الأجناس الأدبية للجمهور العريض: كوميديا، إثارة، خيال علمي

الهوة ليست كبيرة بين الأغنياء والفقراء وحدهم في المجتمع الهرمي بمصر، وإنما بين الأكاديميين وملايين من غير المتعلمين. وتعمل المؤسسات التقليدية — مثل المدارس والمساجد — حتى اليوم بوصفها مؤسسات تعليمية شمولية أكثر منها أماكن للحوار الفكري. فقد مَنَعَ حظرُ التجمعات بموجب قانون الطوارئ النقاشاتِ والتجاربَ الخلاقة على مر عدة عقود، ثم أخذت الحياة الفكرية المصرية مع بداية القرن الحادي والعشرين دفعة نحو التطور، يمكن اعتبارها اليوم نقلة نوعية، كما طرق الانتشار السريع للإنترنت أبوابًا للمعرفة كانت مغلقة حتى ذلك الوقت عن طريق أجهزة الإعلام المُراقبة. وبينما كان الغرب الذي يعيش راضيًا يسخر من وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها لعبًا للأطفال، تواصل الشباب المصري بالفعل عبر فيسبوك وتويتر والمدونات وتشاركوا مقاطع الفيديو على موقع يوتيوب، وبدأ العديد ممن كانوا لا يقتربون طواعية من كتاب أبدًا في الكتابة، بل والأكثر من ذلك؛ بدءوا يقرءون، في البداية مدونات وبعد ذلك كتبًا مطبوعةً أيضًا، حتى انتشر الأدب الذي ظهر في السنوات السابقة للثورة بسبب الرغبة في الحكاية ولاقى تقديرًا واسع النطاق، ولم يجد مادته في برج عاجي، إنما في الشوارع وأنفاق المترو والمجتمعات المغلقة والأحياء الفقيرة بالمدن؛ فأعار خالد الخميسي سائقي التاكسي صوته والتقط للمجتمع صورة مبهرة بكل الألوان. ودخل مجدي الشافعي بروايته المصورة «مترو» إلى أنفاق القاهرة وسلط الضوء على الأماكن الخفية للفساد والجريمة وسلطة الدولة. واشتغل مصور الرئيس أحمد مراد بالرواية البوليسية، نوع لا يزال ضعيف التواجد في مصر. تتَتَبَّع «فيرتيجو» — رواية الجريمة السياسية التي كتبها — التورط بين الجريمة المنظمة والنخبة السياسية. واستنسخ أحمد خالد توفيق «يوتوبيا» سوداء للرعب. هذه الروايات هي أبعد ما يكون عن الروايات السياسية الصريحة، ولكنها تعكس الحالة اليائسة في البلد، ذلك الإحباط والغضب الذي أدى في النهاية إلى الثورة.

على الطريق في شوارع القاهرة: خالد الخميسي

«الكتاب الذي أنذر بالثورة المصرية»، كان هذا هو العنوان الذي تناولته وسائل الإعلام عندما ظهرت الطبعة الألمانية لرواية خالد الخميسي «تاكسي»1 بعد عدة أيام من أول مظاهرة حاشدة في ٢٥ يناير ٢٠١١. غير أن هذا الادعاء خاطئ؛ فقد ظهر الكتاب في نسخته الأصلية بالعربية قبل أربعة أعوام من الثورة، ورغم ذلك يمكن قراءته بوصفه كتابًا عن الثورة؛ لأنه وصف الحالة المزرية والبؤس المطلق واليأس وانعدام الأمل لدى أغلبية من المصريات والمصريين بصور حية ملموسة. إذا اعتبرنا الكُتَّاب أجهزة رصد للزلازل في مجتمعاتهم، فقد رصد أحدهم الزلزال الوشيك هنا قبل سنوات؛ حيث اختار الخميسي سائقي التاكسي كمصدر للإلهام والمعلومات، وكشخصيات في حكاياته. بالكاد يمكن الحديث يومًا بعد يوم مع كل هذا العدد من البشر في أي مهنة أخرى. في عزلة التاكسي — عندما يعلق المرء من جديد طويلًا في زحمة السير، وهو الوضع الطبيعي في القاهرة — يمكن تبادل ثرثرة سطحية في شكل تأملات عميقة للعالم. وضع اللامخرج. أكد خالد الخميسي في أحد اللقاءات أن نصوصه لا تحمل طابع التوثيق: «لم أستقل التاكسي حاملًا دفتر ملاحظات أو جهاز تسجيل لأبدأ في طرح أسئلة على السائق.» ولكن العدد غير المحدود من رحلات التاكسي التي قام بها الكاتب ذو الخمسين عامًا على مر السنين في طرقات مدينته هي الأساس الذي انطلق منه عند الكتابة.

يتهادى ربع مليون سيارة أجرة تقريبًا في القاهرة وحدها عبر حركة السير اللزجة. ينتمي سائقو التاكسي إلى الطبقة الدنيا أو أدنى الطبقة المتوسطة، بل ويحمل بعضهم شهادات تعليم عليا، والبعض الآخر يستطيع القراءة والكتابة بالكاد. فقيادة سيارة أجرة تُعتبر حلًّا مؤقتًا للأغلبية؛ لأن البديل عندهم هو البطالة، ويعمل العديد منهم — إلى جانب عملهم الإضافي سائقي تاكسي — في الأساس موظفين أو مدرسين. وهي الفرصة الوحيدة لبعض خريجي الجامعات؛ لأنهم رغم الشهادة والطموح لا يجدون أي وظيفة.

يحتوي الكتاب على ثمانية وخمسين فصلًا، جميعها في سيارات أجرة مختلفة. غالبًا ما تكون حكايات في الماضي؛ لأن سائقي الأجرة القاهريين أنفسهم محبُّون للحكاية أو الفلسفة في الحديث عن كل شيء وأي شيء. تتكشف في التاكسي الروح الشعبية المصرية — معاناتها وإحباطها — وكذلك أيضًا روح الدعابة التي تتمتع بها. هنا يقيس خالد الخميسي نبض المجتمع. يروي قصصه بصيغة ضمير المتكلم لراكب، ويصور في كثير من الأحيان أثناء ذلك قصة حياة السائق أيضًا. على سبيل المثال، هذا الذي يغفو مرة بعد أخرى في الطريق على عجلة القيادة ويميل على جانب حتى يوقظه الراوي مفزوعًا من نومه. يحكي الرجل أن لديه فرصة لدفع قسط السيارة فقط حتى نهاية الشهر؛ لذا فهو يقود منذ ثلاثة أيام دون توقف علَّه يستطيع تحقيق ذلك. ويرد معلقًا على الاعتراض بأن ذلك قد يُعرِّض حياته للخطر: «إننا جميعًا في يد الله.» وفي قصة أخرى يروي السائق أنه أقلَّ لتوِّه زبونًا من مدينة نصر إلى وسط البلد، رحلة تستغرق وقتًا طويلًا، يمكن أن تستغرق بسهولة ساعتين أثناء حركة المرور الكثيفة. وعندما بلغا وجهتهما أخيرًا، تبيَّن أن الراكب شرطي في ملابس مدنية، بدلًا من دفع أجرة الرحلة، أراد رؤية أوراق السائق. دفع هذا إليه خمسة جنيهات مع الرخصة، كما هو سائد في لجان تفتيش الشرطة، ولكن هذا لم يكن كافيًا للشرطي؛ إذ لم يرضَ إلا بعشرين جنيهًا. كان هذا هو كل ما يملكه السائق آنذاك كما يروي لاعنًا دون حول ولا قوة: «جميعهم أوغاد، إنهم فاسدون، يخدعون ويسرقون، عسى الله أن يسلبهم كل ما يملكون مثلما يفعلون بنا كل يوم.» قال الراوي مستدركًا عن انخفاض الشرف والأخلاق لدى ضباط المرور: «كان حلمًا جميلًا في أوائل السبعينيات أن تكون شرطيًّا؛ الشرطي يحافظ على النظام في الشارع ويتباهى بزيِّه الجميل كالطاووس ذهابًا وإيابًا. كيف يمكن أن يتحول هذا الحلم في ثلاثين عامًا فقط إلى كابوس؟!»2

القصص السياسية الشائكة هي المفضلة تحديدًا في التاكسي، حيث لا يتنصت أحد المخبرين. ويتفلسف سائق أجرة عن الفرق بين مصر والدول الغربية. وهو ما لا يكمن في الديمقراطية؛ لأنها وهم في كل الأحوال كما يقول، ولكن: «هم لديهم قوانين، وتُحترَم، أما نحن فلا. هذا هو الفارق. لا يمكن أن نشرح لهؤلاء في الغرب أن جماعة الإخوان المسلمين محظورة، ومع ذلك هي المعارضة الوحيدة الحقيقية. محظورة هناك تعني محظورة فعلًا. في المقابل هنا قد يكون الشخص غير قانوني، ورغم ذلك يُسكَت عنه، وهذا الوضع لا يخص الإخوان فحسب على كل حال. وفقًا للقانون يمكن أن يتم اعتقال أي شخص هنا، أي شخص حقًّا!» ثم يؤكد الراوي على سبيل المثال أن الشرطي في مصر يمكن أن يعتقل أي شخص في أي وقت بأوهى الحجج؛ فالقوانين مطاطة والشرطة دائمًا على حق. لينهي مناجاته مستسلمًا بعبارة: «في الحقيقة كلنا غير شرعيين. في هذا البلد نجلس جميعًا مع الإخوان المسلمين في مركب واحد، من الممكن أن نُعتقَل في أي وقت. ربنا يحمينا.» ساد في مصر بعد مقتل أنور السادات عام ١٩٨١ على يد متطرفين إسلاميين وحتى سقوط مبارك قانون طوارئ. وتحت ذريعة ضرورة التصدي لخطر الإرهاب الديني المحدق أصبح جميع المصريين قيد الاشتباه؛ إذ لا يُسمَح لهم بالتظاهر أو التجمع بأعداد كبيرة في الأماكن العامة، وإلا يمكن اعتقالهم تعسفيًّا والزج بهم في السجن دون محاكمة. وقد أدى قمع النظام بهذه الطريقة إلى تضامن الشعب مع الإخوان المسلمين.

