التحرر من القيود الذكورية

«لماذا تكرهوننا؟!» سؤال طرحته الصحفية المشاغبة منى الطحاوي في شهر مايو ٢٠١٢ في أحد أعداد المجلة السياسية الأمريكية «السياسة الخارجية» ولم تقصد بهذا السؤال الأمريكان أو الإسرائيليين، بل الرجال العرب.1 تقول منى إن العدوانية تجاه النساء، نعم، بل كره النساء يشكل المجتمعات العربية والمسلمة في المنطقة بأسرها. وتُعدِّد منى الوقائع الدالة على ذلك: ختان تسعين بالمائة من النساء المصريات، زواج الأطفال في العديد من الدول المسلمة، وفي السعودية تُعامَل السيدات طوال حياتهن كقاصرات، أما في مصر فيتعين على السيدات الحصول على إذْن رجل من العائلة قبل السماح لهن بالسفر أو الزواج أو الطلاق. تُبرِّر منى الأنماطَ المناهضة للنساء في المجتمعات العربية، والتي تظهر في شكل عنف واضطهاد، إلى كراهية متأصلة الجذور للنساء. وتضيف الطحاوي أن هذا الوضع لم يتغير بالثورات في المنطقة: «إن ثورتنا لم تبدأ بعدُ طالما أن الغضب موجَّه فقط إلى الطغاة في القصور الرئاسية، وليس موجهًا إلى الطغاة في شوارعنا ومنازلنا.» الجدير بالذكر أن الصحفية البالغة من العمر خمسة وأربعين عامًا، والحائزة على العديد من الجوائز، تقيم منذ عام ٢٠٠٠ في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنها تزور وطنها مصر أكثر من مرة في العام. كما أنها شاركت أثناء الثورة في العديد من المظاهرات في القاهرة. وعندما اندلع عنف الشرطة من جديد في شهر نوفمبر ٢٠١١ ضد المتظاهرين، تم احتجاز منى الطحاوي من قِبل رجال الشرطة لمدة اثنتي عشرة ساعة، وتعرضت للتحرش الجنسي والضرب؛ مما أدَّى إلى إصابتها بكسر في ذراعها اليسرى ويدها اليمنى. إلا أن الصحفية لا تشكو فقط عنف الدولة؛ حيث إنها تعرضت قبل ذلك بقليل إلى تحرش جنسي على يد رجل وسط الحشود بميدان التحرير. تقول منى: «إننا نُبلغ على الفور عن اعتداء رجال الشرطة، لكن عندما يقوم زملاؤنا بالاعتداء علينا، نعتقد أنهم عملاء دفع لهم النظام الحاكم. ولأننا لا نريد الإساءة إلى الثورة، يجب علينا أن نتوقف عن الادِّعاء. يجب أن نسمي الكُره باسمه.»
لقد أثار هذا المقال جدلًا حاميَ الوطيس في مصر؛ حيث اتَّهم العديدُ من السيدات وكذلك الناشطات النسائيات المؤلفةَ بأنها تُحوِّل النساء العربيات إلى ضحايا، وتؤكد الصورة النمطية السائدة عند الغرب عن النساء المضطهدات في الشرق الأوسط. والآن تحوَّلت الطحاوي — التي تم الاحتفال بها في مصر بعد اعتداء الشرطة عليها بوصفها بطلة — فجأةً إلى معادية للوطن؛ لأنها تجرأت على التشكيك في نزاهة مَن يُطلَق عليهم ثوريون، ولأنها ترفض كراهية النساء في العالم العربي. لكن المتهمة تدافع عن نفسها بقولها: «عندما أقول إن الثقافة العربية ثقافة ذكورية، فأنا لا أنفي بهذا أن هناك نساءً يقاومن تلك الثقافة.» في الحقيقة تظهر الطحاوي في مقالها مقتنعة بأن الثورات العربية تفجرت على يد رجل — البائع التونسي المتجول محمد بوعزيزي — لكنها تتوقع أن تُكمل النساء العربيات تلك الثورات في يومٍ ما. تذكر الطحاوي نساءً قاومن عنف الرجال بصوت عالٍ: سلوى الحسيني أول مصرية تنتقد ما يُطلَق عليه كشوف العذرية، وهو إجراء مهين تمامًا؛ حيث يقوم فيه أطباء الشرطة بوضع إصبع في مهبل السيدات اللاتي أُلقيَ القبض عليهن لكي يتأكدوا من عذريتهن. وقامت سميرة إبراهيم — كأول سيدة مصرية — برفع دعوى أمام القضاء ضد أحد هؤلاء الأطباء. وقد وصلت بالفعل من خلال تلك الدعوى إلى منع كشوف العذرية، لكن الطبيب المسئول أُطلِق سراحه. «أمثال هؤلاء هن بوعزيزي النساء.» هكذا كتبت الطحاوي، وتضيف أن النساء أكبر بكثير من مجرد حجاب وغشاء بكارة. «إن ثوراتنا العربية سيُكتَب لها النجاح فقط إذا صاحبتها ثورات الوعي — ثورات اجتماعية وجنسية وثقافية تطيح بعائلة مبارك من رءوسنا وغرف نومنا.» وفي لقاء لها مع صحيفة «ذي إندبندنت» البريطانية كشفت الصحفية المقاتلة عن أنها تريد رسم وشم على ذراعيها بمجرد الْتِئام الجروح الناتجة عن عنف الشرطة: «على هذه الذراع سيُكتَب اسم شارع محمد محمود الذي تعرضت فيه للهجوم؛ هكذا أريد أن أخلد شهداء هذا المكان. وعلى الذراع الأخرى «سخمت» إلهة الانتقام والجنس عند قدماء المصريين، وكان رأسها رأس لبؤة.»2

وتؤكد منى أن مقاومة النساء للقيود الذكورية في مصر ليست بالأمر الجديد؛ حيث إن الحركات النسائية المصرية نشأت في نفس وقت نشأتها في أوروبا وأمريكا في بداية القرن العشرين؛ فقد خلعت هدى شعراوي — أول رئيس للاتحاد النسائي المصري — عام ١٩٢٣ الحجاب في مشهد رمزي علني. كما نقلت مطالب النساء إلى البرلمان، ووضعت بعملها حجر الأساس للحركة النسائية المصرية. ونحن ندين بالفضل لضغط هؤلاء الناشطات في حصول النساء على الحق في الانتخاب تحت حكم الرئيس الاشتراكي جمال عبد الناصر عام ١٩٥٦؛ ما تبعه بناء الجامعات وتوفير فرص تعليم وفرص عمل للنساء. أما الرئيس أنور السادات فقد أصلح قانون الأسرة وقيَّد تعدد الزوجات واعترف بحق المرأة المقيد في الطلاق. لكن النساء المصريات لم ينلن أحقية الخُلع دون حاجة لإثبات أن زوجها يسيء معاملتها أو أنه المسئول عن انهيار الزواج إلا منذ عام ٢٠٠٠. وبالرغم من ذلك فإن عدم المساواة بين الرجل والمرأة حتى اليوم يدعو للدهشة؛ فبينما يستطيع الرجال النطق بيمين الطلاق دون إبداء أسباب ودون الحاجة إلى الذهاب إلى المحكمة مرة واحدة، يجب على النساء اتباع إجراءات قضائية طويلة من أجل الطلاق والتنازل عن كل حقوقهن المادية ورد المهر؛ ومن ثَمَّ يصبح من المستحيل أن تقوم امرأة تعيش بمفردها في مثل هذه الظروف برعاية أبنائها.

الهروب من بيت الدمية: سحر الموجي

إن ظروف الحياة الصعبة، بل وفي أغلب الأحيان بائسة للنساء اللاتي لا يرغبن أو لا يستطعن الانسجام مع النماذج التقليدية، وهو ما ينعكس أيضًا في تشكيل العديد من الكاتبات. سحر الموجي — وُلِدَتْ في القاهرة عام ١٩٦٣ — كاتبة ناجحة ومُدرِّسة الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة وتفتخر بكونها ناشطة نسائية. إن نجاحها الشخصي لم يكن السبب الوحيد في أن تصبح سحر الموجي قدوة للكاتبات الشابات اللاتي يلتففن حول الدكتورة سحر الفاضلة في ورش عمل عن الكتابة الإبداعية؛ فهي نفسها تحوَّلَتْ مؤخرًا إلى الكتابة. هكذا تحكي سحر الموجي في مسكنها الكائن فوق هضبة المقطم — حي سكني هادئ بالقاهرة — حيث غيرت المسكن بعد طلاقها من زوجها. كانت سحر في فترة الطفولة والشباب تحت حراسة مشددة. كان والداها مثقفين ليبراليين، وكانت أمها موظفة. تصف سحر طفولتها بأنها كانت خجولة ومدللة: «كان والدي رائعًا ويمتلك مكتبة ضخمة، وكان مسموحًا لي أن أقرأ كل ما أريد: هانز كريستيان أندرسون، ونجيب محفوظ، وآخرين.» وأثناء فترة المراهقة راودتها فكرة أن تصبح كاتبة، لكنها تنازلت من جديد عن تلك الفكرة لشكها في كونها موهوبة بالقدر الكافي. وأثناء دراستها بالجامعة في سن التاسعة عشرة تزوجت الرجل الذي أرادته — ضد رغبة والدها. كانت سحر الموجي مهتمة بالفلسفة الهندية والبوذية، والصوفية والتاريخ المصري القديم وعصر الفراعنة. أنجبت الموجي طفلةً وطفلًا، وهي تعمل يومين في الأسبوع بالجامعة وتكتب رسالة الدكتوراه. بدأ زوجها يتحكم فيها، تقول سحر اليوم إنه كان يغير من عالمها الخاص، رجل مصري تقليدي يريد زوجة هادئة مطيعة. تضيف سحر: «لقد أصبح الزواج بالنسبة لي مثل القفص. عندما أتشاجر مع رجل، فإنني لا أتشاجر معه هو فقط، بل مع نظام القيم الذكوري التقليدي لهذا المجتمع. لقد كنت امرأة وحيدة ضد مجتمع بأسره، مجتمع يقول للمرأة إنه لا شيء أهم من أسرتها. اعتقدت لسنوات أنني يجب أن ألعب دور الفتاة الشجاعة — هذا ما فعلته. لقد تقبلت توقعات المجتمع للوجود الأنثوي بلا جدال: الأسرة، الأطفال، المنزل. وهكذا عشت مثل «نورا» في مسرحية «بيت الدمية» للكاتب هنريك إبسن.»

