الكتاب التاسع

(٩-١) الظلم إثم. فإذا كانت طبيعة العالم قد فَطرَت الكائناتِ العاقلةَ من أجل بعضهم البعض وعلى أن يُعين بَعضُهم بعضًا وَفقَ ما يستحق، لا أن يُؤذيه بأيِّ شكلٍ من الأشكال؛ فإن من يتعدى على إرادتها فهو مُذنبٌ على نَحوٍ واضحٍ تجاه أكبر الآلهة؛ ذلك أن طبيعة العالم هي طبيعة الواقع النهائي الذي ينتمي إليه كل وجودٍ راهن.

الكذب أيضًا إثمٌ تجاه نفس الإلهة. إن اسمها «الحق» Aletheia = Veritas، وهي السبب الأصلي لكل ما هو حق. إن من يكذب عن عمدٍ فهو آثم بقَدْر ما يُسبِّبه كَذِبه من ظلم، ومن يكذب بلا عَمدٍ آثمٌ بقدر ما هو خارجٌ عن التناغم مع طبيعة «الكُل» وبقدر ما يُربِك النظامَ بمناوأته لطبيعة العالم. وهو مُناوئٌ حين يَسمَح لنفسه أن تمضي ضد الحقيقة؛ فلقد وهبته الطبيعة قدرةً أهملَها فلم يعُد قادرًا على التمييز بين الحق والباطل.

كما أن السعي إلى اللذَّة على أنها خيرٌ وتجنُّب الألم على أنه شرٌّ يمثل إثمًا؛ فمن يفعل ذلك قمينٌ أن يَتبرَّم بطبيعة العالم للتوزيع غير العادل بين الأشرار والأخيار ما دام شِرار الناس كثيرًا ما يتقلَّبون في اللذَّات والممتلكات التي تُوفِّر اللذة بينما نصيبُ الأخيار في الأغلب هو الألَم والأحوالُ التي تُورِث الألم.

كذلك من شأن من يخشى الألم أن يخشى أحيانًا بعض الأشياء التي ستقع في العالم، وهذا إثمٌ مباشر. ومن شأن من يقتفي اللذة ألَّا يُقلع عن الظلم — وهو إثمٌ مبين. أمَّا الذين يُريدون أن يتبعوا الطبيعة ويشاركوا في عقل الطبيعة فيجب أن يكونوا هم أنفسهم غير مكترثين بتلك الأزواج من الأضداد التي لا تكترث لها طبيعة العالم؛ فما كانت الطبيعة لِتخلُق هذه الأضداد لو لم تكن غير مكترثةٍ بأي منها؛ لذا فإن كل من يكترث بالألم واللذة، الحياة والموت، الشهرة والخمول — تلك الأشياء التي تُعامِلها الطبيعة بعدمِ اكتراث — إنما يرتكب إثمًا على نحوٍ قاطع.

وحين أقول «طبيعة العالَم تُعامِل هذه الأشياء بعدمِ اكتراث» فإنما أعني أن هذه الأشياء تحدث بدون تحيُّز بواسطة السبب والنتيجة لكل ما يأتي إلى الوجود وتَدِين بوجودها لِتَحقُّق دَفْعةٍ أصلية من «العناية». تحت هذه الدَّفعة شَرعَت العناية من مقدمةٍ أولى لِتؤسِّس النظام الحالي للعالم. لقد ارتأت مبادئَ مُعيَّنة لما سيكون وحدَّدَت قوًى مُولِّدة لكي تخلُق المواد والتحوُّلات والتجدُّد المُتعاقب.

(٩-٢) أسعد الحظِّ كلِّه أن تُغادر الناس ولم تَعرف قَط طعم الكذب ولا الرياء ولا الأُبَّهة ولا الغرور. ويلي هذه الرحلة في السعد أن تغثى، على الأقل، من هذه الأشياء قبل أن تلفِظ آخر أنفاسك. أم تُراك تُفضِّل أن تَبقى مقيمًا مع الخبث، ولم تُقنِعكَ الخبرة أن تنأى عن هذا الوباء؟ ذلك أن فسادَ العقل وباءٌ أشدُّ وأَنكَى من ذلك التلوُّث الذي يُصيب الجوَّ المُحيط الذي نتنفسه؛ فهذا ينال الكائنات الحيوانية ويُصيبها في طبيعتها الحيوانية. أما ذلك فينال الكائناتِ الإنسانيةَ ويصيبها في إنسانيتها.

