الفصل الثاني

طيران، موت، نمو

سار جونزاليس عبْر ممر موحش انخفض فيه السقف حتى ارتفاعٍ لا يزيد عن القدم فوق رأسه، وكانت الأشكال المظلمة للماكينات الضخمة تلوح في ضوء الشفق. هنا، في أعمق طبقات المدينة، كان بوسعه سماع أكثر أصوات هالو بدائية؛ الماء الآتي من العالم العلوي وهو ينهمر ويقرقر ويتدفق، وألواح البدن وهي تئن تحت وطأة التسارع، والتوربينات وهي تهدر.

صار فجأة واعيًا بوجوده على مقربة من الدرع الثابتة، دائرة الصخور المسحوقة التي استقرت خارج حافة المدينة الخارجية مباشرة، وتحمي قاطني هالو ذوي الأجساد الرخوة من دفقات الإشعاع التي يمكن أن تشوي لحومهم. وعلى مسافة مترين على الأكثر داخل الدرع الخارجية، كانت الحلقة الحية تدور بسرعة تناهز مائتي ميل في الساعة، وخطرت فجأة على بال جونزاليس صورة للاثنين وهما يتلامسان، وعن التبعات الكارثية لذلك؛ هالو وهي تمزِّق نفسها إربًا بينما تتحطم الحلقة الهشة على الصخور الضخمة الثابتة.

تجمد جونزاليس حين رأى أشياء غريبة الشكل وهي تتحرك بين الماكينات المزدوجة. صاح: «ماذا؟ ماذا؟»

الظلال والضوء …

أمامه كانت توجد بقعة من الضوء الأصفر الدافئ، وجرى جونزاليس نحوها. وفوق باب مفتوح كانت اللافتة تقول:
المصعد الداخلي للشعاع رقم ٣.
مخصصة للماكينات الثقيلة.

كانت أرضية المصعد من المعدن المثلوم، وكانت الحوائط مكسوة بدعامات واقية منثنية من الفولاذ اللامع. خطا جونزاليس إلى الداخل.

تساءل جونزاليس: «هلا أخذتني إلى الأعلى؟»

قال المصعد: «نعم. إلى أي ارتفاع تريد الذهاب؟»

«إلى البوابة الصفرية.» ونظر جونزاليس إلى الظلام الذي تركه خلفه، وقد أدرك أنه لا يزال يشعر بالخوف من أن أيًّا كان ما رآه هناك سيتحقق. قال: «دعنا نذهب من فضلك.» وانغلق الباب، وشعر بدفعة التسارع وسمع صوت المحركات الكهربائية.

شاهد جونزاليس تقدُّم المصعد على شاشة مضيئة تعلو الباب. وحين توقَّف المصعد، وقف جونزاليس في صمت، شاعرًا بالبهجة لوجوده في جاذبيةٍ شبه صفرية، مستعدًّا للتحليق. خطا عبْر الباب واتبع الأسهم على امتداد رواق قصير له جدران وسقف من الصلب الخالص وأرضيته مغطاة ببساط واقٍ رفيع، مثل الجزء الداخلي لسفينة. بدت قدماه على استعداد للارتفاع عن الأرضية.

أخذت أضواء السقف تتذبذب في بطء؛ بحيث تظلم، وتتغير ألوانها إلى الأزرق والأحمر ثم إلى الأصفر مجددًا، ويزداد سطوعها … وتناهى إلى مسامعه بالكاد صوت نغمة موسيقية. توقَّف جونزاليس مفتونًا. كم هي جميلة هذه الأشياء الصغيرة؛ كانت هالو عامرة بمفاجآت العجيبة، يراها المرء حين يمعن النظر.

قال صوت: «نرجو اختيار حذاء الجاذبية.» ورأى جونزاليس ما بدا وكأنه مئات من الأحذية السوداء المرنة الملصقة على الحوائط بفضل نعالها المصنوعة من الفيلكرو. أخذ أحدها وارتداه فوق حذائه، ثم شد الأربطة. كانت أصابعه كبيرة، وكأنها قِطَع نقانق خَدرة في نهاية ذراعين طويلتين للغاية.