في غمار يأسها المتزايد جلست سحر وبدأت تكتب — عن مشاعرها، وأشواقها، ومخاوفها. تضيف سحر: «أثناء الكتابة اكتشفت الطفل الموجود بداخلي، والذي قمعته طوال تلك السنوات.» كانت في الثلاثين من العمر وأدركت أنها لم تَعُدْ تريد أن تواصل الحياة على هذا المنوال. وهكذا أدى اكتشاف الذات الأدبية أخيرًا إلى انهيار حياتها الأسرية؛ فطلبت الطلاق، لكن زوجها رفض، ثم طلقها بعد أن وافقت على أن تترك الأطفال معه. وتقول الموجي: «إن تمزيق الأسرة وترك الأطفال لأمر بشع، لكني لم أَعُدْ أستطيع أو أريد العودة.» ترجع قصصها الأولى إلى تلك الفترة، فترة تحرير الذات، وصدرت عام ١٩٩٨ بعنوان «سيدة المنام».3 القصة التي تحمل عنوان الكتاب تحتفل بالعملية الإبداعية مثل عملية الولادة، وتصف تجهيز الجرانيت بأدوات النحت بأنها عملية ولادة مؤلمة. «تواترت دقات الإزميل مع حبات عرق مالح يسقط من جبين يقطر ألمًا سعيدًا عند رؤيته الحجر يكشف عن الْتِواءة يد صغيرة بَضَّة وذراع منمنمة في جسد وليد مفتوح الفم … دهشةً … ضحكًا أم ألمًا.» أما قصة «عباءة الفجر» فتدور حول البحث عن هوية جديدة، وقامت فيها الموجي بإعادة بطلة رواية «ذات» للكاتب صنع الله إبراهيم إلى الحياة؛ سيدة مصرية من الطبقة المتوسطة، تتزوج زيجة متوسطة الحال، تتمتع بصحة جيدة حتى تظهر عليها أعراض غريبة: ألم في الرأس، أرق وشعور غامض بفقدان شيء. وفي ليلة مورقة هامت «ذات» على وجهها عبر المنزل المظلم، وجلست في النهاية على أريكة حجرة المعيشة، حيث ترى صورتها منعكسة على زجاج النافذة: «انتابها فضول لاذع لم تعرفه قط طوال حياتها، فضول نبعه ومجراه ومنتهاه هي. هل يمكن تفسير مفردات الترنيمة؟ هل يمكن زحزحة الثِّقَل الحجري من على صدرها؟ هل يمكن رؤية أشياء غير البناية الرمادية الشاهقة الشائهة وسماع أشياء غير قعقعة المترو وأبواق السيارات؟ هل بالإمكان الإجابة عن أول الأسئلة التي تصل أذنيها الآن همسًا: من … من أنت … أنت … أنت؟»

صارت الكتابة في تلك الفترة بالنسبة لسحر الموجي وسيلة لتحرير الذات. وتقول سحر: «لم أخطط ماذا أريد أن أكتب، بل بدأت أبحث وأسأل، وأصبحت على وعي متزايد بأعراف المجتمع التي تختن حياتي.» لم تكن فقط تجربة الاضطهاد الشخصي والتحرر هي التي جعلتها ناشطة نسائية، بل أيضًا ملاحظتها سوء حال النساء في المجتمع بصفة عامة: «النساء لا يتعرضن للاضطهاد على يد الرجال فقط، بل إنهن يقبلن التقليل من شأنهن، الذي يتعرضن له دائمًا، ويقبلن القيم الذكورية ويساهمن بهذا في النهاية إلى اضطهادهن.»

لقد عاصرت الموجي في طفولتها وشبابها ليبرالية الستينيات والسبعينيات. ومع ظهور الإسلام السياسي أصبح المجتمع بعد ذلك أكثر تحفظًا بشكل واضح، وهذا ما شعرت به النساء من خلال قواعد الملابس الصارمة: «عندما كنت أدرس بالجامعة، لم ترتدِ الحجاب سوى ثلاث طالبات فقط من أصل خمسين طالبة بالجامعة. أما اليوم أصبحت النسبة عكسية؛ حيث أصبح الحجاب رمزًا للهوية الثقافية.» تلاحظ الموجي منذ سنوات هيمنة رجال الدين على الإعلام بشكل متزايد، فهي تشاهد أحيانًا برامج فتوى في التلفاز؛ حيث يُسمَح للمشاهدين طرح أسئلة على إمام البرنامج. لكن ما أفزعها في تلك البرامج حقيقة أن الناس يريدون فقط سماع توجيهات عن كيفية التصرف في هذا أو ذاك الموقف، لكن لا أحد يسأل عن المغزى العميق أو معنى الأشياء. «يُعَدُّ هذا غسيل مخ جمعيًّا مستمرًّا أيَّده نظام حكم مبارك؛ فكل ديكتاتور يهتم بإبقاء الشعب ضعيفًا، هادئًا، سلبيًّا، صبورًا.»

لا تعتقد سحر الموجي أن هذا الوضع من الممكن أن يسوء في المستقبل في ظل نظام حكم إسلاموي. يتسلل عبر نافذة المنزل المفتوحة صوت المؤذن من أحد الجوامع يؤذِّن بصلاة العصر. فمقر الإخوان المسلمين قريب جدًّا، مبنًى ضخم يعكس القوة المالية للجماعة. لكن الكاتبة لا تتأثر بهذا، بل على العكس؛ فهي تسخر من الظهور المحرج للرئيس الجديد محمد مرسي أمام الناس، وتعتقد أن أتباع الإسلام السياسي قد يُسقطون أنفسهم نتيجة لعجزهم السياسي. «لم يثق الليبراليون ودوائر المثقفين المصريين أبدًا في الإخوان المسلمين؛ لأننا نعرف تاريخهم وأهدافهم. لكن أغلبية الشعب تعتقد أن الإخوان المسلمين رجال دين؛ ولذلك فهم جديرون بالثقة. سيتضح مع الوقت ما إذا كانت تلك الثقة مستحَقة. يجب على أتباع الإسلام السياسي أن يتعاملوا مع مشكلات المجتمع الرئيسة، وإذا لم يتوقفوا عن إملاء توصيات عن كيفية تصرف النساء وردائهن، فسوف يفقدون ناخبيهم. إنها مسألة وقت.» ترى سحر الموجي كل يوم الكثير من الناس يكتشفون مناورات الإخوان المسلمين السياسية وينصرفون عنهم في خيبة أمل. «إما أن ينجح الإخوان المسلمون في ممارسة السياسة على غرار النموذج التركي، وإلا فسينتهي بهم المطاف في مزبلة التاريخ.» هكذا تتوقع الموجي.

بينما تصبح أغلبية الشعب المصري أكثر تحفظًا، تظهر في الأعمال الحديثة للكاتبات المصريات نزعة تحررية تواجه هذا الاتجاه السائد بجرأة. إن رواية «نون»4 للكاتبة سحر الموجي تبحث بصورة أدبية التحديات المتناقضة التي تواجه السيدات المصريات المستقلات في مجتمع محافظ. وعملية تحرير تلك السيدات لا تقتصر بالطبع على تحرير الوعي والعقل، بل تحرير الجسد أيضًا؛ الحرية الجنسية للنساء محل جدل. والشخصية الرئيسة بالرواية تُدعى «سارة»، سيدة مطلقة في نهاية الثلاثين، دائرة أصدقائها من الطبقة اللامعة، تجد ذاتها المفكرة في بحثها الأكاديمي، وتعيش علاقات جنسية دون زواج — منطقة محرمة في المجتمع المصري. الشخصيات الأخرى في الرواية رجل وسيدتان غير ملتزمتين من الطبقة المتوسطة. توضح الكاتبة: «لقد نجح هؤلاء الناس من خلال صداقتهم في بناء مجتمع موازٍ مستقل تنفتح فيه أمامهم آفاق جديدة للتجربة والمعرفة.» تدور أحداث الرواية على الخلفية السياسية للهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة الأمريكية، وفضيحة سجن أبو غريب بالعراق في الفترة بين عامَي ٢٠٠١ و٢٠٠٣. وقد وقع اختيار الموجي على شخصية «حتحور» إلهة الحب والرقص والموسيقى في مصر الفرعونية لتلعب دور الراوية.

