الفصل الأول

رجل الأدوار

عندما رحل رولان بارت عن عالمنا عن عمر يناهز الخامسة والستين، كان أستاذًا في كلية كوليج دو فرانس، وهو أعلى منصب في النظام الأكاديمي الفرنسي. كان بارت قد اشتُهِر بتحليلاته الثاقبة غير المبجِّلة للثقافة الفرنسية، غير أنه تحول هو نفسه الآن إلى مؤسسة ثقافية. كانت محاضراته تجتذب جمهورًا ضخمًا ومتنوعًا، بداية من السياح الأجانب والمعلمين المتقاعدين وحتى الأكاديميين المرموقين. وعرفت تأملاته حول جوانب الحياة اليومية طريقها إلى الصحف. أما «شذرات من خطاب في العشق»، وهو كتاب في «بلاغة» العشق، فقد أصبح أحد الكتب الأكثر بيعًا وتم تحويله إلى عمل مسرحي.

fig1
شكل ١-١: حلقة دراسية في «الكلية العملية للدراسات العليا»، ١٩٧٣.
وفي خارج فرنسا، كان بارت فيما يبدو هو خليفة سارتر باعتباره المفكر الفرنسي الأبرز، وقد تُرجِمت أعماله وقُرِئت على نطاق واسع. وقد أطلق عليه واين بوث، أحد خصومه في ميدان النقد، «الرجل الذي لعله يتمتع بالتأثير الأقوى على النقد الأمريكي في يومنا هذا.» بيد أن مقروئيته تجاوزت كثيرًا نطاق زمرة نقاد الأدب.1 كان بارت شخصًا ذا مكانة دولية مرموقة؛ إذ كان «أستاذًا معاصرًا»، لكنه أستاذ في أي مجال؟ وما دواعي الاحتفاء به؟

تعود شهرة بارت، في حقيقة الأمر، إلى أسباب متناقضة، فهو بالنسبة إلى كثيرين بنيويٌّ قبل أي شيء آخر، بل لعله كان «البنيوي» المدافع عن مقاربةٍ منهجيةٍ وعلميةٍ للظواهر الثقافية. وباعتباره المناصر الأبرز للسيميوطيقا — أي علم العلامات — فقد وضع أيضًا الخطوط العريضة ﻟ «علم أدب» بنيوي.

أما بالنسبة إلى آخرين، فهو يعد رمزًا للمتعة وليس للعلم؛ متعة القراءة وحق القارئ في أن يقرأ بطريقة فريدة تخصه وحده، من أجل ما يجده فيها من متعة؛ ففي مواجهة نقد أدبي يركز على المؤلفين — يُعنى باستخلاص ما فكَّر فيه المؤلفون أو قصدوه — يقف بارت في صف القارئ ويدافع عن أدب يمنح القارئ دورًا فعالًا وخلاقًا.

علاوة على ذلك يُشتَهر بارت بدفاعه عن الطليعة، فعندما اشتكى النقاد الفرنسيون من أن روايات آلان روب-جرييه وغيره من كُتَّاب تيار «الرواية الجديدة» غير صالحة للقراءة — لكونها خليطًا من الأوصاف المشوشة يخلو من أي حبكة يمكن فهمها أو شخصيات مثيرة للاهتمام — فإن بارت لم يكتفِ بالثناء على هذه الروايات وحسب، رابطًا بذلك حظوظه بحظوظها، بل ذهب أيضًا إلى أن غايات الأدب تتحقق كاملةً على الوجه الأمثل من خلال أعمال «غير صالحة للقراءة» تتحدى توقعاتنا. ففي مقابل التوصيف «قرائي» — الذي يصف الأعمال الخاضعة للشفرات التقليدية وأنماط المعقولية — يطرح بارت التوصيف «كتابي»؛ ليصف الأعمال التجريبية التي لا نعرف بعدُ كيف نقرؤها لكن يمكننا فقط أن نكتبها، ولا بد لنا من أن نكتبها بالفعل ونحن نقرؤها.

بيد أن المؤلَّفات التي صنعت شهرةَ هذا المُناصر للطليعة أكثر من غيرها لا تتناول المؤلِّفين التجريبيين المعاصرين، بل المؤلِّفين الفرنسيين الكلاسيكيين، مثل راسين وبلزاك. فعشقه الأكبر هو «الأدب الفرنسي من شاتوبريان إلى بروست»، وبروست على ما يبدو هو كاتبه المفضل. حتى إن المرء يرتاب في أن احتفاءه بالطليعة وازدراءه الظاهرَ للأدب السابق عليها كان مجرد استراتيجية بارعة (واعية كانت أو غير واعية) تهدف لخلق مناخ يمكنه فيه العودة لاحقًا إلى المؤلِّفين الأقدم وقراءتهم بطرق جديدة.

