عندما تصبح المعارضة طريقًا إلى المنفى أو السجن: أمهات الثورة وآباؤها

شارك العديد من الممثلين البارزين لجيل الأدباء الأكبر سنًّا في الثورة؛ حيث تحوَّل حلمهم الذي دام سنوات طويلة إلى حقيقة. من هؤلاء الأدباء: نوال السعداوي، وجمال الغيطاني، وبهاء طاهر، وصنع الله إبراهيم، وعبد الرحمن الأبنودي، وآخرون ممن تحدوا النظم الديكتاتورية قبل عهد مبارك بالفعل بكتاباتهم ونقدهم الصريح للظروف السياسية والمجتمعية في مصر؛ الأمر الذي كلفهم الزج بهم في السجون والنفي من البلاد والمنع من الكتابة. بعد أن وضع جمال عبد الناصر نهاية للنظام الملكي بالانقلاب العسكري عام ١٩٥٢ حكم مصر وشعبها حكمًا استبداديًّا وبقبضة من حديد. إلا أن التأريخ الحكومي يعتبر هذا الانقلاب ثورة. ووضع عبد الناصر حجر الأساس للحكم العسكري الذي لاحق الثوَّار والمنتقدين بلا هوادة عن طريق جهاز مخابراته المتواجد في كل مكان. وسقط عدد كبير من المفكرين ضحية للرقابة الصارمة، خاصة الشيوعيين الذين كانوا على وفاق أيديولوجي مع الرئيس آنذاك. وبعد وفاة عبد الناصر عام ١٩٧٠ حول الرئيس أنور السادات الاقتصاد إلى الطابع الليبرالي الحر، لكنه لم يفعل ذلك في السياسة، وحارب الشيوعيين بدعم من حليفه الولايات المتحدة عن طريق تأسيس جبهة من الإسلاميين بوصفهم قوة مضادة. وظل الجيش محتفظًا بسيطرته على البلاد تحت حكم قائد القوات الجوية الأسبق حسني مبارك؛ حيث وجه القمع بشدة إلى الإسلاميين الذين ارتكبوا العديد من الهجمات الدموية في فترة التسعينيات من القرن العشرين. إلا أنه في أواخر أعوام حكم مبارك خفت حدة الرقابة على الأدباء على الأقل؛ إذ كانت الرقابة عشوائية وفي الغالب بضغط من الدوائر الدينية المتشددة؛ من ثَمَّ أصبح الأدباء أكثر شجاعة وأكثر شغفًا بتجربة أمور جديدة. وما فعله جيل فيسبوك في اللحظة الفارقة باستخدام التكنولوجيا الحديثة كان قد ظهر بالفعل ومنذ وقت أطول في شكل خلاف تقليدي. أو كما قال الأديب جمال الغيطاني المولود عام ١٩٤٥: «سبق الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١ تاريخ طويل.»

يعكس الأدب المصري المعاناة من الفساد وسلطة الدولة والبطالة والفقر وأسباب ثورة عام ٢٠١١ منذ فترة الستينيات من القرن العشرين. كما وصف المتخصص في الأدب العربي والمترجم المعروف هارتموت فاندريش الروايات الأولى لنجيب محفوظ بكونها نماذج مبكرة قائلًا: «هناك الكثير من التقارير عن القمع وإبادة أفراد وأسر بسبب تدخل أمن الدولة. وتأسس جنس أدبي تحت اسم «أدب السجن» في المخزون الأدبي العربي بوجه عام وفي مصر بوجه خاص؛ فهناك أعمال وروايات وحكايات رسمت الطريق إلى السجن وخلاله ومنه، وهي تُظهر المعارضين المسجونين وكيف أن ذويهم تعذبوا وعانوا معهم دائمًا. عايش عدد كبير للغاية من الأدباء والأديبات الذين بدءوا الكتابة في عهد عبد الناصر أو السادات السجن من الداخل. فوجدت الخبرات المتعلقة بذلك طريقًا إلى كتاباتهم.»1

دبت الحياة في هذا الجيل من الأدباء مرة أخرى في الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١، هذا الجيل الذي كافح من أجل معركة خاسرة واستسلم جزء منه لاحقًا؛ فوجدت معارضته ونقده وعروضه الكاشفة للمأساة من يستمع إليها. لكنه حاز الآن على دعم جيل شاب لم يحطم البِنى السياسية الجامدة باستخدام التكنولوجيا الجديدة والثقة القوية بالنفس فحسب، بل جدد من الأدب بكتاباته.

ناشطة نسوية من الساعة الأولى: نوال السعداوي

قالت نوال السعداوي: «منذ أن كنت طفلة وأنا أحلم بهذه الثورة التي قامت أخيرًا بعد مرور سبعين عامًا.» تنتمي الكاتبة النسوية والطبيبة نوال السعداوي إلى المفكرين البارزين في مصر. وُلِدَتْ عام ١٩٣١ في قرية صغيرة بالدلتا، ودرست الطب وعملت قابلة وطبيبة في الريف وشغلت منصب مديرة للتربية الصحية من عام ١٩٦٧ في وزارة الصحة بالقاهرة. وبعد أن نشرت كتابها «النساء والجنس» الذي انتقدت فيه ختان الإناث وفسرت المشكلات الجنسية في سياق القمع السياسي والاقتصادي فُصلت من عملها عام ١٩٧٢، ومُنِع الكتاب من التداول. وتنشر الكاتبة كثيرًا من كتبها بانتظام في بيروت؛ لأنه كان يتعين عليها التعامل مع رقابة جديدة في مصر؛ حيث أمر الرئيس أنور السادات — في إطار ما أطلق عليه اسم «عملية التطهير» — عام ١٩٨١ باعتقال ما يقرب من ألف وخمسمائة مفكر وأديب ومعارض سياسي، وكان من هؤلاء نوال السعداوي. كتبت في المعتقل كتابها «مذكرات من سجن النساء» وأُطلق سراحها نهاية شهر نوفمبر؛ أي: بعد شهر من اغتيال السادات على يد أحد المتطرفين الإسلاميين يوم السادس من أكتوبر. ويُعَدُّ كتابها «امرأة عند النقطة صفر»2 أشهر أعمالها؛ حيث اعتمد هذا التقرير على خبرات الكاتبة — بوصفها طبيبة — في أحد السجون القريبة من القاهرة حيث كانت ترعى السجينات. وتروي القصة حكاية البطلة «فردوس» المحكوم عليها بالإعدام لأنها قتلت رجلًا؛ حيث ظلت تنتظر تنفيذ الحكم في زنزانة الإعدام دون أن تتحدث إلى أحد ودون أن تلمس الطعام، حتى إنها رفضت توقيع الْتِماس بالعفو أراد طبيب السجن أن يصل به إلى قرار بتخفيف عقوبة الإعدام إلى سجن مدى الحياة؛ لأنه لم يستطع أن يصدق «أن امرأة رقيقة مثلها تستطيع أن ترتكب جريمة قتل.» تروي «فردوس» حكايتها في مونولوج طويل؛ فهي ابنة لفلاح فقير لا يستطيع القراءة أو الكتابة لكنه يعرف تمام المعرفة «كيف يضرب زوجته ويجعلها تزحف على قدميها كل ليلة.» تعرضت الفتاة لعملية الختان واغتصبها عمها؛ فأجبرها والدها على الزواج من رجل مُسن أذاقها من صنوف العذاب حتى لاذت بالفرار إلى المدينة، وصارت عاهرة. فحياتها إذنْ ملحمة فريدة من الإهانة والاحتقار وسوء المعاملة. وعلى الرغم من ذلك وقفت على قدميها مرة أخرى وكسبت أموالًا كثيرة من عملها الناجح كغانية مستقلة، حتى إنها تمكنت من رفض بعض الرجال. ثم وقعت في براثن قواد حاول أن يسلبها استقلاليتها بالقوة فطعنته. روت نوال السعداوي هذا الحدث على لسان «فردوس» قائلة: «عندما قتلت فعلت ذلك بسيف الحق وليس بسكين؛ لذا شعروا بالخوف وأصروا على إعدامي، فهم لا يخشون سكيني بل حقيقتي التي أفزعتهم. وهذه الحقيقة الهائلة هي التي تزودني بطاقة هائلة وتحميني من الخوف من الموت أو الحياة، ومن الجوع أو البرد أو الدمار. إنها تلك الحقيقة الهائلة التي تمنعني من خشية قسوة الحكام ورجال الشرطة، وتجعلني أبصق على وجوههم المنافقة وكلماتهم وجرائدهم الزائفة بسهولة ويسر.»3

ساهمت النغمة العقلانية والباردة تقريبًا في إبراز فظاعة وهول هذه الحكاية على نحوٍ مؤلم. فما قالته المرأة بمنزلة قصاص امرأة من الهيمنة الذكورية المتجبرة والممنهجة في نفس الوقت أكثر من كونه شكوى منها؛ فهي لم تتحرر إلا بجريمة القتل، وها هي تنقل هذه الرسالة للعالم الآخر وهي على حافة الموت. وتقصد بالحقيقة التي تحدثت عنها أن بعض النساء في المجتمع المصري يُقهرن وكأنهن كائنات بلا حقوق وبلا حماية، فضلًا عن استغلال الرجال لهن حيث ينظرون لهن وكأنهن ملك لهم. وبدا أن ما فعلته «فردوس» في هذه الحكاية وخلال هذه الظروف أمر مشروع أخلاقيًّا لكنه حقيقة خطيرة في واقع الأمر. هكذا وضعت نوال السعداوي نفسها بهذه الحكاية الكاشفة في مكانة الكاتبة النسوية، لا سيما في زمن عانى فيه المجتمع المصري من التحول إلى الطابع الأصولي المتزايد. وأسست عام ١٩٨٢ جمعية «تضامن المرأة العربية» لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للنساء، إلا أنه لم يمر عشر سنوات على تأسيس الجمعية حتى تم حظر نشاطها بعد أن انتقدت الجمعية المشاركة المصرية في حرب الخليج. ولم تُصعِّب سلطةُ الدولة وحدها الحياةَ على الكاتبة الناشطة، بل كذلك فعل الإسلاميون؛ حيث تلقت تهديدات بالقتل في فترة التسعينيات عندما ارتكبت الجماعات الإسلامية المسلحة الكثير من الهجمات الإرهابية؛ لذا غادرت نوال السعداوي مصر وعاشت بضع سنوات في المنفى في الولايات المتحدة حيث ألقت العديد من المحاضرات في جامعات مختلفة هناك قبل عودتها إلى القاهرة.

