، وهذا لا ينتقص من مصداقية الكاتب. وهذا الجزء يتمحور حول شخصية «طه» الذي يُضرَب مثالًا لكثير من الشباب المصريين، الذين لا يرون أي مستقبل لهم في بلدهم لسنوات مقبلة. وفيما يتعلق بمسألة ما إذا كان نظام مبارك قد أعدَّ إرهابيين بنفسه، يقول علاء الأسواني في أول حوار أجريته معه عام ٢٠٠٦: «إن مجتمعًا فاسدًا غير عادل، لا يحصل فيه الفرد على أي فرصة للتنمية، ولا يشعر فيه أن له مستقبلًا، وليس له الحق في الكرامة، يتعرض فيه للكذب والخداع وسوء المعاملة؛ مثل هذا المجتمع يجعل الفرد مادةً خامًا مثالية للإرهاب.»2

تُبرِز هذه الرواية أمام القارئ السبب الذي يجعل للإسلاميين تأثيرًا كبيرًا على الشعب المصري؛ حيث إن الإسلاميين يدافعون عن الأخلاق والعدالة الاجتماعية، في حين أن النخبة الحاكمة جسَّدت نهاية جميع الأخلاق وانحطاط القيم الإنسانية والدينية في المجتمع، الذي لا يسيطر فيه سوى المال والسلطة.

حتى في العلاقات القائمة خارج الأُطر المجتمعية يكون للفرق الكبير في السلطة والقوة بين الأفراد تأثير شديد، وتُوضِّح الرواية ذلك من خلال شخصية الصحفي الفرنسي-المصري «حاتم رشيد». لقد عبَّرت هذه الشخصية عن المعايير المزدوجة وسلطة المال؛ فبعد وفاة والديه، استخدم «حاتم» المال الذي ورثه عنهما لتجهيز شقة في «عمارة يعقوبيان» تجهيزًا فاخرًا. وفي هذه الشقة كان رئيس تحرير جريدة «القاهرة» — المثلي المثقف الذي يميل للثقافة الفرنسية — يقابل صديقه الحميم. ظل «حاتم» يبحث عن صديقه الحميم هذا في الشوارع حتى وجده. إن الشذوذ الجنسي من المحرمات في التقاليد المصرية، ولا يمكن ممارسته إلا في الخفاء. ولكن هناك أماكن معينة يُمكن أن يمارس فيها الناس هذا الشذوذ. لقد تحدث «حاتم» في الشارع مع أحد مجندي الشرطة الشباب الذي يُدعى «علي عبده»؛ ذلك الشاب الذي أتى من صعيد مصر إلى القاهرة لأداء خدمته العسكرية، فدعاه «حاتم» لشرب كأس من الجعة وأغواه. هذا الشاب ذو البشرة الداكنة ذكَّر «حاتم» بخادمه النوبي الذي أقام معه علاقة حميمة وجنسية حينما كان طفلًا. أعطى «حاتم» «علي عبده» المتزوج مالًا كي يشتري حجرة يسكن بها فوق سطح «عمارة يعقوبيان»، واشترى له كشكًا، وأراد أن يساعده كي يتعلم؛ كي يكون على نفس مستواه الفكري فيستطيع أن يتحدث معه. لقد وافق «عبده» على هذه العلاقة على مضض بسبب حاجته المادية، وعندما أراد في النهاية الانفصال عن «حاتم»، فقدَ هذا الأخير السيطرة على نفسه وسبَّ «عبده» قائلًا: «ماذا تظن نفسك حقًّا؟! من أنت؟! أنت لا شيء سوى شخص جاهل، صعيدي حافي القدمين. لقد التقطتك من الشارع ونظفتك. لقد جعلت منك إنسانًا.» أدَّى ذلك إلى كارثة.

إن الشخصية الأساسية المتخفية في الرواية هي الرجل المُسن الساعي وراء الملذات والإنسان المتشائم «زكي بك»، الذي انحدر من عائلة ثرية تمَّت مصادرة أموالها بعد ثورة ١٩٥٢. درس «زكي بك» في باريس وكان يرثي العصر الذي كانت فيه مصر أكثر انفتاحًا وتسامحًا، وفيه كان يتم تفسير الدين بصورة متسامحة. حتى أواخر السبعينيات كانت توجد في وسط مدينة القاهرة — التي تم بناؤها على الطراز الأوروبي — بعض المحلات والبارات التي لا يختلف على فخامتها أحد، وكان العديد من السيدات يرتدين التنانير القصيرة، وكان عدد المحجبات أقل بكثير مما هو عليه اليوم. كان «زكي بك» يمتلك مكتبًا هندسيًّا في «عمارة يعقوبيان»، كان عمله في هذا المكتب يسير بشكل جيد بالكاد. وكان يقضي وقت فراغه في المكتب في قراءة الصحف، وشرب القهوة والويسكي، وكان يقابل أصدقاءه ويقوم بمغامراته الغرامية هناك. وأثناء سيره المسافة القصيرة من المنزل إلى المكتب كان «زكي بك» يتسامر مع أصدقائه — النوادل في المقاهي الموجودة في الشوارع والموظفين في المحلات — وكان يُحيِّي حارسي العقارات، وماسحي الأحذية والمتسولين. دائمًا ما كان مظهره مثاليًّا لا تشوبه شائبة؛ فكان يرتدي بذلة وربطة عنق، وكان يصبغ شعره باللون الأسود، ويمسك السيجار في يده، ودائمًا ما كانت هناك ابتسامة على وجهه تُظهر أسنانه الصناعية. كانت صديقته مدام «كريستين» صاحبة مطعم «مكسيم» تزوره بين الحين والآخر. لقد ألقت «كريستين» اليونانية المولودة في مصر حياتها العاصفة — التي شملت العديد من الأزواج — وراء ظهرها، وكانت تحكي قصصها العاطفية ﻟ «زكي بك»، الذي جمعتها به صداقة قوية، وكانت بينهما ثقة متبادلة.

ذات يوم، تعرَّف «زكي بك» على الجميلة «بثينة» التي تسكن في حجرة فوق سطح «عمارة يعقوبيان»، وقدَّمت نفسها له على أنها سكرتيرة. وبالرغم من أنه لا يحتاج لسكرتيرة، إلا أنه رضي أن يدفع لها مرتبًا نظير أن تصنع له القهوة وتتحدث معه. لم تكن لدى «زكي بك» أي فكرة عن أن «بثينة» تأخذ أموالًا من خادمه وشقيقه كي تحصل على توقيعه على عقد ينص على أن مكتبه يصبح بعد وفاته ملكًا لكلا الرجلين، لكن سرعان ما تحركت عاطفة «بثينة» نحو الرجل الكبير في السن الذي يعاملها باحترام ويرعاها، ويُقدِّر جمالها وكأنه كنز. لقد أوضح مؤلف الرواية حنينه إلى «العصر القديم الجميل» على لسان شخصية «زكي بك»، لكنه انتقد أيضًا حالة مصر الحالية قائلًا: «إن السبب الرئيس في تراجع وتدهور الدولة هو غياب الديمقراطية، فلو كان هناك نظام ديمقراطي فعلًا، لأصبحت مصر قوة عظمى. إن السبب الأساسي في معاناة مصر هو الديكتاتورية؛ فالديكتاتورية تقود حتمًا إلى الفقر والفساد والفشل الذريع على جميع الأصعدة.»

لقد صدمت هذه الرواية الجمهور صدمة قوية جدًّا؛ لأنها عبَّرت عن أعماق المجتمع المصري الفاسد بلغة بسيطة ومباشرة، وعكست الشعور بالإحباط الذي انتشر في المجتمع على نطاق واسع؛ فكانت الرواية عميقة للغاية وصادقة، كما كانت ممتعة. لم يقرأ المصريون شيئًا بهذه الجودة من قبل.