غالبًا ما توجد إِلَهَات من عالم الأساطير المصري في الأدب النسوي، عندما يتعلق الأمر بالقوة النسائية والحياة الجنسية. تريد سحر الموجي بهذه الشخصيات من عصر قبل الإسلام إحياء الأنثى المضطهدة، لكن ليس باعتبارها عنصرًا في نفسية السيدات، بل في نفسية الأنثى في العالم. وقد أسندت الموجي من قبل في مجموعتها القصصية «سيدة المنام» دورًا للإلهة «إيزيس». تقول الموجي: «الأمر بالنسبة لي يتعلق بتقديم تفسير جديد لأسطورة إيزيس التي تفسرها الثقافة الذكورية بوصفها إلهة للتضحية والحب، بينما لا يتحدث أحد عن قوتها. السؤال هو: ما الغرض من تزييف تلك الشخصية وإخضاعها للنظام الفكري الذكوري؟ تشكل تلك الصورة عن الأجناس البشرية نفسية الأطفال الصغار.» تراهن سحر الموجي بوعي على التقاليد المصرية الخاصة كرمز للقوة والاستقلال، عندما تتناول أوجه القصور في مصر في القرن الحادي والعشرين، الذي يضيق فيه أفق الرؤية بصفة مستمرة وتختنق فيه الأحلام؛ فهي تؤمن بالقوة الكامنة للبشر في تحدي قُبح العالم. «يُشكل عالم بوش ومبارك وصدام حسين الخلفية البعيدة للقصة في رواية «نون». بالتوازي مع حرب بوش الدولية ضد العالم الإسلامي تحكي الرواية عن حرب المجتمع في مصر التي تقوم فيها الأمهات بقمع بناتهن، بينما البنات يصارعن بقسوة من أجل أن يعشن حبًّا حقيقيًّا وعلاقات حقيقية يستطعن من خلالها تحقيق ذاتهن.»

بينما كتبت سحر الموجي قصصها الأولى بسرعة نسبية من وحي الإلهام العفوي، استغرقتها كتابة تلك الرواية المعقدة أربع سنوات من العمل، وذلك دون حساب أبحاثها الموسعة في عالم الأساطير المصرية. تقول سحر إن أحد أهم التحديات في هذه الرواية كان ألا تقع في مصيدة الرقابة الذاتية وتحقق التوازن فيما يتعلق بالجنس. يُذكَر أن الطبعة الأولى من الرواية التي صدرت عام ٢٠٠٧ نفدت من الأسواق خلال أسبوع، قد يكون السبب هو الموضوع المثير للجدل أو حملات الدعاية الناجحة. وتم الاحتفاء بسحر الموجي باعتبارها كاتبة نسائية تناولت موضوعًا شائكًا، ألا وهو الحياة الجنسية للمرأة. ومنذ ذلك الوقت صدرت ثماني طبعات للرواية، كل طبعة تضم ثلاثة آلاف نسخة، نجاح ملموس. تقول الموجي: «ما يجذبني هو نزع المجتمع من تصوراته المتحجرة عن ماهية المرأة والرجل وما ينبغي أن يكونا عليه، نعم، التخلص من كلمة «ينبغي». فأنا أصدم بكتابتي المجتمع في معتقداته وأعرض للقارئات والقُراء أشكالًا مختلفة للوجود وأنماطًا متعددة لإدراك الذات، والسؤال عما يمكن أن يكون مغزى الحياة.»

بينما كانت سحر الموجي في مرحلة مبكرة من الكتابة تتناول شخصيتها الحقيقية، أَثْرَتْ لاحقًا مجالَ رؤيتها ومَدَّته ليشمل شخصيات أخرى وشخصيات ذكورية أيضًا. ولا تزال الطبقة المتوسطة تمثل عالم سحر الموجي الاجتماعي: «فهي تتناول في أعمالها الازدواجيةَ الأخلاقية للطبقة المتوسطة واضطهاد المجتمع الذكوري وكذبه.» ومنذ فترة طويلة لم تَعُد الكتابة تعني للكاتبة التخلص من أزمة حياتية فقط، بل إن الدافع للكتابة نتاج لألم داخلي، وتقول سحر: «لكن الألم شيء مغاير للكفاح؛ فقد تجاوزت مرحلة الكفاح ويمكنني الآن القول بأنني امرأة حرة وسعيدة. فعندما تحقق حلمك، تبدأ في السؤال كيف يمكن أن أساعد الآخرين. وهذا ما أستطيع عمله على المستوى الشخصي أو عن طريق الكتابة. والكتابة بالأخص لها تأثير واسع النطاق.» لكن هذا التأثير محل جدل، وخصوصًا في مصر، فنظرًا لنظام التعليم السيئ وارتفاع نسبة الأمية يشُك الكُتَّاب أنفسهم في أغلب الأحيان في تأثير الأدب. تضيف الموجي أن الكثير من أصدقائها الكُتَّاب سألوها قبل الخامس والعشرين من يناير: «لماذا نكتب إذنْ؟ ماذا تعني الكتابة على الإطلاق؟ فلا أحد يقرأ ما نكتب على أي حال!» لكنها كانت تعارض هذا الرأي باستمرار؛ لأنها كانت على يقين بأن هناك أناسًا يقرءون. «ظاهرة المدونات أكدت صحة رأيي؛ حيث تأكدت أن هناك أناسًا لا أعرفهم يقرءون كتاباتي ويعلقون عليها وينصحون آخرين بقراءتها. وعندما أدرك هذا، أكتب بمزيد من الالتزام والدافعية والثقة حتى أستطيع أن أصل إلى الناس.»

والكاتبة لا تلتقي بجمهورها فقط على الإنترنت، بل مباشرة في الندوات والمناقشات. والكثير من قرائها سيدات شابات تجاوزن العشرين عامًا بقليل ومستعدات لتجارب جديدة. «أشعر بهذا عندما ألتقي أناسًا قرءوا أحد كتبي ممن يعيش الكتاب في وجدانهم؛ ففي إحدى المرات قالت لي سيدة شابة ترتدي نقابًا إنها وجدت نفسها في إحدى شخصيات كتابي، بالرغم من أن تلك الشخصيات تختلف عنها تمامًا. فالقارئات يجدن أنفسهن في الصراع والأسئلة والمواقف، بل إن الثوابت التي يعتقدن فيها حتى الآن تهتز، والشياطين الصغيرة تداعب عقولهن. إن الاستماع إلى تلك الشياطين ليس بالأمر السيئ؛ حيث إنهم يكونون أحيانًا على حق ويغيرون حياتك إلى الأفضل.» لكن كُتب سحر الموجي لا تلقى إعجاب كل القارئات: «لقد قالت لي سيدة خجولة باقتضاب في مناقشة أدبية إنها لا تحب رواية «نون» وتجد صعوبة في مواصلة القراءة؛ لأن الرواية تُخالف كل معتقداتها الدينية. يبدو أن الكتاب كان يمثل صدمة لها؛ فهي لا تجد ذاتها في هذا العالم، أو ربما تدرك فقط جزءًا من شخصيتها ولا تتأقلم مع هذا! لكن تلك السيدة الشابة المنتقبة تأتي كذلك باستمرار لمناقشة الكتب وترغب في تبادل الأفكار. ففكرة أنك يمكن أن تكتشف حياتك من جديد تمس القراء.»

سحر الموجي لا تزال تصف انتفاضة الشعب في الخامس والعشرين من يناير لعام ٢٠١١ والأسابيع التي تليها بميدان التحرير بأنها ثورة بالرغم من الانتكاسات. «لقد تغيرت صورتي عن وطني من خلال الثورة، لقد كانت علاقتي بمصر قبل ذلك معقدة للغاية؛ فقد كنت أحب البلد، لكني في نفس الوقت ناقمة عليه. هذا الانقسام جزء من الماضي. لم أكن أتوقع أننا يمكن أن نقوم بثورة. لقد تغيرت الذات الجماعية، وأدركنا ما نحن عليه حقًّا واكتسبنا ثقة في أنفسنا، ونعرف الآن أننا يمكن أن نحرِّك الأمور. تلك الذات الجماعية في غاية الأهمية، وهذا ما يحدث أيضًا على الساحة السياسية.»

تُكرس سحر الموجي نفسها منذ سنوات على مختلف الأصعدة من أجل إرساء الديمقراطية في البلاد؛ حيث شاركت في مؤسسة المرأة والذاكرة، وهي منظمة مصرية غير حكومية، تهدف إلى إعادة تقييم التاريخ العربي من منظور النوع الاجتماعي «الجندر». كما أنها كانت في البداية عضوًا نشطًا في حركة كفاية، التي كانت تكافح من أجل إسقاط نظام مبارك. ومؤخرًا أصبحت عضوًا مؤسسًا في جماعة «كُتَّاب من أجل التغيير». وتقول الموجي إن الشباب لعب أيضًا دورًا مهمًّا للغاية في كل تلك الأنشطة التي مهدت الأرض للتغيير. «لقد كان المدونون الشباب بالقوة الكافية لتحريك المياه الراكدة. لا أقصد بهذا المدونات السياسية فقط، بل التدوين بكل أنواعه. والفتاة التي تقوم بالتدوين بشخصية مجهولة، تستطيع أن تنتقد والدَيها أو مدرسِيها. كما تستطيع في هذا العالم الافتراضي أن تتبادل الأفكار وتلقى قبولًا من الآخرين وتكتسب قوة؛ فالتدوين بهذا المعنى يمثل شكلًا من أشكال النشاط. ثم جاء فيسبوك ليضاعف من إمكانات التواصل.» كما أن الازدهار الأدبي الذي شهدته مصر في السنوات الأخيرة كان مستحيلًا دون الأنشطة التي تتم عبر الإنترنت. «لقد تم تأسيس دوائر وجماعات أدبية افتراضية، كما أسدى أطفال الإنترنت خدمة كبيرة للكتب بقراءتها ومناقشتها ونشرها على نطاق أوسع.»