التقينا لأول مرة في شهر مارس عام ٢٠٠٥، وقبل ذلك بقليل كانت نوال السعداوي قد أعلنت عن ترشحها لانتخابات رئاسة الجمهورية في شهر سبتمبر وتحدي حسني مبارك، وكان هذا بمنزلة تحدٍّ أثار الدهشة والغضب، بل والتعاطف والحماس أيضًا. وردَّت على سؤالي عما إذا كانت ترى نفسها رئيسة لمصر قائلة بجرأة: «ولِمَ لا؟! أتعتقدين أن من يشغل منصب الرئيس الآن أفضل مني؟!» نظرت إلى النيل وهي في غرفة المعيشة الكائنة في الطابق السابع من بناية في حي شبرا الشعبي. هذا النهر الذي يجري شامخًا خلال المدينة. تبدو نوال السعداوي واعية الإدراك ومولعة بالجدل بعينيها السوداوين البراقتين وغرة شعرها ناصعة البياض؛ حيث تتسلل السياسة في كل حياتها وفي كتاباتها أيضًا. فالانخراط في السجال السياسي ومعارضتها في النظام السلطوي أمر بديهي بالنسبة لها. ولا سيما وهي كاتبة؛ حيث تقول: «الأدباء أهم من الرؤساء بالنسبة لتاريخ أي أمة؛ فالكل يعرف اليوم الكاتبة الإنجليزية فيرجينيا وولف لكن لا أحد يعرف من كان يحكم آنذاك؛ فالأدباء والمفكرون هم من يغيِّرون العالم وليس الرؤساء الذين يستخدمون قوتهم العسكرية والاقتصادية لخوض الحروب والقتل، أما الفنانون والمفكرون فيثرون حياتنا؛ فقد كتبت حتى الآن واحدًا وأربعين كتابًا ستؤثر على أربعة أجيال على الأقل في العالم العربي.»

وعلى الرغم من ذلك رشحت نفسها عام ٢٠٠٥ لانتخابات رئاسة الجمهورية. ليس لأنها مهتمة بالمنصب، بل لتحريك الناس وكسر التابوهات وإثارة الحوار والنقاش. حيث قالت عن هذا الأمر: «جاءتني وسائل الإعلام لأنني رشحت نفسي. والناس تطرح عليَّ دومًا أسئلة عن آرائي في الحياة السياسية والاجتماعية في مصر وأعبر عن رسالتي من خلالها. وأسفرت الحملة عن عدد هائل من اللقاءات في المدينة والقرى وحركت المصريات والمصريين لمناقشة مستقبل بلادهم.»

أرجعت نوال السعداوي حقيقة أن مبارك قد أجرى تعديلًا دستوريًّا يُسمَح فيه بترشح عدد أكبر من الناس لمنصب الرئيس إلى الضغط الشعبي. وفي البداية ترشح إلى جانبها عالم الاجتماع سعد الدين إبراهيم والبرلماني محمد فريد حسنين، وزاد العدد ليشمل سبعة مرشحين. وصار من المتوقع فجأة أن يكون هناك بدائل لمبارك. واستفزت الكاتبة المجتمع الذكوري في مصر بفعلتها على نحو مزدوج؛ فقد قالت لها النساء إنهن صار لديهن تصور جديد تمامًا، وإنه من الممكن أن تترشح امرأة للرئاسة. قالت الكاتبة نوال السعداوي: «حاول رجال السلطة والنخبة الفكرية التي تتحدث في الصحافة الحكومية تشويه صورتي وإهانتي؛ لأنهم شعروا أنني أُشكِّل تهديدًا لهم.» كما رفضها الإسلاميون، إلا أنها لاقت تعاطفًا وتأييدًا من الناس الذين كانت تقابلهم في الشارع.

انتقدت نوال السعداوي اقتصاد المنتفعين في النظام الحاكم الذي أدى إلى عدم تحمل أصحاب السلطة مسئولية أفعالهم؛ حيث قالت: «هناك قانون يُحصِّن رجال السياسة وأصحاب النفوذ من المثول أمام القضاء. وسوف ألغي هذه الحصانة القانونية؛ لأن كل شخص يجب أن يكون مسئولًا عن أفعاله، ويجب ألا تكون السلطات السياسية والدينية بالتعيين بل بالانتخاب.» وبسؤالها عن أولى الأشياء التي ستنفذها حال فوزها بالرئاسة أجابت بإصلاح نظام التعليم؛ حيث صرحت بقولها: «فلسفة التعليم والتدريب. هذا هو مجالي؛ فأنا أتعامل مع الفكر والعقل. ويجب أن يقوم التعليم على أساس الفكر والعمل الإبداعي الحر والنقدي؛ لأننا لا نستطيع تحقيق التقدم في العلم والفن وفي الحياة إلا بهذه الشاكلة.» وتهتم نوال السعداوي بقانون الزواج والأسرة وتأسيس اقتصاد قومي مستقل ومكافحة الفقر المدقع والبطالة؛ حيث تقول: «كان الشباب العاطل هو من دفعني للترشح لانتخابات الرئاسة؛ حيث طلبوا مني أن أفعل شيئًا من أجلهم.»

استفزت الكاتبة الجماعات الإسلامية في الماضي بطلباتها الليبرالية؛ حيث وجَّه أحدُ رجالِ القضاء الأصوليين إليها تُهْمَةَ الردة عن الإسلام عام ٢٠٠٢، وطالب بضرورة تطليقها من زوجها لهذا السبب. لكنها كسبت القضية بفضل إعلان التضامن الهائل معها سواء في مصر أو في الخارج، ودافعت عن الدولة المدنية وفصل الدين عن السياسة وهي مدركة تمام الإدراك أنها مسَّتْ منطقةً محظورة؛ حيث تقول: «نحتاج إلى قوانين مدنية، ومَنْ يَسْعَ إلى وظيفة سياسية يجب أن يكون لديه برنامج سياسي وليس دينيًّا. يعيش في مصر عدد كبير من المسيحيين، فكيف يمكننا تأسيس دولة إسلامية؟! فنحن في حاجة إلى مساواة ليس بين النساء والرجال فحسب، بل بين المسيحيين والمسلمين.» واستشرفت نوال السعداوي عام ٢٠٠٥ ما سيحدث في أول انتخابات حرة في نوفمبر عام ٢٠١١، وهو فوز الإسلاميين بالانتخابات وحصولهم على أغلبية ساحقة. والمسئول عن ذلك — حسب رأيها — هو الأنظمة المدنية الديكتاتورية الحالية في مصر؛ حيث قالت: «منعت الحكومةُ العديدَ من الجماعات المدنية سواء إبان حكم السادات أو حسني مبارك، حتى إنه تم حظر جمعية «تضامن المرأة العربية»؛ لأنها جمعية مدنية ونسوية تناهض الحرب! وواجهت منظمات عديدة أخرى نفس المصير؛ لأنها كانت متطرفة أو اشتراكية. وتمت محاربة اليسار والشيوعيين والتقدميين بشدة، في حين تمتعت الجماعات الإسلامية بحرية كبيرة، حتى إن السادات كان يُموِّلها ويدعمها بموافقة الحكومة الأمريكية. فالحكومة المصرية هي من خلقت فزاعة الإسلاميين؛ هذا الوحش الذي قتل الأبرياء.»

كما خضعت جماعة الإخوان المسلمين للحظر إبان حكم مبارك، بينما سُمِح لهم بدخول البرلمان «مستقلين» حيث شكلوا أقوى معارضة؛ مما أظهر الحكومة أمام الخارج منفتحة على العالم ومدنية لكونها تسمح بدعم الإسلاميين من خلال حضورهم في المجتمع، في وسائل الإعلام وعبر الخطب في المساجد وعبر مكبرات الزوايا المخصصة للصلاة في المدن والقرى. وذكرت نوال السعداوي أن أول من عانى من المتشددين هم النساء؛ حيث قالت: «نخوض نحن النساء معركة مزدوجة، ليس فقط ضد القوة الاستعمارية الجديدة للأمريكان والبريطانيين والإسرائيليين، بل وضد المتطرفين دينيًّا، الذين يريدون اجتزاء حقوقنا وحرياتنا، فصار الوضع حرجًا بالنسبة للنساء؛ لذا يتعين عليهن المشاركة ورفع أصواتهن.»

إلا أن التوجه الإسلامي المحافظ اكتسب مزيدًا من القبول لدى الشعب، وترسخ ذلك ظاهريًّا في العدد المتزايد من النساء المحجبات سواء برغبتهن أو بضغط من المجتمع. وتميز نوال السعداوي بين نمطين بقولها: «تحول المجتمع المصري إلى الطابع الأمريكي والإسلامي في نفس الوقت. عندما أتنزه على ضفاف النيل في القاهرة أقابل شابات يرتدين الحجاب والجينز ويضعن مساحيق التجميل ويجري وراءهن الشباب؛ فنحن لدينا هنا المجتمع الاستهلاكي الأمريكي، حتى الفول المصري نستورده من كاليفورنيا. وتقدم الشابات المصريات صورة مثالية للتداخل بين التوجه الإسلامي والتوجه الأمريكي بارتداء غطاء الرأس من أعلى وإظهار مفاتن أجسادهن من أسفل!»

واستطردت قائلة في ثقة إن غطاء الرأس لا يمنع النساء من التفكير، لكن الأسوأ هو الحاجز الموجود أمام عقول كثير من الرجال والنساء الناشطات. لقد حققت الناشطة النسوية ذات الثمانين عامًا أملها القديم بثورة الشعب في الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١. إلا أن السعادة لم تفقدها بصيرتها، وتحدثت بعد مرور نصف عام عن ثورة مضادة، وانتقدت قوى النظام القديم التي ما تزال تشغل مناصبها وتهيمن على الجيش والإعلام والمدارس والجامعات بدعم من القوى الاستعمارية الجديدة المتمثلة في الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلًا عن دول الخليج؛ مثل: السعودية، وقطر. وبالنسبة لنوال السعداوي أصبح اليوم من المهم الانخراط في السياسة بوصفها مفكرة كسابق عهدها حتى لو كان هذا غير بديهي بالنسبة لزملائها؛ حيث قالت: «ليس كل الفنانين والكتاب ثوريين، وكثير منهم أفسدهم مبارك، وقليلون فقط هم أصحاب العقول المبدعة الذين كانوا على استعداد للتضحية بشيء من أجل الحرية والسجن من أجلها.»

