المدونات والأدب والصحافة

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًّا في الحياة السياسية في مصر وغيرها من بلدان الربيع العربي. نتيجةً لغياب المؤسسات الديمقراطية أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي منبرًا جماهيريًّا للنقد والمواجهات وإعلان المطالب وكذلك تكوين الرأي؛ ما أدى إلى تزايد انتشارها واستخدامها منذ اندلاع ثورات الربيع العربي بمعدل ثلاثة أضعاف ما هو متعارف عليه في المنطقة العربية. وقد أوضح تقرير مدرسة الإعلام الاجتماعي العربي الصادر عن كلية دبي للإدارة الحكومية في يونيو عام ٢٠١٢1 أن العدد الإجمالي لمستخدمي فيسبوك في مصر يبلغ ١١٫٣ مليون مستخدم وهو ما يمثل ٢٥٪؛ أي ربع مستخدمي فيسبوك في العالم العربي، الذين يصل عددهم إلى ٤٥٫٢ مليون مستخدم. كما يستخدم ٣٨٪ من تعداد سكان مصر الإنترنت. كانت البداية على يد المدونين الشباب الذين حملوا آراءهم ليعرضوها على الرأي العام الافتراضي دون أدنى خوف من الرقابة. وأخيرًا، جاءت الدعوة إلى الثورة عن طريق فيسبوك؛ لأنه في الدول التي تعاني من وجود أنظمة استبدادية مثل مصر، تكمن قدرة الإنترنت في صعوبة السيطرة على مجريات الأمور في مواقع التواصل الاجتماعي كما هي الحال في وسائل الإعلام التقليدية. فلم يَعُدْ هناك ضرورة لإخفاء النصوص أو الصور التي يُحظَر نشرها في وسائل الإعلام المعروفة، بل على العكس أصبحت المدونات الإلكترونية بمنزلة مسرح لتداول مثل هذه الموضوعات، فضلًا عن إتاحة مساحات واسعة للتعبير عن حرية الرأي بعيدًا عن الأمور التي تتعلق بشئون الدولة، وكذلك الأمور الدينية والأسرية حيث تنمو في الفضاء السيبري الأفكار الجديدة ويمكن الخروج من دائرة المحظورات، وكذلك يمكن إجراء التجارب المتنوعة وتقديم العديد من الابتكارات والاختراعات والنقاشات. كما تُقدِّم الشبكةُ العالمية المزيدَ من أنواع المعرفة والمعلومات والتحليلات اللازمة التي تَفُوق ما كان يمكن أن تجرؤ هيئات الرقابة الحكومية والدينية على أن تحلم بتقديمه. وبهذا استطاع العديد من الشباب والفتيات المصريين العمل على تجديد ثقتهم بأنفسهم، فلم يكن الأمر سوى مسألة وقت، حتى ينطبق التجريب على الأدب كذلك.

من المدونات إلى الكتب ومن ثَمَّ المسلسلات التليفزيونية: غادة عبد العال

غادة عبد العال من أوائل المدونين. وُلِدَتْ غادة عبد العال بمدينة المحلة الكبرى عام ١٩٧٨، تلك المدينة الكائنة على ضفاف النيل التي تضم مليونَيْ نسمة، وهي تعمل صيدلانية إلا أنها أصبحت كاتبة من خلال شبكة الإنترنت؛ فما إن أنهَتْ دراستها للصيدلة حتى بدأت الانشغال بالإنترنت. وعلى الرغم من أنها لم تكن تمتلك جهاز حاسب آلي، فإنها قررت الالتحاق بدورة لتعلم كيفية التعامل مع الجهاز، وقد انبهرت غادة عبد العال بإمكانات التواصل مع أشخاص خارج دائرة معارفها؛ حيث أوضحت في أحد اللقاءات قائلة: «بينما أجلس في مدينة المحلة الكبرى، كنت قادرة على الدردشة مع امرأة في الهند. كم كان هذا يمثل سحرًا بالنسبة لي.» وسرعان ما اكتشفت غادة عالم المدونات الإلكترونية حينما قرأت مقالًا في إحدى المجلات يتناول المواقع الإلكترونية لأفراد بالولايات المتحدة الأمريكية يعبرون عن آرائهم من خلال صحف الإنترنت العامة، أو ما يُسمَّى «المدونات الإلكترونية». وتابعت غادة قائلة: «ثم تأكدت بعد ذلك من وجود مدونات عربية ومصرية أيضًا تحوي تعليقات العديد من الأشخاص، فقد قرأت ذات مرة عن إحدى الكاتبات العراقيات التي دوَّنت مذكراتها اليومية أثناء الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣؛ فاستطاع الجميع الاطلاع عليها على شبكة الإنترنت.» فضلًا عن حصول مدونتها على جائزة. كانت غادة عبد العال تعمل آنذاك موظفة حكومية في صيدلية بمشفًى حكومي، إلا أنها لم تكن راضية عن مسار حياتها على الإطلاق؛ حيث أوضحت قائلةً: «دائمًا ما كنت أشعر أن هناك شيئًا ما يعوقني؛ لذا فكرت في أن الأمر لا يمكن أن يستمر طويلًا على هذا المنوال، تلك الحياة التقليدية التي تبدأ بوظيفة حكومية، ومن ثَمَّ يأتي الزواج وإنجاب الأطفال وتربيتهم، وأخيرًا سأقضي باقي حياتي في متابعة المسلسلات التليفزيونية. وهكذا تسير الحياة في مجتمعنا. كنت أريد القيام بالعديد من الأشياء إلا أنني لم أكن أعرف ما عساي أن أفعل.» ولم يكن ليخطر على بالها أبدًا أن تصبح كاتبة يومًا ما؛ حيث أوضحت في هذا الصدد قائلة: «لم يكن لدي أي أحلام مطلقًا، لا شيء على الإطلاق. وكذلك لم يخبرني أحد أنه بإمكاني أن أصبح يومًا ما شيئًا مختلفًا سوى زوجة وأم. فالوضع في القاهرة يختلف كثيرًا عما سواها؛ حيث تستطيع المرأة أن تتخيل نفسها في العديد من الوظائف المهمة؛ إذ يمكن أن تصبح صحفية أو ممثلة أو مترجمة. أما هنا في مدينة المحلة الكبرى فلا نتجاسر حتى على أن نحلم بتقلد مثل هذه الوظائف. وقد استطعت من خلال شبكة الإنترنت اكتشاف ذلك الكون الكبير الذي يستقر على الضفة الأخرى من عالمي الصغير الذي يتسم بالتقاليد والقيم المحافظة.» فمن خلال شبكة الإنترنت استطاعت غادة التعرف على عدد من الأشخاص ذوي الميول المتشابهة معها، ممن ينتقدون بشدة الظروف والأحوال المحيطة ولديهم نفس المتطلبات والتوقعات في الحياة: «لم أكن أصدق أنه بالإمكان التواصل مع العديد من الأشخاص، وتبادل المعلومات والآراء عبر هذا الوسيط الإعلامي، وكذلك كتابة ما نشاء على شبكة الإنترنت دون التعرض للمساءلة القانونية أو أن يتم إلقاء القبض علينا. فلم يكن هناك أي سلطات أو هيئات رقابية تفرض على رأي الإنسان قيودًا أو تُملي عليه ما يُسمَح بأن يُقال وما لا يُسمَح به، فقد كان تبادل المعلومات يَجْري بحرية كاملة بين العديد من الأطراف المتكافئة. لم أكن أشعر بمثل هذه الحرية من قبل.» وقد كانت غادة عبد العال حريصة بالفعل على متابعة الموضوعات السياسية وقراءة الكتب في مختلف المجالات، ما وصفته بالكلمات التالية: «كان الإنترنت بمنزلة عالَمٍ موازٍ سريٍّ؛ الأمر الذي جعلني أدرك أنني لست مهووسة باستخدام الإنترنت، بل إن هناك الكثير من البشر يشبهونني؛ وهو ما جعلني أستمد طاقة جديدة وجعلني أشعر بشيء من الانتماء لهذا، بل وأشعر بأنني حية؛ فقد كان هذا بمنزلة خطوة في غاية الأهمية، وذلك حينما شرعت في الكتابة على المدونات.» وفي أولى كتاباتها الصحفية وتدويناتها عبر شبكة الإنترنت، قامت غادة عبد العال بسرد أحداثها اليومية وأفكارها وكذلك تجاربها في الحياة؛ ما يسعدها منها وما يغضبها. وجاء رد الفعل بمنزلة مفاجئة لم تكن تتوقعها؛ حيث قالت: «لقد علَّق العديد من الأشخاص الذين لا أعرفهم على ما دونته؛ حيث أوضحت تعليقاتهم أنني قمت بمناقشة بعض الموضوعات التي تثير اهتمامهم بالفعل. حينئذٍ قِيلَ لي لأول مرة في حياتي إن أسلوبي في الكتابة شائق ويتسم بروح الدعابة. فلم تكن عائلتي تعتبرني يومًا ما أتمتع بخفة الظل، بل كنت مجرد طفلة شقية فحسب. وها هم الناس يرون فجأة أنني أتمتع بروح الفكاهة والمرح؛ ما راقني كثيرًا ومنحني الشعور بالثقة بالنفس.»

وفي عامَيْ ٢٠٠٥ و٢٠٠٦ ظهر على شبكة الإنترنت العديد من الشباب المتحمسين ذوي العقول المبدعة ممن ينتقدون سياسة نظام الحاكم علانية. وفي هذا الصدد، تقول غادة عبد العال: «لقد كان ممنوعًا مناقشة الموضوعات السياسية في المدارس والجامعات أو حتى في النوادي، ما دفع الشباب إلى مناقشة ما يحلو لهم من خلال شبكة الإنترنت.» بالرغم من ذلك لم تكتب غادة مطلقًا عن السياسة، بل اتخذت منعطفًا آخر في كتاباتها؛ حيث اهتمت في مدونتها بالكتابة عن الحياة اليومية لامرأة شابة وسرد ما تلاقيه من معاناة، وقد كان ذلك بمنزلة عالم جديد لم يتناوله أحد قط من قبل، وهو ما جعل هناك اهتمامًا كبيرًا بما تقدمه عبر مدونتها. حيث تداول العديد من السيدات الشابات وكذلك الرجال على قراءة الموضوعات التي تناقشها غادة عبد العال في كتاباتها. وما لبثت أن بدأت الكتابة في مدونة جديدة إلا أنها لم تكن تحمل اسمًا صريحًا، والسبب في ذلك يرجع إلى مناقشتها لموضوع ينطوي على نوع من الحساسية بعض الشيء كما أوضحت: «كان عنوان المدونة «عايزة أتجوز».»2 ربما يبدو هذا المسمى غريبًا بالنسبة للآذان والعقول الغربية، وقد يشعرون بأنه لا يدعو لتحرر المرأة على الإطلاق، وكذلك الحال في مجتمعنا، فحينما تتفوَّه إحدى الفتيات الشابات بهذه الجملة «عايزة أتجوز» فإنه يُعَدُّ بمنزلة أمر شائن وفقًا لعادات المجتمع. وقد أوضحت غادة قائلة: «لقد أثار ذلك العنوان جدلًا كبيرًا، فعلى الرغم من أن المجتمع المصري يسمح للفتاة بالحديث عن آمالها مثل رغبتها في أن تصبح معلمة أو الرغبة في السفر إلى الخارج، فإنه لا يسمح لها مطلقًا — وهنا تهمس غادة — أن تعبِّر عن آمال لها علاقة بالجنس. إلا أنني لم أفكر فيما يفكر الجميع فيه؛ فحينما يرغب أحد في الزواج، فهذا يعني بالنسبة لهم أنه يريد ممارسة الجنس فحسب، بينما الزواج من وجهة نظري يعني أمورًا كثيرة؛ ألا وهي أن يصبح لي منزل خاص، وكذلك أن أجد شخصًا مناسبًا أحبه وأشاركه حياتي حتى نستطيع أن نتشارك معًا أفكارنا ومشاعرنا، وليس مجرد سرير للنوم.»

