نقد السلطات الدينية: من باحث مخطوطات إلى كاتب لأعلى الكتب بيعًا

كان يوسف زيدان باحثًا جادًّا منغمسًا وسط مخطوطات العصور الوسطى في مكتبة الإسكندرية، ومحاضرًا جامعيًّا في فلسفة وتاريخ العلوم، وهكذا كاد يظل بمنأًى عن بؤر اهتمام الحاضر المصري، حتى كتب روايته «عزازيل»1 عام ٢٠٠٨ فأثار عاصفة من الغضب. لم يكن نظام مبارك الديكتاتوري هو مصدر موجة السخط تلك، بل رجال الدين المسيحي والإسلامي في مصر. لا يبدو عنصر التاريخ جليًّا بشكل كبير في الرواية من النظرة الأولى، فأحداث الرواية تدور في مصر في عصر ما قبل دخول الإسلام وحول الصراع العقدي الذي مر به المسيحيون الأوائل في القرن الخامس. كانت التساؤلات حول حقيقة العذراء مريم وعمَّا إن كانت أمَّ الرب أو أم المسيح البشر، لها عواقبها التي أثَّرَتْ على عقيدة الثالوث وهدَّدَتْ بانقسام الكنيسة. حاولت الكنيسة في مصر في نفس الوقت أن تخلق لنفسها قاعدة سلطوية، فأخذت في ملاحقة معتنقي الديانات الأخرى بقسوة وبلا أدنى رحمة، مخالِفةً بذلك القيم المسيحية وفي مقدمتها المحبة. ومن العوامل التي جعلت الرواية شائقة بهذا الشكل شخصية الراوي؛ وهو الراهب الشاب «هيبا» الذي يبحث في خضم الأحداث عن الهداية. تربى الراهب في قرية في جنوب مصر؛ حيث كان أهلها لا يزالون يؤمنون بالآلهة المصرية القديمة، وعاش «هيبا» مع عمه بعدما قُتِل والده على يد متطرفين مسيحيين، ودرس الطب ثم رحل إلى الإسكندرية، تلك المدينة المنفتحة التي تقع على البحر المتوسط بكل ما بها من ثراء ثقافي وسحر يُحرِّك هذا المؤمن الشاب الذي فقد براءته بين ذراعي يونانية جميلة؛ صحيح أنه استمتع بشهوته إلا أنه عانى بعدها من عذاب ضميره. كان مأخوذًا وهو يتابع محاضرة للفيلسوفة وعالمة الفلك والرياضة اليونانية «هيباتيا». كان المسيحيون يعتبرون تلك العالمة — التي كان مريدوها يجلُّونها — كافرةً، وفي النهاية هاجمها مجرم مسيحي وقتلها بمنتهى القسوة. اهتز إيمان «هيبا»، الذي كان شاهدًا على تلك الجريمة، بعقيدته بشكل عميق، صحيح أن تعاليم دينه السلطوية قطعت عليه طريق الشك، لكن صدمة هذا الفعل الإجرامي الذي تم تحت اسم المسيحية أصبحت نقطة تحول في حياته. وهكذا غادر الإسكندرية وسافر بداية إلى القدس، ومن هناك واصل سفره انتهاءً إلى ديرٍ ناءٍ يقع على إحدى الهضاب شمال حلب، وأراد أن يعتزل العالم هناك بعد جولاته المليئة بالمغامرات وعمره لم يتعدَّ ٣٣ عامًا، وأن يكرِّس حياته للدراسة ولحديقة الأعشاب التي يرعاها، ويمارس مهنة الطب ليساعد البشر ويخفف معاناتهم، وفي النهاية أخذ يكتب مذكراته على ثلاثين لفة من رَقِّ الكتابة مُعذَّبًا بشعوره بالذنب ومُحاصَرًا بعقيدته، تَقُوده في ذلك شخصية العنوان «عزازيل»، تلك التسمية القديمة للشيطان كانت تُستخدَم في كلٍّ من اللغتين العربية والعبرية. لقد قاد الشيطانُ الراهبَ إلى الغواية وعذَّبه وغذَّى شعوره