مارست الناشطة النسوية المثيرة للجدل النقد على نحو أكثر وضوحًا من آخرين، إلا أن كثيرًا من رفاق الدرب قد سُجِنوا بسبب آرائهم السياسية، أو أُجبِروا على البقاء في المنفى مثل نوال السعداوي حتى قبل عصر مبارك.

الرجل الذي صار أديبًا في السجن: صنع الله إبراهيم

على الرغم من أن صنع الله إبراهيم يَصْغُر نوال السعداوي بست سنوات، فإنه قبع في السجن إبان حكم عبد الناصر. وُلِد صنع الله إبراهيم في القاهرة عام ١٩٣٧، وانضمَّ للحزب الشيوعي وهو طالب يدرس الحقوق، وكان ناشطًا في الخفاء من أجل الديمقراطية. لم تلعب الكتابة دورًا في حياته آنذاك، بل على العكس؛ إذ كان الناشط السياسي الشاب يعتبر الأدب مضيعة للوقت. تم إلقاء القبض عليه عام ١٩٥٩ حيث وُجِّهَتْ إليه تهمة محاولة قلب نظام الحكم ليقضي الخمس سنوات ونصفًا اللاحقة في السجن. وقد عبَّر صنع الله إبراهيم عن هذا الموقف المتناقض بقوله: «دخولي السجن في عهد عبد الناصر لأنني شيوعي كان يعادل وضعًا هزليًّا كما لو أنني هبطت في تراجيديا يونانية، فقد أردنا دعمه لكنه لم يُرد قبولنا بل عاقبنا وأقصانا.» حيث وجدت سياسة عبد الناصر الطامحة في الاستقلال والعدالة الاجتماعية قبولًا كبيرًا من الحزب الشيوعي، إلا أن مطالبتهم بالديمقراطية لم تكن مقبولة بالنسبة للحاكم المستبد. ثم سَخِر صنع الله إبراهيم من التناقض بقوله: «كان ديكتاتورًا، لكنه ديكتاتور عادل!» واستطرد قائلًا: «كنا نكتب خطابات لعبد الناصر يوميًّا من السجن نؤكد له فيها أننا ندعم سياسته، لكنه أراد أن يحكم منفردًا وعلى نحو سلطوي، ولم يودَّ إشراك جماعات مؤيدة له في سياسته؛ خوفًا من أن تزداد سلطة هؤلاء ذات يوم ويسقطوه. كان جمال عبد الناصر يبدو ماركسيًّا في أحاديثه خلال الخمس سنوات التي سبقت وفاته؛ حيث كان يشرح للناس مبادئ الماركسية ويدافع عن مساواة المرأة في الحياة العامة وفي العمل، وكانت له خطبة شهيرة من فترة الستينيات سَخِر فيها من نوايا الإخوان المسلمين في فرض الحجاب على النساء، وصفَّق له الناس تصفيقًا حارًّا في هذه الخطبة.»

لم يصبح صنع الله إبراهيم كاتبًا إلا بعد خبرته في السجن؛ حيث كان عليه مواجهة الوحشية والمعاناة والعذاب بشيء ما، أو بالأحرى بالانسحاب من واقع السجن؛ حيث قال: «أفضل ما نجحت فيه هو كتابة الروايات، وحاولت تذكر روايات قرأتها من قبل. ثم فكرت بعد ذلك فيما إذا كنت أستطيع كتابة شيء مثل ذلك؛ لذا استدعيت لحظات درامية معينة من طفولتي.» كان صنع الله إبراهيم معتقلًا مع مئات المفكرين والفنانين والصحفيين والأدباء؛ حيث كانوا «شخصيات شيقة ومخلصة» في نقاش متواصل؛ الأمر الذي لم يكن مناسبًا للسجين ذي الاثنين والعشرين ربيعًا؛ حيث قال: «كنت في حيرة دائمة ولم أعرف ما كان عليَّ أن أفكر فيه آنذاك؛ لذا حاولت القيام بأمر مختلف وبدأت في الكتابة. كنت في البداية أكتب على ورق خشن من أكياس الأسمنت حيث كنت أقص منها قطع ورق، ثم تطورت مهاراتي وتحسنت مع الوقت. وأبهرتني عملية الكتابة وأعجبني أنني أستطيع أن أصنع عالمي بنفسي.»

وبعد فترة السجن، ظلَّ صنع الله إبراهيم قيد الإقامة الجبرية في البداية حتى أُطْلِق سراحه في ظل عفو عام. وتحكي روايته الأولى «تلك الرائحة» عن شخص أُطلق سراحه مؤخرًا من الحبس، وكيف عاد إلى الحياة المدنية وما رآه وما سمعه وشمه وتذوقه وكيف اكتشف نفسه والعالم. تم حظر الرواية بعد نشرها بفترة قليلة عام ١٩٦٦ بسبب الوصف الصادم للتعذيب والشذوذ الجنسي والبغاء والعادة السرية، ثم رُفع الحظر بعد مرور عشرين عامًا في عهد مبارك. سافر الكاتب عام ١٩٦٨ إلى برلين الشرقية؛ حيث عمل صحفيًّا لمدة ثلاث سنوات ثم حصل على منحة لدراسة العلوم السينمائية في موسكو. وقضى ثلاثة أشهر في موقع بناء سد أسوان الجديد من أجل روايته «نجمة أغسطس»، وهو أهم مشروعات عبد الناصر الذي عمل به ألفا مهندس من الاتحاد السوفييتي وثلاثون ألف عامل. ظل الكاتب يراقب أعمال البناء ويتحدث مع العمال ويدوِّن ملاحظات؛ فالبحث يُمثِّل جزءًا أساسيًّا في عمل صنع الله إبراهيم الذي يقول في هذا الصدد: «الكتابة بالنسبة لي هي البحث عن المعرفة واكتشاف العالم؛ حيث أبحث عن القيم التي أردت اتباعها في حياتي اليومية وفي مهنتي. وكل كتاب من كتبي هو نتاج لمثل هذا البحث؛ فقد تناولت ذات مرة الشركات الكبرى متعددة الجنسيات أو نظامنا الاقتصادي والسياسي، كما تناولت أعمق مشاعري وعلاقتي بالنساء في الكتابة.»

ومنذ روايته الأولى جمع الكاتب في أعماله بين نصوص خيالية ونصوص حقيقية وقعت في يده ومسَّتْ شيئًا ما بداخله، مثل خطاب أحد أصدقائه من السجن أو مقتطفات من الصحف تُصوِّر موقفًا محددًا أو فكرًا معينًا؛ حيث لم يهتم بالتوثيق بل بالسياق. واستخدم هذه الطريقة عام ١٩٩٢ في رواية «ذات»4 في أفضل صورة. «ذات» هو اسم بطلة الرواية، وهي امرأة مصرية من الطبقة المتوسطة السفلى، ومعنى الاسم هو «الجوهر» أو «الهوية» أو «الذات». ويهدف إلى الجوهر الروحي للبطلة وهويات البلد التي تكافح من أجل البقاء على قيد الحياة؛ حيث تحكي الرواية عن حياة «ذات» من منظور بعيد وتهكمي. تبدأ الرواية بليلة الزفاف في فترة الستينيات من القرن العشرين — أي في عهد جمال عبد الناصر — حين انتشر في مصر في ذلك الوقت ارتداء النساء للتنورة القصيرة، واستخدام مزيل العرق وحبوب منع الحمل، و«الثلاثي المقدس» الذي جعله عبد الناصر متاحًا للناس. وتمثَّلَ هذا الثلاثي في: «سخان المياه، والبوتاجاز، وثلاجة إيديال.» كما ذكرت الرواية. تحفَّظ الكاتب أثناء وصفه لليلة زفاف «ذات» وزوجها وشرح بدلًا منها قائلًا: «مَنَعَنا موقفُ النشر آنذاك من ذكر تفاصيل هذه اللحظة الحاسمة في حياة «ذات» و«عبد المجيد».» وكان الراوي الذي يعرف كل شيء يتدخل مجددًا في الحدث، ويعكس عملية الرواية بنفسه بالتعليق، فيجعل القارئ مشاركًا فاعلًا في الرواية. ونعرف هنا أنه قد تم حذف موضع ما، أو أن الأمر متعلق بالجنس؛ وهو من الموضوعات المحظورة. ودون تسمية كلمة رقابة بوضوح فسر الراوي تأثيرها، حتى إنه يمارسها بنفسه في نفس اللحظة؛ حيث وصف ليلة الزفاف باستمتاع بأنها كارثة «حين اكتشف «عبد المجيد» أو اعتقد أنه اكتشف أن السلعة التي وضع فيها كل مدخراته ووضع مستقبله في الميزان لم تكن في حالة جيدة، بل سبق لغيره وربما لأكثر من فرد أن يجربها أو حتى يلامس غلافها. هل كان ذلك يستحق الدموع؟ لم يكن الاكتشاف هو سبب دموعه، بل اليأس؛ حيث أقسمت «ذات» بكل يمين أمام المنديل الأبيض أنه لم يسبق لأحد غيره أن لامسها. وقفت لإحضار المصحف كي تقسم عليه وسنحت له الفرصة أن يتأمل السلعة من الخلف وهي عارية تمامًا، وما رآه أعجبه وأسكت دموعه. عادت «ذات» دون أن تجد المصحف وبدأت في البكاء مجددًا. لماذا؟ لأنها اكتشفت أن هذا الشيء الذي يجب أن يُصان وحاربت بشدة لم يكن موجودًا من البداية.»5

يجب ألا تظل ليلة الزفاف هي الاختبار الأخير في حياة الزوجين؛ حيث اصطدمت أمنية «ذات» في استكمال الدراسة ثم العمل صحفيةً — أو ربما في التلفاز — برفض «عبد المجيد»، وأوضح لها بحزم أن بيتهما يحتاج لكل وقتها وأنه سيتحمل المسئولية من أجلهما معًا. فنفذت إرادته وأوقفت الدراسة حتى تطلَّب الوضع المالي في النهاية خروج «ذات» للعمل؛ لأن دخل «عبد المجيد» لم يعد كافيًا؛ حيث وجدت وظيفة في إحدى الصحف الحكومية، وانشغلت منذ ذلك الحين بقص المقالات والنميمة بين الزميلات. وصف صنع الله إبراهيم بأسلوب فكاهي رقيق كيف يثير تقلد رئيس جديد لمنصبه الانتباه في مؤسسة حكومية؛ حيث يتم تبديل صور الرؤساء في المكاتب. أعلن السادات بعد وفاة عبد الناصر بقاء صور الرئيس الراحل وتعليق صورته بجوارها. وفي مكتب «ذات» ظلت صورة السادات معلقة بجوار صورة عبد الناصر طوال فترة حكمه الممتدة من عام ١٩٧٠ حتى عام ١٩٨١، وهو أمر حاز على إعجاب «ذات» التي كانت من أشد أتباع عبد الناصر، وظلت هكذا حتى بعد وفاته. لكن حدثت مشكلة بعد اغتيال السادات وتولِّي نائبه مبارك الحكم؛ حيث لا يتسع المكان لتعليق ثلاث صور بعضها بجوار بعض؛ لذا كان يجب إبعاد صورة أول رئيس. لم تتقبل «ذات» أبدًا إبعاد صورة رئيسها المحبوب عبد الناصر، وأعلنت بشجاعة نادرة قائلة: «إذا كان من الضروري إبعاد صورة أحد، فلتكن صورة السادات.» لذا عُوقِبَتْ على شجاعتها ونُقِلَتْ إلى قسم أقل أهمية.