دخل غرفةً دائريةً مكتوبًا عليها «الفاصل الدوراني» ومشى نحو المركز الساكن للعالم الآخذ في الدوران. وبينما كان يتحرك إلى الأمام بحذرٍ شديدٍ في الجاذبية شبه الصفرية، كانت قدماه تلتصقان بالتتابع بسطح الممشى، وتنفصلان عنه مصدرة صوت تمزُّق خفيف.

تحرَّك صوب الحاجز ونظر إلى المساحة المفتوحة للبوابة الصفرية. كانت مفتوحة إلى الخارج على نحوٍ أرحب وأرحب، إلى أن شعر وكأن اتساع الكرة الشاسعة يضغط على صدره.

كان الناس يطيرون هنا، كان يعلم ذلك، لكنه لم يتخيل كم سيكون منظرهم جميلًا، عشرات منهم يتدلون من أجنحة مدعومة لها ألوان عشرات أقواس قُزَح. كان غالبية الطائرين يرتدون ملابسَ تتوافق ألوانها مع ألوان أشرعتهم، وكانوا يتراقصون كالفراشات عبْر السماء، ينادي بعضهم على بعض، وكانت أصواتهم هي الأصوات الوحيدة التي تتردد هنا، تصرخ بالتحذيرات والنوايا.

وفجأة انهار جناحا أحد الطائرين حين علِق بقدمي شخص طائر آخر، وأخذ الرجل ذو الجناحين المعطَّلين يتقلَّب في الهواء في حركةٍ تشبه الحركة البطيئة، جاذبًا أشرطة جناحيه وهو يسقط. أراد جونزاليس أن يصرخ. مال فوق الحاجز كي يشاهد الشخص الطائر وهو يتكور على شكل كرة، وقدماه موجهتان نحو الجدار المقابل له، ثم يرتطم بالجدار ويبدو كما لو كان يغوص في سطحه المبطن بعمق.

أمسك الرجل بكسوة الجدار المضمومة وشقَّ طريقه إلى ممشًى يمتد عبْر منفسح البوابة الصفرية أمام جونزاليس مباشرة تقريبًا، وجذب نفسه ليعبر الحاجز. بعد ذلك وقف ولوَّح بيده. هلل الطائرون الآخرون، وكانت أصواتهم ترتفع وتنخفض في ترنيمةٍ إيقاعية بكلماتٍ لم يستطِع جونزاليس أن يفهمها.

قال صوتٌ ما: «إذا لم يكن لديك تصريح بالطيران، فمن فضلك أمِّن نفسك بأحد حبال الأمان.» فكَّر جونزاليس في نفسه وهو شبه يائس: «كلا، ليس لدي تصريح.» لم يكن يفهم كيف يطير؛ ما هو خطير وما ليس كذلك. نظر خلفه ورأى أطراف كلاليب تثبيت من الكروم موزعة حول الجدار، فذهب نحوها وجذب واحدة. تدلَّى منها حبل أمان إلى أن توقَّف ولفَّ الحبل حول خصره وثبت الإبزيم فيه.

فجأة شعر بنفسه يسقط. كانت عيناه تخبرانه أنه يقف والحبل ملتفٌّ حوله، لكنه كان مرتبكًا بفعل الحركة الدائبة للطائرين في الهواء من حوله، وشعر أن لا شيء يبقيه على الأرض (لم يكن ثَمَّة أرض)، ولا شيء يمكن أن يمنعه من السقوط في هذا الأخدود السماوي، تلك الهوة.

اقترب أحد الطائرين منه، يقطع المساحة الفاصلة بينهما بحركات طيران رشيقة، وكان جناحاه مزينين بتنانين خضراء وصفراء، وجسده مكسوًّا برداء زمردي اللون، وفجأة ظن جونزاليس أن هذا الشخص كان آتيًا للنيل منه، ولم يكن بمقدوره أن يعرف كيف هذا أو لماذا.