لم تكن غادة تجرؤ على مناقشة تصوراتها عن الحياة الزوجية إلا مع والدتها، ولكنها ما لبثت أن تُوفِّيَتْ فيما بعد. وكانت غادة في الخامسة والعشرين من عمرها حين فقدت والدتها التي كانت تُعَدُّ أكثر شخص تثق به في حياتها. ولكن الأمر لم يقتصر على ذلك، فقد شعر فجأة جميع أقاربها من النساء بالمسئولية تجاهها وتولوا مهمة البحث عن عريس لها. وهنا تقول غادة: «كانوا يلحون عليَّ باستمرار للموافقة على أي رجل يمتلك دخلًا ثابتًا وشقة خاصة به؛ فالرجل بحسب رأيهم ليس مهمًّا، فحينما ننجب الأطفال سوف أقضي وقتي كله معهم لتربيتهم وعنايتهم ولن أرى زوجي هذا كثيرًا.» وقد وجدت غادة هذا موقفًا في غاية القسوة، فلطالما كانت تعتبر نفسها عملية في أمور حياتها على حد قولها. «لكنني حينما تعرضت لهذا الضغط والإلحاح أدركت أنني بالفعل شخصية رومانسية أحاول إيجاد ذلك الرجل الذي أستطيع أن أشاركه حياتي القادمة بأكملها. حينذاك قال أقاربي إن كل ما أتمناه مجرد أحلام، وإن الحياة لا يمكن أن تسير بهذه الطريقة أبدًا.» وكانت غادة بالفعل على وشك الرضوخ للأمر الواقع والموافقة على أي رجل يتقدم لزواجها بالطرق التقليدية، أملًا منها في الاستمتاع بحياة هادئة؛ لذا حرصت عائلتها على أن تُوفِّر لها عريسًا تلو الآخر حتى تتزوج أحدهم، إلا أنهم كانوا ذوي طبائع فظة كما ذكرت غادة؛ ولهذا السبب شعرت برغبتها في التحدث مع أناس آخرين، الأمر الذي دفعها إلى بدء الكتابة على المدونات. وفي هذا الشأن تقول غادة عبد العال: «إن المجتمع المصري يُحمِّل الفتيات مسئولية الزواج في سن متأخرة، كما يلقي عليهن اللوم فيما يطلبن من مهر غالٍ، وكذلك ما يرغبن في اقتنائه من أثاث باهظ الثمن في كثير من الأحيان؛ ولهذا السبب أصبحت لدي رغبة في توضيح الوجه الآخر لهذه العملة: نحن نرغب حقًّا في الزواج، لكننا لم نجد شخصًا مناسبًا بالقدر الكافي نستطيع أن نشاركه حياتنا بشكل جيد. وأعتقد أننا بحاجة إلى وقت كافٍ لنتمكن من اختيار هذا الشخص، فلم يَعُد الأمر سهلًا كي تتزوج الفتاة قبل بلوغ الثلاثين من عمرها، فإذا ما انتظرت فترة أطول من ذلك دون أن تتزوج ينعتها الكثيرون ﺑ «العنوسة» وكبر السن.» وتضيف غادة موضحةً: «لقد أصبح الرأي السائد في مصر حاليًّا هو ضرورة زواج الفتاة عند سن الخامسة والعشرين على أقصى تقدير، والسبب في ذلك يرجع إلى تلك المخاوف التي تتبادر إلى الأذهان من أن المرأة الكبيرة في السن لا تستطيع إنجاب عدد كافٍ من الأطفال.» وهو ما أثار حفيظة غادة عبد العال ودفعها للتساؤل: «كم عدد من الأطفال يريد هؤلاء إذن، ثلاثة عشر طفلًا؟! من المحتمل أن تنجب المرأة طفلين أو ثلاثة أطفال وهو ما يمكن حدوثه في ثلاثة أعوام، وهي فترة كافية لذلك.»

أرادت غادة عبد العال أن تكتب مقالتين أو ثلاثة ثم تحذف المدونة بالكامل، إلا أن الوضع اختلف كثيرًا عقب نشر تلك المقالات، حيث حققت ردود الأفعال نجاحًا غير مسبوق؛ لذا لم يَعُدْ في وسعها التوقف عن الكتابة عبر مدونتها، فقد كان لهذه التعليقات وردود الأفعال الحماسية بالغ الأثر في تشجيعها ودفعها لمواصلة ما تُقدِّمه؛ حيث أشارت غادة إلى أن «هناك عددًا لا حصر له من الفتيات والسيدات نجحت المدونة في زيادة شعورهن بالقوة وبث الثقة في نفوسهن، كما كان لها أثر واضح في تخفيف شعورهن بالضغط وحتمية الزواج في أقرب فرصة ممكنة من أول شخص يتقدم إليهن، بل أصبح لديهن هدف آخر يسعين إلى تحقيقه أولًا؛ ألا وهو الاهتمام بحياتهن الخاصة وكذلك الحياة العملية ومجال عملهن. فكثير من النساء يعتقدن أنه بإمكانهن السفر حول العالم بأَسْرِه بمجرد أن يتزوجن، ولكن النقيض هو ما يحدث، فإذا ما تزوج الرجل نجده قابعًا في منزله ولا يفضل التنقل كثيرًا. وهناك أشخاص كثيرون يقولون إنه عقب الزواج يمكنهم إتمام دراستهم أو شراء سيارة جديدة، فأنا أرى أن الإنسان عليه ألا يؤجل كل شيء، بل عليه أن يعيش حياته الآن بكل ما فيها وكيفما يحلو له.»

وفي مدونتها الإلكترونية «عايزة أتجوز»، تكتب غادة عبد العال تحت اسم برايد؛ حيث صرحت بأسلوبها الساخر: «برايد هي كلمة إنجليزية وتعني «عروسة» باللغة العربية، فأنا مثقفة.» ومن ثَمَّ أخذت «برايد» تتحدث بشيء من الفكاهة والسخرية يتغمدها بعض مشاعر الاضطراب عن عدد من الفتيات من أقاربها ودائرة معارفها اللاتي لعبن دور الخاطبة، وكذلك ما شهده منزلها المهندم من زيارات لمن يتقدموا لطلبها للزواج، فمنهم من لم يكن جديًّا على الإطلاق، وكذلك هناك من يعاني من ازدواجية المعايير الأخلاقية، فعادةً ما يأتي الخاطب في صحبة والدته وأخته أو إحدى أقاربه من السيدات لمعاينة مخطوبته وأخلاقها. وفي إحدى المرات جاء رجل ذو لحية راغبًا في الزواج بها، إلا أنه حضر هذه المرة في صحبة امرأتين، اعتقدت «برايد» في بادئ الأمر أنهما أختاه إلى أن عرفت بعد ذلك حقيقتهما؛ فهما زوجتاه الأولى والثانية. وبشيء من الهدوء أوضح هذا الرجل قائلًا: «أنا ماشي حسب الشرع، لا يمكن أتجوز واحدة غير لما يكونوا اللي قبلها موافقين عليها … أمااال؟! كله حسب الشرع!» حينذاك شعرت «برايد» بصدمة لم تشهدها من قبل واصفةً إياها عبر مدونتها قائلةً: «أتدرون بما شعرت السفينة تايتانيك حينما اصطدمت بجبل من الجليد؟! بالطبع لا، فتايتانيك لم يكن لديها أي شعور على الإطلاق … ولكن تخيلوا موقفًا مثل هذا! فلم يستطع أحدٌ منا أن يصرخ أو يعترض على ما يُقال أو يصرخ في وجهه على الأقل.» وتكمن أهمية الزيجات المخطط لها وهو ما يُعرف ﺑ «زواج الصالونات» في مراعاة القيم الأخلاقية المحافظة؛ حيث لا تسمح تقاليد المجتمع للفتاة بالخروج مع من يتقدم لخطبتها دون أن يصحبهما أحد أفراد العائلة، وهو ما دفعها إلى أن تكتب على مدونتها ما يلي: «أنا شخصيًّا بقى مكنتش محتاجة رقابة من حد … كنت كفيلة بصد أي حد يتجرأ أو يفكر إنه يكلمني.» وقد كان هذا الموقف الذي ذكرته عبر مدونتها خير مثال على ما أوضحته مسبقًا، هو: لو سمحتي يا دكتورة. أنا: نعم. هو: ممكن أقولِّك حاجة؟ أنا: بخصوص الكيمياء الصيدلية؟ هو: لا. أنا: الكيمياء العضوية؟ هو: لا. أنا: الكيمياء الحيوية؟ هو: لا. أنا: السموم؟ هو: لا. أنا: يبقى سوري مفيش بينا كلام. أرفع رأسي بمنتهى الفخر والإباء وأنا سايباه واقف فاتح بُقه زي عم عبده البواب وهو بيتفرج على المسلسل الكوري. «ولكن هذه القصة لم تنُمَّ مطلقًا عن كوميديا ذلك الموقف الذي نحن بصدده. وما راعني إلا ما ذكرته عمتي طنط فادية أثناء زيارتها لنا؛ إذ قالت فجأة: بس لو كنتي ارتبطتي بحد من زمايلك في الكلية مش كنا خلصنا.» وبشيء من الذهول والاضطراب، نظرت «برايد» إلى عمتها معقبةً على كلامها: «إذن؛ فهل حان الوقت لتعطي عائلاتنا ظهرها لكل ما علَّمته لنا من قيم خلال سنوات طوال ماضية؟ هل يتمتع مجتمعنا بالفعل بوجهين مغايرين؟ أم أن هذا شكل من أشكال الانتهازية؟ أم هي أسس التربية التي في مجتمعنا؟»

بمثل هذه النصوص تُوجِّه الكاتبة والمدونة غادة عبد العال حديثًا من القلب لجيل بأكمله من الفتيات الشابات: «لقد منحتني قارئاتي الفتيات دعمًا وتشجيعًا على مواصلة ما بدأته، فقد كتب الكثير منهن في تعليقاتهن أنهن كثيرًا ما كُنَّ ينتظرن هذه المناقشات، وأخيرًا ولأول مرة يتناول أحدٌ هذا الموضوع في كتاباته. وكذلك لم يخلُ الأمر من تعليقات للرجال على المدونة؛ حيث كانت هناك بعض التعليقات الفردية المعادية لما أقوم به، ولكن على النقيض كان هناك بعض الملاحظات الشائقة في تعليقاتهم؛ فقد كتب بعض الرجال في تعليقاتهم أنهم حتى الآن لا يسعهم معرفة كيفية تفكير النساء في حياتهن وعملهن وما يرينه من علاقات مختلفة وحتمًا التفكير في الزواج، ناهيك عن مدى صعوبة وصرامة تقاليد الزواج في مجتمعنا على وجه الخصوص.»

وتحت عنوان «المرأة في سن الثلاثين» تناولت «برايد» عشرة أسباب تعمل على القضاء على روح التوازن في الحياة الزوجية من خلال عمليات الوساطة الفاشلة للزواج؛ حيث أوضحت قائلةً: «لقد أصبح من المستحيل إيجاد رجل يتمتع بشخصية جيدة وسمات حميدة في آنٍ واحدٍ، فضلًا عن كونه ذا قدر عالٍ من الثقافة وحسن الخلق ويمكن الاعتماد عليه في وقت الضيق.» لذا عملت «برايد» على سؤال قرَّاء المدونة من الفتيات والرجال قائلة: «ماذا عساي أن أفعل؟ فهل من المفترض أن أقضي بقية حياتي تعيسة مع رجل ذي شخصية نمطية؟ أم أنه من الأفضل أن أظل وحيدة وبذلك أستطيع أن أفعل كل ما أرغب به؟» وأخذت غادة تمعن التفكير بعد ذلك في أنه حينما تبلغ المرأة الثلاثين من عمرها فهي تكون حتمًا قد مرت بالعديد من المواقف المختلفة في حياتها، وربحت أموالها الخاصة مقابل عملها، وكذلك لديها من الحقوق والآراء ما هو خاص بها. وفي هذا الصدد أوضحت قائلة: «فمن يعتقد أن امرأة في العقد الرابع من عمرها من الممكن أن ترضى بأي شيء وأن تعيش مع أي شخص تقابله، فعليه أن يقرأ هذا الفصل ثانية بشرط أن يمعن في تفكيره خلال القراءة.»