عصر الرصاص

عانت مصر في السبعينيات من أزمة سياسية واقتصادية طاحنة، ألقت بظلالها على الحياة الثقافية وخلَّفت آثارًا سلبية. وقتها فشلت تجربة القومية العربية والاشتراكية التي طبقها الرئيس جمال عبد الناصر، كما تعرضت مصر لهزيمة ساحقة على يد إسرائيل في حرب الأيام الستة (نكسة ١٩٦٧). قضت هذه الحرب على ثقة العرب بأنفسهم. وهنا جاء دور الإسلاميين، وكانت الحركة الاحتجاجية آنذاك ضد التأثير الثقافي الغربي على مصر والتبعية السياسية لبريطانيا؛ هي التي دفعت الإخوان المسلمين إلى إعادة استخدام شعارهم القديم «الإسلام هو الحل». وبرروا ذلك بأن تطبيق أسلوب الحياة الغربية في مصر أفسد أخلاق المصريين، وأن الشعب لن يعود قويًّا إلا إذا عاد إلى تقاليد الإسلام مرة أخرى. عندما تولى أنور السادات منصب رئيس الجمهورية عام ١٩٧٠، قلَب سياسة عبد الناصر رأسًا على عقِب؛ إذ سعى إلى السلام مع إسرائيل، وأطلق سراح الإسلاميين الذين تعرضوا للظلم والاضطهاد ودخلوا السجون في عهد عبد الناصر. وبدأ في تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي فتحررت الرأسمالية. واغتنى عددٌ قليل من المصريين غنًى فاحشًا، بينما قبع غالبية الشعب في قاع الفقر، ولم يُقدِم المهندسون والأطباء وأساتذة الجامعات فقط على الهجرة إلى الخارج لزيادة دخلهم المادي، بل سعى عددٌ ضخم من غير المتعلمين والعُمال العاديين والحرفيين والمزارعين للعمل في دول الخليج المزدهرة اقتصاديًّا بسبب مواردها من النفط، وتسبب ذلك في عواقب وخيمة. يقول علاء الأسواني: «لقد هاجر ملايين المصريين إلى المملكة العربية السعودية لكسب المزيد من الأموال، وتعلموا الإسلام هناك من المدرسة الوهابية. وكان لذلك آثار كارثية، وعندما عادوا إلى مصر، تسبَّبوا في مشكلات كبيرة؛ لأن هؤلاء العائدين أثَّروا على نسبة كبيرة من المجتمع المصري. تفسر الوهابية الإسلام بمفهوم ضيق جدًّا، كما أنها تتصرف بعدوانية ودون تسامح مع الآخر؛ فتُحذِّر من المخاطر التي يُسببها جسد المرأة، ولا تقتنع بحقوق الشعب السياسية. كما يُمنَع في الوهابية الاحتجاج ضد نظام الحُكم منعًا باتًّا طالما أن الحاكم مسلم مؤمن. هكذا يمنعك الفهم المتشدد للدين بهذه الطريقة تمامًا من أن تفكر في الأمور تفكيرًا موضوعيًّا. فعندما لا يجد شخصٌ ما عملًا مثلًا، فإن المنطق والعقل يجعلان الإنسان يُرجِع ذلك إلى فساد نظام الحُكم وعدم كفاءته. في حين أن مُتبعي المذهب الوهابي يعتقدون أن السبب وراء ذلك هو الشخص نفسه؛ فربما يكون ذلك بمنزلة عقاب من الله لأنه يشرب الخمر أو لا يصلي خمس مرات في اليوم. وقد دعم النظام الحاكم في مصر هذه الأفكار على مدى عقود؛ لأن ذلك يدعم مصالحه الشخصية.»3

وقد بدأ استغلال هذا المذهب في عهد الرئيس أنور السادات بالتحديد، وقد يبدو ذلك غريبًا للوهلة الأولى؛ إذ إن السادات يُعتبر أول شخص يسعى للسلام مع إسرائيل. كما أن انفتاحه على الغرب، وابتعاده عن روسيا (الاتحاد السوفييتي سابقًا) واتجاهه نحو الولايات المتحدة أثَّر على السياسة الداخلية، وتسبب في صراع بينه وبين الشيوعيين. وقد استخدم السادات الإسلاميين كأداة في هذا الصراع: «سعى السادات إلى كبح جِماح اليساريين ومنح الإخوان المسلمين مزيدًا من السلطة، وكان الشعار آنذاك «الإخوان المسلمون من أجل بلد إسلامي». كما دعَّم السادات الحركة الإسلامية في بداية ظهورها في الجامعات دعمًا قويًّا وأمدَّها بالمال، لدرجة أنه غيَّر الدستور لينص على أن مصر دولة إسلامية؛ الأمر الذي جعل الأقباط مواطنين من الدرجة الثانية. وفي النهاية قُتِل السادات على أيدي من دعَّمهم.»

وفي ظل الحرب ضد اليساريين تم تكميم أفواه عدد كبير من الكُتَّاب أو نفيهم خارج البلاد. كما أن الوجود المتزايد للإسلاميين في الحياة العامة مثَّل شكلًا من أشكال الرقابة والهجوم على الكُتَّاب. وأبرز مثال على ذلك الروائي الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ. يُعتبر محفوظ — الذي وُلد عام ١٩١١ — الأب الروحي للرواية المصرية. منعت مجموعة من الإسلاميين المحافظين روايته «أولاد حارتنا»4 بالقوة، فلم يُرفَع عنها سيفُ الحظر إلا في عام ٢٠٠٦. كان محفوظ يُمثل شوكة في حلق الإسلاميين؛ لأنه أيَّد عملية السلام مع إسرائيل. كما أنه حصل على جائزة نوبل للأدب عام ١٩٨٨، فأدان الإسلاميون حصوله على هذه الجائزة واعتبروها بمنزلة استفزاز لمشاعرهم؛ مما دفع أحد أفراد الجماعات الإسلامية المتشددة لطعن الكاتب ذي الثانية والثمانين عامًا بالسكين؛ ما أدى إلى إصابته إصابات خطيرة. لم يستطع محفوظ — الذي مات عام ٢٠٠٦ — السير في الشارع بعدها دون حماية الشرطة. بالتزامن تمَّت عملية مشابهة ضد المفكِّر الليبرالي نصر حامد أبو زيد، الذي فسَّر القرآن في سياق نشأته، وكان ينادي بقراءة القرآن الكريم حسب طبيعة العصر. فاعتبرته الجماعات الأصولية مرتدًّا عن الإسلام، وحُكِم عليه حسب الشريعة الإسلامية، وكان حكمها وجوب التفريق الجبري بينه وبين زوجته. لم يستطع نصر حامد أبو زيد التخلص من هذا الحكم إلا من خلال الهرب؛ فسافر مع زوجته إلى المنفى في هولندا. ومن الأمثلة الأخرى على ذلك الناشطة نوال السعداوي، التي كانت تدعو إلى مساواة المرأة بالرجل. اضطُرت السعداوي أن تسافر إلى المنفى في الولايات المتحدة الأمريكية وعاشت هناك عدة سنوات، وذلك بعد أن تلقت العديد من التهديدات بالقتل عام ١٩٩٢. وعندما عادت إلى مصر، تم تحريك دعوى قضائية ضدها بتهمة الردة عن الإسلام، ولكنها فازت بالطبع بالقضية. إلا أن بعض الكُتَّاب الأقل شجاعةً تجنبوا مواجهة الإسلاميين؛ إذ لا يمكن تخيُّل مدى تأثير الرقابة الذاتية على المجال الأدبي والفني بشكل عام.
هذا ولا تجد الأصولية الإسلامية أرضًا خصبة لها بين الفقراء فقط، كما قال عالِم الاجتماع المصري جلال أمين في كتابه «ماذا حدث للمصريين؟»5 حيث يقول: «يمكن أن يُستخدَم التعصب الديني كغطاء لتحقيق ثروة بطريقة غير مشروعة أو غير أخلاقية؛ فكلما تفشى الفساد، زاد النفاق والخداع باسم الدين.» فبين الطبقة الفقيرة، التي يسهل على الإسلاميين الأصوليين التأثير عليها، والأغنياء الذين يحتاجون إلى الأصولية الإسلامية كغطاء لثروتهم، توجد طبقة متوسطة متعلمة جيدًا لا ترى أي فرصة أو أمل في هذه الدولة، وتقع هي الأخرى كفريسة سهلة للأصوليين الإسلاميين بسبب زيادة الأفكار المتطرفة؛ ولذلك يُمثل المحامون والمعلمون والمهندسون — الذين قاموا بأسلمة مكاتبهم وعياداتهم — نسبة كبيرة من الإخوان المسلمين.
علاء الأسواني ليس ملحدًا؛ فهو يضع مصحفًا مزخرفًا على مكتبه في عيادة الأسنان، هذا المكتب الذي كان يُجري فيه المقابلات الصحفية. إلا أن الأسواني يرى أن الدين أمر خاص، يجب أن يُطهِّر الإنسان نفسه من خلاله. بَيْدَ أنه يرفض الإسلام الوهابي، ويبرر الأسواني ذلك فيقول إن الوهابية تقوم على الاستبداد والانغلاق وضيق الأفق وتقضي على حرية الناس، وتُدمِّر قدراتهم الإبداعية. وفي تحليله يتعامل الأسواني بوصفه طبيبًا مع المجتمع وكأنه مريضٌ لديه، فيقول: «يتعين على الطبيب أن يُميِّز بين المرض والمضاعفات. لا يُمكن علاج المضاعفات وكأنها هي المرض نفسه، فإذا فعل الطبيب ذلك فإنه يودي بحياة المريض. هذه القاعدة لا تنطبق على الأفراد وحسب، ولكنها تسري أيضًا على المجتمع. إن المرض الذي تعاني منه مصر والعالم العربي بشكل عام هو الديكتاتورية وغياب الديمقراطية. لقد تسببت الديكتاتورية في مضاعفات خطيرة مثل الظلم الاجتماعي، والفساد، وانعدام الكفاءة، والفقر؛ فأدَّت في النهاية إلى الإرهاب؛ ومن ثَمَّ فإذا كان المرض هو الديكتاتورية، فإن العلاج هو الديمقراطية. إلا أن النظام حاول مرارًا وتكرارًا أن يقنعنا أن المضاعفات هي المرض الفعلي، وأن هذه المضاعفات يُمكن مكافحتها من خلال القمع الذي تمارسه الدولة.»6