حاول الدخول في غرفة الفاصل الدوراني، لكن حبل الأمان أعاقه إلى أن تمكَّن من حلِّه، ثم سقط تقريبًا داخل الأسطوانة المعدنية بينما كان الحبل ينجذب إلى موضعه الأصلي خلفه مصدرًا هسيسًا. خرج من الغرفة وركض بطول الممشى، وخطواته ترفعه عاليًا في الهواء بحيث كان يفقد توازنه ويرتد عن أحد الجدران ويسقط متدحرجًا على الأرضية، وخفَّاه يتعلقان دون جدوى بالبساط مصدرين سلسلة من أصوات التمزُّق الوجيزة.

زحف نحو أحد المصاعد، مصعد آخر غير ذلك الذي صعد فيه، مصعد ركاب عادي، وكان خاليًا لحسن الحظ، ثم انتزع الخفين عن قدميه ووقف ومرق من باب المصعد. ثم قال: «إلى الأسفل.» شعر بالأرضية تتحرك وشعر بنفسه وهو يسقط.

•••

كان جونزاليس قد جلس في الساحة الرئيسية لبعض الوقت.

على مسافة خمسين مترًا، وقبالة جدار المقهى الافتراضي، كانت تزحف مجموعة وافرة من الأشكال الإحيائية المتحولة، كبيرة وصغيرة، كلها في حركة دائمة. كائنات رقيقة من خيوط وردية وخضراء تطفو على تيارات غير مرئية، كائنات أشبه بالأميبا لها أعين واسعة شاخصة وأفواه بها أسنان كالمناشير تمد أقدامًا كاذبة وتلتحم بها، سدادات فلينية حمراء تندفع في إيقاع شهواني نحو كلِّ ما تلمسه، أشكال متموجة أشبه بالبراميسيوم تسبح كأسماك الراي بين الحيوانات الأصغر حجمًا …

كان جونزاليس يطفو في مكانٍ ما بينها؛ إذ بدا وكأنما فقد جسده وعقله. وداخل رأسه أخذ يلقي معلومات عن الجسد:

قال الصوت: «استقبال الحس العميق، الرؤية، والحاسة الدهليزية؛ إنها تخبرنا أننا نمتلك الجسد الذي نعيش فيه. فكِّر يا رجل، فكِّر: أين وضعت حواس جسدك؟»

لم يكن في الساحة سوى عدد قليل من الأشخاص. خرج جونزاليس من المصعد وغاص في الظلام والضباب، صورة غير مألوفة للمدينة؛ حيث تجمَّعت السُّحب على مقربة من الأرض وظهرت أشكال مبتورة على نحو مفاجئ وسط الضباب الرقيق.

سمع حفيف أحد الروبوتات، وعلى نحوٍ غير متعمد صاح: «ما الذي يحدث؟ لماذا الجو بارد وضبابي؟

توقف الروبوت، وقال: «لماذا تريد أن تعرف؟»

قال جونزاليس: «الأمر يبدو … غير عادي.»

«إنه كذلك.»

تحركت أذرع الروبوت على نحوٍ غامض خبيث، وألمحت كلماته بتهديد غير ملتبس؛ إذ قال: «أتود بعض المساعدة؟»

ما الذي كان يعنيه بذلك؟ كيف عرف أن ثَمَّة ما يسوءُه؟ قال جونزاليس: «كلا.» ثم هبَّ واقفًا وصرخ: «كلا!»

سار جونزاليس بعيدًا عن الساحة، وقد صار واثقًا الآن أنها كانت غير آمنة بالنسبة إليه، رغم أنه لم يكن يعرف لماذا. وبينما كان يسير، صار الظلام أشد قتامة، وحاول بكلِّ ما يمتلك من شجاعة أن ينحِّي جانبًا ذلك الشعور الدائم الذي ينتابه نحو نفسه ونحو المدينة، السقوط، السقوط …

صار الطريق السريع الدائري أضيقَ بينما اجتازه نحو منطقة زراعية. كان يعلم أن الحدائق ذات المنصات كانت ترتقي إلى الأعلى على كلا الجانبين، حقول من الذرة والقمح، لكنه لم يستطِع رؤيتها؛ لأن الضباب كان أشد كثافة هنا مما كان في منطقة الضواحي التي مر منها. ظهرت أضواء خافتة منبعثة من مربع سكني من الأكواخ على جانب الطريق السريع مباشرة. وسمع صوتًا ينادي وآخر يجيب، وكان كلٌّ من النداء والاستجابة غير مفهومٍ له.