وقد استمرت المناقشات على المدونة لفترات طويلة وبشكل مكثف للغاية، الأمر الذي أثار انتباه إحدى دور النشر وهي «دار الشروق» إلى ضرورة نشر هذه المدونة ككتاب يتم تداوله بين الناس ويحمل نفس اسم المدونة. وقد كان وقع هذا الخبر على غادة عبد العال بمنزلة نجاح عظيم لم تكن تتوقعه، خاصة وأنها بدأت كمدوِّنة شابة تكتب في إحدى قرى مصر، ولم يكن لديها أي شبكة علاقات اجتماعية على الإطلاق يمكن أن تتوسط لها في يوم من الأيام للتعامل مع إحدى دور النشر الشهيرة. وفي هذا الإطار تقول غادة: «وهذا يُعَدُّ فائدة أخرى من فوائد الإنترنت التي لا حصر لها.» وتضيف: «فالإنسان لم يَعُد في حاجة كبيرة لكل هذه الاتصالات والعلاقات؛ حيث أصبح بإمكانه عرض نفسه وأعماله من خلال شبكة الإنترنت.» وقد تربَّع كتاب «عايزة أتجوز» على عرش قائمة الكتب الأكثر بيعًا لمدة عامين متتاليين؛ حيث بلغ عدد النسخ المطبوعة منه قرابة ٥٥ ألف نسخة. «قديمًا لم يكن أحد يتصور أن تتربع مؤلفات كاتبة لم تتخطَّ الثلاثين من عمرها، تعمد إلى استخدام اللغة العامية في كتاباتها، قادمة من المحلة الكبرى؛ على عرش قائمة الكتب الأكثر بيعًا في الأسواق. وقد كان لهذا النجاح أثر بالغ في فتح باب الإبداع أمام العديد من الكاتبات الأخريات.» وهو ما دفع «دار الشروق» إلى أن تقرر طبع ونشر مدونات أخرى لاثنتين من الكاتبات الشابات؛ وهما: رحاب بسام، وغادة محمود. وبذلك ساهمت هذه الخطوة بشكل كبير في ظهور نوع جديد من أنواع الأدب عُرف ﺑ «الأدب البناتي»، وهو يهتم بكل ما يدور في حياة الفتيات الشابات من لحظات سعادة وفرح، وغيرها من لحظات الضيق والحزن، وكذلك يتناول قضايا التحرش الجنسي التي تحدث يوميًّا في مجتمعنا، وغيرها من موضوعات الحب والزواج والطلاق. واحتفاءً بكل ذلك تقول غادة عبد العال: «أصبحت الدعوة تُوجَّه إلينا لحضور أضخم البرامج التليفزيونية «التوك شو» في مصر.» والجدير بالذكر أن هذا الكتاب لم يحصل على أعلى نسبة مبيعات فحسب، بل تحول إلى مسلسل تليفزيوني من ثلاثين حلقة تم عرضه في شهر رمضان. وكما هي الحال بالنسبة للكاتب أحمد مراد صاحب أشهر الروايات البوليسية «فيرتيجو»، والذي عمد إلى كتابة السيناريو الخاص بها؛ حينما عُرِضَتْ على شاشات التليفزيون، كتبت غادة عبد العال قصة وسيناريو وحوار مسلسل «عايزة أتجوز». وقد تُرجِم الكتاب إلى العديد من اللغات الأجنبية، كما تُرجِم للغة الألمانية.3 واستطاعت غادة اكتشاف موهبتها في الكتابة من خلال ما قدمته عبر مدونتها، حيث شهدت تلك الفترة تقديمها عمودًا صحفيًّا أسبوعيًّا في جريدتين مختلفتين، فضلًا عن إعدادها لطرح كتابين يتناولان عددًا من القصص القصيرة وغيرها من المقالات المختلفة، إلا أنها لن تنشر هذه النصوص الجديدة عبر مدونتها، بل ستطرحها مباشرة في الأسواق عبر دار النشر؛ حيث أوضحت قائلةً: «فمن خلال الإنترنت يمكنك قراءة ما تشاء دون أي تكاليف مادية؛ ولذلك لن يُقبِل أحد فيما بعد على شراء الكتب التي يتم طرحها في الأسواق. وحتمًا تلعب المدونة دورًا حيويًّا ومهمًّا طالما أن الكاتب لم يثبِّت أقدامه بعدُ ويسعده أن يصل إلى أي شخص على الإطلاق.» وترى الكاتبة أن المدونات قد ساهمت بشكل كبير في زيادة اهتمام الأفراد بقراءة الكتب المختلفة. «كان لدينا جمهور بالفعل عندما صدرت أعمالنا في هيئة كتب، إلا أننا حملنا عددًا هائلًا من الأشخاص على الذهاب إلى المكتبات وشراء الكتب.»

لا شك أن الكاتبة غادة عبد العال أخذت تفكر طويلًا بعد هذه التجربة في مدى تأثير الأدب على المجتمع، بل وأكثر من ذلك؛ فهي تعتقد أن الكُتَّاب لديهم التزامات واضحة تجاه مجتمعاتهم لا سيما بالمشاركة في مناقشة الموضوعات والمشكلات محل الجدل، ومناقشتها ومحاولة طرحها للرأي العام. «فالأدب لا بد أن يلعب دورًا محوريًّا في دولة مثل مصر على وجه التحديد بسبب ما يعاني منه أبناؤها من مشكلات متأصلة في المجتمع، فلا يُشترط أن يتم طرح الموضوعات الأدبية بشكل مباشر أو تربوي، بل من الممكن أن نلمسه من خلال توضيح القيم المُثلى وعرض آفاق جديدة، وكذلك تقديم يد العون للمجتمع بغرض تجاوز تلك الأوقات العصيبة التي نمر بها في مجتمعنا.» وتصرِّح غادة عبد العال قائلة إن كثيرًا من أدباء وكُتَّاب مصر من السبعينيات وحتى التسعينيات قد أهملوا تلك المهمة بشكل كبير ولم يتطرقوا مطلقًا لمعالجة قضايا الوطن؛ ولذلك لم يُقبِل أحد قط على قراءة ما يُقدَّم من أدب. ويرجع السبب في ذلك إلى كون الموضوعات التي اهتم بها أدباء ذلك العصر لم تجد أي صدًى لدى الجمهور ولم تَعُد تشغل بال الكثيرين، مثل موضوعات القومية العربية، أو موضوعات الإشكالات الفكرية والثقافية وعلاقتها بالفلاسفة الفرنسيين. «حياتنا اليومية أصبحت موسومة بالظروف الاقتصادية الصعبة؛ حيث يحصل الرجل الشاب على دخل قليل لا يكفيه لتقديم أفضل وسائل التعليم لأبنائه، بينما يتعين عليه أن يقضي نصف عمره في التنقل بين وسائل المواصلات والسيارات. فنحن بحاجة إلى كتب تتناول ما يدور في حياتنا وتُقدِّم وصفًا دقيقًا لمجتمعنا، فأنا أرى أنه ليس من المعقول أن يتجاهل الكُتَّاب والأدباء كل ما يدور في المجتمع ويمارسوا كتاباتهم كما لو كانوا يعيشون في جزيرة منعزلة عن المجتمع أو في فقاعة هوائية.» فينبغي على الكُتَّاب أن يكون هدفهم الأول هو نقل خبراتهم ومعارفهم الواسعة إلى هؤلاء المتلقِّين من جمهورهم. «فلو أنني لم أُخبِر معارفي بكل ما مررت به خلال رحلتي إلى أمريكا وأوروبا وبكل من تعرفت عليهم من أناس ذوي طبائع رائعة يعملون بجِدٍّ واجتهاد وهم حقًّا جديرون بالثقة، لظلوا يعتقدون أن كل من يعيش في الغرب لا يهتم إلا بشرب الخمر وممارسة الجنس.»

غادة عبد العال هي امرأة شابة تتصف بالفضول والتطلُّع لكل ما هو جديد وكذلك التفاني والالتزام بالعمل، فضلًا عن مراعاتها دائمًا لعادات وتقاليد بيئتها المحافظة. وقد كانت غادة محظوظة للغاية؛ فدائمًا ما كان والدها يدعمها في كل شيء تَعْمَد إلى تنفيذه، ويُشجِّعها على مواصلة كتاباتها. ليس هذا فحسب، بل إنه قد سمح لها بالسفر، الأمر الذي لا يُعَدُّ بديهيًّا في مصر؛ حيث تحتاج المرأةُ غير المتزوجة الحصولَ على إذن من والدها أو أحد أقاربها الرجال. وفي هذه الأثناء بلغَتْ غادةُ الخامسةَ والثلاثين من عمرها وعملت على إنشاء صيدليتها الخاصة خارج حدود محافظة المحلة الكبرى، وأن تعيش مع والدها وشقيقها؛ حيث تولت غادة إدارة شئون المنزل منذ رحيل والدتها. ومع كل ذلك دائمًا ما كانت تشعر بالسعادة لحبها لعائلتها، بالإضافة إلى ذلك فقد كان أمرًا لا يمكن تصوره أن تقيم وحدها، أو مع إحدى صديقاتها في المحلة الكبرى نظرًا لكونها امرأة غير متزوجة، وهو ما ليس متعارفًا عليه في مجتمعها. فلم تكن غادة تسعى إلى تغيير العالم بأَسْره أو قلبه رأسًا على عقب، وكذلك لم تكن تهدف من خلال مدونتها إلى تشويه سمعة مؤسسة الزواج أو المساس بها، وكذلك لا تهدف إلى انتقاد الطرق والأساليب التقليدية في عمليات الوساطة للزواج في حد ذاتها، موضحةً: «لقد نشأتُ في ظل هذه الظروف التقليدية وأعتبر نفسي جزءًا من هذه القيم التقليدية؛ فأنا لا أؤمن بالحرية الجنسية أو ما شابه، ولكنني أعيش حياتي وفقًا لما تربيت عليه من قيم ومبادئ، ودائمًا ما أتقبل أناسًا آخرين من ثقافات أخرى ويمثلون قيمًا أخرى تختلف عما ترعرعت عليه.»