تُعتبر رواية «عمارة يعقوبيان» كالمرآة التي لا ترحم؛ حيث يضعها الأسواني أمام المجتمع المصري ليكشف من خلالها المضاعفات التي يعاني منها المجتمع، والمرض المتسبب في حدوثها، إلا أن رواية الأسواني لم تلبث أن عادت عليه بعواقب وخيمة؛ حيث اتهمته وسائل الإعلام الحكومية بتشويه صورة مصر في الخارج، لكن هذا لم يؤثِّر على نجاح الكتاب، بل على العكس، حيث إن تناول وسائل الإعلام وكأن الرواية تُمثل فضيحة، زاد من اهتمام الناس بالكتاب، فأصبح أكثر الكتب بيعًا، وتمت ترجمته إلى ثلاثين لغة تقريبًا. وتم تصوير الرواية فيلمًا سينمائيًّا عام ٢٠٠٦، وشارك فيه أكبر نجوم السينما في مصر، وخُصصت له ميزانية قياسية. حاولت مجموعة من ١١٢ نائبًا برلمانيًّا ينتمون للحزب الوطني الديمقراطي — الحاكم وقتها — منع الفيلم، فقال مؤلف الرواية في مقابلة صحفية أُجريت معه: «كل من في مصر يعرف جيدًا ما الذي يعكسه الفيلم من تعذيب وفساد النظام الحاكم، إلا أن الخصوم لا يريدون أن يسلِّموا بذلك، فانتقد هؤلاء النواب البرلمانيون الحديث عن الشذوذ الجنسي في الرواية كي يُغطُّوا على القضايا السياسية المطروحة فيها، ووقَّعوا على طلب وسلَّموه إلى اللجنة الثقافية في مجلس الشعب لتقرر ما إذا كان ينبغي حظر الفيلم لتعارضه مع العادات والتقاليد المصرية. والمثير للاهتمام في هذا الأمر هو رفض الإخوان المسلمين التوقيع على هذا الطلب؛ لأنهم أدركوا جيدًا أن استياء النظام من الحديث عن الشذوذ الجنسي كان مسرحية هزلية. على الرغم من رفض الإسلاميين للشذوذ الجنسي، إلا أنهم عرفوا جيدًا أن النظام لا يريد مصادرة الفيلم من السوق لهذا السبب، ولكن بسبب عرض هذا الفيلم للفساد السياسي، والسخرية والتعذيب الذي يتسبب فيه النظام، لقد كانت جماعة الإخوان المسلمين تندد هي الأخرى بهذه الأوضاع السياسية السيئة.»

كانت شهرة الأسواني أحد الأسباب التي أدَّت إلى انتشار الكتاب والفيلم أيضًا، على الرغم من معاداة الكثير لهما. لقد حصل الأسواني على العديد من الجوائز وحظي بالتكريم في كثير من الدول العربية، وذلك عن رواية «عمارة يعقوبيان»، كما حصل على العديد من الجوائز الأدبية المهمة في أوروبا، وتم تكريم الفيلم بالجائزة الكبرى في المهرجان السينمائي الدولي في زيوريخ عام ٢٠٠٦. لا يمكن لنظام حاكم أن يمنع كتابًا يُعد من أكثر الكتب بيعًا وحصل على العديد من الجوائز في المحافل الدولية، إلا ويكون قد فقدَ ماء وجهه. وبالإضافة إلى ذلك يبدو أن نظام مبارك لم يكن يعتبر الأعمال الأدبية تهديدًا في بلد لا يستطيع مواطنوه القراءة. على الرغم من ذلك كانت هناك رقابة حكومية على الصحافة والسينما والموسيقى، ولكن ليس على الأدب. إلا أنه كانت هناك رقابة على دور النشر. كما أن الحكومة منحت شيخ الأزهر حق رفع دعوى قضائية إذا رأى أن هناك كتابًا ضد الإسلام. وقد وصف الأسواني عام ٢٠٠٦ هذا الشعور المتناقض تجاه الحرية التي يتمتع بها فصيل معين فقط قائلًا: «يكتب أحدنا ويظل يكتب ويكتب، ولا يحدث أي شيء. ليست لدينا حرية تعبير بالمعنى السياسي. لدينا في مصر قانون للصحافة يقيد الحريات للغاية. لقد أضرب العديد من الصحفيين احتجاجًا على قانون الصحافة الجديد لأنه سيتسبب في مزيد من القيود. فبعد إقرار هذا القانون سوف يُلقى بالصحفي في السجن إذا شكك في نزاهة أحد السياسيين في مقالٍ له.»

كفاية

بدأ المجتمع المصري في مطلع الألفية الجديدة يستيقظ من حالة السُّبات السياسي والثقافي التي استمرت لعقود. وأصبح الضغطُ الواقع على المواطنين — جراء الفقر، والبطالة، ووحشية الشرطة، والفساد، وانعدام الأمن — لا يُطاق. يقول الأسواني: «كانت هناك حاجة مُلحَّة للتغيير، لم يكن ممكنًا الاستمرارُ على الوضع السابق.» ازداد عدد المثقفين المتحررين من القيود الداخلية؛ تلك القيود التي كانت قد منعتهم من تجاوز الخطوط الحمراء. لم يصبح الأدباء وحدهم أكثر شجاعةً وصراحة، بل امتد الأمر ليشمل المقالات والتعليقات السياسية في الصحافة؛ حيث بدأ ذلك في جرائد معارضة صغيرة، ثم انتقل إلى جريدة يومية مستقلة تُسمَّى «المصري اليوم»، أسستها مجموعة من المثقفين الليبراليين ورجال الأعمال، وتُعتبَر هذه الجريدة الآن ثالث أكبر جريدة يومية بعد الصحيفتين الحكوميتين «الأهرام» و«الأخبار»، ويصل عدد طبعاتها إلى نصف مليون طبعة يوميًّا. وفي العام نفسه، الذي نشر فيه علاء الأسواني روايته «عمارة يعقوبيان»، قام بانتقاد النظام الحاكم في الصحافة، وهذا ما يجعله يشعر بالفخر، فيقول: «يشرفني أن أكون واحدًا من أول أربعة كُتَّاب انتقدوا مباركًا. في الماضي كان الرئيس وعائلته من المحرَّمات التي لا يمكن الحديث عنها، ولم ينتقد أحدٌ مباركًا بشكل مباشر إلا الصحفيين عبد الحليم قنديل، وإبراهيم عيسى، والكاتب الإسلامي مجدي أحمد حسين، وأنا. كتبتُ أنا وعبد الحليم قنديل في صحيفة «العربي» الناصرية المعارضة. لقد كان ذلك أمرًا لا يُصدَّق، لدرجة أن بعض الناس اتهمونا بأننا نفعل ذلك بعد الاتفاق مع النظام ليكون هذا الانتقاد بمنزلة غطاء للنظام.»