لا يسعنا سوى أن نتأمل لفترة مؤقتة كيف يمكن أن يؤثر التحول السياسي والمجتمعي على الإنتاج الأدبي في المستقبل في مصر. لقد استأنفت سحر الموجي العمل في رواية جديدة بعد أن توقفت لفترة مؤقتة. وتقول: «أشعر أن الكُتَّاب والكاتبات المصريين سيصبحون بصفة عامة أكثر ميلًا إلى المغامرة والمخاطرة؛ نتيجة لأننا عاصرنا معجزة تحدث على أرض الواقع. فتحرير قوة التخيل يمكن أن يُحوِّل مسار الكتابة، على الأقل على مستوى المضمون. هناك ثقة في اكتشاف أماكن جديدة في الكتابة، ثقة في القدرة على خلق عوالم مجنونة تحدث فيها أشياء مجنونة ذات صلة بالواقع في الوقت نفسه.»

سِحر اللغة: منصورة عز الدين

وُلِدت الكاتبة منصورة عز الدين عام ١٩٧٦، وهي لا تنتمي إلى مشهد التدوين بالدرجة الأولى، لكنها تستخدم فيسبوك وتويتر أيضًا لإجراء مناقشات ولنشر تعليقاتها وأعمدتها الصحفية على الإنترنت إلى جانب الوسائل التقليدية. وهي تكتب بصفة يومية ومثابرة وتصمِّم اسكتشات وتنسج قصصًا بخيوط روائية وتستغرق الكثير من الوقت في تنقيح النصوص، وهي تعرض منذ سبتمبر ٢٠١٢ نصوصها الصحفية وتضع قصصها المنشورة ومناقشات أعمالها الأدبية مُجمَّعةً على المدونة الخاصة بها.5 يُذكَر أن أول مجموعة قصصية لها ظهرت عام ٢٠٠١، وأول رواية «متاهة مريم» عام ٢٠٠٤.6 وفي عام ٢٠٠٩ تم اختيارها كواحدة من أفضل كُتَّاب اللغة العربية من بين أربعين كاتبًا وكاتبةً.7 وبعد ذلك بعام تم ترشيح روايتها الثانية «وراء الفردوس» لجائزة البوكر العربية.
اقترحت منصورة عز الدين المطعم السويسري «لاشيز» بوسط القاهرة كنقطة لقاء، وأكَّدت أنه «أهدأ مكان في المدينة بأسرها.» فهي غالبًا ما تأتي للكتابة في هذا المطعم، بعد أن تُقِلَّ ابنتها البالغ عمرها عشر سنوات إلى المدرسة، حتى في فترة ما بعد الظهيرة يخلو المكان في الواقع من الناس ويخيِّم عليه هدوء غير معتاد. تسترجع الكاتبة ذكرياتها، عند اندلاع الثورة الشعبية في يناير ٢٠١١ تركت روايةً كانت قد بدأت للتو في كتابتها فوق المكتب ونزلت إلى الشارع، وتظاهرت مع مئات الآلاف يومًا وراء يوم من أجل إسقاط نظام الحكم، واستنشقت الغاز المسيل للدموع، ورأت منازل تحترق وجثث قتلى على الأرض، وشعرت أنها في حرب. وفي البيت أخذت تدوِّن كل ما رأته وسمعته وشعرت به، وسرعان ما ظهرت تقاريرها وتحليلاتها في وسائل الإعلام العالمية أيضًا؛ مثل: صحيفة «ذا نيويورك تايمز»، وصحيفة «نوين تسيورشر تسايتونج». تقول الكاتبة: «أردت تأييد الثورة ووصف ما يحدث هنا وشرحه، كان على الرواية أن تنتظر؛ حيث لم أكتب في الأدب لمدة عام كامل. لقد سارت حياتي لفترة طويلة وفقًا لإيقاع ميدان التحرير.» لقد كَتَبَت عن عنف الشرطة مع المتظاهرين، وكذلك عن أول انتخابات برلمانية حرة في مصر: «لقد التقيت أمام لجان الانتخاب أناسًا لا يعرفون لمن سيعطون أصواتهم، نساءً ورجالًا غير متعلمين، لا يستطيع الكثير منهم القراءة.» لقد تأكدت منصورة عز الدين مبكرًا من أن سعادة النساء وأَمَلهن في تحسين أوضاعهن تَحَوَّلا إلى إحباط شديد؛ حيث تزايدت حالات التحرش الجنسي من جديد مثلما كان يحدث قبل الثورة، وكذلك في ميدان التحرير. لقد ظهرت كراهية واسعة الانتشار وبشكل علني تجاه النساء في اليوم العالمي للمرأة الموافق الثامن من مارس لعام ٢٠١١، عندما قامت مجموعة من البلطجية بالتعرض للنساء المتظاهرات ومنعِهن من الهُتاف وسبِّهن ووصفِهن ﺑ «بنات سوزان مبارك»؛ لأن السيدة الأولى السابقة كرَّست جهودها من أجل حقوق المرأة. وكانت السيدة سوزان مبارك قد ساهمت في عام ٢٠٠٠ في حصولِ المرأة على الحق في الخُلع على عكس رغبة المحافظين، والوصولِ إلى منع ختان الإناث، وتنفيذ كوتة المرأة في البرلمان. كتبت منصورة عز الدين في صحيفة «نوي تسوريشر تسايتونج» في أغسطس ٢٠١١: «جاءت الضربة القاصمة للنساء المصريات وحقوقهن وسلامتهن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي لم يقدِّم مجموعة من النساء المتظاهرات اللاتي أُلقِي القبض عليهن في ميدان التحرير في أول شهر مارس للمحاكمة العسكرية فحسب، بل أخضعهن لكشف العذرية. وما حدث يُعتبَر نوعًا جديدًا من التحرش الجنسي يهدف إلى تلطيخ شرف الفتيات المقبوض عليهن والانتقام من مشاركتهن في الثورة.»8 تضيف الكاتبة أن الهدف على ما يبدو هو إبعاد النساء عن المجال العام الذي ما لَبِثن أن غزَونَه. لقد جاء البيان الذي أعلنه لواء مشارك فيما حدث فاضحًا خاصة بعدما لم يَعُدْ من الممكن إنكار تلك الأحداث. وجاء نص البيان كالتالي: «المتظاهرات كُنَّ يتسكَّعن كل ليلة مع رجال؛ لذلك أرادت القوات المسلحة أن تتأكد مما إذا كُنَّ عذارى حتى لا يدَّعين بعد ذلك أن الرجال قاموا باغتصابهن.» «لقد تفوَّه الرجل بهذا الكلام دون أن يرمش له جفن. هذا تعبيرٌ عن تفكير ذكوري يكاد يكون مَرَضِيًّا، ينطلق من أن الفتاة العذراء فقط هي من يحق لها أن تشكو من الاعتداء الجنسي؛ إغفالٌ ذكوري لحقيقة أن هذا الاختبار المُخجِل بالنسبة لمن خضعن له لا يقلُّ إيذاءً ووقاحةً عن الاغتصاب.» هذا ما كتبته منصورة عز الدين التي ترى «أنَّ ما نحتاجه الآن ثورة ثقافية ومجتمعية ضد معاملة النساء بانحطاط، ضد الجهل والتقاليد التي عفا عليها الزمن. وبهذا يُفرَض على النساء القيام بدور مزدوج؛ حيث لا يتعين عليهن فقط مقاومة الديكتاتورية، بل في نفس الوقت مقاومة صورة رجعية متحجرة للمجتمع.»