وتعتبر غادةُ عبد العال نَفْسَها من مؤيدي الحركة النسوية في مصر، على الرغم من أنها تعلم جيدًا أن أعضاء الحركة النسوية لا يعدُدنها كذلك ولا يعتبرنها واحدةً منهن، والسبب في ذلك يرجع إلى ارتدائها حجابًا؛ الأمر الذي كثيرًا ما كان يغضبها؛ حيث أوضحت في هذا الصدد قائلةً: «بوصفي مهتمة بالحركة النسوية، فأنا أنبري في المقام الأول للدفاع عن حقوق المرأة ودعم النساء في مصر، حتى ولو كان قرارهن هو ارتداء حجاب يغطي الجسد بأكمله؛ أي خمار، فهذا يُعَدُّ اختيار المرأة ولها مطلق الحرية في اتخاذه. عندئذٍ لن أخرج وأنعتها بألفاظ شائنة مثلما فعل معي أعضاء هذه الحركة.» فالأمر يدور حول ضرورة فهم السيدات وتكوين الوعي لديهن وتزويدهن بالمعلومات اللازمة من أجل نشر الثقافة فيما بينهن. إذن؛ فلماذا ترتدي الكاتبة والمدونة غادة عبد العال التي تتمتع بثقة بالنفس وسرعة بديهة عالية الحجاب؟ «لقد بدأتُ ارتداء الحجاب منذ أن التحقت بالجامعة؛ حيث كانت كل الفتيات ترتدي حجابًا؛ إذ كنت أعتقد أنني إذا لم أرتدِ حجابًا فسيتعامل معي الرجال في الجامعة كما لو كنت فريسة سهلة المنال، وهو ما لم أُرِدْه أن يحدث معي أبدًا. فهناك أسباب عديدة ومختلفة تدفع النساء إلى ارتداء الحجاب؛ فبعضهن يرتدين الحجاب لإيمانهن بأنه فريضة من الله يجب اتباعها، وبعضهن يرتدينه لعدم قدرتهن على تحمل مشقة الذهاب لصالون تجميل الشعر وتصفيفه، وبعضهن يرتدينه اقتداءً بغيرهن فحسب. في مدينتي ترتدي جميع السيدات الحجاب فيما عدا المسيحيات، ولولاه لاعتقد البعض أنني واحدة منهن.» وتُبيِّن القصةُ التالية التي حدثت لها في إيطاليا الأسلوبَ النمطي الذي يتعامل به كثير من الناس مع الحجاب: «بعد انتخاب محمد مرسي — أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين — رئيسًا لمصر حرص الإيطاليون على تهنئتي بذلك الحدث، إلا أنني كنت مستاءة للغاية، وأوضحت لهم أنني لم أنتخبه مطلقًا، بل إنني قاطعت الانتخابات، الأمر الذي أثار دهشتهم جميعًا قائلين: «ولكنه إسلاموي بالفعل، وأنتِ ترتدين الحجاب أيضًا!» فهم يعتقدون أن كل من يرتدين حجابًا من المفترض أن يكُنَّ إسلامويات.» منذ عامين أصبحت تراودها فكرة خلع الحجاب، إلا أنها تعجز عن تنفيذ هذه الفكرة حتى وقتنا هذا على حد قولها.

شهدت غادة عبد العال اندلاع أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١ في مسقط رأسها بمدينة المحلة. وقد كانت مدينة المحلة محور اهتمام عناوين الصحف الرئيسية في السادس من أبريل لعام ٢٠٠٨؛ وذلك لما شهدته تلك المدينة الصناعية من إضراب عام لعمال مصانع النسيج، الأمر الذي دفع بعض النشطاء الشباب والذين عُرِفوا ﺑ «حركة ٦ أبريل» إلى محاولة استكمال مسيرة التظاهرات والدعوة إلى إضراب عام في شتى أرجاء البلاد، إلا أنه لم يحدث شيء مما خططوا له. وتروي الكاتبة بعض ذكرياتها بشأن تلك الأحداث قائلةً: «أرسلت الحكومةُ مائةَ ألف جندي إلى مدينة المحلة، وسرعان ما أعلن العمال فض اعتصامهم بمجرد الاستجابة إلى تلبية مطالبهم بشأن مستحقاتهم المالية.» ولكن هذا الأمر كان بمنزلة الشرارة التي أثارت غضب الكثيرين، وهو ما دفع أهالي مدينة المحلة من الرجال والنساء والكبار والصغار إلى استمرار التظاهر ضد نظام الحكم آنذاك، وبالفعل استطاعوا تحقيق ما أرادوا، وهو ما أدَّى إلى وقوع العديد من المصادمات مع أفراد الشرطة. وفي تلك الأثناء خرجت أيضًا غادة عبد العال إلى شوارع بلدتها وسط كل ما تشهده المدينة من أحداث قائلةً: «لأول مرة في حياتي أرى الناس يقومون بالتعدي على لوحة كبيرة تحمل صورة الرئيس مبارك، ويعمدون إلى تمزيقها وإضرام النيران بها ودهسها بالكامل. وقد استمر الإضراب حينذاك لمدة ثلاثة أيام. فلو أعلن الشعب حينذاك إضرابه في شتى أرجاء البلاد تضامنًا معنا، لاندلعت الثورة قبل حدوثها بثلاثة أعوام. وقد كانت هذه الأحداث بالنسبة لي بمنزلة اللحظة التي أدركت فيها أننا بإمكاننا أن نؤثر في بلدنا ونصنع تغييرًا به.» وترى الكاتبة أن ما حدث من اعتصامات عام ٢٠٠٨ كان خطوة أولى لما أعقبها من ثورة اندلعت عام ٢٠١١، فهي تُعَدُّ تجربة عامة لكل ما وقع من أحداث. ومع ذلك، فقد عبَّرت الكاتبة عن رد فعلها حينذاك من خلال ضحكاتها تعبيرًا عن عدم تصديقها لما يحدث؛ وهو الدعوة والحشد إلى ثورة الخامس والعشرين من يناير عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قائلةً: «لم يكن أحد منا يتوقع أنه من الممكن أن تؤتي هذه الجهود ثمارها بالفعل.» فلم تشهد البلاد مثل هذه الأحداث من قبل؛ حيث كان يتم إلقاء القبض على المتظاهرين فور خروجهم في مسيرات حاشدة. «ولكن حينما تجمَّع ملايين من المتظاهرين في كبرى محافظات مصر مطالبين بحقوقهم، كان لذلك بالغ الأثر في إيقاظ روح الأمل مجددًا لدى المواطنين.» وقد كانت غادة عبد العال من أوائل الذين شاركوا في التظاهرات التي وقعت بمدينة المحلة. «كان لدينا ميدان التحرير الخاص بنا، فضلًا عن وقوع العديد من الاشتباكات بيننا وبين قوات الأمن، ولكنها لم تنجح مطلقًا في فض تجمعاتنا؛ فقد كانت تلك الأحداث بمنزلة شعور جديد لم نعتَدْه من قبل؛ حيث كنا نشعر حقًّا بالفخر والاعتزاز لقدرتنا على توحيد صفوفنا من أجل إعلان مطالبنا المشروعة.» وبينما كانت غادة تجوب شوارع المحلة أثناء فترة التظاهرات كانت على اتصال دائم بأصدقائها وصديقاتها في القاهرة عبر هاتفها المحمول: «كنت أعمل على نقل الأخبار للعديد من المجموعات المختلفة في الميدان؛ حيث كنا نتواصل طيلة الوقت عبر موقع التواصل فيسبوك. وتُعَدُّ شبكة الإنترنت هي معقل أحداث الثورة والعامل الرئيسي في اندلاعها ونجاحها.» وقد تزايد الإقبال على استخدام شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي — مثل: فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب — بشكل غير مسبوق من خلال الشباب المتعلمين الذين ينتمون إلى الطبقات المتوسطة في المجتمع، وبذلك فقد شهدت تلك المواقع ازدهارًا وطفرة فريدة من نوعها. ولهذا فقد عبَّرت غادة عبد العال عن اقتناعها الشديد بمدى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على المناخ السياسي للبلاد: «فعَقِب الهجوم الإرهابي الذي وقع على الحدود المصرية مع إسرائيل وراح ضحيته عدد من الجنود المصريين، شهد موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك موجة احتجاجات عارمة ضد الرئيس محمد مرسي لعدم حضوره مراسم تشييع جنازة هؤلاء الجنود. وما هي إلا أيام قليلة حتى قام الرئيس بإقالة رئيس جهاز المخابرات العامة، فضلًا عن إحالة المشير محمد حسين طنطاوي القائد العام للقوات المسلحة للتقاعد، فقد كانت التعليقات المنددة على فيسبوك بمنزلة الشرارة التي أدت إلى حدوث كل هذه التغييرات.» واليوم أصبحت غادة تعمل على تصفح موقع فيسبوك بشكل يومي، فلديها الآن ٦٤٠٠ صديق على موقع التواصل الاجتماعي وما يقرب من ٨٧٠٠٠ متابع على صفحتها يهتمون بقراءة كل ما تنشره عبر صفحتها الخاصة، وفي هذا الصدد تقول: «لقد استطعت التواصل مع العديد من الأشخاص عبر فيسبوك الذين تَفُوق أعدادُهم أعدادَ مَنْ تواصلت معهم قبل ذلك؛ فعلى المدونة لم نكن سوى مجموعة صغيرة من الأشخاص ممن لديهم نفس الميول والرغبات ويعرف بعضهم بعضًا، ولكن — على النقيض — كان موقع التواصل فيسبوك يتمتع بأجواء عالية من الانفتاح؛ الأمر الذي ساعدني على التواصل مع عدد كبير من القرَّاء والمعجبين عبر ذلك الموقع، فضلًا عن القدرة على الإعلان عن أحدث أعمالي القادمة مسبقًا، فلم تَعُد المدونات في هذه الأثناء أحدث الصيحات، بل على العكس، فكل شيء يُنشَر عبر موقعَي التواصل الاجتماعيين: فيسبوك، وتويتر.»

تلك المدونات والكتب لا تلعب دورًا حين تزاول غادة نشاطها في الصيدلية الخاصة بها بمدينة المحلة، فعلى الرغم من متابعة العديد من عملائها للمسلسل التليفزيوني الشهير «عايزة أتجوز»، فإنهم لا يدركون أن تلك الدكتورة التي تبيع لهم الأدوية هي ذاتها كاتبة تلك الأحداث الشائقة، فدائمًا ما كانت تسعى إلى استمرار الفصل بين كلا الجانبين؛ حيث تعمل في الصيدلية في الفترة الليلية المتأخرة، بينما تزاول الكتابة طوال اليوم. وقد شرعت مؤخرًا في كتابة رواية جديدة، تدور أحداثها حول امرأة تنأى بنفسها دائمًا عن العديد من العادات التي يعتبرها الكثيرون مُحرمةً وتَصِم الفتاة بالخزي والعار؛ ومن ثَمَّ عملت على تجربة تلك الأشياء؛ مثل: قيادة الدراجات. حيث يعتبر البعضُ ركوبَ المرأة للدراجات موضع جدل ومثار ضجة واسعة. وتوضح الكاتبة في هذا الشأن: «أنا لا أتعمد الإساءة لأحد مطلقًا، ولكنني أسعى إلى توضيح تلك الرؤية الخاطئة لدى معظم الناس.» فلا توجد أي مظاهر للحياة الثقافية في مدينة المحلة على الإطلاق؛ ولهذا فقد عملَتْ على إطلاق مشروع ثقافي في مسقط رأسها وإنشاء مكتبة صغيرة للأطفال والشباب. «حينما حاولت الاستعانة بإحدى المؤسسات الأجنبية لمساعدتي في الدعم المالي لهذا المشروع، رُفِض هذا الطلب بدعوى أنه بإمكاني إنشاء مؤسسات تهتم بمعالجة قضايا سوء معاملة المرأة بدلًا من مشروعات تهتم بكيفية قضاء أوقات الفراغ لدى الأطفال والشباب.» إلا أن الكاتبة وجدت ذلك أمرًا غريبًا بعض الشيء، فحينما يهتم الشباب بالقيام بأعمال مفيدة، فحتمًا سيؤثر ذلك عليهم في تعاملهم مع مجتمعهم على المدى البعيد، الأمر الذي سيكون من شأنه القضاء على سوء معاملة المرأة. وتعمل غادة على تقديم العديد من الخطط البنَّاءة، فقد أخذت حياتُها منعطفًا جديدًا عبر كل ما مرت به من تظاهرات حاشدة وكذلك من خلال استخدامها لمواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث أصبح شعارها الآن «معًا نُحقِّق أهدافنا.»