بالشك، ودفعه إلى مواجهة نقائصه والنظر إلى وجه الحقيقة. باختصار، «عزازيل» هو الشخصية التي جعلت من راهب العصور الوسطى الذي يخشى الرب إنسانًا جديدًا يتساءل عما يكمن خلف كل السلطات ويتحمل مسئولية أفعاله بنفسه. سأل «عزازيل» في إلحاد: «هل الرب هو من خلق البشر أم العكس؟» لقد كان يدفع الراهبَ إلى أن يدوِّن كل ما يرى ويشعر ويعايش وما يقلقه. كان «عزازيل» هو صوت «هيبا» الداخلي الذي يعلو ويصبح أكثر إلحاحًا ويفرض نفسه باستمرار: «لأني نابع منك وإليك وأنا دائمًا بداخلك ومعك.» لا يبدو ثمة خلاص ﻟ «هيبا» لأنه ليس قديسًا، بل بشر يعاني ويشك ويشعر بالخوف: «ربما أخشى أن أغوص داخل ذاتي وأعرف حقيقة الأنا المليئة بالشك … كل شيء بداخلي مليء بالشك … تعميدي ورهبنتي وعقيدتي وأحاسيسي وحبي لمارثا.» لكن «عزازيل» لم يَدَعْ ﻟ «هيبا» العزاء في عقيدته وطالبه بأن يُحدِّد موقفه بنفسه ويتحمَّل مسئولية نفسه، ولم يخجل وقتها من أن يَعِدَه بالخلود: «أنت تعيش لتكتب يا هيبا؛ ومن ثَمَّ ستبقى على قيد الحياة حتى تَحِين لحظة موتك، وسأستمر أنا حيًّا في كتاباتك … اكتب يا هيبا؛ لأن من يكتب لا يموت أبدًا.»

إن أي كاتب يحظى بالخلود عن طريق كتاباته لا بد وأن يُمثِّل استفزازًا لممثلي المؤسسات الدينية الذين يطلبون من المؤمنين الطاعة والخضوع، لكنَّ هناك أمرًا آخر اتُّهم به يوسف زيدان، فممثلو الكنيسة القبطية في مصر أدانوا المؤلف واتهموه بالإساءة للكنيسة وللبابا كيرلس بطريرك الإسكندرية السابق، وكانوا يرون أنه كمسلم ليس له حق الكتابة عن المسيحية؛ لأنه تنقصه النظرة الصحيحة. وطالب البعض بحظر الرواية من الأساس، لكن الكاتب كان يدافع عن نفسه قائلًا: «من السخيف اتهامي بالإساءة للمسيحية، فروايتي غير موجهة ضد كنيسة، ولكن ضد ممارسة العنف باسم الدين، فالرواية تدور حول الإنسان في تنوع مشاعره وتفكيره وعقيدته وشكوكه وشهواته.»

وعلى الجانب الآخر كان رجال الدين المسلمون مستائين من المشاهد الجنسية الصريحة التي جرى تصويرها في الرواية، والتي كان الراهب الشاب يتمزق فيها ذهابًا وإيابًا بين التجرد والزهد اللذين تمليهما عليه عقيدته وبين رغبات جسده. كتب يوسف زيدان العديد من المقالات دفاعًا عن روايته وقال: «إن الكثيرين من معارضيَّ لم يقرءُوا الرواية ولو مرة واحدة، والبعض لم يدرك أنها لا تعدو كونها رواية، وهي ليست بحثًا فيلولوجيًّا.» من الواضح أنه كان يسعى بروايته إلى مواجهة الإسلاميين المتطرفين بحقيقتهم. كان الأدب لا يخضع لرقابة الدولة في مصر منذ سنوات، إلا أنه كانت هناك دعوات مستمرة من الأوساط الدينية لحظر بعض الكتب بدعوى أنها تخدش عادات وشعور المصريين أو أنها أعمال كُفرية بالمرة. وبما أن الإسلاميين كانت لهم في هذه الأثناء الكلمة العليا على مستوى الدولة، فقد كان من دواعي القلق أن تزداد حدة وقوة هذه الدعوات وتعود رقابة الدولة على الأدب من جديد.