كانت هناك قصاصات من أخبار الصحف والوسائل الدعائية، وصور تبرز الخلفية المعاصرة لأحداث الرواية في فترة الثمانينيات، لتقطع فقرات من عقود عدة من حياة «ذات» خلال فصول كاملة بانتظام، عندما اتضحت تأثيرات سياسة الانفتاح الاقتصادي التي انتهجها السادات؛ حيث وضعت هذه الأجزاء بعضها بجوار بعض دون تعليق؛ فجزء منها تهكم واقعي، والجزء الآخر شهادات كاشفة على النفاق والعجز والجرائم الاقتصادية اليومية التي تورط فيها وزراء ورجال أعمال بارزون. ويوضح هذا الأمر مدى تعرض مصر لتلاعب الشركات الدولية الكبرى:

خبر من جريدة «دير شبيجل» الألمانية: «قامت شركة الأدوية السويسرية «سيبا جايجي» باختبار المبيد الحشري جاليكرون على أطفال وشباب مصريين بعد أن اكتشفت أنه تسبب في أورام سرطانية على فئران التجارب.» […]

أقرت شركة «سيبا جايجي»: «أن استخدام المبيد جاليكرون عام ١٩٧٦ أدَّى إلى ظهور الأورام السرطانية لدى أطفال مصريين.» […]

«وأكدت وزارة الصحة المصرية أنها أجرت فحوصًا طبية على العمال والأطفال المقيمين في المناطق التي استُخدِمت بها مادة الجاليكرون، ولم تثبت أي تداعيات ضارة. وأشار آخر الاختبارات أن المبيد جاليكرون لا يسبب أضرارًا جانبية خطيرة على الحيوان أو الإنسان؛ لذا سيتم بيع المبيد الحشري تحت اسم ترخيص جديد مرة أخرى.»

تم اقتباس الأجزاء النصية من النقاش العلني دون تعليق، إلا أن مجرد اختيارها وإدراجها في الرواية أكسبها أهمية محددة دون اتهام النظام بالفساد بوضوح، لكنه تعرض لحملة تشهير بسبب هذه الأخبار.

وغالبًا ما تظهر تأثيرات هزلية في كل تراجيديا، مثل تصريح الشيخ الشعراوي صاحب المكانة الدينية الراسخة؛ حيث صرح بقوله: «يجب على النساء ارتداء الحجاب كي لا يشكك الرجال في نسب أطفالهم.» كما تناولت الرواية عودة الحياة للمذهب الديني المتشدد في عهد السادات؛ حيث تغيرت ملابس «ذات» من التنورة القصيرة في البداية إلى غطاء رأس غير مرتب، واستعاض «عبد المجيد» عن الأفلام الجنسية التي كان يتداولها مع جاره بلقاءات دينية. وتم اقتباس كلمات رئيس الوزراء، وهي: «نحن حكومة ولسنا عصابة مجرمين.» ويطول الحديث عن حقيقة أنه كان من الضروري تأكيده على هذا الأمر. وإدراج قصة «ذات» في سياق تاريخي اجتماعي مثل هذا، يشير إلى الخبرة الجمعية للطبقة المتوسطة في مصر في فترة السبعينيات والثمانينيات.

رواية «ذات» هي أول رواية لصنع الله إبراهيم يجعل فيها من امرأةٍ الشخصيةَ المحوريةَ للأحداث. وبعد ثماني سنوات أبدع بطلة جديدة في روايته «وردة»، لكنها بطلة ثورية هذه المرة، فشلت في معركتها في النهاية مثل «ذات»، لكنها تركت ابنة أطلقت عليها اسم «وعد» في إشارة للأمل في المستقبل. عندما بدأ صنع الله إبراهيم بكتابة «ذات» كان يائسًا من الوضع في مصر، وتصوَّر أنه في إمكان سيدة أن تحسن أمرًا ما كما قال الأديب في الحديث، وما زال على رأيه حتى الآن؛ حيث قال: «خبراتنا مع الرجال سيئة.»

أدرك صنع الله إبراهيم المخاطر المرتبطة بهذه الرواية بسبب خبرته الأليمة مع حظر نشر روايته الأولى، وشكر في مقدمة الرواية ثلاثة محامين على النصيحة كما شكر زوجته والناشر، مصورًا تداعيات الرقابة بطريقة تهكمية. وأشارت الباحثة الأدبية سامية محرز إلى أن رواية «ذات» هي كتاب صنع الله إبراهيم الأول الذي كان من الممكن نشره من الطبعة الأولى في مصر. وهذا ظرف جدير بالذكر؛ حيث قالت: «لأن هذه الرواية لا تنتقد نظامًا بائدًا بل تتفاعل مع الحاضر بقسوة، فقد نُشِرَت الرواية في القاهرة وبِيعَتْ في جميع أنحاء مصر.»6 حيث حمت طريقة السرد الساخرة بتأثيراتها الاغترابية من تدخل الرقابة بفضل أجزاء الصحف المدرجة في السرد.

عاصر صنع الله إبراهيم ثلاثة من الحكام عن قرب، إلا أن حكم عبد الناصر كان الأسوأ فيما يتعلق بحرية الرأي؛ حيث قال: «قضى عبد الناصر على كل معارضة. صحيح أن السادات كان مستبدًّا للغاية، إلا أنه لعب بورقة جديدة بأن ظهر أكثر تدينًا وأكثر ديمقراطية من عبد الناصر. وادَّعى مبارك منح المعارضة مساحة محددة؛ لذا تمكن من الاستمرار في الحكم ثلاثين عامًا، لكنه في الوقت نفسه تلاعب بالجماعات السياسية بعضها ضد بعض. وتمتعنا تحت حكم مبارك بمزيد من حرية الرأي أكثر من حكم عبد الناصر والسادات.»

انعكس هذا التطور في تاريخ النشر لصنع الله إبراهيم، وأصبح ذلك أضعف في آخر سنوات حكم مبارك، ولم يتمكن من السيطرة على المفكرين؛ حيث يقول الأديب: «أصبح الكُتَّاب أكثر جرأة، وكتبوا على نحوٍ أكثر صراحة، وانتقدوا النظام بوضوح.» وهذا ما فعله صنع الله إبراهيم عام ٢٠٠٣ في ظهور مبهر، حين قدَّمَتْ له وزارةُ الثقافة جائزةَ الدولة للأدب بقيمة مائة ألف جنيه مصري (ما يقرب من اثني عشر ألف يورو) وسحبت منه الجائزة في أكتوبر؛ حيث أعلن الكاتب في خطابه الذي نُشِر في العديد من الصحف فيما بعد قائلًا: «إن حجم الكارثة المحدقة ببلدنا تعدَّى التهديد الإسرائيلي أو الإملاءات الأمريكية لسياساتنا، بل يمتد ليشمل كل جوانب الحياة. فلم يَعُدْ لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي، ولم يَعُدْ لدينا سوى المهرجانات والمؤتمرات ومؤسسات مشكوك فيها، ولا توجد صناعة أو زراعة أو صحة أو عدالة. ويزدهر الفساد والسرقة، وكل من يحاول أن يفعل شيئًا لمناهضة ذلك يتعرض لخطر الضرب أو التعذيب. لقد سرقت منا أقلية مستغلة روحنا، ولن أقبل هذه الجائزة لأنها من حكومة تفتقر لمصداقية منحها.»7

أُصِيبَ جزء من الجمهور بالصدمة، والجزء الآخر هتف هتافًا عاليًا وفقًا لما نشرته التقارير الصحفية. قال صنع الله إبراهيم آنذاك إنه بحث عن المواجهة عن قصد؛ لأنه لو كان أخبر اللجنة المانحة للجائزة برفضه على الفور لكانوا اختاروا مرشحًا آخر بهدوء؛ حيث أراد انتهاز الفرصة لعرض موقفه، فقد كان النقد المعلن بوضوح أمام الاحتفالية المعلنة لتوزيع الجوائز بمنزلة صفعة موجعة على وجه النظام، وحظيت بقبول المفكرين في العالم العربي؛ حيث تمكن أحد المفكرين من التعبير علانية عما يتجرأ الكثيرون على قوله لزملائهم لكن في الخفاء. وبعد سنوات تجمَّعَ عدد كافٍ من نقاد النظام الذين أسقطوا الرئيس على الأقل باحتجاجاتهم المستمرة.

تسبب إسقاط مبارك في حالة رضاء عميقة لدى صنع الله إبراهيم، إلا أن السعادة لم تستمر طويلًا، بل قال: «من سوء الحظ أنه علينا أن نقر أن الثورة فشلت، وأن النظام البائد ما زال موجودًا باستثناء مبارك وبعض الشخصيات القليلة؛ فما تزال نفس الشخصيات في مناصبها في أجهزة الدولة. لكنْ هناك أمر هام تحقق من الثورة، ألا وهو أن الناس لم يعودوا خائفين وأصبحوا مستعدين الآن للحديث بصوت عالٍ ومهاجمة الحكومة والتظاهر لنفس الأسباب دومًا، من أجل مصالحهم الخاصة ومن أجل أهداف عامة أسمى. وسيفعلون هذا في المستقبل.»

يؤمن صنع الله إبراهيم بتأثير الأدب في تشكيل الوعي الذي يظهر في الأفعال. لكنه لا يبالغ في تقدير تأثير المفكرين على عملية الثورة والتغيير؛ حيث قال: «بالطبع لعب كثير من الأدباء والصحفيين ومفكرين آخرين دورًا؛ فلهم صوت قوي ويستطيعون الكتابة، لكن إلى جانب ذلك كان هناك اعتراضات كثيرة من العمال والجنود وأجزاء أخرى من المجتمع الذين لعبوا بأفعالهم دورًا هامًّا.»