مفكر ناقد: يوسف رخا

صدرت رواية «كتاب الطُّغرَى»4 (أي خاتم السلطان) ليوسف رخا قبل أيام قليلة من سقوط نظام الرئيس مبارك في فبراير عام ٢٠١١. «كان توقيت إصدار الكتاب سيئًا، فلم يكن أحد يفكر في القراءة في ظل ما يحدث الآن.» تلك هي العبارة التي قالها الكاتب يوسف رخا في حوار أجريتُه معه بأحد مكاتب التحرير غير المستخدمة بجريدة «الأهرام ويكلي» (الأهرام الأسبوعية التي تصدر باللغة الإنجليزية) حيث يعمل محررًا ثقافيًّا. فضلًا عن هذا لم يكن الأدب محل اهتمام الكاتب نفسه في تلك الآونة. يوسف رخا، كاتب صحفي ومُدوِّن، وُلِدَ في القاهرة عام ١٩٧٦، كان موجودًا في الشارع بشكل يومي طيلة تلك الأسابيع التي شهدت ما وقع من أحداث؛ حيث شارك الناسَ حماسَهم وأمانيَهم. وقد قال معبرًا عن ذلك: «لقد غمرتنا فرحة نسبية عندما رحل مبارك ونظامه، ولكن هذا الشعور كان لحظيًّا؛ إذ لم يكن أحد يتخيل ما يفترض أن تسير عليه مجريات الأمور فيما بعد.» ولكن عقب مرور عام ونصف العام على تلك الثورة أفاق يوسف رخا من النشوة، فقد كان يشعر آنذاك بأنه يمتلك قوة هائلة تدفعه إلى تغيير الأجواء المحيطة، فضلًا عن إبداء الكثيرين استعدادهم التام للتضحية بأنفسهم من أجل الوصول للهدف المنشود. «كي نشعر بقيمة ما نسعى إليه بالفعل، نحتاج إلى مجتمع قادر على معرفة قيمة تلك التضحيات والغرض منها، ولكننا في واقع الأمر ليس لدينا ذلك المجتمع في بلادنا.» وتابع رخا حديثه موضحًا أنه سرعان ما حاول البعض إساءة استخدام تلك الروح الثورية بغرض تحقيق أهداف سياسية تتلخص في سرعة نقل السلطة من دائرة حكم ونظام مستبد إلى غيره، فمن المفترض أن ينتقل الحكم من يد مبارك وأتباعه إلى حكم الإسلاميين. «لقد قمنا بثورة من أجل تغيير هيكل النظام الحاكم بأكمله.» وكان رخا يعتبر جماعة الإخوان المسلمين جماعة تستخدم الأساليب القمعية التقليدية والمتشددة، مثلها مثل نظام الرئيس السابق مبارك. كما أشار إلى أن جهاز الشرطة الذي من المفترض أن يطبِّق القانون وفقًا لشرع الله لن يكون أقل إرهابًا من جهاز الشرطة الذي طالما مارس القمع في عهد مبارك. «ولكن جماعة الإخوان المسلمين تتسم بأنها قوة سياسية منظمة بالفعل، ولم يكن هناك سواها؛ لذا فإن التصورات التي تشير إلى إمكانية وجود قوًى مدنية وعلمانية وليبرالية ويسارية لا يمكننا اعتبارها سوى مجرد أحلام وأمنيات عقلية. ولكن بالرغم من هذا فإن هناك بالفعل قوًى ليبرالية وعلمانية فردية من المفكرين، إلا أنهم ليست لديهم قواعد راسخة في المجتمع. وقد ظل العالم بأسره يتطلع إلى مصر وينظر إليها فترة طويلة في انتظار تحول تلك العزيمة الثورية إلى طاقة إنتاجية تهدف إلى بناء مجتمع جديد تغمره أجواء الحرية والديمقراطية. ولم يحدث أي شيء من هذا على الإطلاق. لعل السبب في ذلك يكمن في مجتمعنا الذي يتسم بكونه مجتمعًا محافظًا للغاية، أغفله التنوير تمامًا. إلا أنني لا أعتقد أن جذور الشر تنحصر في الفقر وانتشار الجهل فحسب، بل تكمن المشكلة الحقيقية في أن أغلب المصريين لا يؤمنون بالعديد من القيم والمبادئ؛ كالمساواة وحرية الرأي وكذلك الحرية الشخصية للفرد.» وتابع رخا حديثه معلنًا أن هؤلاء الشباب الذين تعرضوا كثيرًا للضغط وكانوا بمنزلة القوة المحرِّكة للثورة لم يتمتعوا بقدر كافٍ من القوة التي تؤهلهم لاستكمال مسيرتهم؛ حيث قال: «أثناء تلك التظاهرات وعقب انتهائها بفترة وجيزة ظننت أن هؤلاء الشباب بإمكانهم مواصلة تحركاتهم من أجل عالم أفضل نستطيع أن نحيا به، إلا أنني أدركت أن من يسعى للتغيير لم يكن سوى جزء قليل من الشباب، وأن الغالبية العظمى منهم لا يزالوا قابعين بعقولهم في العالم القديم، وأعني بالقِدم هنا أنه يتسم بآفاقه المحدودة وانعدام طموحاته وتوقعاته بشأن المستقبل.» وعلى الرغم من كون الكاتب مسلمًا، فإن الدين لا يلعب دورًا محوريًّا في حياته؛ حيث يقول: «أنا لست ضد الإسلام، وكذلك لست مؤيدًا له، ولكن المشكلة تكمن هنا في إمكانية سوء استخدام شعار الدين بغرض تحقيق أهداف سيئة؛ لذا فأنا لا أعتقد مطلقًا أنه يجب أن يحدد طرق تعاملنا مع الغير وسلوكنا.» وقد ذكر على سبيل المثال العبودية التي لم يحرمها الإسلام بل حرمتها الثقافات الغربية؛ لذا رفضه الإسلاميون الأصوليون. واستطرد حديثه قائلًا بشيء من الاستفزاز: «ولكن هذا التفكير يُعَد بمنزلة حجر عثرة يحول دون تحقيق أي تقدم ملحوظ، فنحن نعيش الآن في عالم جديد ومتطور نستخدم فيه الهواتف المحمولة ونقضي أوقات عملنا في مكاتب مكيفة، ما يندرج تحته أيضًا إرساء قيم حديثة. فإذا ما أردتُ أن أؤمن بموقع البحث جوجل وأمجِّده كما لو كان إلهًا، يجب إذن أن يكون هذا مسموحًا به.»

وقد غيَّرتْ خيبةُ الأمل التي شعر بها يوسف رخا عقب انتهاء التظاهرات من طريقة تفكيره وأسلوبه في الكتابة؛ فقد حاول في روايته «كتاب الطغرى» أن يعقد سلامًا مع الهوية الإسلامية، إلا أن هذه الهوية تُمثِّل النقيض الخالص للإسلام السياسي، فهي تشبه التصوف. وتدور أحداث هذه الرواية في القاهرة خلال ثلاثة أسابيع من عام ٢٠٠٧، تلك المدينة التي اتسمت بالارتباك وانعدام الرؤى المستقبلية منذ وقوع هجمات إرهابية في الحادي عشر من سبتمبر؛ حيث أخذ البطل «مصطفى الشوربجي» يطوف أرجاء المدينة وهو يفكر في العديد من الأمور؛ كالزواج والحب والصداقة، وموضوعات علم النفس والتاريخ، وكذلك الشهوة والإثارة. ويتخلل ذلك بعض النصوص العربية التي تعود للعصور الوسطى؛ مثل: «رحلة ابن بطوطة»، و«طوق الحمامة»، و«ألف ليلة وليلة». وتُعَدُّ هذه الرواية نوعًا من الروايات التي تتطور فيها الأحداث، وفي الوقت نفسه فيلم رعب غامضًا يتناول نظريات المؤامرة التي تُحاك بغرض زوال الإسلام. وتعود الرواية مرارًا وتكرارًا لمحاكاة الماضي في العصور العربية الوسطى، حينما اشتهرت الحضارة الإسلامية بأشعار الغزل والعشق الصوفي وكذلك فنون الخط العربي، فضلًا عن التنوع الثقافي والثراء الهائل آنذاك. حين كانت هذه المظاهر الحضارية بمنزلة المجالات الواضحة التي اعتمد عليها الكاتب في استحضار الماضي ومحاكاة تلك الفترة، لم يعتمد في روايته على مبدأ العقيدة والجهاد. ويوضح يوسف رخا أنه أراد في روايته تصوير مدينة القاهرة باعتبارها مهد الحضارات، وكذلك باعتبارها مدينة حديثة تتفاوت فيها مظاهر الحضارة فضلًا عن كونها مدينة إسلامية قديمة تزخر بالتراث الثقافي الإسلامي. وفي سرده للجزء التاريخي اعتمد الكاتب في روايته على اثنين من المؤرخين العرب المشهورين؛ ألا وهما: عبد الرحمن الجبرتي، ومحمد بن إياس. والمؤرخ محمد بن إياس هو المصدر الرئيسي الذي اعتمد عليه الكاتب جمال الغيطاني كذلك في روايته «الزيني بركات» عام ١٩٧٠، تلك الرواية التي نقلت أحداثها ديكتاتورية الحكم العسكري بقيادة جمال عبد الناصر إلى العصور الوسطى العربية. فهل كانت تلك الرواية بمنزلة نموذج احتذاه يوسف رخا في كتابته؟ وقد أوضح يوسف رخا في إجابته قائلًا: «نعم … لقد كانت واحدة من بين العديد من الروايات.» ثم راح يميز الفروق: «فقد تناول الغيطاني في روايته الحياة المعاصرة في حُلَّة تاريخية؛ حيث استخدم في ذلك لغة تعتمد كثيرًا على ما ذكره المؤرخون من قبل. وعلى النقيض تدور أحداث روايتي «كتاب الطغرى» حول الواقع المعاصر مع القيام برحلات إلى التاريخ القديم؛ لذا كان عليَّ ابتكار لغة معاصرة تتوافق مع تلك اللغة التاريخية وتكون مكافئة لها.» وتعرض الرواية التي صدرت في نهاية عام ٢٠١٠ صورة كاملة لما شهدته مدينة القاهرة من استعدادات وآراء عشية ليلة الثورة الشعبية «ثورة يناير»، فلم يكن هناك شيء يشير إلى اندلاع ثورة، وعلى أرض الواقع لم يكن أحد يتوقع إمكانية نشوب تلك الأحداث التي شهدتها البلاد. وقد أطلق الكاتب على روايته عنوان «تأملات في انحدار الحضارة الإسلامية». وقد صدرت رواية «كتاب الطغرى» عام ٢٠١٣ مترجمةً إلى اللغة الإنجليزية.