وبالرغم من أنها تؤيد بحزم حقوق المرأة، فإنها لا تُفَضِّل لقب «ناشطة نسائية»، بمجرد أن يتعلق الأمر بإنتاجها الأدبي: «تلك التصنيفات تحدُّ من ثراء الكتابة، فأنا لا أنطلق بالضرورة في كتاباتي الإبداعية من وجهة نظري كناشطة نسائية.» فهي تريد بالأحرى أثناء الكتابة نسيان مفاهيمها ونماذجها الفكرية والإنصات لأصوات شخصياتها واتباع منطق القصة. وتضيف: «أحاول أن أكتب جيدًا، هذا كل شيء.» يشكِّل غموض وسحر وألغاز طفولتها رواياتها وقصصها؛ فهي تحب أن تَتَّبِع مسارات مربكة وتتعمق في السرد وتغوص في عالم النسيان وتَخلق رؤًى تشبه الأحلام. وتحكي رواية «وراء الفردوس» عن سيدة شابَّة تواجه أرواح ماضيها؛ حيث تطارد أحلامٌ داميةٌ بطلةَ الرواية «سلمى» تطعن فيها «جميلة» صديقتها في مرحلة الشباب بسكين؛ لتوقظ إحساسها بالذنب والرغبة في تقفي أثر تلك الصداقة التي انقطعت، فتختلط صور ذكريات من مرحلة الطفولة مع خيالات وقصاصات من الأحلام وانعكاسات الرواية. وفي أغلب الأحيان تظهر سلمى وجميلة وكأنهما وجهان لشخصية واحدة تبحث عن ذاتها. تعود سلمى من القاهرة وهي في الثلاثين من عمرها بعد خروجها من زيجة فاشلة وتَعافِيها من انهيار عصبي إلى منزل والديها بالقرية لتكتب رواية عن أسرتها؛ حيث تَعتَبِر طبيبتُها النفسية كتابتها نوعًا من العلاج. تظل سلمى لمدة شهر تفرز مستندات والدها المتوفَّى في غرفتها السابقة ثم تحرقها في جو يملؤه الشجن حتى تتحول إلى ماضيها. وتمتد الرؤية إلى مجتمع القرية في دلتا النيل في الثمانينيات، عندما تخلَّى الفلاحون عن الزراعة وبنَوْا مصانع الطوب فوق أراضيهم على أمل تحقيق الثراء السريع. تنتمي سلمى إلى واحدة من تلك الأُسر الصناعية ميسورة الحال؛ حيث تسكن الأرواح والجان والعفاريت عالم الأطفال. أما البالغون فيخضعون لمعايير سلوكية جامدة؛ فالعقلية المحافظة هي السائدة. تعرض الرواية قوة التقاليد داخل العائلة الكبرى وفي نفس الوقت عالم حياة الأنثى بطريقة معبرة؛ حيث تدفع تلك التقاليد «لولا» خالة سلمى التي حَمَلَتْ سِفاحًا إلى الانتحار، بينما خالتها الأخرى لا تقرأ سوى القرآن، أما خالتها البلهاء فظلت مُقيَّدة بالسلاسل في المنزل. وأخيرًا تنجح الفتاتان المراهقتان «جميلة» و«سلمى» في الخروج من تلك الشرنقة وإقامة الحياة الخاصة بهما في العاصمة البعيدة، لكن ذكريات القرية تؤثر عليهما وتقرع بين الحين والآخر أبواب الحياة العصرية المستقلة.

إن طفولة منصورة عز الدين في مجتمع القرية المحافظ، وقد جاءت مثل بطلة روايتها من دلتا النيل ونشأت في عائلة كبيرة ميسورة الحال، تمثِّل مصدر إلهام ثري لكتاباتها؛ فهي تتناول نشأتها بشكل نقدي لكن دون تحيُّز مع الاحتفاظ بالمسافة المطلوبة. لقد كانت في الثامنة عشرة من عمرها فقط عندما غادرت قريتها وانتقلت بمفردها إلى القاهرة لدراسة الصحافة بالجامعة، الأمر الذي شكَّل نقلة كبيرة، كما تتذكر: «لقد كان الأمر صعبًا في البداية؛ حيث كنت أول فتاة من قريتنا تريد أن تعيش في القاهرة بمفردها، وهو ما لم يكن سهلًا على أسرتي.» لقد تُوفِّي والد منصورة عز الدين وهي في التاسعة من عمرها فقط؛ لذلك تولت العائلة الكبرى رعايتها، وكانت أمها لا تمثِّل سوى صوت من بين أصوات كثيرة داخل تلك العائلة. وتضيف منصورة قائلة: «كان أقاربي ينتظرون أثناء فترة الدراسة الجامعية أن أعود إلى القرية في إجازة الصيف، وكان يغضبهم كوني لا أفعل ذلك، لكن أمي كانت تساندني بشدة في تلك الفترة؛ لذا أدين لها بكل شيء.» أما منصورة عز الدين، فلم تكن تنوي أبدًا أن تعود مرة أخرى إلى قريتها بعد الدراسة، لكن ضغط العائلة كان كبيرًا. وتُكمِل: «هاتفتني أمي وقالت إنني يجب أن أعود إذا لم أستطع أن أجد وظيفة بعد إنهاء دراستي بالجامعة مباشرة، وإنها لم تَعُدْ باستطاعتها مساعدتي لأن أعمامي مُصِرُّون على ذلك.» وتوضِّح منصورة: «لقد كان من الصعب إيجاد وظيفة في مجال الصحافة دون علاقات مع صحفيين مشهورين أو مسئولين ذوي نفوذ.» لكن عندما بحثت قناة تليفزيونية ثقافية عن موظفين، وجدت منصورة وظيفتها الأولى، وفي تلك الأثناء نشرت منصورة قصصًا في الصحف وكذلك في المجلة الأدبية «أخبار الأدب». أدرك الكاتب جمال الغيطاني — الذي كان يشغل منصب رئيس تحرير المجلة آنذاك — موهبتها وقدَّم لها وظيفة محررة أدبية. تقول منصورة: «عندما علم أقاربي أن قصصي القصيرة تُنشَر في الصحف وتُقرَأ وتُناقَش في الإذاعة، تأكدوا من أنني ربما أكون موهوبة وقد أعيش حياة مختلفة عمَّا تصوَّروه لي، وهذا ما جعل الأمر أكثر سهولة.» لم يكن جمال الغيطاني وحده هو الكاتب الذي يثير اهتمام منصورة عز الدين، بل هناك كُتَّاب مصريون آخرون من الجيل الأقدم يشكِّلون أهمية لها، وهي تَذكُر منهم: «نجيب محفوظ، وبهاء طاهر، ومحمد البساطي. لقد نشأتُ على رواياتهم وشكَّلوا موقفي من العالم والأدب.» لقد ساعدها كُتَّاب هذا الجيل على نشر أولى قصصها عندما كانت طالبة شابة بالجامعة. وتضيف منصورة: «لولا مساعدتهم لما واصلت الكتابة على هذا النحو. لقد كانوا بالنسبة لي قدوة تحظى باحترام كبير، وكان تشجيعهم مهمًّا لثقتي بنفسي ككاتبة وحثِّي على مواصلة الطريق.» كما أن هؤلاء الكُتَّاب يشكِّلون قدوة أيضًا من الناحية السياسية؛ حيث إنهم اتخذوا موقفًا ومارسوا النقد بشجاعة. كانت منصورة في طفولتها غالبًا ما تقرأ أدبًا روسيًّا وإنجليزيًّا وأمريكيًّا مترجمًا وهي تتذكر ما يلي: «دائمًا ما كنت أحب الفانتازيا والأحلام والكتابة الغريبة، وهذا لا وجود له في الأدب العربي المعاصر.» تنتمي عز الدين إلى مجموعة من الكاتبات والكُتَّاب من الجيل الأصغر ممن يبتعدون عن الموضوعات الأيديولوجية للجيل الأقدم ويتناولون أشكالًا أدبية جديدة. تقول منصورة: «نحن نتناول أيضًا الأجناس الأدبية ذات الشعبية؛ مثل: قصص الرعب، والقصص البوليسية، والقصص الفكاهية. ونكتب كتابةً أكثر انفتاحًا على العالم من الجيل الأقدم، الذي غالبًا ما كانت تدور رواياته حول الهوية العربية والقومية المصرية.»9

تعمل منصورة عز الدين منذ عام ١٩٩٨ محررةً بمجلة «أخبار الأدب»، وفي تلك الأثناء كوَّنت أسرةً ونشرت العديد من الكتب. وقبل بداية الثورة بفترة وجيزة حصلت منصورة على منحة تُمكِّنها من التفرغ لمدة عام لكتابة رواية جديدة. وهكذا وبعد شهور من التقارير المُكثفة عن الأحداث المجتمعية والسياسية، عادت منصورة إلى الأدب من جديد، وقد انتهت في تلك الأثناء من كتابة الرواية الجديدة، وهي تقول عن الرواية: «إنها حكاية مفقودة من حكايات ألف ليلة وليلة.» فالبطل شخصية من القاهرة الحالية بعد الثورة، المدينة لا تزال ترتجف وتترنح تحت تأثير الصدمات. تعتقد منصورة عز الدين أن الفوضى وعدم الاستقرار قد يستغرقان بضع سنوات.