ويرى صنع الله إبراهيم أن أسباب عدم تنظيم القوى الليبرالية والثورية لنفسها وتشكيل معارضة جادة بعد مرور عامين على الثورة هو غياب الممارسة السياسية؛ حيث عبر عن ذلك بقوله: «لم يكن لدينا معارضة حقيقية لعقود، كما أنهم غرباء بالنسبة للعمال وخاصة المفكرين من الطبقة المتوسطة الذين يستخدمون العبارات المعقدة ولا يفهمون ما يحرك العمال.» صنع الله إبراهيم عضو في ائتلاف القوى الاشتراكية الذى فاز بخمسة مقاعد برلمانية في أول انتخابات برلمانية عام ٢٠١٢، لكنه لا يمارس عملًا سياسيًّا. وعلى عكس الكثير من الأدباء الآخرين، لا يكتب صنع الله إبراهيم أعمدة ومقالات تعبر عن رأيه عن الأحداث الراهنة للصحافة؛ حيث قال: «أَبْلُغ من العمر الآن خمسة وسبعين عامًا، ولم يَعُدْ لديَّ نفس الطاقة كالسابق، وأكتب ببطء وأحتاج لوقت، ولا أريد أن أقضي السنوات المتبقية من عمري في كتابة مقالات.» يكتب صنع الله إبراهيم الآن رواية يريد أن يعلن بها عن طرق أدبية جديدة، وستلعب التطورات المجتمعية الأخيرة دورًا بها بكل تأكيد لكنها لن تصبح رواية ترويجية للثورة.

قناع التاريخ: جمال الغيطاني

ينتمي جمال الغيطاني إلى جيل الأدباء الذي تأثر «بثورة» عبد الناصر أو الانقلاب العسكري عام ١٩٥٢ بمدًى أكبر من صنع الله إبراهيم. وُلد جمال الغيطاني عام ١٩٤٥، وتشبع منذ فترة دراسته بالمدرسة بأيديولوجية عبد الناصر الشائعة الخاصة بالقومية العربية، والصورة الذاتية الجديدة لمصر بوصفها قلب العالم العربي ومركز قوته. لكن كانت خيبة الأمل أكبر عندما مُنِيَتْ مصر بالهزيمة في نكسة عام ١٩٦٧ ضد إسرائيل، وظهر بوضوح مدى ابتعاد الدعاية عن الواقع.

نشأ جمال الغيطاني في حي الحسين في مدينة القاهرة القديمة الإسلامية مثل نجيب محفوظ؛ حيث أيقظ الحيُّ الثريُّ بالتاريخ اهتمامَه بالماضي مبكرًا. وعلى الرغم من أن أسرته كانت متواضعة الحال ولم يكن هناك كتب في منزله، فقد بدأ الغيطاني في القراءة وهو طفل؛ حيث كان يقترض الكتب المستعملة أو يشتريها من أحد التجار بمبلغ زهيد. حيث كان يقرأ في البداية الأدب الأوروبي المُترجم إلى اللغة العربية. فقرأ أعمال ألكسندر دوما، وهوجو، وتوماس مان، وفرويد، ودوستويفسكي، وتولستوي. روى الكاتب في مكتبه بقسم تحرير جريدة «أخبار الأدب» الذي ما زال محتفظًا به على الرغم من تقاعده قائلًا: «لقد نقلت كتابًا كاملًا لزيجموند فرويد بخط يدي؛ لأني لم أملك نقودًا آنذاك كي أشتريه.» كان كتاب «تفسير الأحلام» يضم ثمانمائة صفحة في النسخة المترجمة إلى العربية، وقد أثر فيه هذا الكتاب حتى اليوم. قال الغيطاني: «لقد قرَّب لي هذا العمل الطرق المعقدة لفهم النفس البشرية، وعندما أقرأ الأحلام العربية في القرن الحادي عشر أتعرف فيها على نفس الرموز والتراكيب.» وفيما بعد عندما بدأ التاجر يبيع كتبًا عن الأدب العربي، قرأ ألف ليلة وليلة وروايات نجيب محفوظ وأعمالًا تاريخية وأدبية عدة من ماضي مصر، وشعر بالارتباط العميق بمحفوظ وظل صديقًا مقربًا إليه حتى وفاته. وعلى الرغم من هذه الخبرة المبكرة والمكثفة للاطِّلاع، لم يكن طريق الغيطاني إلى الكتابة يسيرًا؛ حيث اختار مهنة فنية كي يساعد والده في عمله ودرس تصميم السجاد، وهي مهنة أثرت بشدة على فنه اللاحق؛ وهو بناء الروايات. بدأ في نشر القصص القصيرة من عام ١٩٦٣ في المجلات، وظلت الكتابة عملًا ثانويًّا على نحوٍ مؤقت.

شعر الغيطاني بارتباطه بفئات الشعب الأكثر فقرًا اقتصاديًّا؛ نظرًا لأنه عاش في ظروف فقيرة، ووجد في مَعين أفكار الاشتراكية إمكانات لحل مشكلات الفقر؛ حيث قال: «قرأت كثيرًا آنذاك عن الاتحاد السوفييتي، وعن لينين وماو، وأحببت الأخير بوجه خاص لأنه كان فلاحًا مثلنا وصار قائدًا لأمة عظيمة.» انضم الكاتب الشاب إلى أحد الأحزاب، ولاحقته المخابرات وقبضت عليه في أكتوبر عام ١٩٦٦. وحكى في بداية عام ٢٠١٢ عن أهمية هذه الخبرة بالنسبة له؛ فالحاكم المخلوع حسني مبارك في السجن منذ عام. أضاف الغيطاني قائلًا: «أصعب أوقات حياتي عندما كنا في سجن طرة، حيث يوجد مبارك الآن؛ فهو سجن حصين على أطراف القاهرة، ومنعزل مثل معسكرات التعذيب النازية. ولم يكن مسموحًا لنا بزيارات، ولم تعرف أسرتي مكاني، ولم يكن هناك سوى طعام الفول من أسوأ الأنواع، ثم التحقيقات في سجن القلعة الذي تحوَّل إلى متحف اليوم. وفي ذلك الوقت كان هناك الكثير من الكُتَّاب والشعراء قيد الحبس، وكنت أبلغ من العمر واحدًا وعشرين عامًا. وتصل مدة التحقيق إلى خمسة عشر يومًا في المعتاد، لكنهم أبقوني في سجن القلعة أربعين يومًا، على أمل أن أكشف عن كل أعضاء الحزب إذا زادوا الضغط عليَّ، وكانوا يعذبونني بالصدمات الكهربائية والماء والضرب، وكان الوضع سيئًا. وقلت لنفسي: «إذا أرادوا قتلي فسوف يفعلون ذلك، وإذا وصل الأمر لهذا الحد يمكنني تحمل كل شيء.» وصار اسمي السجين رقم ٣٤. ذات مرة ناداني الضابط من الزنزانة قائلًا: «تعالَ يا سجين ٣٤.» ثم قيَّدوني وضربوني وتوجهوا بي إلى الضابط في النهاية، وكان ذلك الساعة الثالثة صباحًا حيث ظل يستجوبني حتى السادسة صباحًا. وقد حاول في البداية أن يعقد معي صفقة، وعرض عليَّ الاهتمام بي كي أصير كاتبًا ناجحًا ومشهورًا إذا أفشيت سر زملائي في الحزب. عندما رفضت ذلك بدأ ثلاثة رجال يضربونني بقسوة، ولم أتمكن من القيام أو المشي بعد ذلك وأعادوني إلى محبسي. وبمجرد أن رحلوا بدأت في الرقص من السعادة لأنني رغم الضرب والدماء والآلام لم أنطق بكلمة واحدة.»

لكن كيف خرج من السجن في نهاية الأمر؟ أجاب الغيطاني ضاحكًا: «بفضل الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر.» على الرغم من أنه لم يكن يعرفه شخصيًّا لكنه سمع أن في مصر مفكرين مسجونين، وعندما وجه محمد حسنين هيكل — الذي كان يشغل منصب رئيس تحرير جريدة «الأهرام»، فضلًا عن كونه لسان حال عبد الناصر — الدعوة إلى جان بول سارتر لزيارة مصر وافق لكن بشرط إطلاق سراح كل المفكرين. استطرد الغيطاني قائلًا: «حصل هيكل على وعد من عبد الناصر بتنفيذ هذا الشرط؛ ولذلك غادرنا السجن يوم ١١ مارس ١٩٦٧ في تمام الساعة الخامسة والنصف مساءً؛ أي في نفس الدقيقة التي هبطت فيها طائرة شركة إير فرانس على أرض مصر مقلةً سارتر.»

وثَّق الإنتاجُ الأدبيُّ لجمال الغيطاني تجربةَ السجن التي استمرت ستة أشهر خاصة في روايته «الزيني بركات»8 التي تروي حكاية خادم السلطان وصديق الشعب؛ حيث عكست الروايةُ التي نُشرت في صحيفة «روز اليوسف» الأسبوعية على حلقات عام ١٩٧٠ الدولةَ البوليسيةَ إبان حكم عبد الناصر، لكن من وراء عباءة التاريخ؛ حيث تسلل نظامُه المخابراتيُّ إلى جميع طبقات المجتمع حتى وصل إلى أكثر المناطق خصوصية. تدور أحداث الرواية في مصر في العصور الوسطى، وتشمل فترة تصل إلى عشر سنوات حتى الفتح العثماني عام ١٥١٧. واعتمد الكاتب على كتاب المؤرخ محمد بن إياس عن انهيار الحكم السابق بسبب الفساد، وسوء الإدارة، والقمع الموجه ضد الشعب. واقتبس المؤلف شخصيته الرئيسة «الزيني بركات» من التاريخ الواقعي، إلا أنه شكَّله حسب تصوره الخاص. رُوِيَتْ أحداث الحكاية من منظورات متغيرة للأطراف المشاركين، واستكمل المراقب من الخارج الرواية من تدوينات الرحَّالة الإيطالي فياسكونتي جانتي الذي كان يزور مصر كثيرًا في تلك الفترة؛ حيث كان السلطان الغوري يحكم مصر، وكان كبير البصاصين «زكريا بن راضي» يحرك كل الخيوط من خلف الكواليس، ويقدم تقارير بانتظام للسلطان عما يدور في أرجاء السلطنة. وكي يضمن المحافظة على سلطته كان يحافظ على أسبقيته في معرفة الأخبار، لدرجة أنه كان يتجسس على السلطان نفسه. حتى إنه أمر بخطف خادمه المفضل وعذبه في محبسه الخاص لتحقيق هذا الهدف. ولأن الخادم لم يبِع سيِّدَه دَفَنَه «زكريا» حيًّا؛ كي يخفي أي أثر له. وعندما ظهر القاضي «الزيني بركات» فجأة من العدم، وتم تعيينه في منصب مُتولي الحسبة في الديار المصرية، شعر «زكريا» بالخوف؛ حيث فكر قائلًا: «متى وأين هزمته الأحداث الصغيرة منها والكبيرة؟!» شعر الرجل الذي يسيطر على الدولة كلها عبر جهازه الأمني بأن سلطته مهددة؛ حيث تقول الرواية: «لم يعرف «زكريا» ما ستجلبه له الساعات القادمة، ولم يشعر بالأمان مطلقًا بغضِّ النظر عما إذا كان الوضع يبدو مستقرًّا.» واكتسب النجم الساطع «الزيني بركات» محبة الشعب بسرعة بالغة؛ حيث كان سلوكه أخلاقيًّا، وكان يعاقب المجرمين، ويستمع إلى شكاوى العامة من الظلم الذي يعانون منه ويَعِد بتحقيق العدالة. حتى إن الطالب «سعيد» تمنَّى أن يتمكَّن «الزيني بركات» من كسر شوكة كبير البصاصين «زكريا» الذي كان يبغضه ويخشاه. لكنه لم يكن متأكدًا؛ حيث قال: «كان «سعيد» صفحةً بيضاءَ قبل سنوات قليلة دون أي أثر لحبر أو خط لريشة، إلا أن العالم الذي أمامه الآن صار مليئًا بالحروف وعلامات التعجب والاستفهام، وآلاف الأسئلة المحيرة التي لا يعرف إجابة عنها.»