في عام ٢٠٠٦، قضى حوالي ألف شخص نحبهم في حادث عبَّارة بالبحر الأحمر. تغاضي الدولة عن سوء الإدارة — والذي يُعزى إليه مثل هذه الكوارث — كان ما أشار إليه سائق أجرة عندما قال: «الناس في مصر عبارة عن رماد في فنجان متصدع، يمكن أن ينكسر الفنجان بسهولة، فتُبعثِر الريحُ الرمادَ. لا يمكن إعادة جمع الرماد، وليس ذلك ضروريًّا أيضًا في الحقيقة، في النهاية هو ليس سوى رماد. الناس في هذا البلد هم غبار متطاير دون أدنى قيمة.» يقع الناس عاجزين في الحياة اليومية تحت رحمة سلطة الدولة التعسفية. وقد تسلل الفساد إلى المجتمع كله؛ بداية من أعلى القمة في أسرة الرئيس التي تتكسب من كل المشاريع الكبرى، ووصولًا إلى الشرطي البسيط أو الموظف، الذي لن يتابع العمل على الاستمارة إلا بعد وضع الإكرامية في يده دون لفت الانتباه. غالبًا ما يُعبَّأ النقد المباشر للنظام في النكات: «هل سمعت عن ذلك؟ كان يسير أحدهم في الصحراء ووجد مصباح علاء الدين، فَرَكَ المصباحَ فظهر له المارد، وقال: «شبيك لبيك، طلباتك أوامر.» لم يصدق الرجل عينيه ثم طلب مليون جنيه. أعطاه المارد نصف مليون، فسأل الرجل: «وأين النصف الثاني؟! أتريد خداعي؟!» فأجاب المارد: «الحكومة تشارك في المصباح بخمسين في المائة.» نكتة أخرى عن حمار يركض خلف مجموعة من النمور الفارَّة، بعد أن سمع أنه سيتم القبض على كل النمور. «سيستغرق الأمر أبد الدهر حتى أثبت أنني لست نمرًا!» هكذا برَّر الحمار هروبه أمام الشرطة.» شديدة الهزلية تبدو، وشديدة الأسى هي الحقيقة وراءها. في مصر يمكن اعتقال منتقدي النظام وإدانتهم بأنهم إرهابيون إسلاميون، وليس لديهم أي فرصة لإثبات العكس.

لطالما كان إلقاء النكات دائمًا إمكانية محببة لتنفيس الضغط، أصبح هذا واضحًا أيضًا مرة تلو الأخرى في حكايات «تاكسي» الخميسي. وإلى جانب النكات الصريحة عن السلطة والتوريات الساخرة، تظل النكات البذيئة عن الفياجرا والزوجات المكروهات هي ما يُدخِل الرجال في قهقهات عالية. هذه البذاءات الرخيصة تُظهِر الحياة الجنسية المكبوتة وكراهية النساء المحتملة، وتأثيرها محبط أكثر من كونه مسليًا. الازدواجية تتمكن من الراوي أيضًا إذا تفكر، فهو يرغب في المجيء إلى هنا كلما أصابه كمد «لينضم إلى السائق في الضحك، ضحك عالٍ مدوٍّ صادر من البطن، لكنه ليس من القلب.» إنها الضحكات المُرة لمواطنين مسلوبي الحقوق في ديكتاتورية، ليست لديهم فرصة لتحسين أوضاعهم المعيشية، فضلًا عن المشاركة في العملية الاجتماعية أو السياسية.

تعكس لغة سائقي سيارات الأجرة وركَّابها دائمًا تدينًا قويًّا، سواء أكان ذلك عميقًا أو سطحيًّا. قد يبدو الأمر غريبًا للقارئ (أو الراكب) الغربي العلماني أن يعلِّق السائق على الوجهة التي يريدها قائلًا: «إن شاء الله.» بالنسبة للمسلمين المتدينين فإن كل شيء بيد الله، وهي تحل افتراضية أن يَعِد السائقُ زبونَه بأن يُقِلَّه إلى وجهته بسلام. يعرف من جلس من قبل في سيارة أجرة في القاهرة وسط الفوضى المرورية بصحبة سائقين شديدي الإعياء أو غاضبين داخل صناديقهم الصفيح في طرقات متصدعة، أن هناك في الواقع أخطارًا حقيقية محدقة تدفعك لأسباب وجيهة إلى التشكك في بداهة الوصول سالمًا.

التوكل على الله الذي يظهر في هذا الورع اليومي له جانب آخر: الحتمية المستترة وراء هذا الموقف. وبهذا يبدو كل جهد في النهاية عديم الجدوى؛ لذا من الأفضل ترك الأمر على حاله. لا يجرؤ الناس على مواجهة الظلم الذي يصيبهم؛ لأنهم لا يستطيعون تحقيق شيء أمام الأقوياء، الذين يمتلكون المال والنفوذ. فالحتمية إذن تشل المبادرة الذاتية وتحطم ثقة النفس في قدرتها على الوصول إلى شيء. هذا التخاذل الذي استحوذ على جزء كبير من المجتمع المصري لعشرات السنين حطمته ثورة ٢٠١١. قد يكون هذا — إلى جانب سقوط مبارك — هو أعظم إنجاز للانتفاضات الأخيرة في مصر. إلى متى ستستمر روح التفاؤل؟ وإلى أي مدًى ستؤدي إلى مشاركة سياسية حقيقة؟ لا يمكن التنبؤ بذلك بعدُ بالتأكيد.

لم تكن دليلًا على تقوى الله ولا على العجز تلك القصة التي حكاها سائق لزبونه عن سيدة شابة صعدت إلى سيارته من أحد الأحياء الفقيرة مغطاةً بالكامل، ثم تبدلت تمامًا أثناء الرحلة، حين خلعت النقاب واستبدلت بالتنورة الطويلة أخرى قصيرة، وبالقميص الفضفاض آخر جميلًا وضيقًا للغاية، وجمَّلت وجهها بالمساحيق. وحكت للسائق قصتها ردًّا على سؤاله الفضولي: «أعمل نادلة في مطعم، إنها وظيفة محترمة، وأنا سيدة محترمة وأؤدي عملًا شريفًا. يجب أن يبدو مظهري جيدًا أثناء العمل، ولكن في الحي الذي أقطنه لا يمكنني مغادرة المنزل دون النقاب. رتَّبت لي صديقة عقد عمل وهميًّا بمستشفًى في العتبة، وتظن عائلتي أنني أعمل هناك، ولكنني أكسب كنادلة أكثر ألف مرة؛ أحصل في اليوم الواحد على بقشيش أكثر مما كنت سأحصل عليه مقابل شهر كامل في هذا المستشفى الرديء، وتحصل مني صديقتي على مائة جنيه شهريًّا في مقابل إبقاء هذا السر.»

يبجل الناس المبادئ الأخلاقية والشرف المتباهى به بشكل صارم لفظيًّا، ويُضحُّون بها في خضم الحياة اليومية التي شكَّلتها الحاجة الاقتصادية. كما تتسم النظرة إلى المدارس والدراسة باحترام؛ إذ تُعتبَر من الأمور المرغوب بها، ومع ذلك فإن المال والعلاقات أهم كثيرًا من التعليم للعيش في مصر؛ ومن ثَمَّ أقرَّ سائقٌ في إحدى حكايات التاكسي أنه لم يرسل أطفاله إلى المدرسة؛ لأنهم لن يتعلموا شيئًا هناك على أي حال سوى النشيد الوطني، وأنه سوف يعطي أولاده بعض المال «حتى يتمكنوا من تأسيس محل صغير أو كشك أو وضعه عربونًا لتاكسي.» ولكن ليس كل أبطال الكتاب بهذا النضج، فقد أعار الخميسي صوته للحالمين أيضًا. فحكى سائق أنه أراد توفير المال لأربع سنوات؛ ومن ثَمَّ يحقق حلمه في السفر في ٢٠١٠ إلى نهائيات كأس العالم بجنوب أفريقيا. وأخذ يحلم بحقيبة السيارة التي ملأها بالأطعمة، وببحيرة فيكتوريا، وبالنمور والقردة والفيلة، وبأن اتحاد الكرة في القاهرة سيوفر له تذاكر بالتأكيد: «ولأننا جميعًا أفارقة سيساعدونني هناك بالتأكيد.» ثم تخيَّل الراوي اعتراضات صامتة على هذا المونولوج المتفائل؛ لأنه لا توجد طرق ممهدة بين مصر والسودان، وتاكسي القاهرة غير مسموح له بمغادرة البلد: «وعلاوة على ذلك نَسِيتُ إخبارَه بأن قارَّتنا الأفريقية تجزأت وما زال هناك من يحولها بأكملها إلى مستعمرات، وأن الوحيد المسموح له بالسفر، ليس من الأفارقة بالتأكيد، إنما السيد الأبيض، الذي صنع أبواب أفريقيا، والتي لا تُفتَح إلا له. زمن «علي بابا» حينما كانت تكفي «افتح يا سمسم.» ولَّى منذ أمد بعيد.»

خالد الخميسي دارس للعلوم السياسية ولا يخدع نفسه بالأوهام، فهو يعلم حدود بلده الضيقة، لكنه هو أيضًا لا يستطيع العيش دون أحلام، كما أكد في المقابلة. إلى جانب الوصف الناقد للأحوال وقصص العيش اليائسة، فإن الأحلام تحديدًا وروح الدعابة هي ما أعطت «تاكسي» هذا القدر من الواقعية. أهدى المؤلف الكتاب «للحياة، التي لازمت كلمات الناس البسطاء، علَّها تطرد الفراغ الذي أصابنا منذ وقت طويل.» تقوم لغة الخميسي على لغة الناس البسطاء، فهي مباشِرة وعامية غير معقدة تخلو من التكلف الأدبي، ويمكن فهمها أيضًا من أناس غير معتادين على القراءة، وهذا من أحد أسباب وصول الكتاب في مصر إلى قائمة أفضل المبيعات على الفور. خالد الخميسي هو ثاني كاتب بعد علاء الأسواني ألهم بكتابه دائرة واسعة بهذا القدر من القراء في مصر على مدار العشر سنوات الماضية؛ فقد ساهم المؤلف بهذا الكتاب إلى جانب عدة مقالات سياسية في زيادة الوعي الاجتماعي في السنوات السابقة للثورة، وأضاف للحركة الديمقراطية زخمًا قويًّا. يقول المؤلف اليوم: «عندما كتبت هذا الكتاب في عام ٢٠٠٥ شعرت بحركة، أو بالأحرى بهزة في شوارع القاهرة. أحسست أن هذه الهزة ستقود إلى ثورة.»

وُلِد الخميسي عام ١٩٦٢ في قلب القاهرة لأم ممثلة وأب شاعر، وتربى في منزل جده بعد وفاة الأم في سن مبكرة، والتحق مثل أمه وغيرها من الأقارب بالمدرسة الفرنسية بالقاهرة. كان الأدب والموسيقى والسياسة من مفردات الحياة اليومية في بيت العائلة. ورغم حبه للأدب درس العلوم السياسية في القاهرة وفي جامعة السوربون الباريسية على أمل أن يمكِّنه ذلك من فهم الطريقة التي يسير بها العالم. وأسس بعد عدة أعوام من عمله صحفيًّا وباحثًا في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية شركة إنتاج سينمائي عام ١٩٩٨، هي ما وفرت له سبل العيش، وبدأ الكتابة في هذا الوقت. وقد قال إنه لطالما كان ذلك حلمه، ولكن الحرص على كسب المال جعله يتردد طويلًا. كان نجاح «تاكسي» مفاجئًا له، بالكاد وصلت رواية من قبل إلى أكثر من ألفي نسخة في الطبعة الواحدة، بينما وصلت «تاكسي» بالفعل في بعض الطبعات إلى عشرة آلاف نسخة. وبجانب كون الكتاب تعبيرًا عن عدم الرضا، فهو يُعَدُّ أيضًا محفزًا على الاعتراض. يُشبِّه خالد الخميسي الوضع في السنوات السابقة للثورة ببالون يستمر الضغط بداخله في الازدياد دون أن يتمكن من الهرب إلى أي مكان: «كان على الحكومة عمل ثقوب صغيرة في البالون لتنفيس الغضب، ولكن فاتها ذلك؛ فقد ظلت جميع الصمامات مغلقة منذ عام ٢٠٠٣ وكان البالون المصري جاهزًا للانفجار. شعرنا جميعًا أننا نعيش في نهاية حقبة سياسية، وأدركت الطبقة الوسطى المصرية أنه لا يوجد غد بعد ذلك، ليس هناك تعليم جديٌّ للأطفال، بالكاد هناك وظائف في سوق العمل، لا أحلام ولا مشاريع ولا خطط. انتهى. كان على الناس أن تجد وسيلة، الثقافة هي الوسيلة التي نبحث ونتخيل ونصنع بها المستقبل.» حتى وإن كان الإنتاج الأدبي منخفضًا في البداية، يظل الخميسي رغم ذلك مقتنعًا بأن الثورات السياسية والاجتماعية ستنعكس قريبًا على الأدب: «أؤمن بأن الثورة لن تكون موضوع الأدب فحسب، بل سيتغير الأسلوب والشكل أيضًا، وبالمثل في الموسيقى والفن. لقد تغيَّر الإبداع في مصر، أصبح أكثر تحررًا، جنونًا وانفتاحية.»