بدأ يوسف رخا العمل في روايته التالية «التماسيح»5 قبل اندلاع أحداث الثورة، وكان من المخطط أن تكون الجزء الأول من ثلاثيَّة، حيث يصف في روايته قصة الثورة عبر ثلاثة مستويات زمنية؛ ألا وهي: عام ١٩٩٧، وعام ٢٠٠١، وعام ٢٠١١. وقد استعان في ذلك بخبرات عدد من الشعراء الرجال والنساء، أطلق عليهم لقب «جماعة التماسيح». وتبدأ أحداث الرواية بتلك القفزة التي قامت بها إحدى الناشطات المثقفات من شرفتها، والتي أدت إلى مصرعها على الفور، فالكاتب يشير هنا إلى انتحار واحدة من الشعراء النساء وأعضاء الحركة النسوية الماركسية — وهي أروى صالح — في القاهرة عام ١٩٩٧. كما ورد ذكر هذه المناضلة والناشطة مرة أخرى في رواية «خارطة الحب» للكاتبة أهداف سويف؛ حيث أوضحت أن موتها كان دليلًا ورمزًا على فشل الحركة الطلابية آنذاك؛ ففي هذا العصر فقدت الأيديولوجية كل قيمها وأهدافها، ولم يَعُدْ لدى الناس أي اهتمامات سياسية على الإطلاق. وقد أوضح الكاتب قائلًا: «أنا أعتقد أن هذا التطور كان بمنزلة خطوة هامة عملت على تمهيد الطريق لاندلاع الثورة عام ٢٠١١.» وعلى مستوى الوقت المعاصر من الرواية تدور الأحداث خلال فترة التظاهرات الشعبية عام ٢٠١١؛ ومن ثَمَّ تتعاقب الفقرات التي يسرد فيها الكاتبُ أحداثَ روايته بصورة عكسية قائلًا: «ففي كل مساء أفكر في «مون» من حيث تصلني أخبار الأحداث، ويبدو أن تلك الأحداث كانت تصلني من مكان بعيد للغاية؛ ففي كل مرة تتأكد لي مجددًا تلك الوحشية التي يتبعها الجيش وما تتداوله المؤسسة العسكرية وجهازها الإعلامي من أخبار كاذبة، وكذلك حينما أدرك في كل مرة مدى استعداد الناس لتصديق مثل هذه الأكاذيب أشعر بمدى سعادتي بتلك العزلة التي أعيش بها. تلك العزلة التي أشعر فيها بالأمان والبعد عن كل ما يدور حولي، والتي كثيرًا ما كانت تتيح لي القدرة على تذكر ما مضى من ذكريات. لقد كان شيئًا رائعًا أن أقضي وقتي في الاستمتاع بذهن صافٍ، في ظل اضطراب الأوضاع بالبلاد واحتراقها، بينما أفكر أنا أنه ربما تكمن المشكلة الآن في أن ما حدث لم يكن كافيًا لإحراق البلاد.» إذ كانت أفكار الراوي تدور حول كل تلك الثورات القديمة ثم تعود مجددًا لتهبط إلى أرض الواقع الذي نحن بصدده. فلا يزال كل شيء يبدو ممكنًا حتى الآن؛ حيث أوضح الكاتب في هذا الصدد قائلًا: «كنت أشعر بالتفاؤل حينما كتبت تلك الرواية؛ فقد كنت أكتب تقريبًا في سياق متوازٍ مع كل ما يقع من أحداث سياسية، إلا أنني تمكنت من إنهاء الرواية كاملة قبل أن يتم إعلان نجاح الجماعات الإسلامية، الأمر الذي سيدفعني إلى مناقشة هذا الموضوع وبحثه في روايتي القادمة.»
كان يوسف رخا يمارس كتاباته بلا انقطاع وبشغف، وهو بذلك يختلف عن العديد من الكُتَّاب الذين تتوقف أعمالهم الأدبية في بعض الأحيان نتيجة التأثر بما يجري من أحداث سياسية، فقد عمل على مواصلة أعماله والقيام بالعديد من المشروعات في سياق متوازٍ مع بعضها. وتبدأ أولى صفحات مدونته «ختم السلطان»6 التي يقدمها باللغتين — العربية والإنجليزية — بالشعار التالي: «الكتابة بدلًا من الانتظار.» وقد اقتبس يوسف رخا تلك العبارة من الكاتب التشيلي روبيرتو بولاينو؛ حيث يشعر بأن هناك علاقة قوية تجمع بينهما؛ فحينما قامت الجريدة التي تصدر في مصر باللغة الإنجليزية بشكل مستقل بعمل استطلاع للرأي في نهاية عام ٢٠١١ لمجموعة من الكُتَّاب والمؤلفين الشباب حول أكثر الكتب التي يفضلونها لهذا العام، ذكر يوسف رخا تفضيله لمجموعة من الروايات إلى جانب روايات روبيرتو بولاينو، أبرزها روايات الكاتب الأمريكي بول أوستر، وكذلك رواية «معلم بطرسبرج» للكاتب الجنوب إفريقي جي إم كوتزي؛ حيث كانت رسالته في تلك الرواية بعنوان «الأدب هو هدف الحياة». وعلى مدونته طرح يوسف رخا تعليقًا أدبيًّا بمنزلة شهادة له قائلًا: «الكتابة هي طريقة حياة أو مهنة لمواكبة تغيرات العالم، فلا يُعَدُّ تناول الموضوعات السياسية أو التاريخية سطحيًّا بموقف سياسي، فتلك المعرفة التي يقدمها الأدب والمتعة المرتبطة بذلك؛ أي طرق الترفيه التي ربما تبدو في ظاهرها غير أخلاقية والتي يسمح بها الأدب أحيانًا، كل هذا يجب أن يكون أكثر من كونه تاريخًا. وبالرغم من كابوس التاريخ ذلك فدائمًا ما كان الأدب يسعى لقول شيء عن قيمة الحياة وما تعنيه، وكيف أنه من الممكن أن تبدو الحياة في حُلَّة جميلة، وكذلك لماذا يُفترَض علينا تقدير قيمة الحياة والعيش بها، فأنا أعتقد أنه حينما نحاول ممارسة الكتابة الأدبية بصدق، فإننا حتمًا سوف نخاطب المزيد من الناس عمَّا هي الحال بالنسبة لأي طريقة أخرى. ولهذا السبب يتمتع الأدب بأهمية؛ حيث يعمل على سريان الأمور لتتمتع بمزيد من العمق والاستمرارية عن معظم الأحداث التاريخية.»

يوسف رخا ليس من الكُتَّاب الذين تُحقِّق أعمالُهم أعلى المبيعات، فعلى الرغم من أنه يريد مخاطبة قدر كبير من الجماهير، إلا أنه لن يفعل ذلك نظير أي ثمن. وهنا يقول الكاتب: «ليس من الضروري أن أحظى بمجموعة من القرَّاء ممن يقولون أثناء مطالعة كل صفحة: هذا الكلام مُحرَّم في الإسلام، ويجب حرق هذا الكتاب. فالإسلاميون يعمدون إلى مهاجمة الكُتَّاب الذين يظهرون على شاشات التلفاز؛ لكون ذلك الوسيلةَ التي يمكنهم من خلالها الوصول إلى جمهور عريض، بينما أعمل أنا في نطاق محدود للغاية؛ لذا لا يوجد هناك من يسعى لقتلي لأن هؤلاء الناس لا يعلمون عني شيئًا، حتى أكاد أشعر بالامتنان لكوني غير مشهور، فقد ظلت الجماعات الإسلامية في ظل حكم مبارك تُحرِّم عشرات الكتب والروايات منها رواية «أولاد حارتنا» للأديب المصري نجيب محفوظ، وكذلك رواية «وليمة لأعشاب البحر» للكاتب السوري حيدر حيدر. ففي معظم الأحيان كان الكُتَّاب يُتَّهَمون بازدراء الشخصيات والرموز الدينية المقدسة في أعمالهم وهو ما عُرِف باسم «التجديف»، فضلًا عن ذلك فقد اعترض الأصوليون الدينيون بشدة على موضوعات الإثارة التي تناولتها بعض الأعمال الأدبية.» وقد تناولت رواية «كتاب الطغرى» ليوسف رخا هذه الموضوعات بمزيد من الصراحة في أحد فصولها؛ لذا أرسل إليه الكاتب العربي الإسرائيلي أنطون شماس رسالة بالبريد الإلكتروني عبَّر له فيها عن إعجابه وتحمُّسه لما قدَّمَه في أعماله قائلًا: «لم يتناول أحدٌ مِنْ قبلُ الحديثَ عن موضوعات الحب والعلاقات الجنسية باللغة العربية مثلما فعلت أنت، فقد سمحت للغة ذاتها بالحب وهو ما لم تعتَدْه اللغة من قبل.» وقد ألمح الكاتب بشيء من الاقتضاب إلى أن انتشار عادة عدم قراءة كتاب بأكمله هو السبب في أن دار النشر أصدرته كما هو دون حذف أي شيء من محتواه الأصلي، فقد صدرت منه حوالي ألفَيْ نسخة. حيث أوضح يوسف قائلًا: «لا يمثل هذا أي تهديد لمجتمع الأغلبية، فربما يكون من الأفضل بالنسبة لي إذا ما عزمت على البقاء ومواصلة العيش.» فلطالما عاش الكُتَّاب والأدباء في السنوات الأخيرة في ظل نظام مبارك في منأى عن كل قيود الرقابة. «إذ رأى النظام الحاكم أن مثل هذه الموضوعات لن يقرأها أحد على أي حال من الأحوال؛ لذا فالأمر لا يعتمد على ما كتبه شخص ما أو كيفية كتابته له، إنها موضوعات غير مُجْدِية على الإطلاق، بل الأمر أشبه بمن يطفو على سطح القمر؛ أي: لا تأثير له على الإطلاق.»

يَعتبِر يوسف رخا أيضًا الإنترنت أهم منبر إعلامي لتقديم كتاباته إلى الجمهور: «حينما كنت أنشر مقالًا أو قصيدة أو قصة عبر مدونتي، كنت أحظى بقرابة مائتي زائر يوميًّا يطالعون ما قدمته، فقد كنت أكتب دائمًا ما يحلو لي دون التفكير مطلقًا فيما ستفرضه الرقابة من قيود، وما كان بإمكاني نشر تلك الموضوعات في المجلة الأدبية «أخبار الأدب». حتى وإن كنت نشرت تلك المقالات في مجلة أدبية، فلن يتجاوز عدد قرَّائها العشرات. ولكن حين يقرأ الناس ما نشرته عبر المدونة يستطيعون معرفة ما كتبته من قبل وما الذي ينتظرونه ويتطلعون إليه؛ لذا فالإنترنت يلعب دورًا لا حصر له في نشر ما أُقدِّمه من أعمال أدبية متعددة.»