على الرغم من أن «الزيني بركات» هو الشخصية المحورية للرواية، فإن وصف نقطة التحول والارتكاز في أحداث الرواية جاء من الخارج وظل متواريًا، وغذَّت حالة الريبة الشائعات حول «الزيني بركات» وجعلته أكثر قوة. لم يتفق الطلاب والحرفيون والخدم الذين يتحدثون عنه على شخصيته؛ فهو يبدو مرة طيبًا متواضعًا وعادلًا، ومرة أخرى يبدو باردًا ومتغطرسًا. واتضحت فجأة الطرق المريبة التي يصل بها إلى معلومات عن أدق تفاصيل حياة الناس عندما بدا نبيلًا ذات مرة أثناء إنقاذ جارية شابة من عنف سيدها. وصف الرحالة الإيطالي جانتي انطباعه عن «الزيني بركات» بالكلمات التالية: «لم أرَ نظرة بهذا الوضوح والإشراق في حياتي من قبلُ مثل تلك النظرة التي رأيتها منه. في أثناء الحديث يُضيِّق حدقتَي عينَيه السوداوين اللتين تبدوان مثل عيون القطط. إنها عيون خُلِقَتْ كي تخترق الضباب والظلام والصمت المطبق للأقاليم الشمالية. لم ينظر إلى ملامح وجه، بل يتوغل إلى أعماق الرأس وإلى أعماق الصدر مُكتشفًا أكثر الأمنيات سرية وأعمق المشاعر. وفي تعبيره فطنة متقدة وتواضع وخير واضح يُقرِّبه من الروح، لكنه يجعل الخوف يتسلَّل إليك في نفس الوقت.»

نَقَلَ أَحَدُ البصاصين إلى كبير البصاصين معلومةً مفادها: «أن «الزيني بركات» يحظى بقبول واستحسان السلطان لكل صغيرة وكبيرة، وكل مساء يزوره ويتحدث معه قرابة الساعة على انفراد ولا يعرف أحد ما يجري بينهما.»

ظلَّ «الزيني بركات» غامضًا ومبهمًا بناءً على وصفه من منظورات متغيرة. كتب هارتموت فاندريش في نهاية ترجمته للرواية قائلًا: «وتعمل تقنية تغيير المنظور على إبقاء كثير من الأشياء موضع الشك. ولا يتضح تقييم فعله ونواياه وشخصيته، وربما تشير هذه التعددية في التفسير إلى السلوك المنقسم لكثير من المفكرين المصريين بعبد الناصر.» فسرت الباحثة الأدبية سامية محرز شخصية الطالب «سعيد» بوصفه ممثلًا لجيل كامل من الشباب المصري الذي كان الغيطاني جزءًا منه؛ حيث قالت: «جيل نشأ مع كلمات النظام الجديد، وقُمِع من قِبَل نفس هذا النظام.»9 ناقشت الباحثة الأدبية في دراستها كيفية استخدام جمال الغيطاني في روايته «الزيني بركات» البِنى والحوارات الروائية بوصفها استراتيجية للتعبير عن نقده لنظام عبد الناصر، لكن بأسلوب غير مباشر ومتدثر بقناع مكوَّن من عدة شخصيات وتنوع في الأجناس الأدبية والأساليب اللغوية وصفت سامية محرز رواية «الزيني بركات» بأنها «عمل سياسي».

كان التقرير الذي قدَّمه «زكريا» في اجتماع لكبار البصاصين ساخرًا؛ حيث طرح آراءه بشأن كيفية السيطرة على المواطنين والتلاعب بهم، وقال: «نبدأ بالتجسس على شخص في حياته اليومية وليس في سجوننا، ونتسلل داخله عن طريق ثغرات نقاط ضعفه، ثم نوسع تلك الثقوب ببطء، ثم نهدم أسس وبِنى شخصيته.» انعكست خبرات الغيطاني في السجن في مواضع كثيرة من الرواية وحتى اللحظة التي استبدل فيها بِاسمه رقمًا؛ حيث انعكس ذلك في خطبة «زكريا» حين قال: «أرى أن اليوم الذي سنشير فيه إلى الناس على أنهم أرقام قد اقترب؛ حيث سيحدد كبير البصاصين لسكان كل حي أرقامًا معينة. فهذا الفرد يحمل رقم واحد، والآخر رقم اثنين، ولن يكون هناك شخصان لهما نفس الرقم.»

أضفى جمال الغيطاني رداءً تاريخيًّا على أحداث روايته السياسية، على عكس صنع الله إبراهيم الذي أسكن روايته «ذات» بوضوح في الحاضر في فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، وعكس الحكاية الشخصية للشخصية المحورية في سياق التاريخ المعاصر. وقال جمال الغيطاني في حوار له نُشِر في باريس: «يستخدم الكاتبُ التاريخَ عندما يكون في منفًى سياسيٍّ يُجبَر عليه المفكرون في العالم العربي على وجه الخصوص عندما ينطقون بما لا يطلبه منهم أحد.» والتشابه مع عصر عبد الناصر كان واضحًا للغاية، لكن لم يتم القبض على جمال الغيطاني؛ حيث قال: «كانت الرواية بمنزلة قناع آنذاك تمكنت من خلاله التعبير عن نظام المخابرات في عهد عبد الناصر، لكني لم أَعُدْ في حاجة لهذا القناع بعد الآن.»

توجَّه جمال الغيطاني بوصفه مراسلًا حربيًّا إلى القوات العائدة من الجبهة عقب نكسة ١٩٦٧ مباشرة؛ تلك التي تسببت في صدمة لمصر بوجه عام، ولجمال الغيطاني بوجه خاص، وسأل الجنود عن الأحداث، وكتب العديد من التقارير. وفي تلك الفترة نَمَتْ بداخله الحاجةُ لكتابة رواية. وعندما وقع تحت يده تقرير للمؤرخ محمد بن إياس من العصور الوسطى عن الهزيمة المدمرة للجيش المصري أمام العثمانيين، وجد هناك أجواءً مواتية وتشابهات كثيرة مع نظام عبد الناصر. وصار الحدث التاريخي هذا هو نقطة انطلاق روايته. وتظل رواية «الزيني بركات» أهم أعمال جمال الغيطاني على الرغم من أنه ألَّف الكثير من الروايات والقصص الأخرى والمقالات التاريخية.

كان جمال الغيطاني قدوة لكثير من المؤلفين الشباب، وشجَّع بعض المواهب بوصفه رئيس القسم الثقافي في جريدة «أخبار اليوم» القومية، ثم صار رئيس تحرير جريدة «أخبار الأدب». وسمح بكتابة تقارير تنتقد وزارة الثقافة والأحداث المجتمعية والسياسية والثقافية، وكان ينتظر ذلك أيضًا من زملائه الشباب. وفي عام ٢٠٠٥ — أي: بعد عامين من رفض صنع الله إبراهيم لجائزة الدولة للأدب — سأل وزيرُ الثقافة جمالَ الغيطاني عما إذا كان سيَقْبَل وضعَ اسمه على قائمة المرشحين للجائزة، وبالطبع رفض الغيطاني؛ لأن السياسة الثقافية الرسمية تفتقر إلى المصداقية.

ومنذ التحولات عقب إسقاط مبارك يكتب جمال الغيطاني عمودًا صحفيًّا عن الأحداث الجارية كل يوم تقريبًا؛ حيث أكد بقوله: «من عقلي إلى الرأي العام مباشرة دون رقابة.» وكتب الغيطاني طوال سنوات قبل الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١ عما كان يدور في المجتمع، وكان مشاركًا في «حركة كفاية»؛ حيث يقول: «كانت «كفاية» حركة معارضة كلاسيكية تقليدية للجيل الأكبر سنًّا.» وروى ما أبهره في ثورة الشعب؛ حيث قال: «أنا شيوعي وتصورت أن الثورة سوف تأتي من المناطق الفقيرة على أطراف القاهرة ومن جموع العمال، وفُوجِئْتُ عندما انطلقت الثورة على أيدي شباب متعلم من الطبقة المتوسطة والعليا. وكانت الدعوة التي وجهها النشطاء على الإنترنت للقيام بمظاهرة يوم الخامس والعشرين من يناير بمنزلة الشرارة التي أشعلت الحريق، وانفجرت مصر مثل صهريج بنزين ضخم. لطالما انتظرت هذه اللحظة الحاسمة بالنسبة للمصريين، وعندما جاءت اللحظة المناسبة وقف الجميع بعضهم بجانب بعض كالبنيان المرصوص؛ إذ يماثل هذا الموقف القانون الفرعوني المدون في كتاب الموتى «الكل في واحد»، وهو ما حدث كذلك أثناء ثورة ١٩١٩، حين كانت شرارة واحدة كافية كي يخرج الجميع إلى الشارع بعد صمت وصبر استمرَّا طويلًا.»