(٩-٣) لا تَحتقِر الموت، بل رحِّب بَه لأنه جزءٌ أيضًا مما تريده الطبيعة؛ فمثلما نشبُّ ونشيخ، ومثلما نكبر وننضج، وتنمو أسناننا ولحانا وشعرنا الرمادي، ومثلما نتزوج وننجب، كذلك نموت ونتحلل؛ فمن أَلِف التفكير والتعقُّل لا يجزع من الموت ولا يبتئس له ولا ينفر منه، بل ينتظره كما ينتظر فعلًا من أفعال الطبيعة.١ وكما أنك الآن قد تكون منتظرًا طفلًا حمَلَته امرأتك أن يُولَد من رحمها، كذلك ينبغي لك أن تتشوَّف إلى اللحظة التي تَنسلُّ فيها روحك من هذا الغلاف.٢

أما إذا كنت تريد معيارًا آخر، سُوقيًّا على أنه يَمَس القلب، فسوف يهون عندك لقاء الموت إذا نَظرتَ إلى الأمور التي سوف يُعفِيك منها والشخصيات التي لن تعود تُنغِّص روحك. صحيح أنك ينبغي ألَّا تسيء إليهم بل ترعاهم وتتحمَّلهم بلُطفٍ ورحمة؛ ولكن تذكَّر أن رحيلك لن يكون رحيلًا عن أشباهك في المبدأ (فهذا هو الشيء الوحيد، إن وجد، الذي يمكن أن يشدنا إلى الحياة؛ أن يُتاح لنا أن نعيش مع أشباهنا في المبدأ)، ولكن ها أنت ترى كم هو مُضجِرٌ أن تعيش في غير تناغُم مع رفاقك، بحيث يحق لك أن تقول: «أقبِل وعجِّل أيها الموت، وإلا نَسيتُ نفسي أنا أيضًا.»

(٩-٤) المُذنِب يُذنِب في حق نفسه، والظالم يظلم نفسه لأنه يجعلها آثمة.٣

(٩-٥) قد يُرتكَب الظلم بالإحجام عن الفعل، مثلما يُرتكَب بإتيانه.

(٩-٦) بِحسبِك ثلاث؛ أن يكون حكمك الراهن قائمًا على الفَهم، وفعلُك على الخير الاجتماعي، وميلُك على الرضا بكل ما يحدُث.

(٩-٧) امحُ الخيال، اكبَح الرغبة، أَخمِد الشهوة؛ حتى يظل عقلك المُوجِّه سيد نفسه.

(٩-٨) تشترك المخلوقات غير العاقلة في حياة واحدة، وتشترك المخلوقات العاقلة في روحٍ عاقلةٍ واحدة، تمامًا مثلما أن هناك أرضًا واحدةً لكل الأشياء الأرضية، ونورًا واحدًا نرى به، وهواءً واحدًا نتنفَّسه جميعًا نحن ذوي البصر والحياة.

(٩-٩) كل شيءٍ منجذبٌ إلى صِنوه. كل شيءٍ تُرابيٍّ يميل إلى التراب. وكل مائيٍّ يتفق معًا، وكذلك الهواء؛ لذا يستلزم فصلُها عوائقَ فيزيائية. ويرتفع اللهب إلى أعلى بسبب عنصر النار، غير أنه ميَّال بشدةٍ إلى أن يُشعِل أي نار في الأسفل بحيث إن أي مادة بَلغَت مبلغًا من الجفاف تشتعل بسهولة، بسبب نقص المُكوِّنات التي تعوق الاحتراق.

وعليه فإن كل الأشياء التي تجمعها طبيعةٌ عاقلةٌ مشتركةٌ تميل بنفس الدرجة، بل بدرجةٍ أكبر، إلى الانجذاب بعضها إلى بعض. وبقدر ارتفاع منزلتها على بقية الموجودات فإنها أكثر استعدادًا للائتلاف والامتزاج بجنسها.

فبدايةً من المخلوقات غير العاقلة بِوُسعنا أن نرى خلايا النحل وقُطعان الماشية، وطيورًا تَرعَى صغارها، وبمعنًى ما؛ ضروبًا من الحُب؛ فثَمَّةَ أرواحٌ حيوانيةٌ تعمل عملها. وبارتفاع المَرتَبة تزداد الرابطة الجمعية قوةً لا نجدها في النباتات أو الأحجار أو الأشجار. حتى إذا بلغنا الكائناتِ العاقلةَ وجدنا المجتمعات السياسية، والصداقات، والعائلات، والاجتماعات. وفي الحروب نجد المعاهدات والهُدنات. وبمزيدٍ من الارتقاء في المنزلة ثَمَّةَ نوعٌ من الاتحاد حتى على بُعد، كما هو الحال بين النجوم. إذن يمكن للمَراتبِ العُليا من الوجود أن تُضفِي شعورًا بالزَّمالة حتى إذا كان الأعضاء مُنفصلِين بعضهم عن بعض.