لقد وضع يوسف زيدان بروايته تلك يَدَه في عش الدبابير؛ فالدين في مصر هو المنطقة الوحيدة المحاطة بهذا القدر من الحساسية، بل والخطر. باعتباره فقيهًا لغويًّا ومؤرخًا للعلوم اشتغل يوسف زيدان منذ فترة طويلة بالإسلام وخاصة بالمذهب الصوفي، وكان يرد على الإسلاميين المتزمتين الذين يدَّعون أن الإسلام لا مثيل له لأنه جاء عن طريق الوحي بأن علوم الإسلام تعتمد كذلك على المسيحية واليهودية: «إن الديانات الثلاث هي مظاهر مختلفة لفكرة أساسية شاملة.» ومن ثَمَّ فالأمر بالنسبة له لا يتعلق بلعبة مقارنة ثقافية، وإنما بالتأكيد بما هو مشترك بين الديانات السماوية التوحيدية الثلاثة، كل ذلك في مناخ من محدودية وضيق أفق فكري حيث تهدد أي إساءة مزعومة للرسول بإشعال الأجواء في البلد بسرعة.

وُلِدَ زيدان عام ١٩٥٨ في الإسكندرية ولا يزال يتذكر الفكر المنفتح على العالم الذي جعل من الإسكندرية يومًا ما مركزًا معرفيًّا منفتحًا ومقرًّا لأهم مكتبة للعصور القديمة: «عندما كنت طفلًا كان يعيش هنا يونانيون وإيطاليون كثيرون، كانوا يتحدثون العربية وكان من البديهي كذلك أنهم كانوا ينتمون إلينا.» كما يرى الكاتب أن الانقلاب الذي قام به عبد الناصر عام ١٩٥٢ وقضى من خلاله على الملكية في مصر كان بمنزلة كارثة. منذ ذلك الحين والنظام العسكري هو الحاكم في الدولة حتى تم إسقاط نظام مبارك عام ٢٠١١. «لقد دمر الجنرالات الكثير وتسببوا عام ١٩٦٧ في حرب مع إسرائيل، وحوَّلوا مصر إلى سجن كبير يطغى فيه صوت المعارك على كل ما عداه. إن نظام الحكم العسكري هو دائمًا بمنزلة كارثة على الشعب والحياة الفكرية.» عندما وُضِعَتْ خطة عمل مكتبة جديدة في الإسكندرية في التسعينيات وتمت الاستعانة بيوسف زيدان كمستشار، رأى أنها فرصة لإعادة إحياء روح المعرفة والتبادل الفكري في هذا المكان. وفي عام ٢٠٠٢ افتُتِحت مكتبة الإسكندرية في مبنى رائع شُيِّد على شكل الشمس المشرقة المائلة قبالة البحر، واختير زيدان ليكون رئيس قسم المخطوطات.