وفي النهاية، يشتهر بارت بكونه حامل لواء ما يسميه «موت المؤلف»؛ أي إزاحة هذه الشخصية عن الموقع المحوري الذي تحتله في الدراسات الأدبية والتفكير النقدي. وقد كتب عام ١٩٦٨ يقول: «نحن نعرف الآن أن النص ليس سلسلة من الكلمات تحمل معنًى «لاهوتيًّا» مفردًا («رسالة» من المؤلف/الله) بل فضاء متعدد الأبعاد، تمتزج فيه مجموعة متنوعة من الكتابات، لا يتمتع أيٌّ منها بالأصالة، ويتصادم بعضها ببعض» («الصورة، الموسيقا، النص»). فهو يرى أن ما ينبغي لنا دراسته هو النصوص وليس المؤلِّفين.

بيد أن عدو المؤلفين هذا هو نفسه — بلا جدال — مؤلِّف؛ كاتب تكشف أعماله المتنوعة عن أسلوبٍ ورؤيةٍ متفرِّدَين. الكثير من أعمال بارت يمتلك خصوصية شديدة، ويقع خارج نطاق الأجناس الأدبية الراسخة؛ فكتاب «إمبراطورية العلامات» يجمع بين تعليقات سياحية حول اليابان وبين تأملات حول العلامات في الحياة اليومية ومضامينها الأخلاقية، ويتضمن كتاب «بارت بقلم بارت» سردًا حياديًّا بصورة غريبة لحياة وأعمال شخص يُدعى «رولان بارت» ويتحاشى أعراف فن السيرة الذاتية، أما كتاب «شذرات من خطاب في العشق» فهو عبارة عن عينات نموذجية وصيغ لكلام العشاق وليس دراسة عن العشق، وكتاب «الغرفة المضيئة» هو في حقيقته تأملات حول بعض الصور الفوتوغرافية المفضلة، وليس تحليلًا لفن التصوير الفوتوغرافي. إن تلك الأعمال، الفريدة والفاتنة، تلقى احتفاءً مستحقًّا باعتبارها منتجات إبداعية لمؤلِّفٍ وأستاذٍ من أساتذة النثر الفرنسي يمتلك مقاربة فريدة للتجربة.

هذا هو رولان بارت، شخصية محمَّلة بالتناقضات، يمتلك مجموعة معقدة من النظريات والمواقف يتعيَّن علينا استجلاؤها. كيف لنا أن نقيِّم شخصًا كهذا؟ عندما يُطرَح السؤال حول أستاذية بارت: في أي مجال هي؟ ثمة إجابة مغرية، هي: «النقد الأدبي». (في كوليج دو فرانس اختار بارت أن يُنصَّب أستاذًا للسيميوطيقا الأدبية.) بيد أن هذا التوصيف بالكاد يغطي نطاق إنجازاته، كما أن صيت بارت لا ينبع من إنجازات حاسمة حقَّقها في مجال النقد الأدبي؛ فتأثيره يرتبط، بالأحرى، بالمشروعات المتنوعة التي وضع خطوطها العريضة وتبنَّاها، وهي مشروعات ساعدت في تغيير طريقة تفكير الناس في مجموعة متنوعة من الموضوعات الثقافية من الأدب، والموضة، والمصارعة، والدعاية، وحتى التصورات عن الذات، والتاريخ، والطبيعة.

يمكن إذن الإشادة ببارت باعتباره مؤسس ميادين بحثية، ومناصرًا لمناهج، بيد أن هذا التوصيف يتضح أيضًا أنه غير دقيق نوعًا ما، ففي كل مرة ينبري فيها بارت للدفاع عن جدارة مشروع طموح جديد — علم للأدب، سيميوطيقا، علم للأساطير المعاصرة، علم للسرد، تاريخ للدلالة الأدبية، علم للتقسيمات، علم لأنماط المتعة النصية — فإنه سرعان ما يتجاوزه إلى شيء آخر. وإذ يهجر ما كان قد أعطى إشارة انطلاقه، فإنه كثيرًا ما كان يكتب بامتعاض أو باستخفاف عن شواغله السابقة. إن بارت مفكر شديد الخصوبة، لكنه يسعى إلى اقتلاع شتلاته بمجرد أن تبدأ في الإنبات، وعندما تبدأ مشروعاته في الازدهار، فإنها تفعل ذلك من دونه ورغمًا عنه.

هذا الرفض للتقيُّد بأي شيء، وتلك الحركة المتواصلة التي لا تهدف إلى تصحيح الأخطاء بل إلى الانسلاخ من الماضي، يمكن أن يثيرا حَنَق أي شخص قرأ أحد أعمال بارت، وتحمَّس لرؤيته حول ما ينبغي عمله، فمن السهل أن يسارع المرء بإدانة افتقار بارت إلى المثابرة والإشادة، عوضًا عن ذلك، بأولئك الكادحين المخلصين الذين لم يتخلَّوا عن العمل الشاق من أجل إمكانية جديدة مغرية تلوح في الأفق، بيد أن ما يثير اهتمامنا في بارت هو تحديدًا قدرته على تحفيز أذهاننا، ومن الصعب أن نفصل بين ما يجتذبنا في أعماله وبين سعيه الذي لا ينقطع لتبني منظوراتٍ جديدةٍ، والابتعاد عن الإدراكات المألوفة. لقد كان من شأن أي التزام ثابت بمشروعات معينة أن يجعل بارت مفكرًا أقل خصوبةً مما هو عليه.