انظر إذن إلى ما يحدث الآن. وحدَها المخلوقات العاقلة قد نَسِيَت ذلك الميلَ المتبادَل إلى الاتحاد، وحدَها مَن افتعل الفُرقة والتباعُد. غير أنهم مهما جَهِدوا لتجنُّب الوَحدة فإنهم مأخوذون بها؛ فتلك هي قوة الطبيعة.٤ دقِّق النظر ولَسوف ترى ما أَعنيه. إنه لأَيسَر لك أن ترى التراب يشيح عن التراب من أن ترى الإنسان مُنبتَّا عن الإنسان.

(٩-١٠) الإنسان، والله، والعالَم؛ كلٌّ يثمر أو يؤتي أكلًا في أوانها، ولا يهم إذا كان الاستخدام الشائع يَقصُر معنى الإثمار على الكُروم وأشباهه؛ فالعقل أيضًا له ثَمرُه، العمومي والخاص؛ ثَمَّةَ أشياءُ أخرى تنمو منه وتُشارِك في طبيعته.

(٩-١١) إذا استَطعتَ فبَيِّن لهم الطريقَ الأقوم، وإذا لم تستطع فتَذكَّرْ أنه لذلك السبب قد أُوتِيتَ ملَكة السماحة.٥ والآلهة أيضًا مُتسامِحون مع هؤلاء الناس، وربما شملوهم بإحسانهم فأعانوهم على تحقيق بعض أهدافهم؛ الصحة، الثروة، المجد. وبِوُسعِك أيضًا أن تفعل ذلك. وإلَّا فقل لي ماذا يعيقك؟

(٩-١٢) العمل؛ لا تمارس العمل كبائسٍ مُعذَّب، أو ملتمسًا أي شفقةٍ أو إعجاب. ليكن هدفك الوحيد هو أن تَدفَع نفسك أو تُوقفَها حسبما يقتضي الفعل الاجتماعي.

(٩-١٣) اليومَ هربتُ من كل المُنغِّصات، أو بالأحرى نحَّيتُها جانبًا، لم تكن هذه شيئًا خارجيًّا، بل كانت بداخلي … إنها أحكامي ليس إلَّا.٦
(٩-١٤) جميعُ الأشياءِ كما هي؛ مألوفةٌ في الخبرة، عابرةٌ في الزمن، دنيئةٌ في المادة. كل شيء الآن هو كما كان في أيام مَن دَفنَّاهم.٧

(٩-١٥) الأشياء واقفةٌ خارجنا، قائمةٌ بذاتها، لا تعرف شيئًا عن نفسها ولا تُدلي بشيء. ما الذي يُدلي إذن؟ عَقلُنا المُوجِّه.

(٩-١٦) الخير أو الشر بالنسبة للكائن الاجتماعي العاقل لا يكمن في الانفعال بل في الفعل، مثلما أن فضيلته أو رذيلته ليست فيما يُحسُّه بل فيما يفعله.

(٩-١٧) حَجرٌ مُلقى في الهواء؛ ليس شرًّا له أن يهوي إلى أسفل، ولا هو خيرٌ أن يصعد إلى أعلى.

(٩-١٨) انفُذ إلى عقولهم المُوجِّهة ولسوف ترى أي صنف من النقَّاد تخشى وأي صنف من النقَّادِ هم لأنفسهم.٨

(٩-١٩) جميع الأشياء في عملية تغيُّر. أنت نفسك في تبدُّلٍ مُستمِر وتفسُّخٍ تدريجي. كذلك هو العالم بأَسْره.

(٩-٢٠) عليك أن تترك خطأ غيرِك حيث ارتُكِب.٩
(٩-٢١) انتهاء عمل، توقُّف نشاطٍ أو حكم … هذا نوعٌ من الموت، ولكن لا ضير فيه. تحوَّل الآن إلى أطوار حياتك؛ الطفولة مثلًا، المراهقة، الشباب، الشيخوخة. هنا أيضًا كل تغيُّرٍ هو موت (المرحلة): هل ثَمَّةَ من شيءٍ مخيف؟ وتحوَّل الآن إلى حياتك مع جدِّك، ثم مع أمِّك، ثم مع أبيك. وحيثما وجدتَ أمثلةً أخرى عديدةً للتحلُّل أو التغيُّر أو الانتهاء فاسأل نفسك: «هل كان ثَمَّةَ أي شيءٍ يدعو إلى الخوف؟» بالمثل؛ فلا شيء مخيفٌ في انتهاء، وتوقُّف، وتغيُّر حياتِك بأَسْرها.١٠

(٩-٢٢) هلم إلى عقلك المُوجِّه، وإلى عقل «الكل»، وإلى عقل هذا الشخص بعينه؛ إلى عقلك لِتُقوِّمه، وإلى عَقلِ الكل لتَتذكَّر الأصل الذي أنت جزء منه، وإلى عقل هذا الشخص عساك تعرف هل تَصرَّف عن جهلٍ أو عن علم، وعساك تَتبيَّن أيضًا أن عقله قريبٌ لعقلك.