قال الغيطاني إن التاريخ والسياسة لم يلعبا دورًا هامًّا في حالته الشخصية فحسب، بل بالنسبة لجيله بالكامل. وصار لصوت الكُتَّاب وزن في الرأي العام؛ حيث قال: «إذا بقيت صامتًا لفترة، يجري أحدهم الاتصال بي ويسألني لماذا لم أعبر عن رأيي في موضوع معين.» لكنه يفتقد إدراك الجيل الصغير من الثوار بالتاريخ؛ حيث أضاف قائلًا: «لم يَعُدْ كثير منهم قادرًا على الإنصات جيدًا. ويعتقدون أنهم جاءوا من العدم كما لو أنه لم يكن هناك أجيال قبلهم قامت بالمعارضة ومارست النقد. وأحاول أن أثير الانتباه بأن هناك تاريخًا طويلًا مهَّد لهذه اللحظة يوم الخامس والعشرين من يناير.» لكنه لا يريد إصدار حكم عام على الشباب؛ فغالبًا ما يخاطبه الشباب في ميدان التحرير باسم «الزيني بركات»؛ لذلك أكد بقوله: «وهذا يدل على أنهم يقرءون الكتب.»

البقاء قسرًا في المنفى: بهاء طاهر

يربط الوعي الخاص بأهمية التاريخ ووظيفة القدوة بالنسبة للجيل الأصغر بين بهاء طاهر — المولود عام ١٩٣٥ — وجمال الغيطاني. لم يتمكن بهاء طاهر من الانضمام إلى الحشود المحتجة في ميدان التحرير في الأسابيع الأولى من الثورة الشعبية إلا نادرًا لأسباب صحية؛ حيث كان يقف أمام منزله بالزمالك وهو ممسك بعصاه على الرصيف وينظر إلى المتظاهرين المارين أمامه؛ حيث يتذكر ذلك قائلًا: «ذات مرة، جاء شاب ثائر يهتف بصوت عالٍ ضد نظام مبارك، وحضنني وقال: «أستاذ بهاء! سنكمل الآن ما بدأته ذات يوم.» تأثرت بشدة وامتلأت عيناي بالدموع.» جرى بيننا الحوار في مقهى ديوان في دار النشر التي تحمل نفس الاسم. إنه أحد المقاهي المفضلة لبهاء طاهر الذي لا يفصله عن منزله سوى شارع ٢٦ يوليو الصاخب. وكان أصدقاء ومعارف يترددون على طاولتنا؛ حيث ألقوا عليه التحية متسائلين عن حاله وحال أسرته، وكان يتبادل بعض الكلمات مع الناس ويمزح مع الأطفال ثم يعود إلى حديثنا بتركيز.

قال بهاء طاهر: «درست التاريخ في الجامعة لكن ليس من أجل أن أصبح مؤرخًا، بل لأنني أردت أن أفهم الحياة؛ فدُون التاريخ لا نستطيع أن نفهم المجتمع الذي نعيش فيه، وعندما نرى أمرًا من منظور تاريخي فإننا لا نرى جانبًا واحدًا، بل عدة جوانب لنفس الصورة أو نفس الموقف.»

أصبحت هذه الرؤية مهمة في روايته «الواحة».10 والاسم الأصلي للرواية الصادرة عام ٢٠٠٧ هو «واحة الغروب» حيث حاز بسببها على جائزة البوكر العربية ذات الشهرة الدولية، والمعنى المجازي هو «واحة الانحدار أو الانحطاط»؛ إذ تدور أحداث الرواية حول ضابط البوليس «محمود عبد الظاهر» الذي نُقِل إلى واحة سيوة البعيدة زمن الاحتلال البريطاني لمصر في نهاية القرن التاسع عشر؛ حيث كان عليه جمع الضرائب للدولة وتهدئة الخلاف بين قبيلتين متناحرتين. كان الكاتب يروي الحكاية من وجهة نظر «محمود» في الأساس؛ حيث قال: «ثم لاحظت أن ثَمَّةَ خطأً في الأمر.» فشرع في توزيع منظور الحكاية على أهم الشخصيات؛ لذا فقد جاءت معظم الفصول معبرة عن وجهة نظر «محمود»، وكثير من الأحداث من وجهة نظر زوجته «كاثرين»، وأحداث أخرى من منظور شخصيتين محليتين من سيوة توضحان الحياة في الواحة. وهناك فصل في الرواية عبَّر عنه «الإسكندر الأكبر»؛ ومن ثَمَّ انفتح بُعد زمني إضافي للرواية؛ حيث قال بهاء طاهر: «ومن ثَمَّ يمكن للتاريخ أن يساعد المؤلف في تأمل الأشياء بموضوعية. وعلى الرغم من ذلك يمكننا أن نتخذ موقفًا، وكل فرد يفعل ذلك ويعرف دومًا أن هناك وجهة نظر أخرى، وأنه يجب ألا ينساها.» وما أثاره في القصة هو الشخصية الغامضة للضابط «محمود عزمي»؛ وهو شخصية تاريخية حقيقية لا يُعرَف عنه سوى أنه قام بتفجير معبد أم عبيدة في سيوة عام ١٨٩٧ وفقد حياته أثناء الانفجار.

أضاف بهاء طاهر قائلًا: «بدا لي هذا الموقف شديد الغرابة ورمزيًّا في نفس الوقت، وحاولت أن أجد معلومات عن «محمود عزمي» ولم أجد شيئًا، ولا توجد أي معلومة موثقة تاريخيًّا عنه إلا هذه الواقعة؛ لذا كان عليَّ أن أختلق حدثًا أو أُعِيد صياغته من جديد كي أفهم لماذا يفعل شخص مثله شيئًا مثل هذا في ذلك الوقت. وأول خطوة قمت بها هي إعادة بناء الحقبة الزمنية التي عاش بها. وحاولت أن أتخيل هذا الرجل في منتصف عمره وكيف كان شبابه وما هي سمات شخصيته. وأهم ما شغلني هو السؤال عن الدافع الذي جعله يرتكب هذا الفعل.»

لأن «محمود عبد الظاهر» كان يعيش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ أراد بهاء طاهر أن يربط بينه وبين الثورة الشعبية التي قام بها أحمد عرابي عام ١٨٨١ ضد الإنجليز في مصر. لكنه لم يصنع منه شخصية ثورية أو مناهضًا للثورة، بل وضعه بين الشخصيتين بوصفه شخصًا حاول أن يجد طريقه. ويرى المؤلف أن هذه الأسئلة الوجودية تقابل كل فرد في كل عصر، وخاصة المفكرين. وفي الوقت الحاضر، تحديدًا بعد إسقاط مبارك، حيث الصراع على نظام مجتمعي جديد وديمقراطية وعدالة اجتماعية؛ حيث قال: «كيف يجد المرء مكانه داخل مجتمعه؟ وهل يقرر أن يصبح صامتًا؟ أم يقرر الانخراط والمشاركة؟ أم يقرر معاودة تدبر هذه الأسئلة مرارًا وتكرارًا دون أن يصبح ناشطًا مثل «محمود عبد الظاهر» في الرواية؟ فقد أراد أن يصير ثوريًّا في ثورة عرابي، لكنه لم يتمكن من ذلك؛ لأنه كان يفتقر إلى الشجاعة والحسم واتخاذ موقف والانحياز إلى جانب واحد، لكنه فشل.»

تَصِفُ الروايةُ الأجواءَ الكئيبة بعد فشل ثورة عرابي، وشعر «محمود» بالاستياء من خيانته للمثل العليا الثورية. نشأ «محمود» في منزل ميسور الحال، وعاش فترتَيْ طفولة وشباب مريحتين دون أن يكون مضطرًا إلى أن يكافح من أجل شيء. كانت الخادمة في منزل والديه هي حبه الكبير، لكن كانت تنقصه الشجاعة في التودد إليها، ثم توالى فشله في الحب طوال حياته، وحاول تعويض ذلك بعمل علاقات متعددة، لكنه لم يكن غبيًّا؛ فهو يعلم علم اليقين بفشله عندما ينظر لنفسه من الداخل ويقوم باستجواب ذاته. كان يحتقر عبادة الفراعنة التي كانت تمارسها زوجته، وأراد أن يسكت أشباح الماضي؛ حيث قال: «علينا التخلص من كل قصص الأجداد؛ وبذلك نستطيع أن نوقظ الأجيال القادمة من أحلامها عن العظمة والفخر الزائف.»11

رسمت رواية «الواحة» صورة درامية لنهاية العالم في الصحراء، الذي اتضح في مشهد الانفجار في إشارة استشرافية للواقع الآني لمصر، كما صوَّرَتْ قصةُ الإسكندر انهيارَ أحد أنظمة السلطة التي صارت مريضةً بجنون العظمة. فكما احتفل الإسكندر ذات يوم بنفسه وكأنه فرعون، مارَس مبارك رئاسته تحت معلم أثري حديث بشكل سلطوي وكأنه فرعون. ويُبرز الإعجابُ الرجعيُّ لبعض شخصيات الرواية بالتاريخ المصري القديم فشلَهم الحاليَّ على نحو أكثر إيلامًا. وهذا التناقض بين الماضي المليء بالأمجاد والحالة البائسة اليوم لم يؤثر في صورة المصريين عن ذاتهم، بل أيضًا صورتهم في الخارج حتى فترة قصيرة.

كانت «كاثرين» — زوجةُ «محمود» — باحثةً أيرلنديةً هاويةً في مجال العلوم القديمة، ورافقته إلى الواحة على الرغم من التحذيرات؛ لأنها أرادت من هذه الرحلة إلى الصحراء إنقاذَ زواجها الفاشل، علاوةً على ذلك أرادت أن تجد دليلًا في سيوة على الاعتقاد بأن الإسكندر الأكبر وجد مكان مثواه الأخير في هذه الواحة؛ حيث توجه الإسكندر إلى سيوة عام ٣٣١ قبل الميلاد. ويُقال إنه عرف في معبد الإله آمون، مقر أحد العرافين القدامى، أنه ابن هذا الإله، وصرَّح الإسكندر في مونولوج داخلي برؤيته اعتقادًا منه في سلطته الإلهية قائلًا: «أسعى لخلق عالم لا يفرق بين من هو أشقر ومن هو بُنِّي البشرة، من يعبد الإله زيوس ومن يعبد نار الفرس أو آلهة الهند.» وعلى الرغم من هذه الكلمات الجميلة كان الإسكندر ديكتاتورًا، مصابًا بجنون العظمة، وسفاحًا داميًا. حتى إنه قتل بنفسه أَقْرَبَ أصدقائه عندما شككوا في سلطانه. وكانت المقولة التي ذُكِرَتْ في الرواية عن أنه صار طاغية في مصر على وجه الخصوص حساسة للغاية؛ حيث ذكر في الرواية: «هناك تعلمت أن أساس الحكم هو الخوف وليس الحكمة، وتعلمت أنه من الضروري إبقاء الشعب الوضيع في حالة خوف مستمر من العقوبة الشديدة في الأرض وفي السماء، وتعليمه الطاعة والوفاء. […] وعلى الناس التضرع لي خشية وفي خوف، وهذا كان أهم درس تعلمته من آمون والمصريين.»