•••

على مقربة من الشعاع رقم ٤، الذي خلَّفَت مصاعده آثارًا من الضوء بينما كانت تصعد وتهبط عبْر الممر الرأسي، كانت الأشجار تنمو على جانب الطريق السريع مباشرة، كان الطريق يُصدِر ومضات متقطعة أسفل قدميه، وكأنما كان ثَمَّة حذاء حديدي يضرب سطحًا معدنيًّا. اكتسب الضباب وجوهًا؛ أقنعة كئيبة المنظر عديمة العيون تلف بحركة بطيئة بحيث تتبعه نظراتها الخاوية أينما ذهب.

قال جونزاليس: «يا إلهي!» ثم توقَّف ولفَّ ذراعيه حول صدره. اقترب شكل يكتنفه الضباب منه، وقد اشتعل لهب أحمر خلف محجرَي عينيه الخاويتين. ركض جونزاليس نحو الغابة.

لم تكن الغابة كثيفة، وفي ضوء الشمس كان بمقدوره أن يركض خلالها من دون صعوبة. والآن، وسط تلك العَتَمة شبه التامة، والظلال الرمادية والفضية، ارتطم بشُجيرة صغيرة شائكة فعلِق بها وأعاقت ركضه.

بدأت الأرض تصير أكثر رخاوة تحت قدميه، وسريعًا أخذ يخوض بين الخيزران والأسيلات، وانزلقت قدماه على الرقع الطينية وزلَّت في الحفر الصغيرة المبتلة، ثم وصل الماء حتى عقبيه، وانتبه للمرة الأولى إلى رائحة العفن القوية، التحلل …

استدار، محاولًا العثور على أرض جافة، وسريعًا ما ارتطمت قدماه بالأرض الصلبة لأحد المسارات. نظر إلى الأسفل واستطاع أن يرى المسار بلون رمادي متوهج، يحفه اللون الأحمر. ركض على امتداده إلى أن سمع صوت المياه المندفعة.

وصل إلى مجموعة من المصاطب على امتداد أحد الشلالات؛ حيث تسقط مياه النهر على الصخور، ثم تنتشر سريعًا داخل بحيرة ومستنقع. كانت المياه عامرة بالضوء، وركض صاعدًا وهابطًا المصاطب، متتبعًا تيارات الطاقة التي تدفقت بالألوان الأحمر والأصفر والأرجواني والأخضر والأبيض؛ ألوان تحولت في درجاتها وشدتها، بحيث تصير أفتح وأدكن، وتمتزج معًا …

صاح: «إنها تنمو!» وهو يشعر بطاقة المياه ترتفع وتنخفض، ويراها تنتشر إلى حيث تستطيع النباتات العيش عليها والحيوانات أن تشربها. وفي الأعلى أخذ الضباب يتوهج متلألئًا.

هبط الدرجات إلى حيث خفتت ضوضاء النهر، وغمرت مياهه السهل. استدار في مسارٍ يُفضي إلى الغابة، ووصل إلى مساحة خالية صغيرة كان الضوء المحيط الخافت ينعكس فيها على جذوع الخشب الساقطة. بدا الفطر موجودًا في كل مكان في هذه المساحة الصغيرة، يغطي الخشب الميت وينتشر في وفرة فوق الأرض.

ركع على ركبتيه كي ينظر إلى الفطر. كان حيًّا، تتخلل لحمه الإسفنجي خيوطٌ كهربية حمراء متداخلة أشبه بالأوردة. التقطها من فوق الأرض، نوعًا بنوع، وشمَّها بعمق، وتذكَّر الرائحة التي كان قد شمها سابقًا، خليطًا غنيًّا من روائح التغيير.