تتخذ العقلية المصرية طابع التفكير الأبوي السلطوي، وما زالت محاولات إلقاء عباءة الإسلام على الظروف الراهنة تُلاحَق باعتبارها تجديفًا. تُميِّز الهياكلُ الاستبدادية الأسرةَ المصرية أيضًا، والتي لا يكون الأب فيها وصيًّا على الأبناء فحسب بحكم القانون، بل وعلى زوجته أيضًا في الحقيقة. وانعكس التفكير الأبوي على موقف الرئيس أيضًا، وظل حسني مبارك حتى النهاية يصف المتظاهرين الغاضبين في استعلاء أبوي بالأبناء سيِّئي التربية، الذين يتوجب عليهم العودة تحت مظلته. على الأقل، تصدعت هذه العقليات خلال الثورة، حسب رؤية خالد الخميسي: «تشبه الفكرة الثورية اللهب الأفقي، ويؤمن العديد من الناس من الطبقة المتوسطة اليوم أنهم يملكون أصواتًا، وإمكانية للتعبير عن أنفسهم، وهذا جديد تمامًا على مصر. نحن نعيش الآن انتشارًا أفقيًّا للأفكار.» مع ذلك تبقى المشكلة في هذه الطريقة في تطبيق الأفكار الثورية على المستوى السياسي؛ لأن الحركة ليس لها قائد. يعمل اليوم على الساحة السياسية بالأساس ممثلون لمؤسسات تقليدية هرمية التنظيم أيضًا مثل جماعة الإخوان المسلمين. من أصعب ما يكون على القوى الليبرالية والعلمانية تنظيم نفسها سياسيًّا. «هذه المشكلة لم تُحَل.» قالها الكاتب في نوع من الحيرة.

بدأت فعليًّا حالات الرقابة ذات الدوافع الدينية في الازدياد أثناء الانتخابات البرلمانية في عام ٢٠١٢، عندما حصل الإخوان المسلمون والسلفيون المتشددون على أكثر من ستين بالمائة من الأصوات. قال خالد الخميسي غاضبًا: «بالنسبة لي كان هذا مزحة، في الواقع مزحة سيئة، كوميديا سوداء. غير أن الموضوع لم يكن جديدًا للأسف.» وذكر واقعة رجل الأعمال القبطي نجيب ساويرس الذي نشر عن طريق تويتر رسمًا كاريكاتوريًّا صُوِّر فيه «ميكي ماوس» بلحية إسلامية و«ميني ماوس» بنقاب. حُوكِم ساويرس بتهمة الإساءة للذات الإلهية. «بدأ هذا التطور منذ ما يقرب من عشرين عامًا؛ حيث تخصصت مجموعة من المحامين — الذين كانوا يقفون في صف الإخوان على ما يبدو — في قضايا التجديف. هناك المئات من هذه القضايا ضد العديد من الأشخاص، وممثلين أيضًا.» يضع المهتمون بالثقافة في الآونة الأخيرة على كل حال حواجز أمام هذه الرقابة بشكل متزايد؛ على سبيل المثال: اتحاد «جبهة الإبداع المصري». أعرب خالد الخميسي عن رفضه للرقابة بكلمات واضحة في مقال بجريدة «الشروق» اليومية: «كتبت أنه يجب منع هذا النوع من الإجراءات ضد الإبداع. فكرة التجديف أو الإساءة للذات الإلهية مثيرة للسخرية؛ فقد أكون ملحدًا، أقول إنه لا وجود لله، بل ويمكن حتى أن أقول إن الله أحمق، إذا كان هذا رأيي فمن حقي التعبير عنه أو اعتناق البوذية أو أي كان. لا بد من أن يعترف الجميع أن لكل فرد الحق في اعتناق ما يريد. ما زال هناك الكثير من العمل يجب إنجازه في هذا الشأن.» تعيَّن على الكاتب مواجهة حقيقة أن مصر أمامها طريق طويل إلى حرية الاعتقاد والتعبير أثناء عمله. فلم يُنشَر نصه الناقد في الصحيفة «المستقلة».

حكايات مُصوَّرة من تحت الأرض: مجدي الشافعي

صدر في عام ٢٠٠٨ — أي بعد عام من حواديت رواية «تاكسي» لخالد الخميسي — كتاب مختلف تمامًا من أدغال القاهرة الحضرية: الرواية المصورة «مترو» لمجدي الشافعي. ليس للصور المتحركة جذور في مصر؛ إذ لم يكن هناك من الإنتاج المحلي حتى قبل عدة سنوات سوى بعض الكاريكاتور والقصص المصورة الخفيفة للأطفال. قرأ مجدي الشافعي — المولود عام ١٩٦١ — قصص «سوبر مان» و«ميكي ماوس»، قبل أن يكتشف خلال رحلاته الصيفية إلى فرنسا وهو شاب المجلةَ الهزلية الأسبوعية «شارلي» و«حكايات تحت الأرض» المُصوَّرة للأمريكي روبرت كرومب. ثم التقى أخيرًا في التسعينيات بأحد رسامي «شارلي» الأسبوعية في القاهرة، والذي استقر هناك وسمَّى نفسه جولو. ظل الشافعي يتلقى دروسًا عند جولو لسنوات، وهو لا يزال صديقه ومثله الأعلى حتى اليوم. في البدء صمم قصصًا مصورة للأطفال، ثم عمل بالصحافة المستقلة. وهو يتناول أسبوعيًّا الأحداث الراهنة في شريط مُصور بصحيفة «الدستور» اليومية التي تحولت عن طريق الصحفي الناقد إبراهيم عيسى إلى واحدة من ألذع الصحف.

«أدركتُ في ذلك الوقت في فرنسا أنني أرغب في حكاية قصص عن طريق الرسومات.» هكذا تحدث عام ٢٠٠٩ على هامش لقاء للمهتمين بالثقافة المستقلين في القاهرة، ممن يقاومون ضد الرقابة. حيث اجتمع في مقر مركز هشام مبارك الحقوقي — وهو بمنزلة منظمة مستقلة لحقوق الإنسان — عدد من الكتَّاب والكاتبات وصانعي الأفلام، وفنانة وموسيقي وحقوقية نسائية وصحفيين ومدونين؛ ليتناقشوا حول حرية الرأي في العمل الفني وكيفية الوصول إليها. دعا أحد المشاركين إلى نشر الأعمال المحظورة عن طريق الإنترنت، واعترض آخر بأن المؤلف سيفقد دخله إذا طرح عمله دون مقابل. كان مجدي الشافعي في هذا الوقت هو محور الاهتمام؛ فقد صادرت السلطات الحكومية روايته المصورة «مترو» وحظرتها بعد عام من طرحها، وتمت مقاضاته هو شخصيًّا وناشره بتهمة «مخالفة الآداب العامة». علَّق الكاتب غاضبًا: «بدا ذلك وكأننا نتاجر في الهيروين. لم تكن سوى قصة مصورة.» وردًّا على السؤال: كيف يمكن للفنانين الوقوف ضد هذا النوع من الهجوم؟ قال: «علينا ألا نتورط من الأساس على المستوى الأخلاقي، فلا تملك السلطات الدينية والحكومية ثقافة المناظرة، وإذا لم يعجبهم شيء يُهرَعون إلى الرقابة. ولكن علينا نشر فكرة مفادها أن الفن لا يجب أن يُرضي الجميع، ولا ينبغي أن يملك مَنْ لا يعجبه الحقَّ في منعه.» وتأثير قصة مُصورة أو رواية مرسومة ﮐ «مترو» في المجتمع المصري أقوى كثيرًا من النص «فحسب»؛ حيث يستقبل القراء الصور ويستوعبونها على نطاق أوسع. هناك هيئة رقابة رسمية منوطة بمراجعة المواد قبل عرضها والموافقة عليها أو رفضها، وذلك فيما يخص الأفلام والمسرحيات ونصوص الأغاني، ولكن ليس الأدب؛ إذ لا تندرج رواية مُصورة تحت هذه الفئة.

«للكبار فقط» هي الإشارة التحذيرية المدونة على غلاف «مترو»؛ حيث يقف البطل حاملًا مسدسًا في يده أعلى درجات سلم إحدى محطات المترو في القاهرة وينظر من حوله في تربص. وفي الخلفية يعلو عدد من المباني السكنية والمكاتب متعددة الطوابق إلى السماء، وعلى جانب الطريق نجد رجلًا جالسًا لتلميع حذائه. مترو رواية مصورة تحت الأرض بمعنًى مزدوج للكلمة؛ مكانها هو ممرات ومحطات المترو بالقاهرة، ومادتها هي باطن مجتمع الْتَهَمه الفساد واليأس. هي رواية جريمة، حب ومدينة كبيرة معًا، مليئة بالإسقاطات على أحداث جارية. بطل الرواية هو مهندس الكمبيوتر «شهاب» الذي تقف شركته للبرمجيات على شفا الإفلاس. في البداية كان كل شيء يبدو واعدًا. كان «شهاب» يمد بعض البنوك والمترو بالبرامج، ثم ما لبث أن خُدِع بعقد مربح مع وزارة ما، والآن لم يَعُد البنك يقرض «شهابًا»، بل والأكثر من ذلك بات يهدده أيضًا بالحجز على شركته. ولأنه يعلم أنه لن يستطيع المتابعة بالطرق القانونية، قرر سرقة البنك. اعترض زميله «مصطفى»؛ لأنهما بذلك يخاطران أن تنتهيَ بهما الحال في السجن، ولكنَّ شهابًا أوضح له الأمر قائلًا: «السجن في هذا البلد للفقراء فقط يا «مصطفى»، وأنت ستصبح من الأغنياء قريبًا. دعنا نذهب.» وعند الوصول إلى البنك وجدا أن هناك مسئولًا حكوميًّا رفيع المستوى قد سبقهما وصرف للتوِّ خمسة ملايين دولار على سبيل العمولة لمدير البنك؛ فتوجَّها غاضبَيْن إلى هذا الرجل البدين وأوسعاه ضربًا، ثم سلباه حقيبة النقود. تبدل المشهد: مظاهرة ضد الفساد أمام مبنى المحكمة. نقرأ على إحدى اللافتات: «أوقفوا حكم الطغاة، كفاية!» اختفت للتو «دينا» صديقة «شهاب» وسط الجموع، وهي صحفية ترتدي الجينز وتي شيرت وشعرها طويل مكشوف. اللوحات مرسومة بخطوط سوداء وبيضاء متحركة، مُظللة باللون الرمادي. أحيانًا تظهر لقطات قريبة من الوجوه، ثم ظلال للمدينة المُضاءة ليلًا بمنظور الرؤية من أعلى، مشاهد الحشود واشتباكات وحشية في شوارع القاهرة. انطلق اثنان من البلطجية لملاحقة «دينا». أعطى مسئول يرتدي حُلة ورباط عنق الأمرَ بالهجوم على المحتجين في اللاسلكي: «أَرْسِلِ الناس التابعين لك، عليهم التعامل الآن مع المتظاهرين.» بعد عدة تطورات أمسك البلطجية ﺑ «دينا»، سخروا منها ومزَّقوا قميصها. تشير الرواية بهذا المشهد إلى المظاهرات المناهضة لمبارك قبل الانتخابات الرئاسية في ٢٠٠٥؛ حيث تعرضت المتظاهرات بشكل متكرر إلى اعتداءات جنسية من قِبَل البلطجية. يرى مجدي الشافعي أن تلك المشاهد التي تُظهر كيف أساء النظام استخدام سلطته واستخدم البلطجية، كانت الفيصل في حظر الكتاب. كانت المشاهد البريئة ﻟ «شهاب» مع «دينا» عريانَيْن في السرير مجرد ذريعة. يمكن حظر أي شيء تقريبًا في مصر تحت التصنيف «غير أخلاقي» المبهم. هنا تخفي القصة دعوات واضحة للعصيان المدني؛ منها على سبيل المثال عندما عاتب «شهاب» صديقَه قائلًا: «تذكر أننا نجلس جميعًا في قفص، والباب مفتوح على مصراعيه، لكن لم يجرؤ أحد حتى الآن على الخروج ببساطة.»