وفي ظل ما يشعر به يوسف رخا من شغف نحو الكتابة تساءل مرارًا وتكرارًا: هل يستحق الأمر بالفعل تقديم موضوعات أدبية جادة ومهمة؟ وهو ما دفعه للتساؤل: «هل يوجد عدد كافٍ من القراء يهتمون بما سيُقدَّم من موضوعات أدبية؟ فأنا لا أقصد في مصر فحسب، بل في العالم العربي بأَسْره. فدائمًا ما يزيد إدراكي بأن هذه ليست المشكلة، وأن ذلك لن يدفعني إلى التوقف عن الكتابة باللغة العربية، ولكننا ينبغي أن نبقى دائمًا على دراية تامة بمثل هذه الحقيقة وألا ننغمس في أوهام كاذبة.» ويستطرد رخا حديثه موضحًا أن العقد الأخير في حكم مبارك اتسم بأنه عصر الأوهام وعُرِف بالرأسمالية العالمية، التي أتاحت سهولة تسويق الأشياء وكذلك الدعاية لها وترويجها. وعلى عكس عشرات الكُتَّاب المعروفين؛ مثل: غادة عبد العال وأحمد مراد وعلاء الأسواني، لا يُصدِّق يوسف رخا ذلك النشاطَ الذي تحظى به الساحة الأدبية في مصر حاليًّا، وما تمثله معارض الكتب الخاصة وقوائم الكتب الأكثر بيعًا من قيمة كبيرة في المجتمع المصري. فظاهرة الكتب الأكثر بيعًا لم تنطبق على حد قوله إلا على عدد قليل من الروايات؛ مثل: «كُتُب علاء الأسواني التي أقبل على شرائها عدد كبير من الناس؛ نتيجة لما تتضمنه من تشهير وعرض للفضائح، وليس لكونها غير تقليدية.» وقد تابع رخا تقريعه لما قدَّمه غيرُه من الكُتَّاب قائلًا: «فمن يسعى لعرض الفضائح، هو في واقع الأمر شخصية تقليدية للغاية، فهناك علاء الأسواني ويوسف زيدان وغيرهم من الكُتَّاب المشابهين الذين يُعرَفون بكونهم «صانعي الفضائح»، وهناك أيضًا عدد من الكُتَّاب الذين يهتمون بمناقشة موضوعات الخيال والأدب الرخيص. فأنا لا أقصد أن هذا الأمر سلبي للغاية كما يبدو، كلا، بل أرى أنه من الجيد تناول مثل هذه الموضوعات الأدبية، ولكنه سيصبح أمرًا سيئًا إذا ما تم الاقتصار على مثل هذه الأنواع التي تُعَدُّ بمنزلة أدب تمَّتْ صياغته بلغة تقليدية تفتقد لكل معاني الإبداع والابتكار.» وقد تحمَّس الكاتب موضحًا اعتراضه على مثل هذه الأنواع من الكتب التي تجد قبولًا وصدًى واسعًا لدى عشرات القرَّاء، نتيجةً لما تتمتع به من أسلوب بسيط واتساق في طريقة الحكاية؛ مما يساعد بشكل واضح على سهولة فهم ما تحويه من أحداث؛ حيث شبَّه الكاتب تلك الأحداث قائلًا: «هذا أشبه بانتقادنا لأفلام هوليود، فدائمًا ما نفضِّل إنتاج أفلام بسيطة؛ كي تحظى بأكبر عدد ممكن من المشاهدين، على الرغم من أننا لا نعرف هل بإمكاننا جذب مثل هذه الأعداد الكبيرة إذا ما اعتمدنا على أسلوب مغاير في صناعة السينما يتسم بشيء من الصدق.» فهو يلقي اللوم على هذا النوع من الأدب الذي يُقبِل على قراءته الكثيرون دون أدنى صعوبة؛ حيث إن هذا النوع لا يسهم في إثارة أي نقاشات أو ردود أفعال بشأن ما يحويه من موضوعات. يقول رخا في هذا الصدد: «هذه الكتابات الأدبية تعمل على إبراز عدد من الموضوعات التي قد يستطيع الناس معرفتها دون الحاجة للكتابة، وبذلك فهي لا تسهم مطلقًا في إحداث أي تغييرات تُذكَر، فضلًا عن عدم قدرتها على تحقيق القيم والرؤى التي يسعى إليها الأدب دومًا.» واستطرد حديثه موضحًا أنه على النقيض مما سبق، نجد أن الكتب القيِّمة التي تحوي العديد من المعلومات وتساهم في نقل بعض أنواع المعرفة لا يُقبِل الناس على شرائها جيدًا. وتُعَدُّ وسائل التواصل الاجتماعي مصدر الدعاية الرئيسي لمثل هذا الأدب، فضلًا عن كونها مصدرًا هامًّا للإبداع والابتكار. ويؤكِّد يوسف رخا هذه الملاحظة قائلًا: «على الرغم من أن الإنترنت ساهم كثيرًا في خلق قرَّاء، فإنه عجز عن تقديم كُتَّاب؛ إذ إن معظم كُتَّاب تلك المدونات ليسوا كتَّابًا محترفين. ورغم ذلك أصبح الناس الذين لم يطالعوا كتابًا في حياتهم، بل لم يمكسوا بجريدة في أيديهم، يقرءون هذه المدونات؛ مما يجعلهم يواجهون سلسلة عريضة من حيث اللغة والأفكار وقوة التعبير. والجدير بالذكر أن المدونات أتاحت إمكانية تبادل الأفكار، وقد انصهرت لغة الإنترنت في لغة الأدب.»

تعني الكتابةُ الكثيرَ بالنسبة له؛ فهي أساس الحياة ووسيلته للترفيه. ومتطلباته هو وغيره في ذلك الصدد عالية: «نعم … فأنا أؤمن بما أفعله، وأؤمن بنفسي وبكتابتي، الأمر الذي يتطلب الصدق والواقعية بشأن قدرتي على التأثير فيما يدور حولي. وهو ما دفعني في بادئ الأمر للكتابة عن أحداث الثورة باللغة الإنجليزية، ووَصْفِ الأشياء التي لم يتطرق إلى وصفها أحدٌ مِنْ قَبْلُ، فقد كان ذلك شيئًا في غاية الأهمية بالنسبة لي. ولكن السؤال عمَّا إذا كان ذلك سيؤثر في سياق أكبر أم لا، يبقى دون إجابة.»

يحب يوسف رخا كثيرًا الألعاب الفكرية الثقافية والاستفزازات؛ فهو مفكر ناقد، وهو ما يمكننا ملاحظته في مقالاته المنشورة بجريدة «الأهرام ويكلي» التي تصدر باللغة الإنجليزية، ويتناول فيها الحديث عن الإسلاميين والمثقفين وكذلك نشطاء الإنترنت ومؤيدي التظاهرات الذين ينجرفون نحوها دون إعمال للعقل. فقد كان يتأمل كل ما يدور من أحداث ويعمل على تصويرها والتعليق عليها برأيه الخاص. ويعمل يوسف رخا منذ عام ١٩٩٨ صحفيًّا بجريدة «الأهرام ويكلي» التي تصدر أسبوعيًّا باللغة الإنجليزية. وقد تأسست هذه الجريدة لتصدر عام ١٩٩١ باعتبارها ملحقًا لجريدة «الأهرام» اليومية المصرية لخدمة مطالب الدبلوماسيين والصحفيين، وما لبثت أن وفرت مساحة من الحرية لصحفيِّيها تَفُوق حرية التعبير التي تمنحها الجرائد الصادرة باللغة العربية. وحتى اليوم لم يطرأ شيء جديد على كل تلك الأمور؛ ففي سبتمبر ٢٠١٢ كتب يوسف رخا مقالًا في جريدة «الأهرام ويكلي» تناول فيه الحديث عن انعدام دور المثقفين المصريين فضلًا عن قابليتهم للرشوة. ويشير رخا في هذا السياق إلى مظاهرة قام بها عدد من المفكرين ضد السلطة الحاكمة الجديدة للإسلاميين، وكذلك اللقاء الذي جمع بين الرئيس الجديد محمد مرسي ووفد من الممثلين والكُتَّاب وغيرهم من الفنانين. ويرى أن اجتماع مرسي مع المفكرين كان مجرد لقاء تقليدي لم يختلف عن لقاءات غيره من الرؤساء السابقين؛ حيث أكد الرئيس خلاله أهمية الثقافة وما تلعبه من دورٍ مهم في المجتمع، بينما كان كثير من الشخصيات الفنية البارزة — وفي مقدمتهم الفنان عادل إمام والفنانة إلهام شاهين — وثيقي الصلة بنظام الرئيس مبارك، حتى إنهم سبُّوا المتظاهرين الذين تواجدوا في ميدان التحرير مطالبين برحيله. وفي سياق آخر يحذِّر يوسف رخا قائلًا: «ليس هناك ما يجعلنا نصدِّق أن الرئيس الذي يدين بالفضل للجماعات الإسلامية لما حظي به من علو شأن، يسعى الآن للدفاع عن الفن ضد قضايا التطرف التي تحاول المساس به.» ويعيب يوسف رخا على عدد من المثقفين «ممن أبدوا ولاءهم للنظام الحاكم الجديد رغبةً منهم في التمتع بالحماية والرعاية تحت مظلة ذلك النظام، كما كانت الحال بالنسبة لهم في عهد نظام الرئيس السابق مبارك؛ فهذه الصفقة التبادلية لن تُجنَى ثمارها.» على حد قول الكاتب: «فالمشهد الثقافي الذي يسعى لعمل اتفاقات ومصالحات مع السلطة الحاكمة لا يعمل على تعزيز روح التوعية والشفافية، بل يعمل على زيادة حالات القمع الراهنة؛ ومن ثَمَّ لن نجد هناك قيمة لما يُسمَّى بالدفاع عن حرية الإبداع، طالما لا ننعم بحرية الاعتقاد وإبداء الرأي. فالثقافة التي ساهمت في بناء الحضارات والتي كانت نادرة الوجود في مصر لا تتطلب الآن مجرد تفسيرات وتوضيحات رئاسية، بل هي في حاجة إلى رؤية واقعية تعمد إلى استخدام بعض الشعارات مثل «الإسلام هو الحل»؛ لتلعب دورًا محوريًّا هي في حاجة إليه. الثقافة لا علاقة لها بالأفلام التجارية والأعمال الوطنية والمسارح التجريبية، وكذلك الأعمال النثرية والشعرية والأعمال الفنية المعاصرة، بل تتعلق بإطلالة على الحياة الواقعية التي نعيشها، تلك الواقعية التي تسعى إلى التوصُّل إلى عدد كافٍ من الأشخاص بشكل تدريجي وحتمي (في السياق المصري) عبر قنوات ووسائل غير رسمية بغية تشكيل الرؤى العامة للمجتمع. ولكن مع ذلك ربما نكون قد أخطأنا في التعامل مع مفهوم الثقافة نتيجة إغفالنا لمعناها الأصلي باعتبارها أسلوب حياة ونظامًا من القيم المحددة؛ تلك القيم التي سيغفلها الإسلام السياسي.»

يستشعر الكاتب قيمة الثقافة وأهميتها في العديد من النصوص. وفي أكتوبر عام ٢٠١٢ كتب يوسف رخا مقالًا على مدونته تناول فيه إبداء فئات أخرى من المجتمع المصري استعدادها لمعاقبة كل من يختلف معها في الرأي واستبعادهم من المجتمع بأكمله. وتعقيبًا على قضية الشاب الملحد ألبير صابر البالغ من العمر ٢٥ عامًا، والذي اتُّهم ﺑ «ازدراء الأديان» وحُكِم عليه بالسجن، كتب يوسف رخا موضحًا أن الإنسان في مصر دائمًا ما ينعم بمساحة حرية ضيقة للغاية كي يشكل حياته وفقًا لمبادئ العلمانية التي يراها مناسبة له. «فمعظم الكُتَّاب النشطاء على الإنترنت — والذين أُعَدُّ أنا واحدًا منهم — يهتمون بشكل كبير بمناقشة أخبار الإسلاميين، وكذلك متابعة التعليقات السياسية والاجتماعية والإبداعية المسيئة؛ ومن ثَمَّ يعمدون إلى المطالبة برفع دعوى قضائية بهدف استجواب كاتبها واعتقاله، كما هي الحال في قضية الشاب ألبير صابر الذي أُودع في السجن نتيجةً لما قام به. وقد تم تطبيق القانون ذاته والذي يقضي بالمعاقبة في قضايا ازدراء الأديان؛ حيث حُكِم به في قضية طالبة تبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا، وكذلك زميلاتها في إحدى محافظات مصر نتيجة اتهامهن بإنكار وجود الله عز وجل.» واستطرد رخا حديثه موضحًا أنه تم إلقاء القبض على هذه الطالبة عقب توجُّه والدتها للسلطات المختصة مطالبةً بإخضاع ابنتها لاختبار فحص العذرية. وأثناء التحقيقات قامت الطالبة بالتعبير عن آرائها بصراحة قائلة إن ممارسة الجنس قبل الزواج تُعَدُّ أمرًا عاديًّا ما دام هناك إمكانية لاستخدام حبوب منع الحمل، وتابعت حديثها موضحة أنها تجد الحجاب الإسلامي فكرة سيئة، وأن الإلحاد يُعَدُّ أمرًا مقبولًا في عالمنا. وقد قام يوسف رخا بالتعليق على ما ذكرته هذه الطالبة قائلًا: «ينبغي على الدولة حماية هذه الفتاة مما يمكن أن توجِّهَه إليها عائلتها وكذلك المجتمع من سبٍّ وإهانة بسبب آرائها. وعلى الأقل يجب ألا تسمح أحكام القانون بأن تصبح هذه الفتاة إحدى الضحايا الجديدة في مجتمعنا. فأنا أرى ويتفق معي الكثيرون أن هذه الطالبة لديها كامل الحق والحرية في تحديد طريقة حياتها بمفردها وفق ما يحلو لها، كما هي الحال بالنسبة للقضايا التي اندلعت من أجلها الثورة وكانت محور اهتمامها.» ويضيف قائلًا إن مثل هذه القضايا هي التي تعمل على إظهار مدى حدود الديمقراطية التي تتسم بها أي دولة؛ حيث تعكس عمليات الاقتراع السياسية الانتماءات الرئيسية بالبلاد. ويعرض رخا صورة قاتمة للأحداث قائلًا: «هذه هي الثقافة التي ينبغي أن أنتمي إليها باعتباري مفكرًا مصريًّا. هذه هي الثقافة التي تعود إليها حضارة سبعة آلاف عام وكذلك الأهرامات الثلاثة. ولتغيير مثل هذه الثقافة يتطلب الأمر أكثر بكثير من مجرد الإطاحة بنظام حكم، كما نحتاج إلى شيء يَفُوق السياسة بكثير للوصول إلى ذلك الربيع العربي.»