ارتجف جونزاليس بما يشبه الاكتشاف؛ إذ وقف ونظر لأعلى نحو السماء والضباب اللذين لا يمكن اختراقهما. كان هذا المكان يبعُد عن الأرض ربع مليون ميل، ومع ذلك فقد بدأت الحياة تبسط شبكتها هنا، ورغم أن الشبكة كانت هشة وصغيرة مقارنةً بالأرض وما تحويه من مليارات الكائنات الحية، فقد كان وجودها نفسه يثير ذهول جونزاليس، وشعر بدفقة من المشاعر لم يجد اسمًا لها، غصة في حلقه مصدرها شعور بالفرح والحزن والدهشة.

وبدا على شفا كشفٍ ما حيال هذا العالم الروحاني والمادي المختلط …

أخذت الأفكار تظهر وتختفي سريعًا بحيث تعذر اقتناصها وسط الصخب والفوضى اللذين يملآن عقله بينما كان يقف في الأرض الخالية من الأشجار، مشلولًا بنوع من النشوة ويشاهد طاقة الحياة وهي تظهر بين الأشجار.

•••

قالت الغرفة: «لديكِ اتصال.»

تساءلت ليزي: «مَن المتصل؟»

«تقول إن اسمها تريش. امرأة الفطر، حسب وصفها.»

«آه نعم، سأتلقى الاتصال.»

ظهر على الشاشة الجدارية وجه تريش المألوف، وقالت ليزي: «مرحبًا.»

لوَّحت تريش بيدها وقالت: «لقد جلبت لي التوءمان صديقًا لك، يُدعى جونزاليس، وأعطيته بعض الفطر.»

قالت ليزي: «حقًّا؟»

«نعم، وصرفته من عندي منذ نحو سبع ساعات.»

«أشكرك لإخبارك لي بهذا. سأعثر عليه.» انطفأت الشاشة وفكَّرت ليزي في نفسها قائلة: «أيها الأوغاد السخفاء، فيمَ ورطتموه؟» ثم قالت مخاطبة الغرفة: «فلتنشري طلبًا بالمعلومات. اسألي أي روبوت بالخارج عما إذا كان قد رأى جونزاليس أم لا.»

•••

كان أحد الروبوتات ينتظرها عند بابها الأمامي. سألته ليزي: «أأنت مَن وجده؟» قال الروبوت: «كلا، فهذا الروبوت ينتظر معه، كي يقدم أي مساعدة مطلوبة. تعالي معي من فضلك.»

«سآتي فورًا.»

شرعت ليزي والروبوت في السير على الطريق السريع الدائري، ثم أصدر الروبوت فيما يبدو إشارة إلكترونية لأحد الترامات المارة، لأنه توقَّف حتى يستطيع الاثنان ركوبه. صعدت ليزي بسرعة على متنه بينما جذب الروبوت نفسه بطريقة خرقاء عن طريق الإمساك بالحاجز المصنوع من الكروم بإحدى أذرعه.

أنزلهما الترام على مقربة من الشعاع رقم ٤. ومن بين الضباب كانت مجموعة من الأشجار تظهر بالكاد، وكانت ليزي تعلم أن وراء هذه الأشجار كانت توجد المستنقعات التي تحيط ﺑ «آنية الحساء»؛ برك كانت تختلط فيها مياه صرف حقول الأرز مع مياه النهر.

قادها الروبوت، باستخدام مستشعرات المجال المرئي والأشعة تحت الحمراء، بين الأشجار. ووصلا إلى منطقة خالية من الأشجار يقف فيها روبوت آخر على أحد الجوانب. كان جونزاليس جالسًا على جذع ساقط، يشاهد فأر حقل ميكانيكيًّا وهو يمضغ قطعة صغيرة من الخشب. كانت ملابسه مبتلة وملطخة بالطين والأوساخ. وإلى جواره، جلس قِطٌّ برتقالي كبير يشاهد فأر الحقل.

قال جونزاليس: «مرحبًا.»

سألته ليزي: «أأنت بخير؟»

قال: «لا أدري.» ثم مدَّ يده وهو شارد الذهن ومسَّد القط البرتقالي، الذي استلقى على ظهره وربَّت على يده، من الواضح أن القط لم يستخدم مخالبه؛ لأن جونزاليس ترك يده حيث هي حتى يلاعبها القط.

«هل حضورنا مطلوب؟» هكذا تساءل الروبوت الذي اصطحب ليزي، فردت عليه: «كلا.» وابتعد الروبوتان واحدًا تلو الآخر، في حركة شبه صامتة.

جلست ليزي على الجذع الخشبي إلى جوار القط، وقالت: «كيف حالك؟» كان يطن بصوت مسموع بالكاد، ورفضت ليزي التحول إلى مناقشة موضوع العقاقير، كانت هي نفسها تعاني من مشكلات منذ أن خرجت من البيضة، لكن لم تكن المشكلات بنفس فداحة مشكلات جونزاليس كما أخبرها تشارلي، لأنها لم تقضِ وقتًا كبيرًا بها. سألته: «أما زلتَ في حالة من العصبية الشديدة؟»

قال: «أشعر أنني بخير، لكنني فقط لا أدري … مرتبك. لماذا الأشياء على هذه الصورة، باردة ومظلمة؟»

قالت: «ليس هذا واضحًا. لم تَسِر الأمور على ما يُرام منذ أن جرى فصل ديانا وهاي ميكس.» نظر جونزاليس إليها مرتبكًا لكنه لم يبدُ شديد الانشغال بالأمر. أردفت: «هناك أخبار أخرى كذلك. لقد أُعفيت شوالتر من منصبها كرئيس لفرع سينتراكس في هالو، وهورن هو المدير الجديد.» الآن بدا عليه الارتباك التام. قالت: «بوسعك القلق بشأن هذه الأمور لاحقًا. لِمَ لا تعود معي إلى منزلي؟ يمكنك أن تنال قسطًا من النوم.»

قال: «حسنًا، لكنني لا أفهم …» ثم توقَّف مجددًا، كما لو كان يحاول العثور على الكلمات التي تعبِّر عن كل الأشياء التي «لا يفهمها.»

«لا أحد يفهم شيئًا الآن. إن ألِف لا تعمل على نحوٍ طيب وحسب، ونحن لا نعلم السبب، فلا يمكننا التواصل معها.»

«آه، أفهم هذا.»

«يسعدني ذلك؛ لأنه لا شخص آخر يفهم.»

وقف، ثم انحنى كي يرفع القط من على الجذع الخشبي. حمله في يده وقال: «حسنًا، سأذهب.» ثم ابتسم لها، واستلقى القط بين ذراعيه ونظر لها بعينيه البرتقاليتين الكبيرتين.

•••

استيقظ جونزاليس ليجد ملابسه مطوية، نظيفة ومهندمة، على كرسي مجاور للفراش. كان القط البرتقالي نائمًا تحت قدميه، فرفع رأسه حين استيقظ جونزاليس، ثم تكوَّر على نفسه مجددًا وعاود النوم.

وجد ليزي في المطبخ تقطع بعض التفاح والكمثرى وجبن تشيشاير. قالت له: صباح الخير. سأسخن بعض الكرواسون ويمكننا تناول القهوة معًا؛ أتحب بعض اللبن مع قهوتك؟»

كان صوتها ودودًا بدرجة كبيرة لكنه خالٍ تمامًا من الحميمية. كانت نبراته تشي بتحذيرٍ مفاده: «حافظ على المسافة الفاصلة بيننا.» قال لها: «بالتأكيد. يبدو هذا طيبًا. لكن لم يكن يجدر بك عمل كل هذا.»

قالت: «أنت ضيفي، ويسعدني ذلك.» لكن دون أن تنظر في عينيه.