كما تحتاج النساء إلى نفس طويل في كفاحهن من أجل المساواة. عامان على بداية الثورة وأحوالهن لم تتحسن عن ذي قبل، بل على العكس. تخشى عز الدين «من أن حقوق المرأة مهددة بانتكاسة كبيرة على يد الإسلاميين المتطرفين؛ حيث إنهم يلعبون دورًا مؤثرًا للغاية بشكل متزايد في السياسة والمجتمع، وتهاجم بعض هذه الأصوات وجود المرأة في المجال العام وتريد إزاحتها منه.» وعلى الجانب الآخر هناك العديد من حركات المقاومة ضد تلك الهجمات الرجعية المعادية للمرأة. وتؤيد عز الدين كل تلك الحركات دون تحفُّظ؛ لأن الثورة لن تكتمل طالما أن المساواة بين الجنسين لم تتحقق. يُذكَر أنه تم إطلاق حملة على فيسبوك بعنوان «ثورة النساء في العالم العربي» مع عرض صور لسيدات من الدول العربية المختلفة، وكلٌّ منهن تحمل ملصقًا واعترافًا: «أنا أؤيد ثورة النساء في العالم العربي؛ لأن …» وما تجده عز الدين ذا أهمية خاصة في تلك الحركة هو حقيقة انطلاقها عبر حدود الدول العربية المختلفة وتوحيدها لنساء من العالم العربي بأسره. وبالرغم من هذا فإن الكاتبة لا تتفق مع ادِّعاء منى الطحاوي بأن الرجال العرب يحملون كرهًا للنساء العربيات بصفة عامة، وتقول: «هذا تبسيط للواقع، فالأمور أكثر تعقيدًا؛ فالنساء في العالم العربي غالبًا ما يتقاتلن فيما بينهن. فهناك رجال يؤيدون تحرير المرأة، لكن على الجانب الآخر هناك سيدات مسلمات متشدِّدات يهاجمن حقوق المرأة.» وبالرغم من كل تلك الصعوبات، تعتقد منصورة عز الدين أن الشعب المصري أصبح ناضجًا بما يكفي للتطور في اتجاه الديمقراطية: «تلك هي أهداف الثورة التي كافحنا من أجلها: الحرية، والديمقراطية، والمساواة. لكن الوصول إلى تلك الأهداف ليس بالأمر اليسير؛ فالأصوات العلمانية والديمقراطية يتعين عليها أن تكافح من أجل الوصول إلى الطبقات الأعرض من الشعب.» ضد التصورات الرجعية للإسلاميين المتطرفين وفلول النظام القديم.

الذاتية المتطرفة: منى برنس

على غرار منصورة عز الدين تفاعلت منى برنس مع الثورة على الفور عن طريق الكتابة، لكن ليس بهدف إطلاع الشعوب الأجنبية على الأحداث، بل لإدراك ما يحدث هنا الآن، في الوقت الحقيقي.

لقد التقيت بها في مطعم «استوريل» العريق الذي يقع في مثلث سحري بين التحرير وميدان طلعت حرب والمقهى الشهير «زهرة البستان». ومطعم «ماكسيم» المذكور في رواية علاء الأسواني «عمارة يعقوبيان» يشبه تمامًا مطعم «استوريل». تُعَدُّ منى برنس مثيرةً للجدل، متوحشة وثائرة، أو بالأحرى روحًا حرة. لقد جاءت مُتَّشحة بالسواد لتوِّها من مظاهرة للألتراس، هكذا يُطلِق مشجعو الكرة من الشباب على أنفسهم، وهم من قاموا في الأيام الأولى للثورة بالدفاع عن ميدان التحرير ضد رجال الشرطة والبلطجية. كانت المظاهرة في نفس الوقت جنازة؛ حيث لقي خمسة وسبعون شخصًا مصرعهم في أعمال شغب أثناء مباراة كرة قدم في شهر فبراير عام ٢٠١٢ باستاد بورسعيد في مذبحة لعبت فيها قوات الأمن دورًا مشبوهًا. والآن ينتحب شباب الألتراس على أصدقائهم المتوفَّيْن، ويتهمون الشرطة بتدبير المذبحة بهدف تخويف الألتراس وإبعادهم عن القيام بمظاهرات أخرى ضد عنف الدولة. لقد أرسل هؤلاء الشباب بمسيرة الحداد التي جابت وسط القاهرة إشارةً إلى أن هذا لم ينجح. تقول منى برنس وهي متأثرة بشجاعة الشباب الذي لم يَعُدْ ينخدع بالعبارات الجوفاء: «الكثير منهم في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة فقط، تقريبًا ما زالوا أطفالًا، لكنهم لا يخشون شيئًا.»

وُلِدت الكاتبة في عام ١٩٧٠، وهي تعيش في واحة الفيوم خارج القاهرة، وتُدَرِّس الأدب الإنجليزي بجامعة في مدينة السويس. وعندما ظهرت أول الدعوات إلى مظاهرة حاشدة في شهر يناير ٢٠١١ على فيسبوك، كانت منى برنس في زيارة لوالدتها بالقاهرة. كانت تجلس إلى مائدة المطبخ وتصحِّح أوراق امتحانات طلابها وطالباتها وتملَّكها الغضب من أداء الطلاب المتوسط ومستواهم الفكري واللغوي الضعيف، فتوقفت عن العمل وقالت لأمها إنها ذاهبة إلى المظاهرة لمدة ساعة واحدة فقط وستعود من أجل إنهاء تصحيح الامتحانات، لكن ما عايشته بعد ذلك استغرق أكثر من ساعة. لقد فاجأتها قوة الثورة الشعبية، فهي لم تكن من أتباع الأحداث الجماعية — على حد قولها — لكن ما حدث هنا كان شيئًا آخر؛ فالشعور بالانتماء انتشر عبر الطبقات الاجتماعية وكسر الجدران غير المرئية بين المسيحيين والمسلمين، بين الرجال والنساء، وكذلك في البداية بين الجنود والمدنيين. كانت منى برنس تنزل تقريبًا بشكل يومي إلى الشارع حتى سقوط مبارك. لقد فتحت تلك التجربة عينيها، فتقول: «كنت أعتقد قبل ذلك أن المصريين دائمو الشكوى ويفتقدون للإحساس وكسالى وجهلة، أما الشباب فلا يشغلهم سوى الإنترنت وكرة القدم والجنس. ولاحظت الآن أن تلك الصورة كانت خاطئة تمامًا. تلك الفترة تحولت بالنسبة لي إلى عملية إدراك لذاتي وللأشخاص المحيطين بي.» لقد ألَّفت جريدة عن الثورة انطلقت فيها من خبراتها وخبرات أصدقائها من سائقي السيارات الأجرة أو أشخاص آخرين في الشارع. أسلوب الجريدة سردي تتخلَّله مشاهد وحوارات، والأمر بالنسبة لها لا يتعلق بتوثيق الأحداث، ومن المفترض في نفس الوقت أن يصبح كتابًا جميلًا، فيه إثراء للقرَّاء. كان من الضروري في هذا الكتاب التعبير عن أصوات الشارع الكثيرة التي تمتزج للحظات قصيرة لتصبح صوتًا واحدًا؛ لذلك جاء عنوان الكتاب «اسمي ثورة». لقد كانت تكتب عن الأحداث في نفس وقت وقوعها بعفوية وعاطفية من واقع كونها مراقبة لها ومشاركة فيها، وظلت تنشر الفصول المختلفة بصفة مستمرة على فيسبوك، قبل أن تظهر في صورة كتاب. الحوار مع قُرَّائها يتدفق من جانبه في كتابتها، كما تشعر في كتابتها بالقلق من أن الزخم الثوري يمكن أن يتبخر فجأة مثل حلم جميل.

لم تصبح أحداث الثورة مصدر إلهام لكتابة منى برنس فحسب، بل قلبت حياتها بأسرها رأسًا على عقب. «قبل الثورة كنا جميعًا ساخطين ومكتئبين وناقمين ومحبطين، كنا نبدو بحالة مزرية عندما نرى أنفسنا في المرآة أو عندما ننظر إلى وجوه الآخرين، أما اليوم فنحن واثقون وكلنا أمل. أنا سعيدة.» في البداية كانت في حاجة إلى فهم ما لم تتوقع حدوثه قط: «كيف أصبحنا فجأة بهذه الشجاعة والحيوية والإبداع؛ حيث تناثر الإبداع في ميدان التحرير في الشعارات والأغاني والنكات ورسوم الجرافيتي؟! لقد كان هذا ضربًا من الجنون، لقد وُلِدنا من جديد، نحن جميعًا.» لقد أرادت بكتابها إضفاء الحيوية على روح الثورة والطاقة الناجمة عنها. تقول منى برنس بحزم: «هذا جزء من التاريخ، تاريخنا، يجب أن نوثِّق هذا التاريخ بالنصوص والأفلام والأغاني.» وتضيف أن معايشة المجتمع أثناء الثورة الشعبية كانت بالنسبة لها شيئًا جديدًا تمامًا أثرت في كل علاقاتها، حتى أسلوبها في الكتابة تغيَّر تمامًا؛ حيث تقول: «قبل ذلك كنت أكتب لنفسي، أما الآن فأنا أخاطب القارئات والقُرَّاء لأني أستمتع بالكتابة على هذا النحو. لم أفكر قط في الجمهور؛ فأنا بطبيعتي منطوية وأخشى التجمعات، لكن الثورة كشفت النقاب عن جوانب خفية في شخصيتي.» لقد اكتشفت الكاتبة نفسها فجأة من جديد في اللحظة التي تحرك فيها بلدها، وتوضِّح منى: «لم أنشغل قبل ذلك بالسياسة والمجتمع، كنوع من فقدان الأمل، لكن عندما بدأت الاحتجاجات في الخامس والعشرين من يناير، أصبحت جزءًا من الشعب. إنها تجربة جديدة تمامًا بالنسبة لي، ففي الخمسة عشر عامًا الأخيرة كنت دائمًا خارج الصورة ولم أرغب قط في أن أكون جزءًا من شيء. أما فيما يتعلق بالكتابة فهذا يعني أن لي الآن دورًا وواجبًا سواء كإنسانة أو كاتبة.»