كان الهدف الأساسي من إنشاء حركة التغيير — التي عُرِفت باسم «حركة كفاية» — عام ٢٠٠٤ هو معارضة استمرار نظام حسني مبارك الذي ظل في سدة الحُكم حوالي ثلاثة وعشرين عامًا. وقد اختار الأعضاء المثقفون المؤسسون لهذه الحركة كلمة «كفاية» لتكون اسمًا لها. وقع الاختيار على هذا الاسم البسيط ليخاطَب به البسطاء من الرجال والنساء في الشارع المصري. وقد انضم لهذه الحركة كثيرٌ من الكُتَّاب العلمانيين مثل علاء الأسواني، بالإضافة إلى الديمقراطيين اليساريين وأنصار القومية العربية والتيارات الإسلامية. وفي ذلك التوقيت تزايدت الإشارات التي تُلمِّح إلى تجهيز مبارك لنجله جمال ليخلفه في الحُكم، وذلك على غرار ما حدث في سوريا؛ حيث وُضِع بشار الأسد على رأس السلطة ليخلف والده حافظ الأسد بعد وفاته. وطالب ثلاثمائة شخص قاموا بالتوقيع على بيان إعلان تأسيس حركة كفاية ﺑ «الديمقراطية والإصلاح في مصر». وكان الإعلان الرسمي للحركة في ديسمبر عام ٢٠٠٤ حدثًا تاريخيًّا؛ حيث طالب حينها حوالي خمسمائة ناشط بتنحِّي الرئيس مبارك لأول مرة وبشكل صريح. وعندما ذكر مبارك أنه سيرشح نفسه في سبتمبر ٢٠٠٥ لولاية أخرى مدتها ست سنوات كرئيس للجمهورية لتصبح هذه هي الولاية الخامسة له على التوالي، كان غضبُ الشعب وقتها شديدًا. لم يكن الضغط حينها من الشارع المصري وحسب، بل كانت هناك أيضًا نصائح أمريكية لإحداث إصلاحات، وربما كان هذان العاملان معًا هما السبب الرئيس في إعطاء الفرصة لمرشحين آخرين لمنافسة مبارك في الانتخابات لأول مرة؛ فكان المحامي أيمن نور — الدارس للقانون ومُؤسِّس «حزب الغد» — هو المنافس الفعلي الوحيد لمبارك. وبعد تزوير الانتخابات ودخول بعض المرشحين الصوريين حلَّ أيمن نور في المركز الثاني وبفارق كبير عن مبارك، وبعد ذلك بوقت قصير تم الزج به في السجن، واتهامه بتزوير وثائق تأسيس حزبه. كان ذلك بالنسبة لحركة الإصلاح وحركة كفاية بمنزلة هزيمة ساحقة.

لم يتغير أي شيء من جانب النظام الحاكم، لم يقم بأي إصلاحات، ولم تشهد الدولة أي تقدُّم سياسي، أو فيما يتعلق بالحريات. بل على العكس من ذلك، زاد الضغط والعنف الذي تمارسه الدولة على المواطنين، فقال الأسواني في عام ٢٠٠٦: «يتم اعتقال المواطنين بشكل تعسفي، كما يتعرض المتظاهرون في الشوارع للضرب والتحرش الجنسي من قِبل الشرطة لمجرَّد أنهم حاولوا التعبير عن آرائهم السياسية. ولكن الشيء الإيجابي في الموضوع هو ردة فعل المواطنين؛ فقد تغيَّر المواطنون تمامًا، فصاروا أكثر جرأةً من ذي قبل في المطالَبة بحقوقهم. وكافح القضاة والصحفيون وأساتذة الجامعة والمحامون من أجل الوصول إلى الديمقراطية. هذا الأمر إيجابي جدًّا؛ لأن هؤلاء الناس يناضلون من أجل الحقوق المدنية للمواطنين، فهم لا يعارضون النظام الحاكم لأنهم يريدون دولة إسلامية. لم يكن هذا الأمر مطروحًا في مصر منذ وقت قريب.»7
الخدمة التي قدمتها حركة «كفاية» للشعب المصري، هي إعطاء إشارة البدء لانطلاق حركة احتجاجية واسعة ضد النظام الحاكم بشكل مباشر، ونشأت هذه الحركة من رحم العديد من الحركات الأخرى وهي: «حركة التاسع من مارس لاستقلال الجامعات»، و«حركة قُضاة من أجل التغيير»، و«أطباء من أجل التغيير»، وحركة «الشباب»، و«العمال»، و«الكُتَّاب» و«فنانون من أجل التغيير». كما أن العامل الحاسم الذي ساهم في قيام الثورة الاجتماعية هو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة والتكنولوجيا الرقمية. فتقول «مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي»:8 «مثَّلت حركة كفاية المبادرة السياسية الأولى في مصر نحو استكشاف وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة واستخدامها بشكل جدي للتواصل مع المواطنين وحشدهم.» لقد كان التأثير المباشر لحركة كفاية على المشهد السياسي متواضعًا في البداية، إلا أنها أصبحت بعد ذلك نقطة بارزة في الطريق نحو ثورة الشعب المصري في ٢٥ يناير ٢٠١١.
وبالمقدار نفسه الذي عادت به الشجاعة والإبداع إلى الحياة مرة أخرى، ازدهرت الحياة الثقافية أيضًا في مصر؛ حيث أسست الناشطة الثقافية بسمة الحسيني عام ٢٠٠٣ مع بعض زملائها المناضلين مؤسسة ثقافة عربية تُسمَّى «المورد الثقافي». وكانت بسمة قد شاركت في السبعينيات والثمانينيات في المسرح المستقل، وكثيرًا ما تناولت سكان الأحياء الفقيرة في مشاريعها. ثم أعدَّت بعد ذلك البرنامج الثقافي للمركز الثقافي البريطاني في القاهرة، وعملت بعد ذلك مستشارةً في مجال الرعاية الثقافية في مؤسسة فورد الأمريكية في مصر. وتُعتبر مؤسسة «المورد الثقافي» منظمةً مستقلة غير حكومية لا تهدف للربح. وتشجع هذه المؤسسة — الموجودة في القاهرة — الاقتناع الراسخ بأن الفن والأدب ضرورات اجتماعية، وذلك من خلال الابتكار الخلَّاق والتبادل الثقافي في العالم العربي، بالإضافة إلى الدعم المالي للمثقفين؛ ولهذا السبب تتلقى مؤسسة «المورد الثقافي» أموالًا من المؤسسات الدولية مثل مؤسسة «أغا خان» للثقافة، والمؤسسة الثقافية الأوروبية، ومؤسسة فورد، والمركز الثقافي البريطاني، وكذلك من المتبرعين من القطاع الخاص. شعرت بسمة الحسيني قبل سنوات من اندلاع الثورة أن هناك طاقة كامنة وإبداعًا داخل الشباب العربي؛ حيث كشفت ذلك على الموقع الإلكتروني لصحيفة «الأهرام ويكلي» وقالت: «لدى الشباب مفهوم جديد للحرية، إنهم يريدون إخراج كل ما لديهم من مهارات وإمكانات. وهذا أدَّى إلى اضطراب المشهد الثقافي.»9 وتولَّت مؤسسة «المورد الثقافي» الإدارة الفنية لكلٍّ من مسرح «الجنينة»، ومسرح حديقة الأزهر المفتوح؛ حيث أثرى الأخيرُ المشهد الثقافي في القاهرة منذ ذلك الحين. كما وقفت بسمة الحسيني وفريق العمل معها وراء مبادرة «الفن ميدان»؛ حيث تم من خلالها عقد مهرجانات ثقافية شهرية في عديد الميادين العامة في جميع أنحاء مصر منذ ثورة يناير.