وإذ يُقِرُّ معجبو بارت بذلك، فإن معظمهم يميلون إلى الإشادة تحديدًا بهذا النفور من التقيُّد بأي شيء، ويتعاملون مع كتاباته ليس باعتبارها تحليلاتٍ ينبغي تقييمها وفقًا لمساهمتها في رفع وعينا، وإنما باعتبارها محطاتٍ في مغامرة ذاتية. وبالتبعية، فإنهم يسعون للتغلب على تناقضات بارت عبر البحث وراءها عن شخصية مميزة، وأسلوب فكري فريد. إنهم يحتفون بتململه الدائم وليس بتحليلاته البنيوية، يحتفون باستعداده لاقتفاء اهتماماته ومتعته وليس بإنجازاته في هذا الميدان البحثي أو ذاك.

في محاضرته الافتتاحية بكوليج دو فرانس، التي جرى العُرف أن يستعرض فيها الأستاذ الجديد نَهجه في تدريس المادة، لم يتحدث بارت عن تطوير سيميوطيقا أدبية أو عن توسيع نطاق المعرفة، إنما عن النسيان: «لقد اعتزمت أن أترك نفسي كي تحملني تلك القوة التي تمتلكها كل حياة حية: النسيان» («محاضرات»). فهو لم يقترح أن يدرس ما يعرفه بل أن يجسد «التناسي الذي يقود إلى تحولات لا يمكن التكهن بها يفرضها النسيان على المعرفة، والثقافة، والمعتقدات الراسخة التي اجتازها المرء.» وللدلالة على حركة النسيان والتناسي تلك، اختار بارت المفردة اللاتينية sapientia التي تعني الحكمة، وأعطاها هذا التعريف: «لا سلطة، قليل من المعرفة، قليل من الحكمة، وأكبر قدر ممكن من النكهة» («محاضرات»).

كتابات بارت عامرة بالنكهة المميزة على الدوام، تحديدًا عندما يبدو — في انعطافات خطابية غير متوقعة — وكأنه يحاول جعل نفسه هشًّا. لقد اكتسبت الفكرة التي مفادها أن بارت في جوهره يمتلك شخصية ذات نكهة مميزة سلطةً واسعة؛ لأنها توافقت مع مجموعتين مؤثرتين: عشاق بارت، الذين يعتبرون كلَّ عمل من أعماله «أنشودة رولان»، ورجال الصحافة، الذين يجدون أن تناول شخصية المنظِّر أسهل عليهم من تناول تنظيراته. إن فكرة بارت عن «التناسي»، وتخلِّيَه عن مواقفه السابقة مكَّنا الصحافة الفرنسية من وصف مسيرته الفكرية وفقًا للنموذج المبتذَل لتحول الشخص الثوري إلى شخص مبجل؛ فبعد أن أصابه الضجر من الأنساق، والمبادئ، والسياسة، عقد اتفاق سلام مع المجتمع يستطيع بموجبه الاستمتاع بملذاته والبحث عن الإشباع الذاتي. وعليه، فإن المواقف السياسية والانتقادات الاجتماعية التي ميَّزت المرحلتين المبكرة والمتوسطة من مسيرته لم تكن سوى بعضٍ من نكهاته العديدة، تخلى عنها بارت الناضج، الذي نبذ النظريات من أجل تطوير شخصيته الفردية وإغنائها. أما دفاعه «العقائدي» عن الأدب الطليعي فيمكن التعامل معه باعتباره حماسَ شابٍّ عاد فيما بعد إلى كلاسيكيات الأدب الفرنسي. إن التناسي الذي كان يدفع بِبارت إلى ما وراء كل موقف وكل برنامج تم النظر إليه باعتباره شهادةً على القيمة السامية للثقافة الفرنسية والمجتمع الفرنسي الذي انتهى به الأمر إلى احتضانهما. وفي لحظة وفاته، كان رجال السياسة يكيلون المديح لناقد المجتمع الرأسمالي ذاك وأساطيره باعتباره ممثلًا دمثًا للثقافة الفرنسية.