استنكرت رواية «مترو» قبل ثلاثة أعوام من الثورة نَهْبَ الأغنياء وأصحاب السلطة لخيرات البلاد في صور مُعبرة؛ حيث تعرض الاستخفاف الذي يتم به عزل إمارات الفقر والبؤس في الأحياء الفقيرة عن باقي المجتمع بأسوار، وتَتَتَبَّع كيف يُدفَع بالشباب الموهوب الذي يرغب في بناء كيان خاص به إلى الجريمة. يشير مجدي الشافعي مبررًا إلى أن رواية علاء الأسواني «عمارة يعقوبيان» تخطت ذلك بمراحل، غير أن هذه لم تُمنَع على عكس «مترو». بعد إدانة مبدئية في عام ٢٠٠٩ أحال مجدي الشافعي والناشر محمد الشرقاوي القضية إلى المحكمة العليا، دون جدوى. وفي فبراير ٢٠١٠ حُكِم عليهما بغرامات مالية باهظة، ورغم أن الحظر لم يُرفَع أبدًا، فقد بدأ تداول نسخة عربية جديدة من «مترو» في مصر3 منذ أغسطس ٢٠١٢. ولكن هذا لا يعني على أي حال أن النظام الإسلامي للرئيس الجديد محمد مرسي أكثر ليبرالية من نظام مبارك المخلوع؛ ففي مطلع عام ٢٠١٣ تم اتهام باسم يوسف مقدِّم البرنامج التليفزيوني الساخر بإهانة الرئيس. وبينما كان الجدل حول حرية التعبير قائمًا على ضفاف النيل، شهدت رواية «مترو» انتشارًا دوليًّا، وظهرت في عام ٢٠١٢ ترجمة بالألمانية4 والإنجليزية للرواية المصورة مأخوذة من نسخة عربية مُهربة في بيروت. ومع ذلك كان تأثير الحظر مُشِلًّا بالنسبة له، كالمقص في الرأس. قال الكاتب مسترجعًا الأحداث: «حاولت بعد ذلك كتابة رواية جديدة مُصورة، لكنني لم أتمكن من ذلك؛ فقد واصلت محاصرة نفسي دائمًا أثناء الرسم بنفس الأسئلة مرارًا وتكرارًا: كيف سيكون رد فعلهم؟ هل ستُحظَر هذه الرواية أيضًا؟ في مثل هذا الوسط لا يمكن إنتاج فن جيد. أستطيع اليوم فقط بعد العديد من المظاهرات والصراعات في الشوارع التفكير والعمل من جديد بِحُرِّيَّة.»

يلتزم مجدي الشافعي بقوة بدعم المواهب الشابة، وهو يشجع منذ عام ٢٠١٠ رسامين شبابًا من مختلف المناطق في أعمالهم أثناء العديد من ورش العمل. أطلق مركز هشام مبارك الحقوقي الذي كان قد دعم الكاتب بالفعل في قضيته، فكرة مجلة مُصورة تتناول قضايا المجتمع الراهنة وحقوق الإنسان، ثم صدر في سبتمبر ٢٠١١ تحت إشراف الشافعي كنتاج لواحدة من ورش عمله، أولُ عدد من المجلة المصورة «الدوشمة»؛ حيث كان هناك غرض تعليمي وراء هذا المشروع تحديدًا، فقد أكَّد مؤلف الرواية المصورة على طبيعة العمل الترفيهية قائلًا: «سواء أكان للرواية المُصورة رسالة أو لا، فهذا أمر ثانوي، ولكن ينبغي أن تظل دائمًا مسلِّية ومفاجئة وحقيقية.» تبقى القيم الإنسانية وحدها هي المُلزمة، لا أيديولوجيات ولا أديان ولا أحزاب. وجمهور الرواية المُستهدَف هو بالأساس شباب القراء.

كان مجدي الشافعي نَشِطًا أيضًا قبل الثورة بعدة سنوات في حركة كفاية وفي مجموعة «كُتَّاب من أجل التغيير»: «تم القبض على فنانين ومدونين وحظر كتب بشكل متكرر بعد تأسيس كفاية. قاومت هذه المجموعة ذلك، فقد كانت هناك حاجة مُلحَّة للحرية الفنية. لقد ألهمني العديد من هؤلاء الناس وحفزوني.» كان الدعم أثناء قضيته من الفنانين من جيله أقل، وإنما بالأساس من شباب المدونين، على حد قوله: «الشباب مختلف تمامًا، لقد تعلموا مرة بعد الأخرى أن الجيل الأكبر يريد جرَّهم إلى أكاذيبهم، ولكنهم لا يشاركون في هذه اللعبة. إنهم يقاتلون من أجل التغيير دون نفاق. لقد أدخلوا روحًا جديدة إلى المعارضة بطريقتهم المباشرة وعفويتهم التي لا تقبل النقاش.» يشير الشافعي إلى المدونين الشباب الشجعان في قوله: «لولا هذه المجموعة الصغيرة — ولكنها متزايدة — لما خرجت الثورة بهذا الشكل.» حتى بعد الانتكاسات المتعددة على الساحة السياسية ورغم الحضور المتزايد للإسلاميين على الساحة العامة، فإن حماسه لم يَخْبُ؛ إذ يرى أن الفن لا يمكنه تغيير المجتمع بشكل مباشر: «ولكن بإمكان الفن تبديل أفكارٍ ورؤًى عن طريق خيال مثير للجدل أو مغامرة أو حتى شريط مُصور ساخر، ويمكنه توعية أفراد وإثارة انتباههم ومن ثَمَّ تمكينهم؛ كل هذا بمقدوره التأثير على المجتمع.»

والهجوم الذي يختفي وراء ستار ديني ليطول الحرية الفنية والذي يتزايد منذ سقوط مبارك، ليس بالأمر الجديد بالنسبة للشافعي؛ فهو يتذكر هجوم الإسلاميين على نجيب محفوظ عام ١٩٩٤، كما جاء تبرير حظر روايته المُصورة على أنها «مُخِلة بالآداب العامة». كان المجتمع المصري في فترة حكم مبارك متحفظًا للغاية ومؤمنًا بالسلطة. واعتبر النظام نفسه أخلاقيًّا، واهتم بالموضوعات الصغيرة السخيفة، وتظاهر بضرورة حمايتها من الأخلاقيات المشكوك فيها.

كان نجاح السلفيين المتطرفين بمنزلة تحذير للفنانين الليبراليين أيضًا على كل حال، حيث حصلوا على ربع الأصوات تقريبًا في انتخابات ٢٠١٢ البرلمانية: «كان ذلك مفاجئًا وصادمًا؛ فقد كشف فجأة عن ماهية العقول ضيقة الأفق التي تشكَّلت خلال العقود الماضية، ولم يكن هذا بسبب التعاليم الوهابية فحسب، وإنما بسبب فراغ نظام مبارك ومعاداته للثقافة.» ولكن الجدل الذي بدأته المظاهرات في الشارع سيساهم في تفتيح العقول. قالها الشافعي متفائلًا، ثم أضاف مستدركًا أن ذلك يحتاج إلى وقت طويل، من خمس إلى عشر سنوات على الأقل. «يناقض فكر السلفيين المجتمع المتطور. أما المكسب فهو الأفكار التي ستتخذ خطوة أخرى نحو التحضر.»

انتشرت قوة الصورة المرسومة في مصر في هذه الأثناء، ليس على الورق وإلكترونيًّا على الإنترنت فحسب، وإنما على الأسوار والجسور وجدران المنازل؛ لتصبح مرئية لأي شخص وللجميع، مقروءة بالنسبة لكتلة عريضة من المواطنين، ممن لم يصلوا إلى الكتب بعد. سواء أكانت مكتوبة أو مطلية أو مرشوشة أو مرسومة، سواء أكانت أعمالًا فنية مُصورة أو شعارات جريئة أو رسومًا كاريكاتورية؛ تبقى هذه الاختلافات ثانوية عندما يتعلق الأمر بأن يستعيد المواطنون البسطاء الساحة العامة التي طالما احتلتها الشرطة وأمن الدولة والأعمال التجارية المتعولمة.

رواية بوليسية سياسية بمتفجرات ثورية: أحمد مراد

من بين كل قصص النجاح على الساحة الأدبية في السنوات السابقة للثورة قد تكون هذه هي الأكثر جنونًا: شاب يعمل مصورًا في الطاقم الصحفي للرئيس. يسافر معه حول العالم، ويصوره أثناء مراسم الاستقبال الرسمية أو في نطاق الأسرة. يرُوقه عمله؛ فهو يفتح له أبوابًا ستبقى موصدة أمام الغالبية من الآخرين. ويلاحظ في الوقت نفسه كيف ينحدر وضع بلده؛ يرى سوء إدارة وفسادًا على كل المستويات، وإعلامًا موجَّهًا يردد كلمات الرئيس، ورجال أعمال أثرياء مقربين من الحزب الحاكم يزدادون ثراءً بأساليب المافيا وينهبون خيرات البلاد. يسمع شكاوى يملؤها الاستسلام والإحباط لشباب دفنوا آمالهم المستقبلية. حاول الكثيرون بناء أنفسهم خارج مصر. يُدعى المصورُ أحمد مراد، وهو في منتصف العشرينيات، وسعيد في زواجه، وأب بالفعل. ليس لديه سبب للشكوى؛ فأوضاعه على ما يُرام، ولكن الظلم يضغط عليه، مصحوبًا بالعلم بأن مصر بإمكانها أن تكون أفضل من ذلك كثيرًا. وبعد خمس سنوات لم يَعُد يستطيع تحمُّل الضغط الداخلي، فجلس وكتب بشغف عن الغضب والإحباط، طوال ستة أشهر، ليلة تلو الأخرى. اعتبرها عملية شفاء ذاتية، ولكنها أفرزت رواية بوليسية سياسية. رأت زوجته أنه يجب نشرها. تردد مراد في البداية، ثم أصدرت دار «ميريت» للنشر المخطوطة القوية التي ضمت أربعمائة صفحة.