تأسس منتدى الإسكندرية للفنون المعاصرة عام ٢٠٠٥، والذي ركَّز على الفن المعاصر ووسائل الإعلام الحديثة. وفي الوقت نفسه، تمت إعادةُ نشر الصحيفة الأسبوعية المستقلة وهي صحيفة «الدستور»، والتي تم غلقها ومنعها من قبل، وذلك بعد مرور سنة على صدور جريدة «المصري اليوم». وتبع ذلك سلسلة من الصحف المستقلة الأخرى، كما تم إنشاء بعض القنوات التليفزيونية الخاصة مثل قناة «دريم» وقناة «أون تي في»، وكانت هذه القنوات منبرًا للمناقشات المثيرة للجدل. كما تم تأسيس مؤسسة ثقافية في القاهرة القديمة تحمل اسم «درب ١٧١٨» عام ٢٠٠٨، والتي تُعتبَر نقطة انطلاق للعديد من الحركات الفنية الجديدة. وبالإضافة إلى ذلك ظهر العديد من المكتبات في ذلك الوقت، وتم إنشاء العديد من دور النشر، وظهر كثير من الكُتَّاب والمؤلفين الجدد من خلال كتبهم التي تم نشرها وعرضها في السوق؛ كل هذا نشأ — على ما يبدو — من العدم.

المدونون يبعثون رسائل واضحة

برز دور المدونين في مصر خلال سنوات ما قبل ثورة يناير؛ حيث لعب هؤلاء المدونون دورًا مهمًّا في الثورة. وُلد كريم عامر في الإسكندرية عام ١٩٨٤، ودرس القانون في جامعة الأزهر. وفي عام ٢٠٠٤ بدأ كريم في التعبير عن آرائه بحُرية من خلال موقعَي «الحوار المتمدن» و«الأقباط متحدون». وفي السنة نفسها حدثت أعمال شغب في الإسكندرية بعد انتهاء أحد العروض المسرحية، فانتقد كريم عامر حينها وحشية ودموية الإسلاميين المتطرفين وفقدانهم للإنسانية، فتم اعتقاله وحُبس في أمن الدولة اثني عشر يومًا. كان كريم يدافع عن العلمانية وحقوق المرأة، وينتقد ضيق أفق أساتذة جامعة الأزهر المتشددين، فيقول عنهم: «لا يسمحون بأي مجال لحرية التفكير، سوف يكون مصيرهم يومًا ما إلى مزبلة التاريخ.» تم فصله في عام ٢٠٠٦ من جامعة الأزهر واعتُقل مرة أخرى. ووُجهت إليه تهمةُ الإلحاد، وإهانة الإسلام ومصر. إن كريم عامر أول مدون مصري حُكِم عليه بالسجن بسبب الانتقادات التي كان يكتبها في مدوناته؛ فجذبت هذه القضية اهتمامًا دوليًّا وطالبت منظمات حقوق الإنسان وأعضاء البرلمان الأوروبي بالإفراج عن المدونين المعتقلين، ولكن دون جدوى. فحتى والد كريم نفسه تبرأ من ابنه، وطلب الحكم عليه حسب الشريعة الإسلامية. قضى كريم عامر أربع سنوات في السجن. لم يكن كريم المدوِّنَ الوحيدَ الذي عارض النظام الحاكم؛ حيث بدأ الكثير من الشباب والشابات في التعبير عن آرائهم وانتقادهم في شكل مدونات على العديد من المواقع الإلكترونية. لقد حظي المدون المصري كريم عامر بتأييد ودعم كبيرين من مجتمع المدونين المصريين، من مختلِف الانتماءات السياسية والدينية؛ حيث شارك العديد من المدونين في حملة «#الحرية_لكريم»، بدايةً من المدون العلماني والليبرالي الذي حمل اسمًا مستعارًا وهو «ساند مانكي»، مرورًا بالإخوان المسلمين تحت اسم «أنا إخوان»، وصولًا إلى المدونَين علاء وزوجته منال. انتشرت هذه الحملة في جميع أنحاء العالم العربي ثم في الخارج. بالرغم من أن هؤلاء المتعاطفين لم يستطيعوا أن يمنعوا إدانة كريم، فإن مجموعة المدونين بعثت برسالة قوية إلى النظام تعبِّر عن وجودهم وتوضح أن هناك حركة متزايدة تدافع عن حرية الرأي والتعبير في البلاد.

بدأ الزوجان علاء ومنال مدونتهما أيضًا عام ٢٠٠٤.10 ينحدر كلٌّ من علاء عبد الفتاح ومنال من عائلتين مكونتين من العديد من النشطاء البارزين، وذلك على العكس من كريم عامر الذي ينتمي إلى عائلة متدينة محافِظة، وقَبِل بالانفصال عن عائلته بسبب تمسُّكه بقناعاته. إن علاء عبد الفتاح هو ابن المحامي المدافع عن حقوق الإنسان سيف الإسلام، الذي دفع ثمن دفاعه عن حقوق الإنسان وتعرَّض لعقوبة السجن، وشارك بعد تنفيذه هذه العقوبة في تأسيس مركز هشام مبارك للقانون للدفاع عن حقوق الإنسان. أمَّا والدة علاء السيدة ليلى سويف فكانت أيضًا ناشطة سياسية. كما أن منال كانت ابنةً لناشط سياسي. لم يكتفِ علاء ومنال بنشر انتقادهما للبيانات والتصريحات السياسية على مدونتهما فحسب، لكنهما قدَّما أنفسهما كزوجين كما يفعل المشاهير في مجلة المشاهير «بيبول». فتحدَّثا عن الأشياء المفضلة بالنسبة لهما وعن عاداتهما السيئة، والموسيقى المفضلة لديهما، وماذا كانا سيفعلان لو كان معهما مائة مليون دولار أمريكي؛ حيث كتب علاء عام ٢٠٠٥: «سوف نعطي مباركًا رشوة لنحصل على الديمقراطية (هل ستكفيه مئات الملايين؟!)» ولكن أكثر ما أثار غضب النظام الحاكم في مصر هو حصول الزوجين على جائزة خاصة من هيئة الإذاعة الألمانية «دويتشه فيله» في مسابقة «أفضل المدونات» التي أُجريت عام ٢٠٠٥ في برنامج «مراسلون بلا حدود». تم اعتقال «علاء» لأول مرة عام ٢٠٠٦، وهو ما أدَّى إلى اندلاع العديد من الاحتجاجات الدولية وانتشار حملة في وسائل الإعلام الاجتماعية تحت اسم «#الحرية_لعلاء». واتُّهم النظام آنذاك بمحاولة القضاء على مجتمع المدونين في مصر بسبب ازدياد انتشاره بشكل كبير. وفي النهاية أُطلق سراح علاء وسافر مع زوجته إلى جنوب أفريقيا، وظلا هناك حتى شهر يناير من عام ٢٠١١ عندما بدأت المظاهرات ضد نظام مبارك، فعادا إلى القاهرة، وقررا البقاء في مصر؛ لكي يُولد طفلهما بها. تحدَّث علاء في أكتوبر من عام ٢٠١١ عن المواجهات العنيفة التي حدثت أثناء مظاهرات كان أغلب المشاركين بها من الأقباط أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون، وتعرَّض المتظاهرون خلالها لإطلاق نيران الجنود وقامت دبابات الجيش بدهسهم. وتم اعتقال المدون علاء عبد الفتاح مرةً أخرى بسبب إدانته لهذه الأحداث، وتم تقديمه للمحاكمة العسكرية. إلا أنه اعترض على محاكمة شخص مدني أمام محكمة عسكرية، فنشأت حملة «لا لمحاكمة المدنيين عسكريًّا».

وفي ربيع عام ٢٠٠٨ قامت مجموعة كبيرة من المدوِّنات والمدونين الشباب مثل أسماء محفوظ، وإسراء عبد الفتاح، وأحمد ماهر بمساندة العُمال المُضربين في المحلة الكبرى ودعمهم، وأسسوا صفحة على فيسبوك تحمل اسم «حركة ٦ أبريل». ووصل عدد المعجبين والمؤيدين لهذه الصفحة إلى مائة ألف شخص في وقت قصير. وكان عدد كبير من الإضرابات العُمالية قد نشب في جميع أنحاء البلاد في هذا العام، وكان ذلك علامة واضحة على المعاناة والإحباط الذي يعاني منه الشعب المصري على نطاق واسع. وكانت دعوات صفحة «٦ أبريل» وصفحة «كلنا خالد سعيد» على فيسبوك — والتي أسسها المصري وائل غنيم الذي يعمل في شركة جوجل — للنزول في مظاهرات حاشدة في ٢٥ يناير عام ٢٠١١، بمنزلة الشرارة الأولى لانتفاضة الشعب.