إن القُرَّاء غير الفرنسيين قد لا يهتمون كثيرًا بتناول وسائل الإعلام لتحولات بارت، أو بمواقفه السياسية، أو حتى بحقيقة علاقته بالطليعة (في عام ١٩٧١ زعم بارت أن موقعه التاريخي كان «في الصفوف الخلفية من الطليعة» («إجابات»)). مثل تلك الأسئلة يجب بالتأكيد أن تظل في مرتبة أدنى من الهدف الرئيسي لهذه الدراسة، وهو استجلاء مواقف بارت النظرية وإسهاماته المتنوعة. لكن إن كان لنا أن نقرأ كتابات بارت على الإطلاق؛ ينبغي مواجهة السؤال الأساسي حول كيفية التعامل مع أفكاره. فكثيرًا ما يتعرَّض معجبوه إلى خطر الوقوع في فخ ابتذال أعماله بجَعْلها محض تعبيرات عن رغبة ما، بدلًا من اعتبارها أطروحات ينبغي تأمُّلها، أو تطويرها، أو دحضها؛ وبارت نفسه يشجِّع على هذا بسخريته من مناهجه السابقة. فهو يتناول في كتاب «بارت بقلم بارت» على سبيل المثال، بعضًا من التضادات الثنائية التي لعبت دورًا محوريًّا في تحليلاته المبكرة، مثل التمايزات بين «القرائي» و«الكتابي»، و«الإحالة» و«التضمين»، و«الاستعارة» و«الكناية». ففي مقطع بعنوان «تزييفات» يسمِّي تلك التضادات «صور إنتاج» تمكنه من مواصلة الكتابة. «إن التعارضات يتم سكُّها (مثل العملة)، بَيْدَ أن المرء لا يسعى لتبجيلها. فما فائدتها إذن؟ إنها، ببساطة شديدة، تساعدنا على قول شيء ما.» وتحت عنوان «آلة الكتابة» يتحدث بارت عن حماسه للتضادات المفاهيمية: «مثل عصا الساحر، يفتح المفهومُ، خاصة عند مزاوجته بآخر، إمكانيةً للكتابة.» هنا، حسب رأيه، تكمن إمكانية قول شيء ما. «وهكذا، يتقدم العمل من خلال افتتانات مفاهيمية، وحماسات متتالية، وهذيانات سريعة الزوال.»

ومثل مقاطع أخرى كثيرة في «بارت بقلم بارت»، قد تشجِّعنا هذه السخرية اللاذعة من الذات من جانب بارت العجوز على الشعور بالتفوق تجاه بارت الشاب، الذي اعتقد خطأً أن هذياناته مفاهيم صحيحة. بَيْدَ أن أيَّ قارئ لديه فضول فكري يجب على الأقل أن يتوقف ليسأل إن كانت تلك هي الطريقة المُثلى لقراءة بارت، وهل كان ما يقوم به بارت من تبديد لأوهامه السابقة ليس في حقيقته إلا تنصيبًا لأوهام جديدة، مراوغة رشيقة وبارعة؟ فبالنظر إلى صعوبة تقييم المرء لمفاهيمه السابقة، كم هو مُغْرٍ أن يعلن بصفاقة أنها محض افتتانات أو تجليات لرغبة مضمرة في كتابة يمكن أن تربطه بمؤلفين آخرين. ولعل سخرية بارت من ماضيه قد ساهمت في خلق أسطورة بارتيَّة. فبالإمكان قراءة تلك المقاطع من «بارت بقلم بارت» باعتبارها نوعًا من التباهِي: فمثل قائد دراجة صغير السِّنِّ يهتف قائلًا: «انظري يا أمي، ها أنا أقود الدراجة دون أن أمسك مقودها بيدي!» يهتف بارت: «انظروا جميعكم، ها أنا ذا بلا مفاهيم!» فالكاتب قد يستمتع بادِّعاء أن كتابته لا تتأسس على نظريات ذات شأن، وإنما تقوم — بدلًا من ذلك — على هذيانات سريعة الزوال، ولا يرتكز صيتها على قيمتها المعرفية بل على افتتاناتها المفهومية وحماساتها المتتالية.

وحتى إذا كان بارت يتبنَّى تلك النظرة حيال عمله — وكتاباته أشد مراوغةً من أن تخوِّل لنا إصدار حكم نهائي بشأنها — فإننا لسنا بحاجة لأن نحذو حذوه في التعامل معها بوصفها سلسلةً من افتتانات أقل شأنًا من الرغبة الأساسية التي تعبر عنها. ورغم أنه قد تكون ثمة صعوبة في البحث عن رغبة خفية موحِّدة، على أمل أن يقودنا هذا إلى اكتشاف «بارت الحقيقي»، فإننا على ما يبدو نكون أكثر إخلاصًا له — أكثر إخلاصًا لمجمل كتاباته ولطبيعة اشتباكه مع عصره — إذا ما تركناه يظل شخصًا متقلب المزاج، يشارك بحيوية وإبداع في سلسلة من المشروعات المختلفة. وبدلًا من البحث عن وحدة مختزلة، ينبغي أن نَدَعه يحتفظ بحيويته كرجل أدوار، منخرط في مجموعة واسعة من المشروعات العامة القيِّمة التي ربما لا يجمع بينها قاسم مشترك.