كان ذلك في عام ٢٠٠٧. وخرج الكتاب للجمهور، وبِيعَت الطبعة الأولى — وكذلك ما يليها — على الفور. وضمَّتْ «دار الشروق» — أكبر دار نشر أدبية في مصر — العنوانَ إلى قائمتها من الطبعة التاسعة. وفي ٢٠١١ صدرت الترجمة الإنجليزية، ونُقِل عن الكاتب صنع الله إبراهيم على الغلاف شهادته: «رواية تستحق التشجيع.» وعُرِضَتْ «فيرتيجو» في صيف عام ٢٠١٢ كمسلسل تليفزيوني من ثلاثين حلقة على أربع محطات عربية في شهر رمضان. هكذا أصبح أحمد مراد النجم الصاعد على الساحة الأدبية المصرية، رغم أنه لم يسبق له الكتابة قط، ولو مقالًا في جريدة؛ كما أكَّد. أثرت دراسة أحمد مراد السينمائية وعمله بالتصوير على كتاباته؛ فالرواية تحمل طابعًا بصريًّا قويًّا. تبدأ الرواية بحفل زفاف فخم وصاخب في فندق جراند حياة الفاخر المُطِلِّ على النيل؛ حيث يعمل «أحمد كمال» بطل الرواية مصوِّرًا هناك. وبعد أن أنهى عمله في الثالثة صباحًا، وضع كاميرته في الحقيبة واستقل المصعد إلى الطابق الأربعين في الفندق؛ حيث يعمل أقرب أصدقائه عازفًا للبيانو في بار فيرتيجو. هنا يلتقي أقوياء وأثرياء ومشاهير البلد، وأحيانًا بعض الأجانب، ممن يستمتعون في البار الذي يدور ببطء بالنظر إلى أضواء المدينة، وكوبري قصر النيل، وقوارب الرحلات المضيئة في النيل، وشوارع جاردن سيتي النائمة. أراد «أحمد كمال» اصطحاب صديقه من العمل، ولكن الأخير ما زال لديه بعض المهام. حَجَزَ زبونٌ طاولةً ووضَّح أنه لا يريد إزعاجًا. وتم الاعتذار بلطف للضيوف الذين ما زالوا يتوافدون، وفرَّ «أحمد كمال» بحقيبة الكاميرا إلى الشرفة لتدخين سيجارة. بعد عشر دقائق دخل اثنان من الحراس الشخصيين إلى البار، وتحت سترتيهما الداكنتين تبرز فوهات أسلحتهما نصف الآلية. لم ينتبه أحد إلى المصور الذي يدخن في الشرفة، وعندما أعطى كلاهما الإشارة الخضراء، دخل رجلٌ بدينٌ؛ إنه «محيي زنون» أحد أقطاب الاقتصاد، حديث الثراء، يتمتع بأحسن العلاقات مع الحكومة. تتعرض الرواية بالوصف التفصيلي إلى ماضيه؛ كيف كان في منتصف الخمسينيات ابنًا مفلسًا لحرفِيٍّ في القاهرة القديمة، يسرق شواهد القبور والتماثيل الرخامية من مقابر المسيحيين واليهود الأجانب الفارِّين من مصر ويبيعها، تزوج الابنة الثرية لأهم تاجر رخام في المنطقة، ودخل في تجارة مع أعضاء مهمين في حكومة جمال عبد الناصر، ثم انتهت به الحال أخيرًا في تجارة السلاح. «وهكذا أصبحت إمبراطورية «زنون» عنصرًا حيويًّا في جسم النظام القديم، ثم وُرِّثت فيما بعد للحاكم الجديد، بما بها من سيارات فارهة وقصور وخدم.» جاء ذلك في الرواية. موهبة «زنون» هي العمل وراء الكواليس، دون أن يجذب انتباه الإعلام، بدلًا من «الزحف كالذبابة البدينة على زجاج نافذة في وضح النهار؛ حيث يمكن قتلها بسهولة.» انفتحت أبواب المصعد، ودلف رجل أعمال آخر إلى البار. يُعتبَر «هشام فتحي» رجلًا طائشًا ومتهورًا وزِيرَ نساء، وعلى عكس «محيي الزنون» فقد ورث ثروته عن أبيه. وعندما وقف أثناء ممارسته عمله في طريق الحكومة انقلبَتِ الآيةُ عليه، فتحوَّل بسبب إهماله إلى «ذبابة بدينة على نافذة النظام.» جاءه اتصال من سكرتارية «محيي الزنون» من أجل لقاء عاجل في الوقت المناسب، فعلاقات «زنون» مع الحكومة لا يمكن إلا أن تفيده، ولكنه لم يظهر حاجته وحيَّا «محيي الزنون» بمجاملة مبالغ فيها. ظل «أحمد كمال» يراقب المشهد عبر زجاج الشرفة، ثم جذب كاميرته والتقط بعض الصور. لم يستطع سماع الحوار كاملًا. قال محيي الزنون: «إذن؛ ما السبب الذي أردت مقابلتي لأجله؟» ردَّ «هشام فتحي» بارتباك: «ولكنني حضرت بناءً على طلبك.» «محيي زنون»: «بالتأكيد هذه مزحة.» وبينما ينظر أحدهما إلى الآخر باندهاش انفتحت أبواب المصعد، ودخل ثلاثة رجال مفتولي العضلات بملامح لا تُفسَّر في بِدَل سوداء. أشعل أَحَدُهم لزميله السيجارةَ، بينما مال الثالث على الشرفة لرؤية النيل. توجَّه أحد الحراس الشخصيين ومدير البار إلى الرجال لإخبارهم أن وجودهم في الوقت الراهن غير مرغوب فيه. ثم حدث ذلك: «بينما كان الحارس الشخصي يتحدث، بدا وكأن أذنه اليسرى تنفجر واقتلعت جزءًا من جمجمته معها، ثم سقط على الأرض كالمكواة.» أُطْلِقَت الرصاصة القاتلة من مسدس الرجل المستند إلى الشرفة الكاتم للصوت. الآن سحب الاثنان الآخران أسلحتهما وأطلقا النار على «هشام فتحي» و«محيي الزنون» وصاحب البار. اخترقت رصاصة الزجاج إلى الشرفة ومر فحيحها إلى جوار «أحمد كمال» الذي واصل الضغط على زر الكاميرا وهو في حالة صدمة. وعندما توقف الجميع عن الحركة في البار، جمع القتلة أسلحة الضحايا ومسحوا البصمات من عليها ووضعوها إلى جوار الجثث، وأطلق أحد الرجال عدة طلقات من مسدس «هشام فتحي» في الجدران، ثم وضعه في يد الميت. بالكاد استغرق الهجوم أكثر من دقيقة. «لم يتمكن أحمد مراد لاحقًا من تذكر ما حدث. لقد صوَّر جزءًا من الهجوم، ولكنَّه لم يتمكن هو نفسه من رؤية شيء هناك سوى الألوان التي غلب عليها الأحمر. لقد توقف عقله عن الإدراك.»

كانت هذه هي المقدمة المباغتة في الرواية البوليسية السياسية «فيرتيجو». عند الرجوع بالأحداث إلى الوراء، يصبح من الواضح أن «الباشا الكبير» — كما يطلق الرجال على الرئيس — أَمَرَ بقَتْلِ رَجُلَي الأعمال. تداولت الصحف في الأيام التالية كل أنواع الشائعات، مثلًا أن «محيي الزنون» و«هشام فتحي» أطلقا النار كلٌّ منهما على الآخر، وأن سبب الشجار كان وراءه نساء. وبعد عدة أيام نسي الناسُ الواقعةَ. أرسل «أحمد كمال» صُورَه عدة مرات إلى النائب العام دون اسم، غير أن شيئًا لم يحدث، وكذلك لم تهتم أيٌّ من الصحف القومية بهذه المادة. أخفى أحمد هذه الصور لعام كامل دون أن يخبر عنها أحدًا، ثم ائتمن أحد أصدقائه على سره، وهو مهووس تقنية وقرصان حواسب. عَمِلَا معًا على كشف القتلة وداعميهم، وهم على دراية تامة بأنهما يتورطان مع أعلى دوائر السلطة في البلد، وأنهما بذلك يعرِّضان حياتهما للخطر.