تُعَدُّ مساهمة المثقفين والمفكرين والكُتَّاب في تشكيل الوعي على المدى البعيد أمرًا جليًّا، ولكن يبقى السؤال المثير للجدل ألا وهو: إلى أي مدًى يمكن أن يستمر ذلك؟ واستطرد رخا حديثه موضحًا: «الأدب يمكنه التأثير بالتأكيد على المستوى الفردي، ولكنه ليس قوة اجتماعية مؤثرة، والسبب في ذلك يرجع إلى أننا في مصر لدينا تقليد بل وعقيدة راسخة بأن الشعراء والمفكرين يؤثرون على المجتمع، ولكن الأمر لا يسير بهذه الطريقة. لا شك أن المفكرين يتمتعون بتأثير محدود، إلا أن التأثير يحتاج كذلك إلى شخص في المسجد، وفي النادي الرياضي، وكذلك في المنزل وفي الشارع. فيجب أن يحدث شيء على جميع المستويات المتاحة، وهو ما يمهِّد لخلق مجال للتغيير حينما تبدي غالبية الناس استعدادها لتعلم القدرة على فهم الغير.» ويوضح رخا قائلًا: «الآن أصبح الواعظ الديني بإمكانه الوصول للعديد من الأشخاص من خلال إقناع أنصاره بالتزامه بنفس العادات والمعتقدات التي يتبعونها، وهو ما يخلق نوعًا من الثقة بينهم وشعورًا بالانتماء. وعلى النقيض نجد قيم الديمقراطية والليبرالية وفقًا لما حددها الغرب ويرفضها الوعي الذاتي الذي يُعَدُّ إحدى السمات الناشئة نتيجة الشعور بالنقص تجاه قوى الاستعمار في مواجهة الغرب.» وتابع رخا موضحًا أن الكاتب لا يحظى في المجتمع المصري المُحافظ بنفس الفرص والمزايا التي يتمتع بها الواعظ الديني في البرامج التليفزيونية، فلا تزال عجلة التغيير قابعة في بداية مسارها: «لقد أجبرْنَا الرئيس مباركًا على التنحي والرحيل، ولكنْ هناك مبارك صغير داخل كلٍّ منا. السؤال الآن: متى يمكن أن يرحل هو الآخر؟ فالأمر لا يدور فقط حول محاربة الإسلام السياسي، بل نحن نسعى إلى خلق مساحة لنا في السياق بين دول العالم بأسره.» حينما يتعلق الأمر بالفهم والمعرفة يكون التعليم مطلوبًا؛ فالنظم التعليمية التابعة للأنظمة المستبدة وهياكل الدولة الموالية للسلطة لا يمكن مطلقًا أن تتغير بسرعة. وقد كان يوسف رخا محظوظًا للغاية كما يقول؛ حيث استطاع والداه مساعدته على إكمال دراسته في الفلسفة والأدب الإنجليزي وأمدَّاه بالأموال اللازمة لذلك. وكان رخا على يقين تام بأنه كثيرًا ما يُحرَم العديد من الشباب في مصر من إكمال الدراسة في الخارج. وأوضح أن هناك طرقًا أخرى لذلك، ودعا إليها بهدف تسهيل القدرة على التعامل مع المؤسسات المختلفة: «نحن لدينا الآن شبكة الإنترنت وموسوعة ويكيبيديا، فإذا ما أراد أحد معرفة شيء ما يمكنه العثور على كل ما يرغب من معلومات لازمة؛ فالنفاذ إلى وسائل الإعلام العالمية والتواصل معها أصبح شيئًا في غاية الأهمية في عصرنا الحالي.» ويرى يوسف رخا طرق أساليب مختلفة في الثقافات الشائعة، تلك الثقافات التي لا تتضمن أنواع الفن التقليدية فحسب، بل تشمل موسيقى البوب التي تطورت حديثًا، وهي عبارة عن مزيج بين موسيقى الأغاني الشعبية؛ أي التراث الشعبي، وبين الموسيقى الإلكترونية الحديثة. «هي موسيقى رائعة للغاية تتمتع بشعبية واسعة لدى المستمعين. كذلك تصبح نصوص الأغنيات في غاية التشويق والمتعة حينما يبدأ هؤلاء الناس في غناء موضوعات من شأنها تغيير الإدراك؛ لذا فهي تُعَدُّ نوعًا موسيقيًّا يتمتع بإمكانات هائلة. وهذا هو السبيل لتغيير المجتمع بأسره.»

يتمتع يوسف رخا باعتباره صحفيًّا في جريدة «الأهرام ويكلي» بمساحة تصرُّف كبيرة؛ حيث ثبَّت قدميه على مدار سنوات طويلة؛ مما منحه الحرية والأمان من أن يستطيع أحد مَنْعه من شيء، بالرغم من أنه يخشى ما يمكن أن تحويه هذه الموضوعات من مخاطر مثل الكتابة عن بعض الموضوعات المحظورة كالجنس والدين، والسبب في ذلك يرجع عادة إلى ما تقوم الحكومة به من تعيين رؤساء تحرير الصحف القومية، وهو ما سيزيد الأمر تعقيدًا في ظل الحكومة الإسلامية الحالية. ومع هذا يرى يوسف رخا أن الصحفيين الذين ادَّعوا في الآونة الأخيرة أنهم ضحايا لأنظمة الرقابة لا يسعون إلا للفضائح فحسب، «فالصحفيون غير الشرفاء هم من لا يُسمَح لهم بممارسة أنشطتهم المعتادة في وسائل الإعلام المحترمة. من يكتب مانشيت يقول فيه: «مرسي الكلب الصهيوني» يسيء استخدام وظيفته. هؤلاء الأشخاص لا يمثلون أيًّا من أنواع الحرية أو حرية الصحافة التي أنشدها، فنحن في حاجة إلى صحفيين ذوي كفاءات وخبرات عالية.» طالما كانت الصحافة الموالية للحكومة تمارس عملها بكفاءة عالية فإن ذلك يُعَدُّ أمرًا مقبولًا. وتنطبق تلك الكفاءة المهنية على الصحف والمؤسسات الصحفية المعارضة للحكومة أيضًا، فالموضوع يدور حول الكفاءات والخبرات اللازمة التي لم تعُدْ تتوافر لدينا بشكل كافٍ؛ لذا لم يَعُد الأمر يتعلق بسبِّ شخص بذاته وإهانته في وسائل الإعلام، بل يتعين علينا تحري الدقة ومحاولة كتابة الحقيقة فحسب، ولكن حينما يدَّعي المرء شيئًا ما ويعمل على تأليب الرأي العام، فإن هذا يُعَدُّ عملًا إجراميًّا وليس نوعًا من حرية التعبير عن الرأي.

شهدت السنوات الأخيرة تغيُّرًا ملحوظًا في وسائل الإعلام الرسمية، وقد ظهرت قبل فترة طويلة بعض الجرائد الحزبية الصغيرة إلى جانب وسائل الإعلام الرسمية التي كانت تهيمن على زمام الأمور. ويعتمد الناس في المقام الأول على الصحف المستقلة والقنوات التليفزيونية التي لا ترتبط بأفكار ومبادئ حزبية معينة، بل يكون توجهها لفئات المجتمع عامة. كما بدأ عدد من الكُتَّاب والنقاد يعمل في وسائل الإعلام الخاصة التي يمتلكها فرد أو مجموعة من رجال الأعمال نتيجةً لما تعرضوا له من حظر نشر كتاباتهم في وسائل الإعلام الرسمية. ومع ذلك تكمن الخطورة هنا أيضًا في وسائل الرقابة؛ أي الرقابة الذاتية. إلا أن الإنترنت قد عمل على توفير مساحة واسعة للمدوِّنين ساعدتهم على ممارسة كتاباتهم بأسلوب خالٍ من الكلمات المزينة. وأوضح رخا في هذا الصدد قائلًا: «كان هؤلاء المدونون الوحيدين الذين يتعاملون بصراحة مع الأخبار الصحفية التي يقدمونها للمواطنين وينتقدون النظام الحاكم بوضوح تام.» ومعظم هؤلاء المدونين كانوا يدفعون ثمنًا باهظًا نظير أعمالهم التي يقدمونها؛ ما أدى إلى إلقاء القبض عليهم وتعذيبهم في السجون، ومثالًا على ذلك كان المدون الشاب كريم عامر الذي تم إطلاق سراحه في نوفمبر عام ٢٠١٠ عقب حبسه لمدة أربع سنوات، وكان الوقت مناسبًا؛ فعقب شهرين من إطلاق سراحه كانت تغمره مشاعر الأمل حينما شارك في المظاهرات الحاشدة للإطاحة بنظام الحكم آنذاك. وقد تعرَّف على علياء المهدي التي أصبحت صديقته فيما بعد وعُرِفت علياء ﺑ «المدوِّنة العارية». استشعر كريم خيبة الأمل مبكرًا قبل أن يشعر بها غيره، فهو لم ينتقد نظام الرئيس مبارك فحسب، بل انتقد أيضًا الجماعات الإسلامية؛ حيث حذر طويلًا من استيلاء السلفيين على السلطة تحت عباءة الديمقراطية، وذلك قبل انطلاق الانتخابات البرلمانية الأولى عقب رحيل نظام مبارك، والتي فاز بها الإسلاميون. فقد كان كريم يدرك جيدًا ما يتحدث عنه ويشير إليه؛ حيث إنه نشأ بالفعل في عائلة سلفية. وما لبث كريم أن لاذ بالفرار من البلاد خوفًا منه على حياته، فضلًا عن علياء المهدي التي طالبت بحق اللجوء السياسي لدى دولة السويد. ويعيش كريم في بولندا منذ بداية عام ٢٠١٢. «ثورة؟ أي ثورة؟!» كانت هذه هي العبارة التي كتبها كريم في بولندا. وأضاف قائلًا: «لقد تولى الإسلاميون مقاليد الحكم في البلاد، ولم يَعُدْ هناك شعور بالأمن، وقد عادت الشرطة لتعذيب المحتجزين دون مراعاة للضمير، وأصبح الوضع الاقتصادي مثيرًا للرعب نتيجةً لما يعاني منه من انهيار تام.»7

وعقب مرور عامين على اندلاع ثورة يناير، أعرب الكثيرون عمَّا يعانون منه من خيبة للأمل وضياع للحلم الذي طالما سعوا إليه، وعمَّا أصبحوا فيه من حالة سكون دون تحقيق أي شيء يُذكَر، فها هي مصر تقف منهكة الآن، فقد أصبح الوضع جليًّا لكل ما تعاني منه البلاد من كسور وجروح وشقوق على كافة المستويات. وهذا ليس بالمشهد الجميل على الإطلاق، إلا أنه أمر حتمي لا مفر منه، وهو يمثل تحديًا يفضي إلى ضرورة تناول الأمر بالنقد الذاتي. فهل هناك أفضل من الكُتَّاب للقيام بذلك العمل؟ فمصر لا يزال في جعبتها الكثير لتحكي لنا عنه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