أما إذا كان لا بد لنا من البحث عن وحدة، ولا نزال نشعر بالحاجة لاختزال بارت في جملة واحدة، فبإمكاننا أن ندعُوَه — كما فعل جون ستوروك في مقالة مهمة: «محفزًا لا نظير له للعقل النقدي.»2 وأفضل من ذلك، يمكننا أن نقول ما قاله بارت نفسه عن الكاتب بوجهٍ عام: إنه «مجرب عام» («مقالات نقدية»)، فهو يقوم بتجريب أفكار وأنساق على الملأ، أمام جمهور. وثمة مقالة بعنوان «ما النقد؟» تطور هذه الفكرة إلى مدًى أبعد. فليست وظيفة الناقد، كما يرى بارت، اكتشافَ معنًى خفيٍّ لعمل أدبي ما — حقيقة تنتمي إلى الماضي — بل بناء قابلية الفهم من أجل عصرنا نحن («مقالات نقدية»). فإن تبنِّي «قدرة الفهم في وقتنا الحاضر» يعني أن تقوم بتطوير أُطُر مفاهيمية للتعامل مع ظواهر الماضي والحاضر. ويمكننا أن نذهب إلى أن تلك هي ممارسة بارت الأساسية، أكثر اهتماماته إلحاحًا. «إن ما كان يستهويني طيلة حياتي»، هكذا يقول بارت في إحدى المقابلات، «هي الطريقة التي يستخدمها الناس لجعل عالَمِهم قابلًا للفهم» (نسيج الصوت). وتحاول كتاباته أن توضح لنا الطرق التي نستخدمها في فعل ذلك، والأهم من ذلك أنها توضح بالفعل أننا نفعل ذلك؛ فالمعاني التي تبدو لنا طبيعية هي في حقيقتها منتجات ثقافية، نتاج أُطر مفاهيمية مألوفة للغاية إلى حد أنها تمر دون أن نلاحظها. وبتحدِّيه للآراء المستقرة واقتراحه زوايا جديدة للنظر، يفضح بارت الطرق المألوفة التي نستخدمها لجعل العالم قابلًا للفهم ويعمل على تغييرها. ومن ثَم، فإن التعامل معه بوصفه مجربًا عامًّا يعمل على بناء معقولية خاصة بعصرنا سوف يساعدنا في استجلاء الكثير من مَوَاطن الغموض في كتاباته، مع الحفاظ على ما تتضمَّنه من مواقف ومنظورات. وهذا ما سوف أقوم به من خلال وصف مختلف المشروعات التي استكشفها بارت.

لكن، بدايةً، سأقدم عرضًا موجزًا لحياة بارت لتحديد بعض النقاط المرجعية التي سنحتاجها في نقاشاتنا التالية. عندما ذاعتْ شُهْرة بارت، كثيرًا ما كان الصحفيون يطرحون عليه أسئلةً عن حياته، وبعد إبداء بعض المقاومة سرعان ما بدأ يتحدَّث طواعيةً، مؤكدًا طَوَالَ الوقت على أن «كل سيرة حياة هي رواية لا تجرؤ على النطق باسمها» («إجابات»). سوف أناقش لاحقًا بعض السمات الأدبية لرواية السيرة الذاتية لدى بارت (كما تجلَّت، على سبيل المثال، في «بارت بقلم بارت»). أما الآن، فكل ما يعنينا هو الحبكة الرئيسية وبعض التيمات البارزة.

وُلد بارت عام ١٩١٥ في أسرة بروتستانتية من الطبقة المتوسطة. كان والده ضابطًا بالبحرية، لقي مصرعَه في إحدى العمليات العسكرية بعد نحو عام من ولادة ابنه، فنشأ بارت في كنف والدته وجدَّيْه في بايونيه، وهي مدينة صغيرة بالقرب من شاطئ الأطلسي في الركن الجنوبي الغربي من فرنسا. تؤكد نقاشاته حول طفولته في «بارت بقلم بارت» (الذي استهلَّه بتحذير يقول فيه: «كل هذا يجب اعتباره كلامًا على لسان شخصية في رواية») على أهمية الموسيقا (كانت خالته مُدرِّسة بيانو واعتادَ بارت أن يعزف على الآلة كلما وجدَها خالية)، وخلفية من المحادثات البرجوازية (أحاديث السيدات القرويات اللواتي يأتِينَ لتناول الشاي، على سبيل المثال)، ومشاهد وأصوات من الطفولة يتم استرجاعها بشيء من الحنين. وفي التاسعة من عمره، انتقل بصحبة والدته إلى باريس، حيث عملتْ في تجليد الكتب مقابل أجرٍ زهيد، واقتصرتْ بيئته على المدرسة (تخلَّلتْها عطلات، كان يقضيها في بايونيه). وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره، دخلتْ والدته في علاقة غرامية مع أحد الفنَّانين وأنجبتْ منه صبيًّا، هو أخو بارت غير الشقيق، الذي عاش معهم حتى نهاية حياة بارت، رغم أنه لم يأتِ على ذِكْرِه قط. لا يتحدث بارت كثيرًا عن سنوات الدراسة، لكنه كان طالبًا مجتهدًا، وبعد حصوله على البكالوريا عام ١٩٣٤ بدأ يخطط لخوض المنافسة للالتحاق ﺑ «مدرسة الأساتذة العليا»، التي يواصل فيها أكثر الطلبة الفرنسيين تفوقًا تعليمَهم الجامعي. بَيْدَ أن أعراض مرض السل بدأتْ تَظهَر عليه للمرة الأولى، فتمَّ إرساله إلى جبال البرانس لتلقِّي العلاج. وبعد عام، عاد إلى باريس وسعى للحصول على شهادة في اللغات الفرنسية، واللاتينية، واليونانية، وكرَّس جزءًا كبيرًا من وقته لأداء المسرحيات الكلاسيكية مع فرقة مسرحية ساعَدَ في تأسيسها.