وفي المحلة الكبرى أيضًا وُلدت الصيدلانية الشابة غادة عبد العال. وبدأت الكتابة في مدونتها بشكل مختلف تمامًا، فظهرت في البداية على شبكة الإنترنت باسم مجهول وهو: «عايزة أتجوز».11 لم يعرف إلا عدد قليل من الأصدقاء أنها هي صاحبة هذه المدونة. وبعيدًا عن المطالب السياسية، تحدثت غادة عبد العال بلهجة هادئة عن تجاربها في سوق الزواج، وعن أحلامها، وعن اللقاءات السخيفة التي جمعتها مع الرجال الذين تقدموا لخطبتها من دائرة المعارف داخل الأسرة. وسخرت من العادات المجتمعية الذكورية في مصر، وكانت هناك ردود فعل واسعة على الإنترنت تجاه هذه المدونة. فمن الواضح أن كلمات الشابة غادة عبد العال قد أصابت الجرح. كانت مدونة «عايزة أتجوز» أول مدونة مصرية تتناول قضايا العلاقة بين الرجل والمرأة ودور كلٍّ منهما في المجتمع، كما ألقت الضوء على الزواج التقليدي. نجحت أكبر دار نشر للأعمال الأدبية في مصر — وهي «دار الشروق» — في نشر المدونة المكتوبة باللهجة العامية في صورة كتاب عام ٢٠٠٧؛ وذلك لأنها اكتشفت أن أسلوب غادة عبد العال في الكتابة ممتع ومُسلٍّ، وأصبح هذا الكتاب من أكثر الكتب بيعًا، وسرعان ما تمت ترجمته إلى العديد من اللغات.12
يوضح مثال غادة عبد العال الذي ضربناه التغيُّر الذي حدث في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدية وكذلك دور النشر. ويؤكد جمال الجمل — الصحفي الذي يتناول الأخبار الثقافية — على ذلك فيقول: «جرب المدونون كل العناصر الأسلوبية واستخدموا صورًا مختلفة من اللغة معًا؛ فخلطوا بين اللغة العربية الفصحى واللغة العامية. وكان الهدف من ذلك أن تكون المقالات والأغاني بسيطة كي يستطيع الأشخاص ذوو المستوى التعليمي المنخفض فهمها.»13 كان الجمل مسئولًا عن المُلحق الثقافي في جريدة «المصري اليوم» المستقلة، وقدَّم مثل هذا الشكل من الثقافة للشارع على صفحات الجريدة التي يعمل بها دون أي قيود، حيث يقول: «إن تنوع المدونات كان ضخمًا؛ فأصبح المجتمع في حراك مستمر، لا توجد مبادئ توجيهية أو معايير واضحة، هذا ينطبق أيضًا على المدونين والمقالات التي يكتبونها؛ لذلك تجد جميع المستويات من المدونين، فتجد مَن هم في مستوًى جيدٍ جدًّا ومَن هم في مستوًى سيئٍ للغاية. وهنا يختلف استخدام اللغة بين مدوِّن وآخر؛ فنجد أن بعض المدونين يستخدمون ألفاظ سِباب فقط، والبعض الآخر يتباين استخدامه للغة. وعندما يكتب المدوِّن في صحيفة، فإن ذلك يتيح له فرصة التعليق على أي شيء يقرؤه أو يشاهده، وهذا يسمح بنشر جميع المقالات دون تدخُّل من إدارة التحرير أو رقابتها على النصوص؛ لأن الجمهور يستطيع أن يُقرر ما هو جيد وما هو سيئ.»
خلقت الأفكار والمشاعر التي تتم كتابتها بسرعة على شبكة الإنترنت شكلًا أدبيًّا جديدًا للتعبير؛ فعندما تقرأ رواية «أن تكون عباس العبد»14 لأحمد العايدي، تشعر وكأنك دخلت في وسط إحدى غرف الدردشة على الإنترنت؛ حيث يستخدم مؤلفها الرموز والأشكال التي تُستخدم في غرف الدردشة، وكذلك الرسومات التوضيحية والحوارات السريعة المستخدمة في اللهجة المصرية، والتي تتخللها بعض الكلمات الإنجليزية، كما يستخدم علامات الترقيم بشكل غير تقليدي، ويستخدم أيضًا الحروف المائلة والحروف المكتوبة ببنط عريض. لم يحتوِ هذا الكتاب على أي حبكة روائية؛ حيث إنه يبدأ برقم هاتف مكتوب ببنط عريض، وتأتي بعده جملة الأمر «كلميني» مكتوبة على دورات المياه المخصصة للسيدات في العديد من مراكز التسوق في القاهرة. ثم يسأل الراوي «من أنا حقًّا؟» ثم يحذر بعد عدة أسطر فارغة بها ثلاث نقاط: «يمكنك الآن أن تقلق. فمعًا سنذوق الخبال رشفة بعد رشفة.» ظهر هذا الكتاب عام ٢٠٠٣ في دار «ميريت» للنشر التي يمتلكها محمد هاشم، وتم الاحتفاء بها لكونها رواية «من أدب الخيال العلمي». وتُعد هذه الرواية شاهدًا على حياة جيلٍ من الشباب، مصري وعالمي ويُعايش ثقافة البوب، ويتحدث العربية والإنجليزية معًا. لقد تجاوز العايدي حدود التقاليد الأدبية، وأشار في روايته إلى «شركائه في الجريمة»؛ وهم: الكاتب الأمريكي «تشاك بولانيك»، وناشر الرواية محمد هاشم، وزميلاه الكاتبان صنع الله إبراهيم وأحمد خالد توفيق. لقد ساهم العايدي مع العديد من الكاتبات والكُتَّاب الآخرين — الذين كان أول ظهور لهم على الساحة الأدبية خلال هذه السنوات — في نشر ثقافة بين الناس، تدفعهم إلى القراءة، وإلا فكيف يفهمون الجملة المكتوبة في الرواية ببنط عريض وتقول «كلمني»؟
إن الأدب الذي نشأ في هذه السنوات كان مُعادلًا للأدب الشخصي المستخدم في الحياة اليومية — في الطرق وفي المنازل — وكان قريبًا من القارئات والقراء. اتهم كاتبُ القصص البوليسية الشاب أحمد مراد جيل كبار السن بأنهم يكتبون لأنفسهم فقط ومن أجل النُّقاد الأدبيين، فيقول: «لقد انفصل القُراء عن العديد من الكُتَّاب كبار السن. لقد سمعت بعض هؤلاء الكُتَّاب يقول إن القُراء يجب أن يأتوا إلى الكاتب، وليس العكس.» لقد غير الجيل الجديد من الشباب هذا الفكر مع ضبط النفس تجاه هؤلاء الكُتَّاب من كبار السن. من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية اتجه الشباب إلى التواصل مع الجمهور مباشرةً، وبدءوا البحث عن تبادل الآراء والنقاش وتحدي الآخرين أيضًا، هنا تلاشت الحدود والفواصل بين الكاتب والقارئ، فمن يقرأ أصبح يكتب أيضًا، ومن يكتب أصبح يقرأ. إن أحمد مراد — الذي ظهر فجأةً برواية «فيرتيجو»15 عام ٢٠٠٧ وتربَّعت بعدها أعماله على قوائم الكتب الأكثر بيعًا — يُجسِّد هذا النوع الجديد من الكُتَّاب. يغضب مراد جدًّا من الكُتَّاب القابعين في العصور الظلامية، والذين يتهمونه بأنه كاتب تجاري يسعى للربح. يقول أحمد مراد: «لقد فتح علاء الأسواني الباب من خلال روايته «عمارة يعقوبيان»، وهذا ما كان ينتظره الجمهور لفترة طويلة.»
تُجرَى الآن مناقشات أدبية عبر المدونات وفيسبوك لها تأثير بعيد المدى، وهذا يتضح من خلال المثال التالي للكاتب مكاوي سعيد؛ حيث إن روايته «تغريدة البجعة» التي ظهرت عام ٢٠٠٧ لم تُحدِث صدًى واسعًا في أوساط النقد الأدبي. إلا أن مكاوي سعيد يقول: «بعد نشر الرواية، دارت حولها العديد من النقاشات بين المدونين وأوصوا بقراءتها. وقد أدَّت مثل هذه الدعاية المكثفة للرواية على شبكة الإنترنت إلى دخول الكتاب ضمن القائمة النهائية المرشحة لجائزة البوكر للرواية العربية. فبدأ النقاد بعد ذلك في الكتابة عنها في الصحف.» وفي هذه الأثناء تمَّت ترجمة روايته إلى اللغة الإنجليزية،16 والتي بِيع منها — حسب أقوال المؤلف — حوالي خمسين ألف نسخة، وكان هذا الرقم كبيرًا مقارنةً بعدد النسخ العربية التي تمَّت طباعتها من الكتاب، والتي تراوحت بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف نسخة.