هذا هو أهم أجزاء الرواية؛ حيث أشار بهاء طاهر في عباءة شخصية تاريخية إلى مبدأ السيادة للرئيس المصري حسني مبارك، الذي تم إسقاطه والذي ظل يحكم مصر في القرن الواحد والعشرين وكأنه فرعون. وأكد بهاء طاهر هذا التفسير وأضاف بقوله: «نشرت الرواية في عهد مبارك وأعتقد أن أعوانه فهموا الرسالة وكرهوني بسببها.» لكن لم يتم منع الرواية؛ حيث لم يأخذ نظام مبارك الكُتَّاب والمؤلفين على محمل الجد؛ حيث فسر الكاتب ذلك الأمر بقوله: «كان مبارك كسولًا للغاية وغير مكترث بشيء، ولم يفكر مطلقًا في حظر الكتب؛ لأنه كان يعرف أن الناس لا تقرأ في مصر. وكانت هذه اللامبالاة أشد سوءًا من الرقابة في عهد عبد الناصر والسادات؛ لأن الرقابة تعني أن الكتابة مؤثرة ويمكنها أن تشكل تهديدًا على الحكام.» سُمِح لبهاء طاهر بكتابة ما يريد في عهد مبارك، لكن ليس في وسائل الإعلام الحكومية؛ فقد كان يكتب لصحيفة «الشروق» المستقلة وجريدة الحزب الناصري. ووجهت جريدة «الأهرام» التي تُعَدُّ من أكبر الصحف القومية الدعوةَ له بكتابة عمود صحفي أسبوعي عن الأحداث الجارية بعد سقوط مبارك. وعلى الرغم من أن جريدة «الأهرام» كانت بوقًا للنظام الحاكم كسابق عهدها إلا أنه قال: «تركوا للمفكرين المعارضين أمثالي زاوية صغيرة؛ كي يثبتوا أنهم صاروا الآن من أصحاب التوجه الليبرالي.»

يعرف الكاتب الرقابة حق المعرفة؛ تلك التي أدَّتْ به إلى المنفى في عهد السادات. ولقد عاش ثورة عبد الناصر عام ١٩٥٢ حيث كان يبلغ من العمر آنذاك سبعة عشر عامًا، وكان مؤيدًا لأهدافها؛ حيث قال: «أسقط جمال عبد الناصر النظام الملكي الفاسد لفاروق وأعاد تنظيم الدولة من جديد في ستة أشهر، وأصدر قانون الإصلاح الزراعي وقوانين العمل، وطور الاقتصاد وقاد تغييرًا سياسيًّا في الإقليم. لكن على الجانب الآخر قضى على كل الأحزاب السياسية. ومن المؤكد أن هذا النظام لم يكن ديمقراطيًّا.»

بدأ بهاء طاهر في فترة الستينيات من القرن العشرين العمل في الإذاعة الحكومية، وقدم برنامجًا ثقافيًّا تعرَّف من خلاله على أهم الشخصيات الأدبية في ذلك الوقت، مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس. وفي نفس الوقت نشر أول قصصه الناقدة للمجتمع في جرائد ومجلات مختلفة، وخسر وظيفته في فترة السبعينيات في الإذاعة ومُنِع من الكتابة في مصر ووُجِّهت له تهمة أنه شيوعي. حكى بهاء طاهر عن هذه الفترة قائلًا: «كانت هذه هي التهمة المعتادة عندما يريد النظام التخلص من شخصٍ ما، وفجأة صرت شخصًا غير مرغوب فيه؛ الأمر الذي أدَّى إلى رفض كل الجرائد لمقالاتي بعد أن كنت أكتب بها. وكان واضحًا في عهد عبد الناصر أنه كان يرسل خصومه للسجن، لكن السادات كان يجعل خصومه يتضورون جوعًا.» عندما غادر بهاء طاهر الوطن اعتقد أن ذلك الوضع سيستمر بضعة أشهر فحسب، لكنه ابتعد لمدة خمسة عشر عامًا؛ حيث عمل مترجمًا في كينيا والهند وسريلانكا والسنغال قبل أن يستقر به المقام في جنيف حيث عمل لصالح الأمم المتحدة. ثم عاد إلى مصر على نحو مستتر عن طريق الأدب؛ حيث روى لرئيس تحرير مجلة صباح الخير — الذي كان يقدره بشدة — أن لديه رواية حبيسة الأدراج منذ سنوات وأنه يريد نشرها، وأعرب رئيس التحرير عن استعداده لنشر فصل من رواية بهاء طاهر «شرق النخيل» على الرغم من حظر الكتابة المفروض عليه، وأنه سينتظر رد فعل النظام. وعندما لم يحدث شيء نشر الرواية على فصول؛ حيث قال بهاء طاهر: «بفضل شجاعة هذا الرجل رُفِع الحظر وتجرأت دور نشر أخرى على نشر كتبي.» واستطرد بقوله: «نحن لسنا في حاجة إلى كُتَّاب شجعان فحسب، بل أيضًا إلى دور نشر شجاعة.»

عاد ليعيش في القاهرة منذ عام ١٩٩٥. وهو ليس أحد أكثر الكُتَّاب المحترمين الذين يقرأ لهم الكثيرون في العالم العربي فحسب، بل إنه صديق ومثل أعلى لكثير من زملائه الأصغر سنًّا. وانضم إلى «حركة كفاية» و«حركة استقلال القضاة»، كما أنه أعلن في بداية الثورة على نظام مبارك أنه ردَّ جائزة الدولة للأدب احتجاجًا على استخدام العنف المفرط في مواجهة المتظاهرين.

ومن الطبيعي عقد مقارنة بين ثورة عرابي ١٨٨١ ضد الإنجليز والانقلاب العسكري الذي قام به عبد الناصر عام ١٩٥٢ الذي أطاح بالنظام الملكي، وبين الاحتجاجات الأخيرة التي بدأت في الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١ في وعي بهاء طاهر التاريخي والسياسي؛ حيث قال بهاء طاهر: «القاسم المشترك بين الثورات الثلاث هو الدور الهام الذي لعبه الجيش. وعلى العكس من بلدان عربية أخرى يدعم فيها الجيش الحكام أو العائلات الملكية فحسب، كان الجيش المصري جيش الشعب وما يزال؛ حيث تمتع الجيش باحترام كبير في الرأي العام. فقد لعب الجيش دور المعارضة، وقاد الثورة على الحاكم عام ١٩٥٢، وتبعه قطاعات كبيرة من الشعب. والعكس حدث عام ٢٠١١؛ فبعد أيام من الاحتجاج الشعبي الهائل وقف الجيش إلى جانب الثوار وترك مباركًا يسقط.» إلا أن الجيش عرَّض سمعته للخطر بسبب الاعتقالات العشوائية للمتظاهرين والمحاكمات العسكرية، وتعرَّض للشك في أنه يمهد الطريق لديكتاتور جديد.

ورأى بهاء طاهر أن السخط الشديد من النظام الفاسد وسياسته المستغلة للشعب يمثل نقطة انطلاق كل الثورات. إلا أن الفارق الجوهري بين ثورة ١٩٥٢ وثورة ٢٠١١ هو أن الثورة مع عبد الناصر كانت بقيادة قائد قوي، وهذا ما ينقص ثورة عام ٢٠١١؛ حيث قال بهاء طاهر: «لو كان للحركة قائد، لكان من الأسهل إجراء حوار، ومن المفترض أن يقوم هذا الشخص باتخاذ قرارات على أساس التشاور مع الفئات الشعبية المختلفة، ولا يستطيع الجيش الاضطلاع بمهمة تشكيل سياسة الدولة؛ فهذه ليست مهمته على الرغم من إصراره في البداية على القيام بها.»

عندما بدأت الثورة في مصر وضع بهاء طاهر الرواية التي شرع في كتابتها جانبًا ولم يكتب سوى مقالات سياسية للجرائد. إلا أن محبي الأدب المنتظرين لروايات جديدة لم يطيقوا صبرًا كما صرح الكاتب قائلًا: «أرسل لي أحد القُراء خطابًا احتجاجيًّا كتب فيه أنه يتعين عليَّ العودة إلى الأدب مرة أخرى؛ لأن لدينا ما يكفي من النصوص السياسية.» إلا أن بهاء طاهر شعر بالالتزام في اتخاذ موقف ونقل خبراته السياسية الكثيرة، شأنه شأن غيره من المفكرين. كما أنه مارس النقد ضد بعض زملائه؛ حيث قال: «أؤيد طلبات الثوار تمامًا، وكتبت خلال الشهور الأخيرة بمفهومهم، وسأظل بجانبهم كسابق عهدي. والسؤال يتعلق بكيفية الوصول إلى تحقيق الطلبات وتنفيذها في الواقع. ويجب إيجاد مخرج للجانب المضاد، وليس دفعه بعيدًا بل السماح له بفترة استراحة، ويجب ألا يصر الثوار على طلبات مستحيلة.»

وعلى الرغم من كل الصعوبات يشعر الكاتب بالثورة في مصر على أنها أمر مبهج للغاية؛ لأنه اتخذ مع كثيرين غيره موقفًا مبكرًا، سواء في الأدب أو المطالبات السياسية بالديمقراطية وحرية الرأي، وصاروا روادًا لحركة ضمت طبقات عريضة من الشعب في النهاية. قال بهاء طاهر: «أُلقي كثير من الناس في السجون في عهد عبد الناصر والسادات بسبب قناعاتهم، وكانت هناك معارضة منذ وقت طويل لكنها لم تحظَ بالأغلبية. ولم ينضم المصريون إلى المعارضة إلا في يناير عام ٢٠١١.»

يعرف بهاء طاهر — الذي أوشك على الثمانين من العمر — أن التغيير يحتاج إلى وقت؛ حيث قال: «من الممكن أن يستمر التحول عشر سنوات، لكن يجب أن يبدأ الآن.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