عندما اندلعتِ الحرب عام ١٩٣٩، الْتَحَق بارت، الذي أُعفي من الخدمة العسكرية، بالعمل في مدرسة الليسيه في بياريتز وباريس، بَيْدَ أن ظهور أعراض السل مجددًا عام ١٩٤١ وضع حدًّا لكل هذا. وأمضى الجزء الأكبر من السنوات الخمس التالية — وهي تقريبًا الفترة نفسها التي استغرقها الاحتلال الألماني لفرنسا — في مصحَّة بجبال الألب، حيث عاش حياةً منظَّمة وانكبَّ على القراءة، وخرج منها، حسب قوله، سارتريًّا وماركسيًّا. وعقب فترة نقاهة أخرى في باريس حصل على عدة وظائف كمدرِّس للغة الفرنسية خارج فرنسا، في رومانيا أولًا، ثم في مصر، حيث اطَّلع على اللغويات الحديثة عن طريق زميله إيه جيه جريماس.

بعد عودته إلى فرنسا، أمضى عامَيْن في العمل بإدارة الخدمات الثقافية بالحكومة الفرنسية التي تُعنَى بالتدريس في الخارج، لكن في عام ١٩٥٢ حصل على منحة دراسية للعمل على أطروحة في علم المعاني، حول المفردات المستخدمة في النقاشات الاجتماعية في مطلع القرن التاسع عشر. لم يحرز في أطروحته سوى تقدم ضئيل، غير أنه نَشَر كتابين في النقد الأدبي هما «الكتابة في درجة الصفر» (١٩٥٣) و«ميشليه بقلمه» (١٩٥٤). وبعد أن فَقَد منحتَه الدراسية، الْتَحق بالعمل في دار للنشر لمدة عام، كتب خلالها عددًا كبيرًا من المقالات، اشتملت على العديد من الدراسات القصيرة حول الثقافة المعاصرة، التي سوف تُنشر فيما بعدُ في كتاب «أسطوريات» (١٩٥٧). وفي عام ١٩٥٥، تمكَّن بمساعدة بعض زملائه من الحصول على منحة أخرى، لكن هذه المرة لتقديم دراسة سوسيولوجية عن الموضة، وهي التي أسفرتْ في النهاية عن كتاب «نسق الموضة» (١٩٦٧). وفي عام ١٩٦٠، بعد انتهاء منحته الدراسية، حصل على وظيفة في «الكلية العملية للدراسات العليا» وهي مؤسسة تعليمية تقع على هامش النظام الجامعي، حيث أصبح مدرِّسًا نظاميًّا عام ١٩٦٢. وفي هذه الأثناء، بدأ ينشر مقالاته حول الرواية الجديدة وغيرها من الموضوعات الأدبية، التي سوف يجمعها في كتاب «مقالات نقدية» (١٩٦٤)، وواصَلَ استبصاراته حول علم العلامات، التي بلورها في كتاب «عناصر السيميوطيقا» (١٩٦٤)، وألَّف كتاب «حول راسين» (١٩٦٣) الذي أثار جدلًا شديدًا.

حتى عام ١٩٦٥، كان بارت شخصية نَشِطة، لكن هامشية في المشهد الثقافي الفرنسي، حتى قام أستاذ في جامعة السوربون يُدعى ريمون بيكار بنشر كتاب بعنوان «نقد جديد أم أكذوبة جديدة؟» هاجم فيه بارت بوجهٍ خاص، وتضمن اتهامات جعلتْ من بارت، بعد تناولها وإعادة صياغتها في الصحافة الفرنسية، ممثلًا لكل ما هو متطرِّف، وفاسِد، وعديم الاحترام في ميدان الدراسات الأدبية. ورغم أن اعتراضات بيكار كانت موجَّهة في المقام الأول لأطروحات التحليل النفسي التي استخدمها بارت في تناوله لأعمال راسين، فسرعان ما تحول الشجار إلى «معركة شاملة بين القدماء والمحدثين» جلبتْ لبارت سمعة سيِّئة على مستوى العالم. جاء كتاب «نقد وحقيقة» (١٩٦٦) ليرد على اتهامات بيكار ويدعو إلى «علم أدب» بنيوي، وهو الاقتراح الذي واصله بارت في مقالات لاحقة حول البلاغة والسرد. ثمة كتابان آخران ينتميان للمشروع البنيوي نُشرا في السنوات التالية: «ساد/فورييه/لويولا» (١٩٧١)، ويتضمن دراسة لهذا الثلاثي المدهش باعتبارهم مؤسسي أنساق خطابية، وكتاب «ص/ز» (١٩٧٠)، الذي يُعَدُّ أشملَ تحليل أدبي قدَّمه بارت. في الوقت نفسه، أسفرت رحلته إلى اليابان عن كتاب «إمبراطورية العلامات» (١٩٧٠)، الذي يزعم بارت أنه استمتع بتأليفه أكثر من أيِّ كتاب آخر.