يشير عنوان «فيرتيجو» إلى فيلم الإثارة الذي يحمل نفس الاسم لألفريد هتشكوك، والذي يدور حول الخوف من المرتفعات والمنحدرات التي تصيب بدوار؛ إذ ينتابك الدوار أيضًا عند قراءة «فيرتيجو» المصرية؛ حيث تتغلل الرواية بعمق في مجتمع نهشه الجشع والسلطة والفساد ومهدد بالاختناق وسط شبكة مافيا معقدة من كبار الرأسماليين ورجال الإعلام وممثلي الحكومة وقاتليهم. بالكاد يمكن أن نصدق أن المؤلف الذي كتب هذه الرواية في الليل، كان يتجول أثناء النهار جيئةً وذهابًا في القصر الرئاسي. «لقد حافظت على المسافة بين هذين الجانبين في حياتي بشكل صارم.» هكذا صرَّح أحمد مراد في مقهى صاخب بالقاهرة. «لم يكن ذلك سهلًا. مع كل هذا النقد للنظام لا يمكنني تجاهل أن مباركًا وعائلته لم يسيئوا معاملتي قط، بالعكس؛ لقد كانوا في غاية الود.» لفترة طويلة لم يعرف سوى عائلته وأقرب أصدقائه عن عمله مع الرئيس. لقد رشَّحَه سَلَفُه في هذا المنصب، والذي كان صديقًا لوالده، خلفًا له في عام ٢٠٠٢. كانت هذه فرصة عظيمة لشاب في بداية حياته المهنية. «لقد شعرت بالتكريم.» لم يرَ مراد مشكلة في العمل عند النظام؛ فهو لم يعلم عن العلاقة بين الاقتصاد والنظام والجريمة المنظمة إلا لاحقًا. وقال مراد إنه لم يشارك في المظاهرات في ميدان التحرير؛ لأنه كان متحيِّرًا بين الجبهات هناك، إلا أنه يشعر بالأسى تجاه مبارك عندما يتذكر الأيام الأخيرة لرئيسه في العمل. «رغم أنه لم يرغب في إظهار مشاعره، فقد كان يمكن الإحساس بأن الخوف تملَّكه أمام الأحداث المتسارعة. وعند لحظة معينة، أيقنت العائلة بأكملها أن هذه هي النهاية.» كان التوقيت مفاجئًا تمامًا للكاتب كذلك، الذي لم يتوقع السقوط قبل عدة أشهر على الأقل، لا سيما في الانتخابات التالية. لم يصبح عمل أحمد مراد في قصر الرئاسة معلنًا إلا في نوفمبر ٢٠١١، عندما نشرت صحيفة «ذا جارديان» البريطانية تعريفًا بالكاتب بمناسبة صدور الطبعة الإنجليزية لرواية «فيرتيجو» تحت عنوان: «بالنهار أصوِّر رئيسي حسني مبارك، وبالليل أحلم بسقوط الديكتاتور.»5 لم ينتقده أحد أو يصفه بالخائن، ورغم ذلك يبدو أنه كان لديه شعور بضرورة تبرير موقفه: «أنا مجرد مصور، ولا أتخذ قرارات النظام. لم يكن ليتغير شيء إذا كنت لا أعمل عند مبارك.» علاوة على ذلك فقد ألقى بهذه الطريقة نظرة ثاقبة على النظام، الأمر الذي بالكاد يكون ممكنًا بطريقة أخرى: «سمعت كيف يتحدث الأقوياء مع بعضهم ومع مرءوسيهم، ووصل إلى مسامعي العديد من الشائعات.» هذا ما دفع مرادًا في النهاية إلى الكتابة، فشخصيات الرواية مستوحاة من الواقع بالفعل، لكنها ليست منقولة حرفيًّا. عادة ما تجمع الشخصية الواحدة بين سمات أناس حقيقية مختلفة. يستطيع القارئ المصري المُطلع على التشابكات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجارية، من يعرف القيل والقال، أن يجد بالتأكيد تشابهات بين شخصيات الرواية وشخصيات الحياة العامة. يقول الكاتب: «الروائي هو جامع ومتلقٍّ، فأنا لا أخترع، وإنما أشكِّل شيئًا من معطيات مجتمعي؛ لذا عليَّ معرفة رائحته ومذاقه جيدًا.»
ورغم أن الكتاب رواية وليس تقريرًا للوقائع فإنه يروي عن الفساد اليومي في مصر بطريقة صادمة في صراحتها؛ إذ يعرض كيف يخدم رجال الأعمال النخبة الحكومية، بينما تحميهم تلك النخبة، ويمضون في حياتهم التي يقودها الجشع وانعدام الضمير فوق أجساد الآخرين. يشبه بطلُ الرواية المؤلفَ في بعض النواحي؛ فهو متفرج — في الواقع — لا حول له ولا قوة، لكنه يرى الآن فرصة للتدخل في الأحداث والمساعدة في تحقيق العدالة. انتقد مراد النظامَ بوضوح: «أستخدم الواقع كنموذج، فقد أردت توضيح أن هناك العديد من الأمور التي تجري بشكل خاطئ في مصر، وعلينا أن ننتبه.» ألم يكن الأمر يمثِّل خطورة على المؤلف حين ينشر تلك الرواية الكاشفة بينما يعمل عند النظام ويتحرك يوميًّا على مقربة من مبارك. يردُّ مراد: «لا أعلم إذا كان أحد من الحكومة قد قرأ الرواية من الأساس. لم يخضع الأدب في السنوات الأخيرة إلى الرقابة. تعاملت الحكومة مع النقد بالصمت؛ لذا لم أكن قلقًا. لقد كانت مغامرة حقًّا، ولكن بعض الحظ صادفني بالتأكيد. لم أكن لأسامح نفسي إذا لم أكتب هذه الرواية.» لقد كانت بداية عهد أحمد مراد بالكتابة رواية حققت أفضل مبيعات، وكتب بعد «فيرتيجو» «تراب الماس»؛6 رواية إثارة أيضًا، ولكنه عمل عليها لفترة أطول من الأولى. «كان الأمر صعبًا للغاية؛ لأنني أردت أن أثبت لنفسي وللجمهور أن نجاح العمل الأول لم يكن محض صدفة.» وكذلك تم تحويل هذه الرواية إلى فيلم، وكتب أحمد مراد السيناريو بنفسه أيضًا. يحتل التصوير بالنسبة له الآن المرتبة الثانية، فقد وجد مستقبله في الكتابة: «الكتابة هي طريقي. أقوم بها بالجهد والتعب، بالعرق والألم، لكنني أعشق هذا الألم. إنها مثل الأدرينالين عندما يتدفق في دمي ويمنحني إحساس الطيران. إنها إدمان الحياة.»
لقد اختار مراد برواية الإثارة نوعًا بالكاد موجودًا في العالم العربي. ويرى أنه ربما يمكن اعتبار رواية «اللص والكلاب»7 لنجيب محفوظ عام ١٩٦١ رواية إثارة. غير أن هذه كانت بمنزلة استثناء في الأعمال الأدبية بمصر. لقد كانت هناك فجوة بين الأدباء والقرَّاء في مصر لسنوات طويلة: «لم يَعُد الأدباء يَصِلون للجمهور. لقد نجحت روايتي المصرية؛ لأن الناس يُفضِّلون قراءة روايات مثيرة يفهمونها. لقد عكست ما يحدث في مصر، ووصفت في الوقت ذاته العلاقة بين الطبقة العليا والدنيا. إنها حكاية المصور البسيط الذي يَعْلَق مع الأباطرة والسياسيين الكبار. يمكن للعديد تمييز أنفسهم في هذه الشخصية. يحب القارئ أن يخاطبه الكتاب ويمسه، وأعتقد أن «فيرتيجو» تمكنت من ذلك.» مثله الأدبي إلى جانب المصري نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل، كاتبا الروايات البوليسية الأمريكيان ستيفن كينج وجون جريشام. ينتمي مراد لجيل الإنترنت الشاب بمصر، رغم ذلك لا يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة؛ فهو لا يحب المدونات وتويتر، ويستخدم موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك لعرض عمله أو الإعلان عن أموره الخاصة فحسب. «وحيث إنني وجدت بالفعل دار نشر لروايتي الأولى وتناولتها الصحف، فلم أَعُدْ أحتاج الإنترنت لبناء قاعدة جماهيرية لنفسي. أنا أؤمن بالورق المطبوع.» هكذا قال المؤلف.

تشمل الكتابة أيضًا البحث في الدوائر المختلفة التي يأتي ذكرها في القصة. استطاع مراد الاعتماد على خبرته كمصور أثناء بناء الشخصية الرئيسية في «فيرتيجو»، واصطحبه صديق مصور يعمل في أوساط الملاهي الليلية وأراه كيف تجري الأمور هناك. «أنا مستمع جيد، أطرح سؤالًا وأنصت ساعة دون مقاطعة.» البحث من أجل روايته الثانية كان أكثر تعقيدًا إلى حد ما؛ لأن البطل صيدلي. لذا استفسر المؤلف من أحد أقربائه، كان هو نفسه صيدليًّا، فاصطحبه عند طبيب. «ارتديت بدلة وتظاهرت بأنني مندوب مبيعات للأطباء، ودخلت أيضًا إلى المشرحة لفهم ما يحدث عند وضع رجل في حمض الكبريتيك.»

دار حديثنا في القاهرة أثناء الحملات الانتخابية من أجل أول انتخابات رئاسية بعد مبارك. رنَّ هاتف مراد المحمول، فاعتذر لأن المتصل والده، ولا يمكنه عدم الرد على مكالمته. لم تستغرق المكالمة طويلًا، ثم وضَّح الكاتب أن والده عالق الآن في زحمة السير على كوبري ٦ أكتوبر الذي تم قطعه؛ لأن أنصار أبي إسماعيل السلفي يتظاهرون. أراد تحذيره من أن يسلك هذا الطريق في المساء. أبو إسماعيل واحد من أكثر المرشحين الذين تم طرحهم بقوة إلى جانب عمرو موسى وزير الخارجية الأسبق في عهد مبارك، وأحمد شفيق رئيس الوزراء السابق في عهد مبارك، وأبو الفتوح المنتمي سابقًا إلى الإخوان المسلمين. أحمد مراد في إجازة مؤقتة وسيستأنف عمله بعد الانتخابات كمصور للرئيس الجديد، أيًّا كان الفائز بالسباق. لم يرغب مراد في البوح بمن يتمناه للمنصب أو لمن سيعطي صوته. إنه يركز الآن بشكل رئيسي على كتاباته ويحتاج بعض الوقت حتى يتأكد من أي المرشحين أفضل. وقال مؤكدًا: «لست خائفًا من المستقبل، ولا أخاف الإسلاميين أيضًا؛ فالمصريون أذكياء. حتى وإن فاز الإسلاميون الآن فسيكون عليهم العمل بالكيفية التي يراها الشعب المصري. وإذا لم يفعلوا، فلن يتم انتخابهم في المرة التالية.» ويعتقد مراد أن كل المرشحين قادرون على تحريك البلد خطوة ناحية الاستقرار، وأن أهم تغيير حدث بالفعل: «هذا التغيير يتمثل في أننا نستطيع انتخاب رئيس جديد بعد أربع سنوات. سيكون الأمر مشوقًا.» فهو كأبٍ شاب لطفلتين تعنيان له كل شيء، شديد الحرص على المستقبل: «علينا بناء مصر من جديد؛ لأن البلد على شفا هوة سحيقة، لقد فقدنا مكانتنا الهامة في العالم. علينا أن نتعلم أن نؤمن ببلدنا من جديد، أن نحبه. في السنوات الأخيرة كره المصريون البلد الذي يعيشون به.» ومن أعظم المشاكل التي يجب أن تواجهها مصر، هناك التعليم والابتكار. «علينا الاختراع بأنفسنا، وليس نقل ما يخترعه الآخرون، بل أن نسلك طريقنا الخاص. يمكننا تعلم بناء مستقبلنا من التاريخ.»

يرى أحمد دوره الشخصي في عملية التنمية بمصر في كتابة الروايات، كما أكد: «أنا لا أكتب لتسلية الناس فحسب، فأنا لا أعمل بالسيرك. من المفترض أن تكون رواياتي كالمرآة للقرَّاء. أريدهم أن يروا الأشياء الجيدة والجميلة إلى جانب البقع الداكنة في أنفسهم وفي مجتمعهم. عندما يرغب شخص في معرفة ما إذا كان الجاكيت يناسبه فهو يستعين بالمرآة. يجب أن تساعد كتبي القرَّاء على فهم أنفسهم. أنا مؤمن أن الأدب يمكنه التأثير والتغيير بعض الشيء. الكلمة هي أقوى شيء. بكلمة يمكن إشعال حروب أو إحلال السلام.» في الواقع، أحمد مراد هو أفضل مثال على اكتساب الأدب في مصر قِيمةً كبيرةً في السنوات الماضية. لقد بدأ الكتابة بسبب اليأس وسوء الأوضاع على أرض النيل، حين نظر في أعماق قلب مجتمعه وسلَّط الضوء على المساوئ. وصلت روايته الأولى بطبعة واحدة مما يقرب من ثلاثين ألف نسخة إلى عدد قراء أكثر بحوالي عشر مرات مما كانت تحققه رواية كاتب مُخضرم في السابق. من المبالغة اعتبار «فيرتيجو» هي مفجر الثورة، لكنها واحدة من تلك الروايات لكُتَّاب شباب التي أثارت صدًى قويًّا في السنوات السابقة على الثورة. ويرى مراد أن ازدهار القراءة لم يأتِ فجأة: «لم يكن ذلك انفجارًا؛ فقد انتظر الجمهور وقتًا طويلًا كي يتحدث معه أحد، أن يخاطبه أحد، ثم جاء أحدهم وتكلم بلغة الرجل والمرأة في الشارع ولمس بذلك دواخلهم؛ فتحمَّس الناس وبدءوا يقرءون من جديد. لقد فتح علاء الأسواني ﺑ «عمارة يعقوبيان» الباب. كانت هذه رواية بسيطة ولكنها تمسنا، تتحدث عنا. وأنا أنتمي بروايتي إلى المرحلة الثانية من هذه الحركة. أحبَّ الناس البطل أحمد كمال لأنه مُستضعف مثلهم، لكنه طوَّر نفسه من كونه ذلك المستضعف إلى بطل، تغلب على خوفه وفجَّر فضيحة على الإنترنت، تمامًا مثلما حدث أيضًا أثناء الثورة: استخدام الإنترنت ضد من يبدون طغاة ولا يمكن المساس بهم.» ويتعرض مراد أحيانًا أيضًا لنقد على أسلوبه في الكتابة من بعض كتَّاب الجيل الأكبر سنًّا: «اتهموني بأني كاتب تجاري، وأن رواية الإثارة مثل الفيلم السيئ، بينما يتصدون هم على خلافه للروح الإنسانية والقضايا الهامة. لكنني أرى أن بإمكاننا الحديث عن دواخل الناس بشكل جيد جدًّا والترفيه في الوقت ذاته. هذه هي معادلتي.»