صدر صوت مواء مرتفع من غرفة نومه، وذهب الاثنان ليجدا القط البرتقالي وقد انتصب فراؤه، ويتأهب لمواجهة أحد فئران التنظيف. كان الفأر، وهو جسم بيضاوي لامع طوله قدم وارتفاعه نحو أربع بوصات، يتحرك عبْر الأرضية على عجلات من المطاط الصلب، ويصدر هسيسًا خافتًا بينما يجوب الغرفة بحثًا عن أي فتات عضوي، وكان يتدلَّى من مؤخرته سلك مرن متصل بمقبس في الجدار. قال جونزاليس: «فتلهدأ يا قطي الصغير.» أصدر القط هسيسًا وركض خارجًا من الغرفة.

حين دخلا غرفة المعيشة، وجدا الباب الأمامي ينغلق. سألها جونزاليس: «هل سيعود؟»

«على الأرجح. إن القطط تأتي وتغادر كما تشاء، لكنها عادة ما ترتبط بأشخاص معينين، وهذا القط ارتبط بك.»

ساد الصمت بينهما، وبدا لجونزاليس أن أي شيء سيقوله أيهما سيكون مُربكًا أو مُحرِجًا. ربما كان هذا الشعور جزءًا من الآثار اللاحقة للعقاقير النفسية التأثير، رغم غياب الأعراض المعتادة الأخرى. كانت مُدركاته تبدو مستقرة، دون تزاحُم أو أزيز، ولم تكن مشاعره تتسم بالحدة أو التقلب الشديدين. في الواقع، كان يشعر بأنه أكثر استقرارًا وأقل قلقًا مما كان عليه حين دخل في البيضة. لذا ربما كانت التوءمان محقتين: إذا لم تستطِعِ الخروج مما يحدث، فلتغُص فيه.

ومع هذا، ظل لا يعرف ما يجب أن يقوله لليزي.

قالت: «لدينا بعض المشكلات.» ثم ذهبت إلى النافذة وأزاحت قطعة من القماش الواقي الأزرق وأشارت إلى حيث ظل الليل والضباب موجودين وقالت: «نحن في منتصف فترةِ ما بعد الظهيرة.»

«هل تداعى كل شيء؟»

«ليس كل شيء. نحن نبذل كلَّ ما في وسعنا بالاستعانة بعدد من الأجهزة شبه المستقلة — منظومات خبيرة مُعدَّلة في واقع الأمر — وبأفراد الجمعية.»

«كيف يسير الأمر؟»

«ليس طيبًا بما يكفي؛ إذ يمكننا الحفاظ على الوظائف الأساسية الآن، وهذا كلُّ ما في الأمر. ثَمَّة أمور مستعصية علينا؛ كالتحكم في المناخ مثلًا. الأمر شديد التعقيد؛ لأن كل شيء متصل بشيء آخر، وإلى الآن لم ننجح إلا في إفساد الأمر.»

«وما الذي ينتويه تراينور؟ هل سأل عني؟»

«نعم، لكنني ماطلته. إنه هو المسئول عن هذا، كما تعلم.» ثم اكتسى صوتها بنبرة غاضبة وأردفت: «هذا اللعين أصر على سحب الجميع منذ موت تشابمان.»

«وماذا قالت ألِف؟»

«لا شيء على الإطلاق. بعض أعضاء الجمعية حاولوا الاتصال بها لفترات وجيزة، ولم يجدوا سوى مشاهد طبيعية مقفرة خالية من البشر. نحن عالقون في ورطة كبيرة يا جونزاليس. وإذا انتهت ألِف، فستنتهي هالو بالمثل.»

قال: «يا إلهي!» كان هذا أمرًا متوقعًا بالطبع؛ فهالو من دون روحها الكائنة داخلها ستكون مجرد … ماذا؟ سيتوقف التنسيق الدقيق بين منظوماتها، وسيبدأ التفكك على الفور. سألها: «ماذا ستفعلون إذن؟»

«يسعدني أنك مهتم بالأمر، لأنك جزء منه.»

قال: «أفصحي عمَّا لديكِ.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