ومع حلول نهاية الستينيات، توطدت سمعة بارت كقامة باريسية سامقة، جنبًا إلى جنب مع كلود ليفي شتراوس، وميشيل فوكو، وجاك لاكان. وإذ بدأ الجميع يَسعَوْن إليه، فإنه لبَّى في البداية عدة دعوات للسفر وإلقاء المحاضرات بالخارج، استمتع خلالها بجدَّة الأماكن الغريبة وغموض اللغات الأجنبية، لكن ليس بما يقتضيه ذلك من الحديث مع أناس جدد. ولأنه لم يكن قط مؤدِّيًا متحمِّسًا مثل فوكو، ولا عاشقًا للاهتمام الخانع مثل لاكان، فإنه سرعان ما أصابَه الضجر من السفر وإلقاء المحاضرات بالخارج، مفضِّلًا البقاء في الحي الباريسي الذي أمضى فيه الشطر الأكبر من حياته بين إقامة حلقات دراسية في «الكلية العملية للدراسات العليا» ومقابلة أصدقائه.

وفي أَوْجِ شهرته كبنيوي، نشر بارت كتابين غيَّرا سمعتَه إلى حدٍّ كبير، هما: «متعة النص» (١٩٧٣)، الذي تضمَّن تأملات حول القراءة والمتعة أوضحتِ القالب الأخلاقي لفكره، وكتاب «بارت بقلم بارت» (١٩٧٥)، الذي تضمَّن تنظيرًا رشيقًا للخبرات العادية ونبرة سخرية ذاتية جذابة، أكسبتْه مكانة جديدة ككاتب. وفي عام ١٩٧٦ عُيِّن أستاذَ كرسيٍّ في كوليج دو فرانس. وفي عام ١٩٧٧ عُقد مؤتمر في مدينة سيريسي لمدة أسبوع لمناقشة أعماله. بَيْدَ أن بارت رفض عباءة الأستاذية وعلى الفور نشر كتاب «شذرات من خطاب في العشق» (١٩٧٧)، الذي احتضن واستكشف فيه لغة العشاق العاطفية. كان هذا الكتاب أبعدَ ما يكون عن هموم الطليعة النظرية والأدبية، غير أن هذا الكتاب غير التقليدي حَظِيَ بجمهور واسع للغاية وساعد في جعل بارت أكثر كثيرًا من مجرد شخصية أكاديمية.

fig2
شكل ١-٢: موضات بنيوية: فوكو، لاكان، ليفي شتراوس، وبارت.

جاء التأكيد على مكانته ككاتب عام ١٩٧٨ في صورة أثارت استياءه: محاكاة ساخرة بعنوان «رولان بارت بلا دموع»، زعمت أنها تهدف، من خلال ١٨ درسًا في صورة مقالات، إلى تعليم المُحادَثة باللغة الرولان بارتيَّة، التي تَحمِل بعضَ الشَّبَه باللغة الفرنسية. لقد أصبح بارت الآن كاتبًا أسلوبيًّا جديرًا بالمحاكاة الساخرة. كان رجال الإعلام يسألونه مرارًا وتكرارًا إن كان يفكر في كتابة رواية، ورغم أنه في أغلب الأحيان كان يجيب بلا، فإنه كرَّس العديد من محاضراته في كوليج دو فرانس ﻟ «الإعداد للرواية»، ناقش خلالها تصورات الكتَّاب عمَّا يحاولون إنتاجه وطرقهم المختلفة في تحقيق ذلك. وفي باريس، حيث كان التحليل النفسي هو الموضة الفكرية السائدة، بدا أن بارت أصبح المدافِع الأبرز عن القِيَم الأدبية التقليدية وأهم منظِّر للحياة اليومية لا ينتمي لتيار التحليل النفسي. أما كتاب «الغرفة المضيئة» (١٩٨٠)، الذي يُعَدُّ في جانب منه تحية إلى والدته، التي كان رحيلها في نوفمبر ١٩٧٧ صدمةً مروِّعة له، فهو كتاب عن التصوير الفوتوغرافي. ومن هنا أصبح السؤال عن عمله التالي، وإلى أين سوف تحمله مواهبه، لغزًا محيرًا.