قرأتْ منى برنس وهي طفلة الكثيرَ من الكتب، ويرجع الفضل في ذلك إلى والدها الذي كان يُحضِر لابنتيه في سن ما قبل المدرسة كتبًا إلى المنزل؛ لذلك فقد خصَّصت في صدر روايتها الأولى إهداءً لوالدها: «لأنه كان يهديني قصصًا أكثر من الشوكولاتة.» وفي المدرسة عايشت منى الكتابة على يد مدرسين مستبدين وغير مبدعين لتصبح تجربة مؤلمة، وغالبًا ما كانت تحصل مقالاتها على درجات سيئة، لكن حبها للأدب لم يَخفُت؛ لذا قررت أن تدرس الأدب الإنجليزي ووجدت مدرسين بالجامعة يشجعون موهبتها في الكتابة، مثل الكاتبة رضوى عاشور. إلى جانب ذلك كانت تذهب إلى الحلقات الأدبية في «أتيليه القاهرة»، حيث تشارك في المناقشات وتعرض محاولاتها الأدبية على كُتَّاب وأساتذة خبراء. وتتناول إحدى قصصها الأولى قصر النظر، فهي تدور حول اكتشاف أن قصر النظر لا يعني قصور الإدراك، بل على العكس اتساعه، بحيث تستطيع البطلة أن تختار بين طريقتين للإبصار؛ إحداهما بالنظارة والأخرى دونها. تقول الكاتبة: «استطعت أن أكتب تلك القصة فقط، حين لم أَعُدْ أُنكِر قِصَر نظري، بل أدركت أنه فرصة.» وتُكمل: «فالكتابة لا تعني بالنسبة لي موضوعًا محددًا أو معرفة فقط، بل إن التقنية الأدبية، الشكل الأدبي، على نفس القدر من الأهمية.» ويساعدها في ذلك عملها الأكاديمي في وظيفتها؛ حيث تعمل مدرسًا للأدب: «أنا على دراية دائمة بالأشكال الأسلوبية والتقنيات المتاحة. في البداية يكون لديَّ خط أحمر، ثم أفكر في الطريقة التي أريد أن أعبر بها عن شيء، وعندما تتضح الأمور بالنسبة لي أبدأ في الكتابة. البداية دائمًا هي الأصعب.» جابريل جارسيا ماركيز، أستاذ الواقعية السحرية والريبورتاج الأدبي، يُعَد مثلًا أعلى لها؛ حيث تقول: «ماركيز هو أحد كُتَّابي المفضلين، وعندما أقرأ كتبه أقول لنفسي في أغلب الأحيان إنني ينبغي لي أن أتوقف عن الكتابة؛ لأني لن أستطيع أبدًا أن أصبح مثله.» أما الكاتب إبراهيم أصلان فيُعَدُّ مصدر إلهام لها ليس فقط على المستوى الأدبي، بل إنه ساعدها أيضًا في نشر قصصها الأولى في صحف عربية مشهورة. «هذا لا يفعله الكثير من الكُتَّاب الكبار مع المبتدئين. لقد طلبت منه فقط أن يقرأ النصوص ويخبرني برأيه.» هكذا تقول الكاتبة التي تعرف مدى أهمية هذا التشجيع في مصر. وعندما تُوفِّي إبراهيم أصلان في بداية عام ٢٠١٢ عن عمر ٧٧ عامًا، كتبت منى برنس تنعى معلمها.

بروايتها الأخيرة تُقدِم الكاتبة على مغامرة خاصة؛ فرواية «إني أحدثك لترى»10 هي قصة حب قوية ولُوعَة، تُكتَب من وجهة نظر سيدة تُدعَى «عين». جزء من الرواية قصة حب والجزء الآخر أدب رحلات. إنها قصة «عين» و«علي» اللذين تقابلا بالصدفة في حفلة ووقع كلٌّ منهما في غرام الآخر، قصة حب عاطفية ومؤلمة بنفس القدر، فكلٌّ منهما يحب الآخر وينفصلان بصفة مستمرة؛ حيث ألمح «علي» إلى أنه يريد أن يتزوج امرأة من محيطه الثقافي (علي من تونس) بشكل تقليدي؛ لذلك فسخ الخطبة وتزوج بعد ذلك من أخرى. بينما بدأت «عين» رحلة؛ حيث انطلقت بمفردها إلى الصحراء، إلى واحة سيوة، ثم إلى الجزائر ومنها إلى البحر الأحمر إلى دهب، وانفصلت عن عشيقها وعاشت هوسها الجنسي مع أشخاص أجانب تعرفت عليهم بالصدفة، قبل أن تعود إلى «علي»، وتقص عليه مغامراتها الجنسية بأدق التفاصيل وتغرق في حبه في نفس الوقت أكثر من ذي قبل، وتقول له: «لقد أصبحت صوفية، أنا أحبك يا «علي»، لكني تغيرت؛ حيث كان يجب عليَّ أن أضحي بجزء مني كي أصل إلى تلك الحالة من الحب الطاهر دون رغبات.» تحاول «عين» باستخدام اللغة أن تصف تلك الحالة المتطرفة من الحب فتقول: «إن الأشكال المعروفة لم تَعُدْ تستهويني، ما أريده الآن هو أن ألعب بالكتابة مثلما لعبت بالحب، أريد أن أخاطر في الكتابة بكل شيء بجرأة أكبر مثلما خاطرت بكل شيء في الحب.»
تُعَدُّ تلك الرواية بحثًا متطرفًا في أعماق الذات من وجهة نظر أنثوية دون تحفُّظ وبشكل عاطفي حتى حدود الألم؛ فكلمة «لترى» في عنوان الرواية يمكن تفسيرها بمعنًى أوسع لتشمل إدراك الوجود وفهمه. «عين» بطلة الرواية صاحبة رؤية عصرية. مثل تلك الرواية تعرضت — بلا شك — للنقد في المجتمع المصري المحافظ، فهل أرادت الكاتبة إثارة الجدل؟ توضح الكاتبة: «لا، هذا لم يكن هدفي، لقد أردت أن أكتب قصة حب، لكن الجزء الثاني بما يتضمنه من مغامرات «عين» الجنسية جاء على النقيض من الجزء الأول بقصة الحب الكبيرة غير المشروطة.» عندما انتهت من كتابة الرواية، أدركت أنها أصبحت رواية عن قوة المرأة التي تمر عبر كل عواصف الحياة وتحب وتعاني، لكنها لا تسقط. والكاتبة لا تطبق المعايير الأخلاقية على الأدب. «الجنس موضوع مهم في الأدب، لكن لا أحد في مصر يعرف هذا؛ لأن عدد من يقرءُون في مصر قليلٌ جدًّا.» هذا ما صرَّحت به منى برنس في لقاء مع صحيفة «الأهرام إبدو» الأسبوعية الصادرة بالفرنسية.11 وتضيف أنه يجب على المجتمع المصري أن يتحرر من تقاليده العاجزة وأحكامه المسبقة، لكن هذا يمكن أن يحدث فقط عندما يستطيع المجتمع أن ينسف أغلال الخوف: «لا بد أن نجدد العقلية المصرية.» فالرقابة الذاتية لا وجود لها عند منى برنس التي تقول: «إما أن أكتب أو لا، لكن أن أعبِّر عن شيء آخر مراعاةً لمحرمات المجتمع، فهذا ما لا أفعله.»

صدرت رواية «إني أحدثك لترى» مثل الروايات الأولى لعلاء الأسواني ومنصورة عز الدين عن دار ميريت المستقلة للنشر في طبعة صغيرة تُقدَّر بألفي نسخة؛ لذلك لم تصل إلى قاعدة عريضة من الجمهور. ربما يكون هذا ما حماها من أن تصبح هدفًا للهجوم، لكن مع ازدياد شوكة الإسلاميين قد يصبح نشر مثل تلك الروايات المتحررة أكثر صعوبة في المستقبل. تومئ منى برنس بالنفي: «لا، لا أخشى هذا. يزداد عدد الرجال ذوي اللحى باستمرار، لكن هذا مجرد ظاهرة سطحية. أنا لا أشعر حتى الآن بتأثير مباشر لوجود الإسلامويين. صدقيني، السلفيون والإخوان المسلمون لن يُكمِلوا دورة تشريعية في البرلمان، تلك الظواهر الدينية ستختفي في النهاية وسيصبح لدينا مجتمع مدني. إنها مسألة وقت فقط.»

تعتقد منى برنس أن كتابتها قادرة على إيقاظ وعي القارئات والقُرَّاء، وأن انتشار الأدب في السنوات الأخيرة قد مهَّد الطريق للثورة، لكنها ترى تأثيرات غير مباشرة على المدى البعيد: «نحن لا نكتب أدبًا للشهرة ولا نحث القرَّاء من خلال كتابتنا على فعل شيء بعينه، لكننا عندما نُقدِّم في رواياتنا شخصيات تتصرف بطريقة غير تقليدية ونتناول رؤًى جريئة أدبيًّا، يؤثر هذا بلا شك ويتسرب ببطء إلى الوعي.» تعتقد الكاتبة أن إحدى المشاكل الكبرى التي تعوق تطور المجتمع المصري هي ارتفاع نسبة الأمية وسوء مستوى التعليم؛ لذلك يبقى تأثير الأدب على عملية التحول المجتمعي محدودًا. «لكنْ هناك جيل جديد من الكُتَّاب وجدوا قاعدة أعرض من القُرَّاء؛ إنهم الكُتَّاب الذين بدءُوا الكتابة بداية من عام ٢٠٠٠، شباب في العشرين بنوا قاعدة جماهيرية خاصة بهم على شبكة الإنترنت، في البداية عن طريق المدونات ثم عن طريق فيسبوك. أما جيلي فلم يحظَ في البداية إلا بعدد قليل من القراء، لكن المشهد يزدهر الآن حيث يزداد عدد من يقرءون عنه قبل عشر سنوات. وبفعل الثورة تطور الأمر بسرعة كبيرة.» أدت ثقافة الإنترنت إلى أن يتعلم الشباب بشكل مستقل بعيدًا عن المؤسسات مثل المدرسة والجامعة، عن طريق البحث عن المعلومات التي يحتاجونها على الإنترنت. «فعندما تحوَّل شارع محمد محمود الواقع بالقرب من ميدان التحرير في شهر نوفمبر لعام ٢٠١١ إلى مسرح لحرب شوارع شرسة، بحث الشباب عبر محرك البحث جوجل عن محمد محمود، وهو رئيس وزراء سابق كان يُعرَف بأسلوبه المستبد في الإدارة. لم يهتم أحد قبل ذلك بالتاريخ، لكن إمكانية البحث بشكل مستقل في الإنترنت تحفزهم.» منى برنس تؤمن بالجيل الجديد: «إنهم يدفعونني للأمل بالرغم من كل الانتكاسات التي نعيشها الآن.»