ليست المؤامرة المثيرة فحسب هي ما جعلت كتب أحمد مراد جذابة، فقد تأثر أسلوبه السردي بشدة من الأفلام. «لقد أضافت لي دراستي بمعهد السينما الكثير؛ حيث تعلمت كتابة السيناريو. أعرف منحنى الدراما، كيف يبدأ المرء، وأين قد تحدث الجريمة، وكيف تجذب القارئ إلى داخل الأحداث. أحاول إضفاء حياة حقيقية على الرواية؛ حزن وفرح حقيقيَّين، وحب كما في الحياة الحقيقية.»

مثَّل تسلُّمُ المجلس العسكري لأعمال الحكومة حتى انتخاب رئيس جديد للدولة في يونيو ٢٠١٢ فترةَ استراحة من عمله مصورًا للرئيس؛ فاستغل هذه الفترة وكتب رواية الإثارة الثالثة «الفيل الأزرق»،8 ولكن سيخيب ظن من ينتظر هنا في العمل التالي رواية مفتاحية من قصر الرئيس. فما زالت الأحداث ماثلة. يشعر الكاتب تجاه مبارك بولاء حقيقي يمنعه من إفشاء سر رئيسه السابق. إذا كان سيكتب من الأساس عن تجربته مع مبارك وأقرب دوائره، فلن يكون ذلك الآن، وإنما بعد عدة سنوات على الأقل، عندما ينقشع الغبار وتصفو الرؤية. ما زال أحمد مراد قريبًا من دوائر السلطة. الآن هو في خدمة الرئيس الإسلامي محمد مرسي.

يوتوبيا سوداء: أحمد خالد توفيق

بينما تضيء «فيرتيجو» لأحمد مراد في دركات مذهلة من الجريمة والفساد، ترسم رواية «يوتوبيا»9 رؤية مخيفة عن المجتمع المصري في المستقبل. ينتمي أحمد خالد توفيق المولود عام ١٩٦٢ إلى أوائل الكُتَّاب في العالم العربي الذين تخصصوا في أنواع مثل الرعب والخيال العلمي، فهو يكتب منذ عشرين عامًا قصص رعب للشباب. وتقع أحداث «يوتوبيا» — أولى رواياته للجمهور من البالغين — في عام ٢٠٢٣؛ حيث انقسم المجتمع إلى غني وفقير، رابح وخاسر، مفترس وفريسة. لم يَعُدْ هناك طبقة متوسطة أو حراك اجتماعي. يعيش الأغنياء معزولين في ساحل مصر الشمالي، في مجمعات سكنية مغلقة؛ مناطق سكنية خلف أسوار عالية وحواجز أمنية من الأسلاك الشائكة. أبواب الدخول تحت حراسة جنود سابقين بالبحرية الأمريكية. خارج الأسوار تعيش جموع الآخرين، ممن ترعرعوا في أحياء المدن الفقيرة، جائعين يقاتلون حتى الموت من أجل قطعة خبز متعفنة، أو لحم كلاب أو مخدرات رخيصة. يعمل بعضهم طهاة أو خدمًا عند الأثرياء في المجمعات. يتم اقتيادهم صباحًا تلو الآخر بالحافلات، وتفتيشهم بدقة من قِبَل الحراس الأمريكان على بوابات الدخول. من يحاول التسلل دون إذن تتم ملاحقته دون رحمة. يمتلك الأثرياء كل أسباب الرفاهية؛ عقولهم لا مبالية، حياتهم سلسة دون منحنيات، وطموحهم الوحيد هو اللهو والتسلية. يبحث الشباب عن الإثارة من خلال المخدر الجديد فلوجستون، عن طريق مطاردات السيارات المتهورة، والسفور الجامح، ولكن سريعًا ما تصبح وسائل الترفيه هذه قديمة ومملة. شيء واحد لم يجربوه بعد: القتل.

تعرض الرواية العالمين المتضادين في شكل راويين متصادمين. يتم قص الفصل الأول والثالث والخامس من منظور المفترس، والثاني والرابع من وجهة نظر الفريسة. المفترس فتًى في السادسة عشرة من عمره لم يُذكَر اسمه، يشعر بالملل — الأسماء لا تعني شيئًا عندما يكون الجميع متساوين — وهو من قاطني مجمع يوتوبيا السكني. شاهد ذات يوم كيف تمت مطاردة متسلل غير شرعي بمروحية فوق رمال الصحراء ثم قتله في النهاية بوابل من مدفع رشاش بأعصاب باردة. «كان المشهد مرعبًا؛ لأنه لا يدور على شاشة التلفاز. كان كل شيء واقعيًّا ورهيبًا وقاسيًا و… و… ومغريًا. أعترف.» نظر الفتى إلى صديقته التي راقبت المطاردة كلها معه، ورأى في عينيها إلى جانب الرعب أيضًا لمعة الإثارة. وبعد عدة أيام شرعا بأنفسهما في المطاردة. الهدف: اختطاف أحد الآخرين من الأحياء الفقيرة بالخارج، وإحضاره إلى المجمع السكني، وتعذيبه هناك حتى الموت من أجل تسليتهما. نجحا عن طريق التنكر في ثياب بالية لاثنين من العاملين، كانا قد قتلاهما من قبل، في الاندماج وسط الآخرين دون ملاحظتهما، وركوب الحافلة إلى حي مكتظ بالسكان في العاصمة؛ حيث بدأت مغامرتهما: «دخلنا أراضي الآخرين. تركنا عالمَنا بعيدًا خلفنا في اليوم الذي اختفينا فيه من يوتوبيا. شبرا. هكذا يطلقون على المنطقة. لم أعرف شبرا إلا في الأفلام. للاسم صدًى قاسٍ وغريب، كصدى سييرا مادري أو ريو جراندي على الآذان الأمريكية.» راحا يراقبان الناس في بؤسهم باشمئزاز كبير وانبهار. ورغم تنكرهما انكشف على الفور أنهما غرباء، فضحهما سلوكهما ونظراتهما وإيماءاتهما. قال أحد الآخرين: «رأيت بؤسًا مُصطنعًا، معاناةً وجوعًا، ورأيت خوفًا، وهو أمر غير معتاد. نادرًا ما يرى المرء خوفًا في عالمنا، وإنما استسلام للقدر وفقدان أمل. لا يبدي أحد اشمئزازًا أو هلعًا. بوصول كل طفل إلى سن التاسعة تقريبًا يكون قد رأى كل شيء؛ عانى من الجوع وتعرَّض للاغتصاب أكثر من مرة.» أحس المراقب أن الاثنين لا ينتميان إلى هنا، وإنما إلى يوتوبيا. منظوره هو ذلك الخاص بالفريسة. أحس أنه سوف يموت، رغم ذلك حمى القادمَيْن من يوتوبيا أمام الغوغاء الوحشية، وخبَّأهما في كوخه وأعدَّ كل شيء من أجل إعادتهما سالمَيْن إلى مجمعهما السكني.

وفي مقابل برودة المشاعر الصادمة والقسوة والاستخفاف عرضت الروايةُ بعضَ ملامح دفء وتعاطف، لحظات صغيرة تحمل صفة اليوتوبيا بالمعنى الإيجابي. وهكذا حلم جابر — الضحية — بحياة بعيدة عن الكفاح من أجل البقاء وتوفير الاحتياجات، واستطاع الاحتفاظ بإنسانيته رغم كل هذا البؤس، حتى إنه ساعد قاتليه المستقبليين، ووجد طريقًا في هذا «المخدر» المسمى بالأدب للهروب من نفسه الواعية: «لقد قرأت كل شيء حتى تفككت الحروف ولم أَعُدْ أنتمي للآخرين ولا ليوتوبيا. أنا غريب عن كل الأماكن، مختلف، أجنبي، مجنون ومفكك.» ورغم أنه لم يتلقَّ تعليمًا نظاميًّا، بل درس في «جامعة الحياة الحرة» فقد استطاع قراءة دلائل الكارثة الوشيكة، حرب بين الفقراء والأغنياء. وكذلك قرأ الفتى من يوتوبيا كتبًا ليغوص في العالم الآخر؛ فهو ذكي ويصف نفسه بالمثقف، ولاحظ أيضًا أن جابرًا يبرز وسط جموع الآخرين، لكنه لا يفهمه: «الخروف الذي يفكر، يصبح خطرًا على نفسه وعلى الآخرين.» التصور الجميل، أنه بالثقافة والتعليم يمكن التغلب على الفوارق الطبقية وينتج عن ذلك سلام اجتماعي، طرحه جانبًا بغرور: «الثقافة ليست دينًا يُوحِّد القلوب، بل بالأحرى تُفرِّقها؛ لأنها تفتح عيون أولئك الذين يعانون من قسوة الظلم، وتوضح للسعداء ما لديهم ليخسروه.» عرف جابر ما كان يقود نفسه إليه عندما أعاد الاثنين إلى يوتوبيا، وأقسم: «لسوف أعود بعد موتي لمطاردتكما في هيئة شيطان أو روح، ولسوف أحيل حياتكما جحيمًا. لن يبقى أي شخص في أمان، مهما حاولتما الاختباء مني.» عندئذٍ رفع الفتى حجرًا وأردى جابرًا قتيلًا.