لقد نشر بوصفه باحثًا عددًا غير محدود من الكتب عن الصوفية وتاريخ العلوم حتى كتب أولى رواياته عام ٢٠٠٦. قال زيدان إن الخطوة التي خطاها إلى عالم الخيال لم تكن يومًا نابعة من قرار واعٍ: «أردت أن أخترق المحظورات الكامنة داخل الميراث الثقافي العربي وبدأت في كتابة نظرية لعلم الأنثروبولوجيا، وهنا نصحني أحد أساتذتي أن أخلق إطارًا تعبيريًّا فنيًّا لذلك الربط بين الأفكار الأنثروبولوجية والدينية والاجتماعية، حتى أدع للقرَّاء مجالًا تسبح فيه خواطرهم الخاصة.» أعجبته الفكرة وكتب روايته «ظل الأفعى»، التي كان يحكي فيها كيف أن الحية التي كانت تُعَدُّ رمزًا فرعونيًّا لآلهة مصرية أصبحت ترمز فيما بعد لرؤية سلبية للأنثى في اليهودية والمسيحية والإسلام. استفزت الروايةُ العديدَ من أصدقائه وزملائه؛ لأنه خرج بذلك الشكل الأدبي عن إطار دوره المعتاد، لكن هذا لم يزعجه، خاصة وأن الإقبال على شراء روايته كان على أفضل ما يكون. وهكذا تحول العالِم في ليلة وضحاها إلى صاحب أعلى الكتب بيعًا. وعندما بدأ فيما بعد في كتابة «عزازيل» كان واضحًا له من البداية أنه يجب عليه أن يكتب رواية مجددًا: «أردت هنا أن أوظف قوة تخيلي وعناصر المجاز، وبالإضافة إلى ذلك كان يجذبني أنني استطعت عن طريق الشكل الأدبي أن أصل إلى جمهور أكبر من الفئة الأكاديمية التي تقرأ كتبي العلمية.» تصدرت رواية «عزازيل» في الحقيقة قائمة أفضل المبيعات، وحصلت عام ٢٠٠٩ على جائزة بوكر العربية. وكما صرح الكاتب، فقد بِيعَتْ في هذه الأثناء ١٥٥ ألف نسخة من الأصل العربي، وتم الحصول على مئات الآلاف من النسخ بشكل غير مشروع عن طريق الإنترنت. ليس من دواعي العجب أن الرواية لاقت صدًى لدى القارئات والقرَّاء الشباب؛ فقد حثت الرواية من خلال نقدها للسلطة الدينية على التمرد الساكن ضد السلطات في حد ذاتها. عندما ظهرت «عزازيل» ظهر هذا العصيان في مصر بشكل منفرد عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، وكذلك في بعض الأعمدة الشخصية لبعض الكُتَّاب، وتمت معالجته أدبيًّا في روايات وقصص جديدة، وتجلى في أقوى صوره في الصيحة التي أطلقها الملايين «يسقط النظام» في بداية عام ٢٠١١، واتضح فيما بعد أنه لا يمكن السكوت عنه أكثر من ذلك. عادت الاشتباكات وأحداث العنف مجددًا قبيل الانتخابات البرلمانية في نوفمبر ٢٠١١، وكانت تظهر كل يوم مسيرة صغيرة أو كبيرة في أي ركن من الأركان. وفي ساحة مكتبة الإسكندرية كان الموظفون والطلبة الشباب يتظاهرون رافعين لافتات تندِّد بسوء الأوضاع في المكتبة ومطالبين بإسقاط المدير. قال أحد الشباب بفخر: «قبل الخامس والعشرين من يناير لم نكن لنجرؤ على التظاهر هنا، أما الآن فقد تغيَّر كل شيء، لقد تنبهنا من غفلتنا ولن نسقط ثانية.» كان المدير قد سرَّح أربعة عشر موظفًا بعد انتهاء عقودهم، لكن تضامن الآخرين معهم دفع إلى بدء التفاوض حول إمكانية إعادتهم مرة أخرى للعمل. لم يكن هذا سوى صراع في العمل يمكن أن يحدث في أي مكان في العالم، إلا أن الوضع في مصر مختلف نوعًا ما؛ فالموظفون الذين يدافعون عن حقوقهم لا يتم تنفيذ مطالبهم عادة بسرعة. «الثورة سيطرت على كل نواحي الحياة، على الحياة اليومية والعلاقات بين الناس والحياة في الشارع.» هذا ما قاله يوسف زيدان حينها في مكتبه الأنيق بالدور الأول تحت الأرضي في المكتبة. «إنها أول ثورة حقيقية في تاريخنا؛ لأن ثورة الضباط الأحرار عام ١٩٥٢ لم تكن ثورة حقيقية، وإنما انقلاب عسكري. إن ما نراه الآن لم يسبق له الحدوث في مصر من قبل؛ وذلك لأن تلك الثورة حركة اجتماعية حقيقية، شاركت فيها كل طبقات وفئات المجتمع.»