(٩-٢٣) مثلما أنك أنت نفسك جزءٌ مكملٌ بمنظومةٍ اجتماعية، كذلك كل فعل من أفعالك يجب أن يُكمل حياة مبدأٍ اجتماعي. فإذا لم يكن لأي فعلٍ من أفعالك صلةٌ، مباشرةٌ أو غيرُ مباشرة، بغايةٍ اجتماعية، فإنه يُمزِّق حياتك إربًا إربًا ويُحطِّم وَحدَتها. إنه نوعٌ من التمرُّد، كشأن مَن يُحب أن ينشق عن الجماعة ويَشذُّ عن التناغُم العام.١١
(٩-٢٤) تَشاغُبُ أطفالٍ ولُعَبِهم،١٢ «أرواحٌ ضئيلة تحمل جثثًا.»١٣ هكذا شأن كل شيء؛ إن العالم السفلي في «الأوديسية» لِيَبدو لِلعَين أكثر واقعية!١٤
(٩-٢٥) إذا شِئتَ أن تتأمَّل شيئًا ما فاتجه مُباشرةً إلى صورته وقيِّمْها بمعزلٍ عن العنصر المادي، ثم حدِّد الزمن؛ أقصى زمنٍ قدَّرَت الطبيعة لشيء على هذه الصورة أن يدوم.١٥

(٩-٢٦) لقد احتَملتَ من الكوارث ما لا يُحصى عددًا؛ لأنك لم تدَعْ عقلك المُوجِّه يفعل ما خُلق لكي يفعله، ولكن بِحسبِك ذاك.

(٩-٢٧) إذا لامك شخصٌ آخرُ أو كرِهك، أو تحدَّث الناس عنك بما يسوء، فاقترب من نفوسهم المِسكينة وانفُذ إليها لترى أي صنفٍ من البشر هم. ولسوف تكتشف أنه ليس ثَمَّ ما يدعو إلى الابتئاس لرأيهم فيك، ولكن عليك أيضًا أن ترفق بهم؛ فهم رِفاقُك بالطبيعة. والآلهة أيضًا تُعينهم بشتى الطرق، بالأحلام، بالرؤى، لِلحُصول على ما يروقهم.١٦

(٩-٢٨) يُكرِّر العالَم نفس الحركات الدورية، أعلى وأسفل، من عصرٍ إلى عصر؛ فإمَّا أن عقل العالم يَتحرَّك خصيصًا لكل حالةٍ على حدة، وفي هذه الحالة عليك أن ترضى بالنتيجة. وإمَّا أنه تَحرَّك حركةً أصليةً واحدةً يتسلسل عنها كل شيءٍ كنتيجة، وماذا يضيرك في ذلك؟ وباختصار؛ إذا كان ثَمَّةَ إلهٌ فبها ونِعمَت، وإذا كانت المُصادَقة هي التي تُسيِّر العالم لغيرِ غاية، فإن عليك أن تخلُق غايتك لِنفسِك.

تُوشِك الأرض أن تطمُرنا جميعًا، ثُمَّ ما تلبث الأرض أيضًا أن تتغير، ثُمَّ تتوالى التغيُّرات إلى غير نهاية. فإذا ما تأمَّل المرء التبدُّلات والتحوُّلات التي يتلو بعضها بعضًا كالأمواج، وحين يتأمل سرعة تدفُّقها، فَلسَوف تهُون في عينه كل الأشياء الفانية الهالكة.