يظهر جابر في الرواية أشبه بالقديس الثوري؛ فبينما ضحَّى بنفسه، أشعل الشرارة التي ستُفجِّر في النهاية غضب الجموع الفقيرة المستعر، مثل البائع المتجول محمد بوعزيزي التونسي، الذي فجَّر بإحراقه لنفسه في ديسمبر ٢٠١٠ الثورةَ في تونس، والتي بدأت بدورها الربيع العربي. انتهت رواية توفيق بثورة الآخرين على سكان يوتوبيا. في البداية يسرقون وقود الطائرات لمنع الأغنياء من الهرب، ثم يقتحمون أسوار المجمعات المعزولة. تبدو الرواية الصادرة في ٢٠٠٩ اليوم توقعًا للانتفاضة الشعبية التي هزت أرجاء البلاد بعدها بعامين فقط. لكن المؤلف لا يرى نفسه نبيًّا. كانت يوتوبيا صرخة يأس، يقول: «كانت الأوضاع السياسية والاجتماعية سيئة للغاية عندما كتبت هذه الرواية عامَيْ ٢٠٠٧ و٢٠٠٨. كنا قد فقدنا كل أمل في أن يتغير شيء. لقد اعتقدنا بالفعل أن نظام مبارك سيبقى للأبد وأن كل شيء سيزداد سوءًا. كانت فترة مظلمة وقاتمة. عندما يعترف المرء بتلك المخاوف بصراحة، لن يستطيع سوى كتابة شيء مخيف ومحبط.» هذا التطرف هو بالتأكيد ما جعل الكتاب ناجحًا على الفور. لقد صادف إيقاع ذلك الوقت. «رواية ملهمة بشدة، ضخت دماءً جديدةً إلى الساحة الأدبية الراهنة.» هذا ما كتبته الصحيفة اليومية الصادرة بالإنجليزية «ديلي نيوز إيجيبت». وقال علاء الأسواني الكاتب المصري الذي تُحقِّق أعمالُه أفضل المبيعات مادحًا: «رواية رائعة ومكسب كبير للأدب العربي.»

يعمل أحمد خالد توفيق بالنهار محاضرًا في تخصص الطب بجامعة طنطا، في دلتا النيل المزدهرة اقتصاديًّا. يستوحي من هذا الوسط روايات الإثارة، ويبدأ الكتابة بعد منتصف الليل. لا يبتعد الوضع في يوتوبيا عن الواقع بدرجة كبيرة على الإطلاق، يقولها توفيق الذي استهل روايته بالملاحظة التالية: «هذه اليوتوبيا التي يتم الحديث عنها هنا هي مكان وهمي، وكذلك الشخصيات داخل وخارج يوتوبيا وهمية. غير أن الكاتب على يقين أن هذا المكان سيتواجد قريبًا.» الفجوة بين الأغنياء والفقراء في تزايد مستمر، وكذلك يزداد عدد مجمعات الأغنياء المغلقة في مصر باستمرار، خاصة على ساحل البحر المتوسط. هناك وقع حادث مروِّع قبل حوالي عشر سنوات، وهو ما ألهمه كتابةَ هذه الرواية، يحكي الكاتب قائلًا: «ذهب أحد طلاب الهندسة البسطاء مع أصدقائه بعد تخرجه إلى البحر للاحتفال والسباحة. وبينما كان الجميع في البحر، دار من حولهم أحد رؤساء الاقتصاد (رجال الأعمال) المشهورين بيَخْتِه في البحر، بالقرب تمامًا من الشباب الذي يَسْبَح، فمرَّ من فوق الطالب وقتله، لقد مزَّق اليختُ الشابَّ الصغيرَ. فقدت عائلة فقيرة ابنها الذي استثمرت فيه الكثير في ثوانٍ معدودة. لم يتحمل أحد مسئولية الحادث أو يُدان، ولم تتلقَّ العائلة أي نوع من أنواع التعويض عن الخسارة.» كان هناك عدد من الحوادث الأخرى التي تظهر كيف يُعامَل الناس من الطبقة الدنيا بطريقة غير آدمية. كان كل ذلك مستقرًّا في عقله عندما بدأ في كتابة «يوتوبيا»: «أضفت بعض الإثارة إلى القصة وصعدتها. كانت الرواية جاهزة أن تُكتَب، كانت مُعلقة كثمرة ناضجة على شجرة، وكان عليَّ قطفها فحسب.»

اللافت في أبطال «يوتوبيا» الشباب هو حقيقة أنهم يقرءون الكتب، ويتأملون حياتهم ومجتمعهم ويعرفون الكثير، رغم فقر جانب وانعدام مشاعر الآخر. «كانوا فلاسفة على طريقتهم، وفي نفس الوقت يشعرون بمرارة شديدة.» هذا ما أكَّده توفيق، «إنه حقًّا لأمر مدهش أنَّ الشباب في مصر ليس غبيًّا وجاهلًا، بل واسع الاطلاع ومثقفًا رغم ٣٠ عامًا من حكم مبارك ونظام تعليم رديء للغاية. يتحدث العديد منهم أكثر من لغة، يقرءون ويُعبِّرون عن آرائهم، هؤلاء الشباب هم من أشعلوا الثورة في مصر في ٢٥ يناير ٢٠١١.» يشعر توفيق بالأسى أنه برغم ذلك ليس للشباب كلمة حتى الآن في مصر، لم يحصلوا على سلطة أو مناصب. المشكلة في ذلك أن الشباب لا يؤمنون بالعملية السياسية والمؤسسات. «لقد تعرض العديد منهم أثناء الثورة للضرب أو الجرح أو حتى القتل، والآن وصل الإسلاميون إلى السلطة. لقد شعروا بخيانة الإسلاميين للثورة.»

كان هناك هدف واضح أمام أحمد خالد توفيق عندما بدء الكتابة: «أردت أن يقرأ الناس أعمالي؛ لذلك كتبت للشباب قصصًا اعتقدت أن جمهوري سيرغب في قراءتها. كانت تلك قصص رعب قصيرة ومسلية، إثارة وخيالًا علميًّا. وقد نجحتُ بهذا حتى اليوم.» وكان في ذلك على علم أن الشباب جمهور خاص، عليه أن يتعامل معه بمسئولية: «عندي معايير أخلاقية محددة عند صنع أبطال أدبيين لقارئ شاب. عندئذٍ أكتب بأسلوب أقل دسامة ومباشرٍ، وأبتعد عن الجنس والعنف. إنه نوع من الرقابة الذاتية، فرضتُه على نفسي لأني أكتب لسنٍّ حساسة.» ابتعد توفيق لأول مرة عن جمهوره الخاص في «يوتوبيا»، وكتب لقرَّاء بالغين. وذكر الكُتَّابَ المصريين صنع الله إبراهيم، ويوسف زيدان، وعلاء الأسواني، باعتبارهم قدوته الأدبية: «كل كتاب من كتبهم عيد. أقرؤه فور نزوله إلى المكتبات.» ويتابع توفيق إلى جانب ذلك تطور جيل الشباب من الكتاب، ومنهم عمر طاهر وأحمد مراد كاتب روايات الجريمة، والذي يقدره إلى حد كبير. يقرأ كثيرًا، وكذلك في الأدب السياسي، ويُكوِّن بذلك صورة عن المجتمع. من الصعب إثبات أن ازدهار القراءة والطفرة الثقافية في السنوات الأخيرة ساهما في الاستعداد للثورة، وإنما المؤكد أن الأدب عَبَرَ دائرة النخبة، وأصبح يُناقَش ويُنشَر في الشارع وعلى الإنترنت؛ حيث بدأت الثورة. رغم ذلك فقد تفاجأ توفيق بالأحداث: «كنت أتوقع أن تقوم ثورة ربما بعد عشر سنوات، يقودها ناس من الطبقة الدنيا والبلطجية المتوحشين. ظننت أنها ستكون دموية للغاية، كما وصفت في نهاية روايتي، لكنها جاءت على العكس تمامًا. لم يشعل الثورة غوغاء غير متعلمين، بل شباب متعلم ومثقف من الطبقة المتوسطة، ناس مُعجبون بتشي جيفارا ويسمعون أغاني محمد منير، يمكنهم استخدام الإنترنت وعلى دراية بفيسبوك وتويتر. وبدأت هادئة جدًّا ومتحضرة، كادت تكون رومانسية. بالكاد أصدق ذلك. قال لي أحدهم إن الشباب الذي قرأ كتبي أشعل ثورة، وعَنَى بذلك أنني ساهمت بكتبي في الثورة. أود تصديق ذلك، ولكن لا يمكن أن يكون الأمر مباشرًا لهذا الحد.» ومع ذلك لا يمكن غض الطرف عن انتعاش العمل الإبداعي والنقد المتزايد للنظام وجرأة بعض الكُتَّاب في الكتابة خلال السنوات العشر الماضية. ويعتقد توفيق أن علاء الأسواني قد أحدث ثورة في الأدب: «لقد صدمت روايته «عمارة يعقوبيان» الجمهور المصري وألهمته. هذه الظاهرة أعادت الرواية إلى الجمهور من جديد.»

كتب أحمد خالد توفيق بعد صدور «يوتوبيا» مزيدًا من القصص للشباب، وكان قد أنهى روايته الكبيرة الثانية للتوِّ عندما فُوجِئ بالثورة. كان جوُّ الرواية أيضًا قاتمًا وعنيفًا ومحبطًا. قال الكاتب «غيَّرَت الاحتجاجاتُ والإطاحةُ الوضعَ. لم أرغب في نشر رواية، تخرج هكذا وكأن شيئًا لم يحدث؛ لذلك منحت نفسي بعض الوقت للتفكير في تأثير الثورة، وغيرت بعض المقاطع في الرواية.» غير أنه يَعتبِر كتابة رواية عن الثورة في الوقت الحالي خطأً: «لم تنتهِ الثورة بَعْدُ، ما زال كل شيء في مرحلة السير ويتطوَّر باستمرار، وكذلك موقفي من الأحداث.»

التقينا بأحمد خالد توفيق من أجل جلسة التصوير في مسقط رأسه طنطا، الكائنة في منتصف الطريق بين القاهرة والإسكندرية. تشتهر المدينة بضريح أحمد البدوي الصوفي، مؤسس أهم الطرق الصوفية بمصر، والذي جاء إلى طنطا في القرن الثالث عشر وتُوفِّي هناك. يجول في الميدان أمام المسجد الكبير عرَّافون ومتسولون، أُسَر مع أطفالها ومجموعات من المراهقين. يسجد عدد من الرجال على الأرض، ينخرطون في الصلاة. تعرض أكشاك البيع الحلوى والحمص المحمر، يسود جو الأعياد. وضَّح الكاتب الأمر: «هكذا هو الوضع هنا كل مساء. يعتبر الناس هذا المكان مقدسًا ويحجون إليه من بعيد. يزعج ذلك السلفيين، الذين يفسرون الإسلام حرفيًّا ويرفضون أي تصوف باعتباره تجديفًا.» يعتبر توفيق نفسه لاأدريًّا ويرفض لذلك تبجيل الأولياء. «أتفق في هذه النقطة مع الإسلاميين، ولكن هذا هو التشابه الوحيد.» لا يهتم توفيق بالدين، ويقدمه في كتبه باعتباره قناع نفاق لا يحمل أي معنًى، خلفه لا يكون الناس في الحقيقة أفضل من هؤلاء المُطلَق عليهم كفار. يبدو ذلك هرطقة، لكنه يخرج من توفيق واقعيًّا وعارضًا بدرجة أبقته حتى الآن بمنأى عن الهجمات ذات الدوافع الدينية. وهو يراقب المناورات السياسية على السلطة بعد سقوط مبارك بمشاعر مختلطة: «يستغرق ذلك بعض الوقت الآن، ولكني سأصبح متشائمًا إذا ظل الإسلاميون في السلطة بعد أربع سنوات.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