كان دور وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الأعمال الأدبية أكثر أهمية من النقد الأدبي نفسه، على الأقل في وسائل الإعلام الحكومية التي تمارس عملها بصورة غير مهنية، كما يبيِّن جمال الجمل الذي يعمل محررًا في قسم الثقافة بجريدة «المصري اليوم»، فيقول آسفًا: «إن التغطية الإعلامية لأخبار الثقافة في أزمة؛ فنقاد الأدب يعتبرون أنفسهم موظفين يكسبون المال من خلال وظائفهم، فلا يُناقشون أي كتاب بصورة جدية.» يعتقد جمال أن هذه الحالة سوف تتغير قريبًا، فيقول: «لقد أصبح الناس بعد الثورة أكثر قدرة على النقد وأكثر شجاعة.» لا يرى جمال أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن اعتبارها منافسًا لوسائل الإعلام المطبوعة، فيقول: «لا تُعَدُّ وسائل التواصل الاجتماعي منافسًا لوسائل الإعلام المطبوعة؛ فكل نوع منهما يُكمِّل الآخر ويدعمه. وفي الصحف يجد القارئ إشارات إلى بعض مواقع الإنترنت، وإلى البرامج الإذاعية والتليفزيونية، فتوجد حتى بعض الإشارات للأشخاص الذين يعملون في هذه المواقع. كما أن الصحف يكون لديها موقع إلكتروني على الإنترنت بجانب النسخة المطبوعة، تعرض عليه صورًا للأحداث بعد وقوعها بدقائق قليلة.» يتزايد عدد الكُتَّاب الذين يوجِّهون كتابتهم حسب اللغة المستخدمة في الإنترنت وخبرات الناس التي ينشرونها من خلاله. وقد خصَّص مجدي الشافعي روايته الساخرة المذهلة «مترو» — والتي حُظر نشرها في مصر — للحديث عن الجيل الجديد من المدونين الشباب، فيقول عنهم: «لقد أعطى هؤلاء الشباب للمجتمع المصري روحًا جديدًا ولغة جديدة مباشرة.»

جيل الطوارئ

ظهر كتاب آخر فجأةً عام ٢٠٠٧ وأصبح على كل لسان، وهو كتاب «تاكسي» لخالد الخميسي. كان يعبر مؤلف هذا الكتاب — الذي درس العلوم السياسية والإنتاج السينمائي، والذي عمل من قبل صحفيًّا — عن آرائه من خلال الأعمدة الصحفية أو التعليقات في وسائل الإعلام المستقلة. يقول الخميسي: «في بلدٍ نامٍ مثل مصر يلعب المؤلف دورًا هامًّا. فيجب علينا — نحن كمؤلفين — أن نرفع أصواتنا ونحاول التأثير لإحداث تنمية على جميع المستويات المجتمعية والاقتصادية والسياسية. وقد لعبت الثقافة دورًا رئيسًا في التأثير على الرأي العام خلال السنوات الثماني الماضية.» يُضيف الخميسي: «لقد شهدت أسواقُ الكتاب والساحات الموسيقية والمسرح ازدهارًا ثقافيًّا، وكان هناك صوت عالٍ يعبِّر عن الغضب ضد النظام الحاكم، وقد زادت حدة هذا الغضب في السنوات الأخيرة أكثر وأكثر.»

لقد شارك الخميسي في التظاهرات التي نظمتها حركة «كُتَّاب من أجل التغيير» منذ عام ٢٠٠٥؛ وذلك احتجاجًا على الجمود الذي تشهده البلاد، وقال الخميسي أثناء حوار أُجري معه في القاهرة في فبراير عام ٢٠٠٥: «لقد نشأتْ في هذه الفترة العديد من الدوائر السياسية والثقافية والأدبية، التي أعلنت أن ما يحدث في مصر لا يمكن أن يستمر، ورفعت شعار «كفاية». لقد كانت الحياة الثقافية والأدبية والفنية في مصر دومًا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأوضاع المجتمعية والسياسية. وأدركنا حينها أننا نعيش نهاية هذا النظام، وناقشنا كيفية إنهاء هذا الوضع بالفعل. وكان هناك رفض تام للنظام السياسي في الشارع المصري؛ هذا النظام الذي انتهت فترة صلاحيته وأصبح في حُكم الميت.»

لم تكن هذه الثورة في الشارع فقط، بل امتدت لتشمل الإبداع الأدبي الذي تطوَّر وظهرت به أشكال جديدة للتعبير، والتي تتوافق مع نمط الحياة الحالي. يتحدث خالد الخميسي عن الثورة الثقافية التي بدأت في السنوات الأخيرة، والتي ظلت لفترة طويلة غير مكتملة، يقول الخميسي: «مثلما شكَّل «جوتنبرج» عصرًا بأكمله من خلال اختراعه للطباعة، وظل ذلك لعدة قرون، يبدأ اليوم عهدٌ جديد، وهو عصر الإنترنت والمدونات والعولمة، عصرٌ سيُغيِّر الثقافة في القرون المقبلة بالقدر نفسه. نحن نشهد الآن الخطوات الأولى في هذا العصر الجديد؛ فعندما ننظر اليوم إلى الكتابة الإبداعية في مصر، نلاحظ حدوث هذا التغيير. فمثلًا على تويتر، تتم كتابة النصوص القصيرة باستخدام عدد محدود من الأحرف. إن فكرة التعبير عن النفس بشكل دقيق للغاية وبصورة محددة يخالف الأسلوب التقليدي للكتابة المصرية الذي يتسم بالإسهاب وتناول العديد من الموضوعات. إن مقدار الإبداع في السنوات الأخيرة كان هائلًا؛ فقد بدأ مئات الآلاف من المصريين الحديث في وسائل الإعلام الاجتماعية. تعيش مصر الآن طفرة ثقافية حقيقية من شأنها أن تستمر في دفع المجتمع إلى الأمام.»

لقد انعكست الطفرة الرقمية أيضًا على العالَم المُعاش؛ حيث أثرت على تأسيس دور النشر والمكتبات والمقاهي الأدبية والمعارض الجديدة، وكذلك إقامة الحفلات الموسيقية؛ فلم يصبح المثقفون وحدهم أكثر نشاطًا، بل ازداد عدد قُراء الكتب الذين كانوا يحضرون المعارض الفنية والحفلات الموسيقية ويتناقشون خلالها. لقد تأثر خالد الخميسي بالاهتمام الواعي لمتلقِّي الأعمال الثقافية أكثر من إنتاجية الكُتَّاب والفنانين، يقول: «لقد تضاعفت مبيعات الكتب، وذلك في جميع المدن المصرية. وتم افتتاح مائة مكتبة جديدة في هذه المدن لتُلبي الطلب المتزايد على الكتب. كما أن الحفلات الموسيقية التي كانت نسبة الحضور بها في السابق ضعيفة، أصبحت تَذاكرها تُباع فجأةً بالكامل. وفي السابق كان يحضر في الأمسيات الشعرية من عشرة إلى عشرين شخصًا على أقصى تقدير، أما الآن فأصبحت القاعات مليئة بالناس الذين يريدون أن يسمعوا القصائد الشعرية، حتى لو اضطُروا إلى الوقوف من أجل ذلك. حقًّا، إن هذا الأمر مذهل!»