(٩-٢٩) السبب الكوني أشبه بسيلٍ جارفٍ يكتسح كلَّ شيء في طريقه. إذن، ماذا يعني ذلك عندك أيها الإنسان؟ اعمَل ما تقتضيه الطبيعة في هذه اللحظة. شَمِّر للأمر ما دام في قدرتك ولا تنظر حولك لترى هل كان أحدٌ يلحظك. لا تؤمِّل في جمهورية أفلاطون الطوباوية، بل اقنَع بأصغرِ خطوةٍ إلى الأمام، ولا تَستهِن بهذا الإنجاز. ما أَتفَه أولئك البؤساء الذين ينخرطون في الأمور السياسية ويظنون أن أعمالهم لها صفةٌ فلسفية! إنهم جميعًا يَهرِفون. ومن ذا يستطيع أن يُغيِّر آراءهم؟ وبدون تغيُّر الرأي ماذا هناك غير العبودية؛ أناس يَئِنُّون وهم يتظاهرون بالطاعة؟١٧ امضِ إذن، وحدِّثني الآن عن الإسكندر وفيليب١٨ وديميتريوس الفاليري؛ فقد كنتُ خليقًا أن أتبعهم لو أنهم رَأَوا ما تُريده طبيعة العالم وتتلمذوا عليها. أمَّا إذا كانوا ببساطة يمثلون أدوار أبطال الدراما، فأنا بِحلٍّ من أن أُقلِّدهم. بسيطةٌ هي ومُتواضِعةٌ مهمة الفلسفة، فلا تَمِلْ بي إلى الخُيَلاء والغُرور.
(٩-٣٠) خذ نظرةً من فوق؛ انظر إلى أُلوف القُطعان والأسراب، وأُلوف الشعائر والاحتفالات الإنسانية، وما لا يُحصى من ضروب الترحال في العاصفة والهدأة، وألوان الاختلاف بين من يُولَدون ومن يعيشون معًا ومن يموتون. واذكُر أيضًا الحيَوات التي عاشها أناسٌ قبلك بزمنٍ طويل، وتلك التي ستُعاش من بعدك، وتلك التي تُعاش الآن بين الأُمم البربرية، وكم من الناس لم يسمع حتى باسمك، وكم منهم سوف ينسى اسمك في القريب العاجل، وكم من الناس قد يمدحك الآن ثم لا يلبث أن يلومك، وأنْ لَا قيمة البتة لأي ذكرى (بعد الوفاة) أو شهرةٍ أو أي شيءٍ آخرَ على الإطلاق.١٩

(٩-٣١) لا تُعكِّر صَفوَك بأي شيءٍ يأتي من الأسباب الخارجية، وتَقبَّلْه بهدوء. أمَّا الذي تأتيه أنت بسببٍ من إرادتك الداخلية فليكن كله عدلًا وقصدًا. وبعبارة أخرى، ليكن سعيك وفعلك مُفضِيًا إلى المسلك الاجتماعي الذي هو تعبيرٌ عن طبيعتكَ الخاصة.

(٩-٣٢) بِوُسعِك أن تُنحِّي الكثير من المُنغِّصات غير الضرورية التي تَكمُن بأكملها في حكمك أنت. عندئذٍ ستُوفِّر لنفسك مكانًا رحبًا بأن تفهم الكون كله وتستوعبه في عقلك، وبأن تتفكَّر في أبدية الزمان، وتتأمَّل في التغيُّر السريع الذي يعتري كل شيء في كل جانب؛ ما أَضيَق البون بين الميلاد والفناء، وما أَوسَع الفجوة الزمنية التي سَبقَت مَولدكَ والفجوة اللانهائية المُماثلة التي تعقُب فَناءك.

(٩-٣٣) كل ما تراه سوف يزول سريعًا، وأولئك الذين يشهدون زواله سوف يزولون هم أنفسهم. مُتْ في أرذل العمر أو مُتْ قبل أوان موتك … كلاهما سيَّان.

(٩-٣٤) ما الذي يُوجِّه عقول هؤلاء الناس؟ ماذا يشغل بالهم؟ ماذا يحكم خياراتهم وتفضيلاتهم؟ درِّب نفسَك على أن تنظر إلى نفوسهم عاريةً مجردة. فإذا كانوا يظنون أنهم يضرون بملامهم أو ينفعون بمديحهم، فهم جِدُّ واهمِين.

(٩-٣٥) الفقدان ليس أكثر من تغيُّر. طبيعة العالم تفرح بالتغيُّر، وكل ما يجري من الطبيعة إنما يجري من أجل الخير.٢٠ مثل هذا حَدَث منذ الأزل، ومثله سوف يحدث إلى الأبد. لماذا تقول إذن إن كل شيء كان وسيظل دائمًا شرًّا، وما كان لكل تلك الآلهة قدرةٌ على إصلاحه، وإن العالَم مُقدَّر عليه أن يكون في شقاءٍ أبدي؟!٢١
(٩-٣٦) تعفُّن المادة الأصلية لكل شيء؛ الماء، التراب، العظام، القذَر. مرةً أخرى؛ الرخام مجرد راسبٍ في الأرض، الذهب والفضة مُجرَّد رواسب، رداؤك شعر حيوان، أُرجوانك دم مَحارة، وهلُمَّ جرًّا.٢٢ والروح الحيَّة هي أيضًا من نفس الصِّنف، تتغيَّر من هذا إلى ذاك.