كانت المكتبة تُوصَف منذ وقت طويل من باب النقد بأنها كيان ضخم يخدم مظهر نظام مبارك ولا يستفيد منه سوى النخبة المثقفة، بينما كانت العوائق كبيرة أمام طبقات الشعب العادية. كانت قرينة الرئيس سوزان مبارك ترأس مجلس المؤسسة حتى سقوط النظام، كان مدير المكتبة — نظرًا لقربه من النظام — يتعرض لضغوط بعد تلك الصحوة الشعبية، فقد اتهمه موظفون سابقون بالفساد وسوء الإدارة وبالعمالة وطالبوا باستقالته. أما يوسف زيدان فلم يتعرض للاتهامات المادية وإنما اكتفى بقوله إن المدير قد أخطأ وعليه بالفعل أن يُقدِّم استقالته، وقد نصحه زيدان حينها فعلًا بالرحيل، وعندما لم يجد أي رد فعل عما حدث قرر أن يترك هو المكتبة، وأتبع قراره بترك المكتبة بسلسلة من المقالات في إحدى الصحف المستقلة. نشر المقال الأول الذي فضح فيه سوء الأوضاع تحت عنوان «تراجيديا مكتبة الإسكندرية»، وفي مقاله الثاني تحت عنوان «المحاولة الأخيرة لإنقاذ المكتبة» طالب المديرَ بالاستقالة، لكن هذا لم يُسفِر عن أي نتيجة، فكتب مقالة الوداع تحت عنوان «وداعًا مكتبة الإسكندرية». في مقابلتنا الثانية في سبتمبر ٢٠١٢ على شاطئ الإسكندرية استغرق في التفكير وهو ينظر إلى البحر وجال بخاطره كيف غادر المكتبة للأبد بعد عمله فيها لمدة سبعة عشر عامًا وقال: «هذا الاتساع يعطيني القوة والهدوء. عندما أسافر لبضعة أيام فحسب أفتقد البحر بكل تأكيد.»

ووصف كيف أن جماله في غاية الرقة. يروي زيدان أنه قبل شهور تسرب بترول من إحدى الناقلات أمام شاطئ المدينة، فتكونت بقعة بترول ضخمة لكن لم يُتَّخَذ أي إجراء حيال ذلك. «لقد اعترضت على ذلك في إحدى مقالاتي الصحفية وطالبت بضرورة إزالة بقعة البترول، وأخذت أكتب مقالًا تلو الآخر حتى عادت المياه نظيفة كسابق عهدها.» وهو الأمر الذي زاد من مقدار احترامه، فقد كتب أحد القرَّاء على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك: «يبدو أن الكتابة ما زالت قادرة على التغيير.» وهذا ما يعتقده يوسف زيدان الذي استقال من الجامعة بعدما ترك منصبه رئيسًا لقسم المخطوطات في مكتبة الإسكندرية ليفرِّغ نفسه للكتابة تمامًا، لم يَعُدْ يكتفي كذلك بنقل العملية الفكرية التي تدور في رأسه ومعارفه للجمهور العريض خارج الإطار الأكاديمي في شكل كتابات فحسب، وإنما امتدَّ نشاطه ليشمل العديد من المحاضرات والنقاشات. أطلق زيدان دعوة لصالون أدبي في الإسكندرية مرة في الشهر على أن ينعقد اللقاء الثاني في القاهرة. قَبِل مئات الأشخاص دعوة الكاتب الحاصل على أعلى نسبة مبيعات إلى المركز الثقافي، كان أغلب الحضور فتيات وشبابًا يتابعون باهتمام تصريحات زيدان التي يحلِّيها بالحكايات ويلقيها بحيوية. أوضح لهم زيدان أن تاريخ الإنسانية يشهد أن المعارف الجديدة كانت تصطدم في البداية دومًا بالمعارضة، وقال: «من ذا الذي يرحب بتغيير آرائه وعاداته طواعية؟! يجب على العلم أن ينقل المعارف ويعرض ويوضح ويثبت ويقنع البشر بالحجج، وهذا يحتاج للشجاعة والثبات.» لاحظ زيدان أن الشباب لديهم ظمأ للمعرفة، وأن القراءة أصبحت أكثر شيوعًا في السنوات الأخيرة: «ليست الروايات هي النوع الوحيد الذي يجذب جمهورًا عريضًا، ولكن هناك كذلك عديد من الكتب المتخصصة عن المجتمع والسياسة بالإضافة إلى السِّيَر الذاتية والأدب الإرشادي. إن الناس يبحثون عن مخرج من الشقاء الذي يعيشون فيه، وهم يبحثون عنه عن طريق المعرفة، في الكتب وعلى الإنترنت.» ليست كل الكتب بالطبع على المستوى الأدبي الأعلى، لكنها تدفع أناسًا آخرين إلى التفكير وتثير النقاش وتسهم بشكل غير مباشر في التغيير. يحب يوسف زيدان النقاشَ ويرحب به، صحيح أن الهجوم على رواية «عزازيل» أغضبه، خاصة وأن الهجوم ليس له ما يبرره، لكنه أعطاه الفرصة كذلك ليشرح رؤيته ويُقدِّم نفسه؛ ولذلك كتب عديدًا من الردود. ويحكي الراوي أن بابا الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية — البابا شنودة الثالث الذي تُوفِّي في تلك الأثناء — قد زاره في وقتها، وأنهما تفاهما بشكل كبير، لكن نائبه نشر تصريحًا جاء فيه على لسانه: «كتب صديقنا السابق يوسف زيدان روايةً ليهاجم كنيستنا.» ويقول زيدان بأسفٍ إنه بعد هذا التصريح اعتبره مسيحيون كثيرون عدوًّا. «لكني لست كذلك؛ فأنا أهتم على العكس من ذلك بالتراث المسيحي حيث أنظر إليه باعتباره امتدادًا وفي نفس سياق التراثين اليهودي والإسلامي.» كما يرى زيدان أن الشيوخ المسلمين الذين أدانوا الكتاب لديهم نفس عقلية رجال الدين المسيحي، وأنهم لا يهتمون إلا بالتحكم في البشر والسيطرة عليهم باسم الدين. التعصب له وجوه عديدة: «إنها نفس اللعبة ونفس الموقف.»