بعد انتخاب محمد مرسي رئيسًا ساد الإحباط دوائر النساء الليبراليات، وقد ظهر هذا في الأحاديث في الشوارع والمقاهي، في الصالون الأدبي العريق بمقهى «ريش» تحت الصور الأبيض والأسود لنجيب محفوظ وغيره من عظماء الحياة الثقافية في مصر. وقد دعت نوال السعداوي — أقدم ناشطة نسائية مصرية — إلى مناقشة الوضع، ودار الحديث عن كيفية دعم وجود المرأة في المجتمع، وكيفية إيقاف نفوذ الإسلامويين، وألقت كاتبات وصحفيات ومدرسات وأساتذة بالجامعات بيانات مُحبِطة، ثم تقدمت سيدة في منتصف العمر إلى الأمام عند المنصة وقالت: «عندما أرى أين نحن اليوم، أندم على مشاركتي في الثورة؛ فأوضاعنا تزداد اليوم سوءًا عن ذي قبل.» وساد المكان صمت مُحَيِّر، ثم ردَّت نوال السعداوي بالدعوة إلى المثابرة قائلة: «سماع هذا الكلام بعد كل المعارك التي خضناها يؤلمني، لا ينبغي أن نستسلم الآن.» ثم طلبت سيدة شابة من الحضور الكلمةَ، وهي تُدعَى باكينام أحمد، وعمرها سبعة وعشرون عامًا، وتعمل طبيبة للأسنان، وهي لا تريد تثبيط عزيمتها وتعرف أن الإخوان المسلمين ليسوا سوى قمة الجبل الجليدي لمجتمع محافظ بشدة، وتقول: «الأمر لا يتعلق فقط بمرسي وغيره من رجال السياسة، بل إننا يجب أن نحارب ضد هذا النظام الذكوري، بداية من داخل العائلات. لقد سئمت من التقاليد. يجب أن نثور في البداية على آبائنا ونهتم بألا يصبح إخواننا مثل آبائنا، هذا هو واجبنا يومًا بعد يوم.»

يبدو الواقع الآن أكثر ظلامًا، ففي المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يقيس التقدم بالمساواة بين الجنسين، تراجعت مصر في عام ٢٠١٢ ثلاثة مراكز عن العام الماضي، وجاءت في المركز ١٢٦ من بين ١٣٥ دولة.12 إن الدستور الجديد الذي وضع أغلبيته الإسلامويون يضمن مجالًا أوسع لتفسير القوانين على أساس ديني، ولا يحتوي على مادة واحدة تضمن حقوق المرأة، كما يفتقر الدستور إلى منع الاتِّجار بالأطفال وزواج القاصرات. وكان المركز المصري لحقوق المرأة قد أكد في دراسة أُجرِيت عام ٢٠٠٨ أن ٨٣٪ من السيدات المصريات كن ضحايا للتحرش الجنسي لمرة واحدة في حياتهن؛ إذ تزداد الاعتداءات الجنسية على السيدات بمعدل مفزع،13 حتى ميدان التحرير الذي تم الاحتفاء به في الأيام الأولى للثورة كمكان للتضامن بين المسلمين والمسيحيين، الرجال والنساء، العلمانيين والمتدينين، الأغنياء والفقراء، تحوَّل إلى ساحة نزال؛ حيث تعرضت عشرون سيدة على الأقل هناك في الذكرى الثانية للثورة في الخامس والعشرين من يناير لعام ٢٠١٣ إلى التحرش الجنسي على يد مجموعة من الرجال، بل وتم اغتصاب بعضهن. ويبدو أن هذا لم يكن كافيًا؛ حيث ألقى الكثيرون — ليس الرجال فقط — بالذنب على الضحايا. وتُعَدُّ الحشود الضخمة في المظاهرات وقلة الوعي بالحقوق والوضع الاقتصادي المزري عواملَ مشجِّعة على السلوك العدواني تجاه المرأة، لكن جذور هذا البلاء أعمق من هذا. وفي شهر نوفمبر لعام ٢٠١١ أثارت المدوِّنة علياء المهدي — طالبة الإعلام البالغ عمرها آنذاك عشرين عامًا — موجةً من الغضب، عندما نشرَتْ على المدوَّنة الخاصة بها14 صورة عارية لها. والسيدة التي وصفها الإعلام ﺑ «المدونة العارية» كانت تحتج بهذا التصرف على كُره المجتمع للمرأة ولجسدها، وعلى العنصرية والتمييز على أساس الجنس والنفاق، وتطالب بحرية تصرف المرأة في جسدها. وعمليات الاغتصاب التي تمت في ميدان التحرير ليست سوى القمة الدراماتيكية للجبل الجليدي.15 السؤال الذي طرحته منى الطحاوي عن سبب كره المرأة في العالم العربي يُعَدُّ مثيرًا للجدل ومؤلمًا، ومن الصعب الإجابة عليه، ومن الخطير تجاهله.
figure
figure
يوسف رخا: يحذِّر المتشكك والمفكر العرضي بين المثقفين المصريين من أيديولوجية الإسلام السياسي المعادية للحياة.
figure
سحر الموجي: على هضبة المقطم المطلة على «مدينة الموتى»، هنا تفكر الكاتبة النسوية في مشروع روايتها الجديد.
figure
مجدي الشافعي: على مدخل عالم القاهرة الخفي، حيث تدور أحداث روايته الجرافيك «مترو».
figure
نوال السعداوي: كرَّست الكاتبة النسوية وناقدة النظام نفسها منذ عقود من أجل إحلال الديمقراطية؛ ما دفعت ثمنه حبسًا ونفيًا.
figure
أهداف سويف: المتنقلة بين عالمين عادت إلى موطنها القديم بسبب ثورة ٢٠١١.
figure
منصورة عز الدين: تتذكر «شهداء الثورة» أمام رسم جرافيتي للشهيد مينا دانيال المدون الذي قُتِل في شارع محمد محمود.
figure
علاء الأسواني: صدرت مقالاته النقدية اليوم مجمَّعة في كتاب ليقرأها الناس في الشوارع. من بينها كتابات عن الثورة، وتشي جيفارا، والسلفيين، والإخوان المسلمين.
figure
figure
مليونية: أصبح ميدان التحرير رمز الثورات من خلال المظاهرات المليونية.
figure
غادة عبد العال: الصيدلانية الودودة، ابنة المحلة الكبرى، تعيش حياة مزدوجة بوصفها مدوِّنة وصاحبة أحد الكتب الأكثر بيعًا.
figure
بهاء طاهر: الروائي والمترجم السابق لدى منظمة الأمم المتحدة الذي عاصر أنظمة تجيء وتذهب.
figure
صالون أدبي في مقهى ريش: حيث تمثِّل صور كبار الأدباء والكُتَّاب خلفية تدعم الأجيال الصاعدة في المستقبل. تتوسط نوال السعداوي الجالسين على المنصة.
figure
يوسف زيدان: أمام أفق الإسكندرية الرحب يبرِّر الفيلسوف والمؤرخ العلمي التفكيرَ النقدي ويضع السلطة والاستبداد محل تساؤل.
figure
صنع الله إبراهيم: الكاتب الساخر صاحب السخرية السوداء يحرج نظام مبارك بوسائل عدة من بينها رفض تسلم جائزة الدولة التشجيعية.
figure
أحمد خالد توفيق: مؤلف الخيال العلمي يقف وخلفه المسجد رمز الدين في مسقط رأسه «طنطا»؛ حيث يجد الدعم عندما يبدأ في التخطيط لعمله الأدبي «يوتوبيا».
figure
خالد الخميسي: في الشارع وفي التاكسي يجد الكاتب ودارس السياسة حكايات تمس الروح الشعبية المصرية.
figure
منى برنس: لا تعرف محرمات عندما يتعلق الأمر بالإباحية الجنسية والمقاومة السياسية.
figure
أحمد مراد: يرسم المؤلف ومصور الرئيس مسرح أحداث روايته البوليسية السياسية في برج فندق جراند حياة الكائن على نهر النيل.
figure
جمال الغيطاني: الكاتب ورفيق نجيب محفوظ لفترة طويلة في مقهى الفيشاوي بوسط القاهرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