(٩-٣٧) كفاك من هذه الطريقة البائسة في الحياة، من هذا التذمُّر والتصنُّع. ماذا يُشقيك؟ ما الجديد في هذا؟ ماذا يقُضُّ مَضجَعك؟ صورة الشيء؟ إذن واجهها. أم تُراها المادة؟ إذن واجهها، ولا شيء هناك عدا هذَين. تَوجَّهْ إلى الآلهة إذن، وإن تكن قد تأخَّرتَ، وكن أكثر بساطةً وخيرًا. سيَّان أن نبحث هذه الأشياء مائة عام، أو نبحثها ثلاثة أعوام.

(٩-٣٨) إذا كان هذا قد أخطأ، فالضرر يقع عليه، ولكن يجوز أنه لم يُخطئ.

(٩-٣٩) إمَّا أن جميع الأشياء تفيض من مَصدرٍ عاقلٍ وتَعرِض كأنها في جسدٍ واحد، فلا ينبغي للجزء أن يبتئس لما يحدث لمنفعة الكل. وإما أن الكل ذرَّاتٌ وأن الأمر لا يعدُو أن يكون خلطًا ثم تبديدًا، ما الذي يُشقيك إذن؟ قل لعقلك المُوجِّه: «أأنت ميت، مُتحلِّل، هل تحوَّلتَ إلى حيوان، هل تتظاهر وتُرائي، هل تنضوي مع القطيع وتُشاركه طعامه؟»٢٣

(٩-٤٠) إمَّا أن الآلهة قادرةٌ أو غير قادرة. فإذا لم تكن قادرةً فلماذا أدعوها؟ وإذا كانت قادرةً فلماذا لا أدعوها لكي تَهَبني نعمةَ ألَّا أخاف من أي شيءٍ مما أخاف منه، وألَّا أرغب في الأشياء التي أرغبها، وألَّا أتألم من أي شيء؛ لا أن تجعل أيَّ شيءٍ من هذه الأشياء يحدث أو لا يحدث؛ فمن المؤكد أنها إذا كانت تُعين البشر فإن بِوُسعِها أن تُعينهم على هذه الغايات.

ولكن لعلك قائل: «لقد جَعلَت الآلهة هذه الأشياء في قدرتي.» حَسنٌ، أليس أَليَق بك إذن أن تستعمل ما في قدرتكَ كرجلٍ حر من أن ترغب على نحوٍ عبودي دنيءٍ ما ليس في قدرتك؟ ومن قال لكَ إن الآلهة لا تُعيننا حتى في الأشياء التي في قدرتنا؟ ابدأ الآن على كل حال وادعُ هذه الدعوات وسوف ترى. من الناس مَن يدعو: «كيف السبيل إلى أن أضاجع هذه المرأة؟» فادعُ أنت: «كيف السبيل إلى أن أَفقد الرغبة في أن أُضاجعها؟» وآخر يدعو: «كيف أُنقذ طفلي الصغير؟» وأنت: «كيف أَتعلَّم ألَّا أخاف من فقده؟» وهكذا. حَسَن، جرِّب أن تُحوِّل دعواتك على هذا النحو وانظر ماذا يكون.

(٩-٤١) يقول أبيقور: «أثناء مرضي لم يكن حديثي يدور حول آلام جسمي، ولم أكن أخوض مع عُوَّادي في هذا المزاج، بل أمضي في شرح المبادئ الرئيسية للفلسفة الطبيعية مع إشارةٍ خاصةٍ إلى هذه النقطة عينها؛ كيف يشارك العقل في مثل هذه الاضطرابات الجسدية بينما يظل محتفظًا بهدوئه وساعيًا إلى خيره.» ويستطرد أبيقور قائلًا: «ولا كنتُ أترُك لأطبَّائي فرصةً لكي تعلُوهم سِيماء الوَجاهة والجلال لأي إنجازٍ عظيم، غيرَ أن حياتي مضت سليمةً ومعافاة.» هذا مثالٌ لكَ إذَن في المرض، إذا كنت مريضًا، وفي أي ظرفٍ آخر. تتفق جميع المدارس على أنك ينبغي ألَّا تَهجُر الفلسفة تحت أي ظرفٍ من الظروف، وألَّا تُشارك الجُهَّال والعوامَّ لَغوَهم الفارغ، بل انصرف إلى عملك الذي أنت فيه، وإلى السُّبل التي تتخذها في إنجازه.٢٤

(٩-٤٢) كلما أساء إليك شخصٌ وقِحٌ فإن عليك أن تُبادِر إلى سؤال نفسك: «إذن أكان من الممكن ألا يكون في العالم وقِحون؟» غير ممكن. فلا تطلب غير الممكن؛ فهذا الشخص مجردُ واحدٍ من الوقِحِين الذين لا بُدَّ من وجودهم في العالم. والأمر نفسه ينسحب على الأوغاد، والخونة، وكل صِنفٍ من الآثمِين. وإدراك أن هذه الطائفة من الناس لا بُدَّ من وجودها حَريٌّ أن يجعلك أكثر رفقًا بكل فردٍ منهم.

ومن المفيد عمليًّا أيضًا أن تعي هذا كلما صَادَفتَه؛ وهو تلك الفضيلة التي وَهبَتنا إياها الطبيعة لكي نقابل بها كل فعلٍ خبيث. وَهبَتنا الرفق ليكون تِرياقًا للقسوة، وخصالًا أخرى نُواجِه بها إساءاتٍ أخرى. وبصفةٍ عامة، بِوُسعِك دائمًا أن تعيد تعليم مَن ضل طريقه، وكل من يفعل الشر فقد أخطأ هدفه الحقيقي وضل طريقه.

وأيُّ أذًى، بعدُ، قد لحق بك؟ فلسوف تجد أنْ لا أحد ممن أثار غضبك قد فعل أي شيء يمكن أن ينال عقلك بأي سوء؛ إنما العقل، والعقل وحده، هو محل الأذى أو الضررِ الذي يُمكن أن ينالك؛ فليس للأذى والضرر أي وجودٍ آخر.

أين هو الأذى، بعدُ، وما هو الغريب في أن يسلك الجاهل مَسلَك الجُهَّال؟ تأمَّلْ ذلك وانظر: ألا ترى أنك أحق باللوم لأنك لم تتوقع من هذا الرجل أن يفعل هذا الخطأ؟ فلقد كان لديك من العقل ما تُبصر به أن هذا الخطأ حقيقٌ أن يأتي من هذا الرجل، ولكنك نسيتَ وجَعلتَ تَعجَب من أنه أخطأ.

وفوق كل ذلك، إذا اتهمتَ أحدًا بالخيانة والجحود فالتفِت إلى نفسك؛ فمن الواضح أن الخطأ خطؤك إذا كنت قد وَضعتَ الثقة في رجل بهذا الخلق، أو إذا كنت قد أسبغتَ معروفًا دون أن تجعل هذا المعروف غايةً في ذاته، وتجعل فعلك هو ثواب ذاته الذي لا يفتقر إلى أي ثوابٍ آخر؛ فأي شيءٍ آخر تريده أيها الإنسان من فعل المعروف؟ أليس بكافٍ أنك قد فَعلتَ شيئًا متناغمًا مع طبيعتك ذاتها؛ أتريد الآن أن تضع ثمنًا له؟! وكأن العين تطلُب مقابلًا على الرؤية، أو القدم على المشي! فمثلما خلق هذان لغرضٍ معين ويُحقِّقان طبيعتهما القويمة بأن يعملا وَفقًا لفطرتهما الخاصة، كذلك الإنسان خُلق لكي يفعل الخير، وحيثما فعل خيرًا أو أسهم في الخيرِ العامِّ فقد فعل ما خُلق من أجله ونال ما هو له.٢٥
١  الموت بوصفه فعلًا طبيعيًّا، انظر: ٦-٢ «فحتى هذا … فعل الاحتضار … هو أحد أفعال الحياة، وبحسبك هنا أيضًا أن تُجيد ما تفعله جهد ما تستطيع.»
٢  قارن بقول طاغور: «أيها الموت … يا موتي … آخر إنجازات حياتي.»
٣  انظر أيضًا: ٢-١، ٢-٦.
٤  مهما تمرَّد المرء على القدَر فلا جدوى من تمرُّده؛ فجهوده للفرار إنما تسوقه إلى حيث أرادت الأقدار. يقول سينيكا: «القدر يُوجِّه الراضين، ويجُرُّ الساخطِين» (الرسائل: ١٠٧). وقد تَرجَم، بتصرُّف، قصيدةً لكليانثيس في هذا المعنى أشرنا إليها في موضعها.
٥  علِّمْهم أو تحَمَّلْهم، إمَّا أن تُرشد وإمَّا أن تُسامِح.
٦  الانفعالاتُ أحكامٌ، ليستِ الأشياء هي ما يُنغِّص المرء بل فكرته عن الأشياء؛ كل شيءٍ هو كما يريده الفكر أن يكون. انظر أيضًا: ٢-١٥.
٧  كل الأشياء هي هي منذ الأزل، لا جديد. انظر أيضًا: ٢-١٤، ٥-١٠.
٨  النفاذ إلى عقول الآخرين، انظر: ٦-٥٣ وفي الاستخدام الازدرائي لصيغة الغائب «هم»، انظر: ٣-٤.
٩  انظر أيضًا: ٧-٢٩.
١٠  حُجة ضد الخوف من الموت. انظر أيضًا: ٢-١٤، ٩-٣، ١٢-٢٣.
١١  الواجب الاجتماعي للكائن الإنساني. انظر أيضًا: ٦-٧.
١٢  انظر: ٥-٣٣ «أطفالٌ تتشاجر، تضحك وما تلبث أن تبكي.»
١٣  تعبير إبكتيتوس: «أرواحٌ ضئيلة تحمل جُثثًا».
١٤  العالم السفلي في الأوديسية (الكتاب الثاني) الذي رحل إليه أوديسيوس (الكتاب الحادي عشر) لِيتلقَّى الإرشاد من العَرَّاف الأعمى تيريسياس، هو مكان تعيش فيه الموتى وجودًا شبحيًّا فارغًا.
١٥  في هذا النوع من التحليل، انظر: ٤-٢١.
١٦  كان ماركوس، شأن الرُّواقيِّين جميعًا، يعتقد بتواصُل الآلهة مع البشر من خلال الأحلام وكهَنة الوحي.
١٧  في سياق الأبدية لا عِيان إلا للحظة الحاضرة، ولا مرشد إلا العقل. والرغبة في الظهور والشهرة والمديح لا قيمة لها ولا صلة. لا وجه إذن للطموح المُفرِط ولا للنظريات المجردة غير العملية مثل جمهورية أفلاطون وغيرها من الطوباويات. لا تغيير للمجتمع إلا بتغيير العُقول، ولا خير في الغزو والسلطة المفروضة بالقوة من دون هداية العقل؛ فمثل هذه السلطة الغاشمة لا تنتج إلا أمةً من العبيد يتظاهرون بالطاعة. اقنع بخطوةٍ حكيمةٍ واحدة في الوقت الواحد، خطوةٍ بسيطةٍ ومتواضعة، ولا تستهن بهذا الإنجاز. يتبين من ذلك أن ماركوس، في فلسفته السياسية، كان أميل إلى «الهندسة الاجتماعية الجزئية المُتدرِّجة» piecemeal social engineering منه إلى الشموليات المثالية أو المذهب اليوتوبي utopianism.
١٨  فيليب (٣٨٢–٣٣٦ق.م) ملك مقدونيا ووالد الإسكندر.
١٩  «النظرةُ من فوق» تكشف هوان الحياة الأرضية وهمومها. انظر أيضًا: ٧-٤٦، ٩-٣٠، ١٢-٢٤.
٢٠  التغيُّر يحفظ العالم، انظر: ٢-٣.
٢١  انظر رد ماركوس على ذلك في ٩-٤٠، ١٢-٥.
٢٢  التحليل الردِّي، أو التجريد والتعرية وصولًا إلى جوهر الشيء ولُبابه. انظر أيضًا: ٦-١٣.
٢٣  في استقلال الإرادة الخُلقية والعملية وعدم الاكتراث بالقطيع، انظر ٥-٣.
٢٤  أبيقور Epicurus وُلد في ساموس عام ٣٤١ق.م ومات في أثينا عام ٢٧٠ق.م، مؤسس المدرسة الأبيقورية. وفي هذه الفِقرة يتجلى كرم ماركوس ونبله وصفاء نفسه؛ إذ يقتبس من مؤسس المدرسة الأبيقورية التي تُعَد خصمًا ومنافسًا للرُّواقية (تقول بالذرَّات مقابل العناية، وباللذَّة مقابل الخُلُو من الانفعال … إلخ).
٢٥  في رَدِّ الفعل تجاه أخطاء الآخرِين؛ مقام يُتيح لماركوس أن يضُم عددًا من مبادئه الرُّواقية وثيماته المحورية؛ حتمية فعل الشر، الشر جهلٌ ولا يأتيه من يأتيه عن عمد، واجبٌ تعليم الجاهل، العقل بمنأًى عن أي أذًى، الرحمة غايةٌ في ذاتها، الرحمة ثوابُ ذاتها، وظيفة الإنسان أن يفعل الخير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