يُعد بهاء طاهر واحدًا من الكُتَّاب الأكثر شهرة في مصر، ويؤكد بهاء على هذا التطور الذي شهدته الثقافة المصرية، فيقول: «لقد تضاعفت مبيعات الكتب في مصر ثلاثة أضعاف في السنوات الخمس التي سبقت الثورة، وظلت نسبتها مرتفعة منذ ذلك الحين، على الرغم من أن قراءة الكتب في العالم العربي ليست أمرًا شائعًا. ومن الواضح أن الناس وجدوا في الأدب، الحقيقة التي تم حجبها ومنعها عنهم.»17
في عام ٢٠٠٦ تم افتتاح مكتبة «الكتب خان» (أي: سوق الكتاب) في حي المعادي المتميز، الكائن بعيدًا عن وسط المدينة. وقدمت كرم يوسف — صاحبة هذه المكتبة — مجموعة من الكتب العربية والإنجليزية الأكثر بيعًا. وكانت على رأس قائمة الكُتب العربية في عام ٢٠٠٩ رواية «عزازيل» للكاتب المصري يوسف زيدان، وقد فازت هذه الرواية بجائزة البوكر العربية. كما قدمت الكاتبة المصرية في مكتبتها قائمة بأكثر الكتب الإنجليزية رواجًا، فاحتلت سمر علي بديوانها الشعري «تنورة» مركزًا متقدمًا على كلٍّ من: الكاتب باولو كويلو، وخالد الحسيني، وكتاب باراك أوباما «التغيير الذي يمكن أن نؤمن به». كانت هناك حاجة إلى التغيير على جميع الأصعدة. ومن خلال هذه المكتبة استطاعت كرم يوسف أن تُحقق حلم حياتها؛ حيث وضعت كتب الأطفال، والكتب المصورة المصممة بشكل جميل، وأدب النصح والإرشاد وكتب الطبخ، والروايات العربية والإنجليزية على أرفف مكتبتها؛ لتتصدر قائمة الكتب الأكثر بيعًا. وفي أحد أركان المكتبة كان يوجد مقهًى صغير يحتوي على كراسٍ صغيرة من القش تدعوك إلى الجلوس والتمعن، كما كان هناك رُكن ملوَّن للأطفال تتوافر به مساحة للعب. وداخل المكتبة كانت تُقام أسبوعيًّا أمسيات ثقافية ومناقشات ووِرش عمل. وكان الكاتب ياسر عبد اللطيف يُدوِّن النصوص التي تتم مناقشتها أثناء ورش العمل، وقامت كرم يوسف بنشر هذه النصوص في كتاب لاحقًا. وتم توفير موقع على الإنترنت يستطيع من خلاله أي شخص شراء الكتب الموجودة في المكتبة إذا كان صعبًا عليه الذهاب بنفسه إلى المعادي. وبعد نجاح المكتبة لعدة سنوات خططت كرم يوسف لزيادة نشاطها، وأرادت أن تفتح فرعًا جديدًا في حلوان؛ هذا الحي الفقير الموجود في القاهرة. أما في جاردن سيتي، فقد تم افتتاح مكتبة جديدة لبيع الكتب في الجهة المقابلة لعيادة الأسنان الخاصة بعلاء الأسواني منذ عدة سنوات، وتحدث الكاتب علاء الأسواني عن هذه المكتبة في حديث صحفي عام ٢٠٠٩ فقال: «لقد سار العمل في هذه المكتبة على ما يُرام.» وأضاف: «من كان يريد أن يفتح مكتبة جديدة في التسعينيات، كان كمن يرمي أمواله في نهر النيل، أما الآن فالمكتبة أصبحت مشروعًا يستحق المبالغ المدفوعة فيه، وهذا يعني أنه ما زال هناك أناس يرغبون في القراءة. لقد تغيَّر المناخ المجتمعي في مصر إلى الأفضل.»18 وكما يقول الأسواني: لقد أصبح نشر كتابٍ اليوم أسهل بكثير من نشر كتاب قبل عشر سنوات. كما يستطرد الأسواني قائلًا: «كانت لدينا أزمة قراءة في مصر خلال التسعينيات، فكان الناس يقرءون بالكاد القصص المسلية؛ لذلك تراجع عدد دور النشر.» يبرز الاهتمام المتزايد بالأدب أيضًا من خلال الصالون الأدبي الذي كان يعقده الأسواني يوم الخميس من كل أسبوع في أحد المقاهي البسيطة منذ عام ٢٠٠٥. وبعد عقد هذا الصالون بفترة قصيرة للغاية كانت تتم مناقشة الأعمال الأدبية، فضلًا عن تقديم الأسواني للمؤلفين الشباب، كما دارت فيه العديد من الحوارات الجدلية حول الحجاب في الإسلام، وحول رجال الدين المعتنقين لفكرة الديكتاتورية، والمؤامرات التي تُحاك في وزارة الثقافة. في أحد أيام شهر نوفمبر من عام ٢٠٠٦ دخل إلى المقهى الذي يُقام فيه الصالون — قبل بدء انعقاده بفترة قصيرة — بعض ضباط أمن الدولة، وقالوا لصاحب المقهى إن مثل هذه التجمعات ممنوعة بموجب قانون الطوارئ السائد حينها؛ فبحثت الأرواح المتحررة عن مكان جديد تتقابل فيه، واتضح حينها أن مثل هذه المناقشات لا يمكن منعها.

سحر الموجي كاتبة، ومُدرِّسة للغة الإنجليزية في إحدى الجامعات، كما أنها شخصية مُعبِّرة عن كثير من المؤلفات الشابات. كانت سحر تُنهي يومها مع طلابها في مقهى «بورصة» تحت ظلال الأشجار وواجهات المنازل، وذلك بعد انتهائها من إلقاء محاضرة الكتابة الإبداعية لطلابها. لقد ساعدت النشاطات التي قام بها جيل الشباب على الإنترنت على تشجيع ثقافة القراءة، فضلًا عن كونها سببًا رئيسًا في اندلاع الثورة. هذا ما تراه سحر الموجي فتقول: «لقد ناقش الشباب الكتب في وسائل الإعلام الاجتماعية؛ مما أدَّى إلى زيادة انتشار هذه الكتب.» وأطلقت سحر على الجيل الذي وُلد بعد عام ١٩٨١ «جيل الطوارئ»، فتقول: «لم تُتَح الفرصة أمام هذا الجيل للعب عندما كانوا أطفالًا، كما أنهم تعرضوا للاضطهاد في كل شيء وعانوا من الجمود الذي كان يسيطر على المجتمع. كما أنهم واجهوا الفكر الإسلامي المحافظ والمتشدد سواء في المدرسة أو في الشوارع، إلا أن هؤلاء الشباب تعلموا بأنفسهم الكثير من الأشياء، وتعلموا كيفية الاستفادة من الإنترنت. كان التدوين وسيلة يستطيعون من خلالها إعادة اكتشاف أنفسهم مرة أخرى بعيدًا عن ضجيج الأسرة والمجتمع والجهات الدينية. لقد وجد هؤلاء الشباب في الإنترنت المكان المناسب الذي يمكنهم اللعب فيه. لكن لم يلاحظ أحد حينها أنهم لم يكونوا يلعبون فقط، ولكنهم أيضًا أعادوا اكتشاف العالم بأنفسهم. لقد كبر هؤلاء الشباب وكأنهم أبناء غير شرعيين للنظام، فترعرعوا خارج القطيع.»

كانت البداية عام ٢٠٠٢ من خلال رواية «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني وما صاحَبها من انتقاد مباشر للنظام الحاكم في وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية المستقلة، كل هذا جعل المجتمع المصري يستيقظ من سباته واستسلامه، وتطوَّر في فترة عشر سنوات تقريبًا وتزايدت أصوات الشباب الواثق من نفسه عبر نطاق واسع من المجتمع. فوجدوا أنفسهم في الشوارع وفي العالَم الافتراضي، فتكاتفوا سويًّا، وشكلوا معًا دائرة أدبية وكوَّنوا مجتمعات صغيرة، ثم أطلقوا العديد من الحملات السياسية؛ مما جعل مصر على أهبة الاستعداد عندما نادى بعض هؤلاء الشباب عبر فيسبوك ودعوا للنزول في ثورة الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