وفي فبراير ١٩٨٠، عند خروجه من مأدبة غَدَاء مع مجموعة من السياسيين والمثقفين الاشتراكيين، صدمتْه شاحنة غسيل بينَما كان يَعبُر الشارع أمام كوليج دو فرانس. ورغم أنه استعاد وعيَه بما يَكفِي لاستقبال زُوَّاره، فإنه تُوُفِّي بعدَها بأربعة أسابيع. وقد أضفَى رحيلُه المفاجئ مزيدًا من الإبهام على مسيرته المهنية. لم يكن رحيلًا مأساويًّا لباحث اختطفَه الموت من غمرة انشغاله بمشروع عظيم، غير أننا لا نستطيع أن نؤكد أن أفضل أعمال بارت هي تلك التي خلَّفها وراءه. فمَن يستطيع أن يخمن ما كان يمكن أن يقوم به وأي تجارب جديدة كان سيُجرِيها؟

ثمة ثلاثة عوامل بارزة في حياة بارت، كما يرويها لنا؛ أولًا: هناك الفقر المؤرق لأسرة من الطبقة المتوسطة تعيش في ظل ظروف مادية صعبة. «إن المشكلة التي شكَّلت حياته — كما يحدثنا بارت عن نفسه — كانت بلا شك المال وليس الجنس» («بارت بقلم بارت»). وهو لا يتحدث عن فقر مُدقِع بل عن ضائقة مالية دائمة — كان يُقتِّر على نفسه لكي يتمكَّن من شراء الكتب المدرسية والأحذية — ويربط ذلك بحبه فيما بعدُ لنقيض الضائقة المالية؛ أي البحبوحة (المتعة، بالنسبة إلى بارت، تعني البحبوحة وليس الترف).

ثانيًا: هناك مرض السل، الذي حَرَمَه مرتين من مواصلة مشواره في المجال الأكاديمي، وفوق ذلك، فرض عليه طريقةً خاصة للعيش. فهو يُخبِرنا أن جسَدَه ينتمي إلى عالم رواية «الجبل السحري» لتوماس مان، حيث يتحوَّل علاج السلِّ فعليًّا إلى طريقة للعيش. وقد اعتاد بارت أن يعيش حياةً منظمة تقوم على الوعي الدائم بجسده، حياة كثيرة الكلام لكن قليلة الأحداث وصداقات تنشأ عن القرب الدائم.

وثالثًا: يتحدث بارت بنبرة مخففة عن فترة «من عدم الاستقرار في حياته المهنية»؛ فبين عامَي ١٩٤٦ و١٩٦٢ كان يعيش اليوم بيومه، بلا اتجاه واضح أو وظيفة مضمونة. وفيما بعدُ، عندما أتاحتْ له الشهرة الفرصة لكي يؤدِّي أدوارًا عامة ومهنية واضحة، فإنه لم يستغلَّ المكانة الرفيعة التي بَلَغَها كما هو متوقَّع. فهو يتحدَّث عن رغبة في التميز وليس في السلطة، ويبدو أنه عزف بالفعل عن السعي وراء السلطة التي كان بإمكانه ممارستها؛ رغم أن تواضعه كان له سلطة معينة خاصة به.

fig3
شكل ١-٣: حفلة تنكرية في المَصَحَّة. بارت في أقصى اليمين، متنكرًا في هيئة باريه، عضو الأكاديمية الفرنسية.

بالإمكان ربط هذه الجوانب من حياة بارت بكتاباته، واستنباط المواقف التي اتخذها انطلاقًا من جوانب في خبرته الحياتية. إن بارت نفسه يحاول القيام بذلك، بيد أن مثل تلك المحاولات تفتقر إلى الإقناع بوجهٍ عام؛ فكل سبب مُفترَض — الفقر، السل، عدم الاستقرار — له العديد من النتائج المحتملة؛ والحال أن العامل الرئيسي المؤثر في كل واحد من مؤلفاته هو بالأحرى المشروع الذي يرتبط به ذلك المؤلَّف. فهو مُبدِع بصورة مُدهِشة، لكن قبل كل شيء، لديه حِسٌّ مرهَف بما لا يزال في طور التشكُّل ويمكن الإمساك به، وتطويره، وتثبيته بطريقة خلَّاقة كفكرة مؤسِّسة لمشروع جديد. كما تمتع بارت أيضًا بإحساس رائع بكل ما هو مدهش، ومُغْرٍ في الوقت نفسه، وما يستلزمه طرحُ مفارقةٍ صادمة أو تقويضُ عادةٍ مستقرة؛ ومِن ثَم فإن للسياق الذي يكتب فيه، أو ضدَّه، أهميةً حاسمة. إن أستاذيته من نوع خاص، ملائمة لخوض مغامرات تجريبية مع بديهيات عصرنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