إن توجه زيدان العلمي والأدبي في التعامل مع الثقافة والدين ترك بصمته على وجهته السياسية، فهو كمثقف له علاقة معقولة بالتدين، فعندما شهدت أول انتخابات برلمانية بعد مبارك صعودًا للإسلاميين لم يُصِبه الرعب كغيره من الكُتَّاب، لكنه قال: «إن التوجه الليبرالي ليس هو الطريق الوحيد الممكن، لكنه الأفضل إذا أردنا أن نتقدم بشكل أسرع.» لقد انتخب هو نفسه حزبًا ليبراليًّا لكن لم تكن لديه مشكلة مع الإسلاميين: «أنا أهتم بموروثنا الثقافي ومن ثَمَّ بالإسلام، لكني أقوم بذلك على نحو مختلف عما يفعله الإسلاميون؛ فمنهجي لا يتلاءم ورؤيتهم التي تقوم على التبعية العمياء، لكننا على الرغم من ذلك لسنا أعداء.» ويرى زيدان أن الانتخابات البرلمانية والرئاسية خُطًى صغيرة على طريق طويل للتحرر من الكيانات السلطوية، وفي سبيل ذلك لا بد أن نقبل حدوث انتكاسات. يعمل يوسف زيدان منذ فترة طويلة على تحرر الفكر، ففي رواية عزازيل خلق المؤلف بطلًا يمكن أن يتوحد معه الشباب في مصر على الرغم من أنه راهب عاش في القرن الخامس؛ حيث إن المصريات الشابات والمصريين الشباب يجدون أنفسهم اليوم في الصراعات التي عاشها، فهم يتمردون في وجه السلطات التي تربَّوا عليها. إن الرواية لا تخدش تدين الشعب وإنما تنتقد سلطة المؤسسات الدينية، فهي تُعَدُّ بمنزلة الداعية إلى عقيدة غير دوجماتية مرتبطة بالحياة.

إن انتفاضة الشعب في مصر تعني كذلك ثورة داخل البشر أنفسهم وعلى عقلية الانصياع للغير. يقول يوسف زيدان: «لقد أحدثت الثورة صدعًا في الفكر القديم. على مدار سنوات عوَّدت السلطات المواطنين على أن يطمئنوا ويتركوا لهم مهمة التفكير، صحيح أن ذلك كان يحدث على المستوى الديني لكنه كان يمتد كذلك للحياة السياسية. لقد وقع الناس تحت سطوة السيطرة والتوجيهات.» لكن كل معرفة تبدأ من الأسئلة، الأسئلة التي تصل لأصول الأشياء وتتعلق بوجود الإنسان. يروي زيدان أن مترجم الرواية إلى الإنجليزية قد قال له إن تلك الفلسفة الخاصة بالتساؤل والشك هي فلسفة أوروبية في الأصل، وإنه اندهش أن هناك مصريًّا يكتب عن ذلك. لكن زيدان يعارض تلك الفكرة قائلًا: «لا، إن طريقة التفكير هذه مشتركة بين كل البشر، ولا توجد ثقافة تبقى بمعزل عن المؤثرات، إن كل الحضارات ما هي إلا تبادل للأفكار والأفعال.»

بينما يسعى السلفيون الذين تتنامى قوتهم باسم الإسلام الحق إلى تشكيل المجتمع اليوم تبعًا للقواعد والحدود التي ترجع إلى زمن الرسول محمد قبل ١٣٠٠ عام، كانت هناك محاولات جاهدة متكررة لإصلاح الثقافة الإسلامية ولمواءمة متطلبات العصر. يُعَدُّ المفكر المصري نصر حامد أبو زيد أكثر هؤلاء المصلحين شهرةً ومعاصرةً لزيدان، إلا أن محاولته لفتح آفاق الإسلام على الحداثة تسببت في اتهامه بالإلحاد وتهديده بالقتل. عندما تم تهديده بالتفريق الجبري بينه وبين زوجته غادر الزوجان موطنهما وهاجرا إلى هولندا. وعلى الرغم من ذلك استمرت روح التجديد في مصر حتى وإن أصبح لزامًا عليها الصمود أمام المقاومة العنيفة. كان يوسف زيدان مدفوعًا في عمله بدافع تنويري: «لقد كتبت ٥٥ كتابًا، وكان مطلبي دومًا هو تبديد الظلام بالنور وإيقاظ الفهم لموروثنا الثقافي.» هذا الموروث يدَّعيه الإسلاميون الآن لأنفسهم؛ حيث يُهدِّدون هذا الموروث بالاختناق داخل تحليلاتهم الرجعية، لقد انتزعه زيدان من قبضتهم وجعل منه صورة منتجة لمستقبل المجتمع كله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