الفصل الخامس

مجد بيلبو باجنز

تشارلز تاليافيرو وكريج ليندال-إربن

في الشعر والتاريخ الغربيين، أُرِيق قَدْرٌ هائلٌ من الدِّماء بسبب المجد؛ ﻓ «الإلياذة»، و«الإنياذة»، و«بيوولف»، وغيرها من الملاحم الغربية العظيمة الأخرى ترى المجد (الشهرة، والعزة، والسمعة) في القتل البطوليِّ لعدوٍّ ما، أو في هزيمة وحشٍ وأمِّه ثم هزيمة تنين، كما في بيوولف. ومن الشعر الهوميري مرورًا بالكثير من التاريخ والأدب اللاحقين، أُصقِل مفهوم المجد، إلا أنه غالبًا ما كان يحتفظ ببعضٍ من أصله الدموي.

كان أفلاطون (حوالي ٤٢٨–٣٤٨ق.م) وغيره من الفلاسفة الأوائل على وعي شديد بتقليد المجد، وسعوا لتحدِّيه وردِّه من خلال تقديمِ بديلٍ، أَلَا وهو حب الجمال. ففي مقابل المفهوم الهوميري والأسبرطي للمجد من خلال العنف، تَصوَّرَ أفلاطون الحياةَ كشيء أقرب لرحلة أو بحث، وللرحلة — بحسب أفلاطون — وجهتها التي تتمثَّل في الخير، والصدق، والجمال. ففي محاورات «الاعتذار» لأفلاطون، يعمد سقراط (حوالي ٤٧٠–۳۹۹ق.م) لتأديب مواطني أثينا قائلًا: «أَلَا تخجلون من تكديس أكبر قدرٍ من المال والعزة والسمعة، فيما لا تولون سوى قَدْرٍ يسيرٍ من الاهتمام للحكمة والحقيقة والتحسين الأعظم للروح؛ الذي لا تعتبرونه أو تبالون به على الإطلاق؟!»1 وعلى الرغم من أن أفلاطون والعديد من الفلاسفة من بعده قد أدركوا النفع والخير في البطولية والفضائل القتالية، فقد تشكَّكوا في كون المجد يتطلَّب عنفًا أرستقراطيًّا؛ فقد كتب الخطيب والفيلسوف الروماني شيشرون (١٠٦–٤٣ق.م)، على سبيل المثال، ذات مرة يقول: «ينبغي أن نكون مدركين للشغف بالمجد.»2

في هذا الفصل نحدِّد موقع جيه آر آر تولكين في هذا التقليد الأفلاطوني. في الأرض الوسطى، ثمة فرص وافرة للمجد في التقليد الكلاسيكي، إلا أن تولكين يُحذِّرنا أيضًا من الخطر المغري للسعي وراء المجد من أجل المجد. وتكمن عبقرية «الهوبيت» على نحوٍ خاصٍّ في تقديمهم بديلًا لأولئك الذين يبحثون عن المجد في المقام الأول. ويلتمس منَّا تولكين أن نأخذ على محمل الجد الخيرَ الكامنَ في الجمال المنزلي والمباهج البسيطة للبيت والمدفأة.

ولكن قبل البحث عن الجمال المنزلي في أعمال تولكين، لنستعرض معًا عن كثب تقليدَ المجد في كلٍّ من التقليد الملحمي الكلاسيكي وأرض تولكين الوسطى.

(١) المجد في الغرب والأرض الوسطى

كان لكلمة المجد (باليونانية kleos) في بدايتها بُعْدٌ ماديٌّ بسيطٌ؛ فقد تضمَّنت العرض المادي العام لغنائم المعركة التي تحقَّقَتْ من خلال حركة بطولية. لم يكن مجد الانتصار مجرد مسألة شهوة لإراقة الدماء، لكنْ مسألة تحرُّك منظَّم ومنضبط، ولم يكن قاصرًا بالضرورة على العزة الفردية؛ لأن المجد المتحقِّق يمكن أن يمتد ليشمل عائلة البطل، أو قبيلته، أو مدينته، أو إمبراطوريته. وقد كتب المفكِّر المسيحي القديم العظيم القديس أوجستين (٣٥٤–٤٣٠م) ما يلي عن الأبطال القدامى؛ حيث قال:
كانوا مكرسين للمجد بشغف وحماس؛ ولأجل هذا كانت رغبتهم في الحياة، ولأجل هذا أيضًا كانوا لا يتردَّدون في الإقدام على الموت. وكان هذا الولع غير المشروط بالمجد، بخلاف أي شيء آخَر، يكبح شهيتهم للأشياء الأخرى. كانوا يشعرون بأنه سيكون من العار على بلادهم أن يُؤسَروا، ولكن سيكون مفخرة لها أن يكون لها نفوذ وإمبراطورية؛ ولذلك عقدوا العزم على تحريرها أولًا، ثم على جعلها تَحْكُم.3
كان الاكتساب البطولي للمجد من خلال بلوغ مثل هذه القوة والنفوذ يتناسب مع مجد العدو الذي قُتِل ونُهِب ومنزلته، وهذا هو نوع المجد الذي يسعى له أخيل وهكتور في «الإلياذة» حين يواجه أحدهما الآخَر خارج جدران طروادة.4 فحين يقتل هكتور أعزَّ أصدقاء أخيل، ثم يقوم أخيل بذبح هكتور، يحظى أخيل بالمجد، لانتقامه لمقتل صديقه ونظرًا لعظمة هكتور؛ أنبل أمراء طروادة ومحاربها الأعظم.

لم يكن مفهوم البطل المهيب قاصرًا على الأدب فقط؛ فقد تأثَّرَ تاريخ العالم ذاته برحلة البحث عن المجد الهوميري. فكان الإسكندر الأكبر (۳٥٦–۳٢۳ق.م) مفتونًا بما اعتبره الفضائلَ الرجولية للمجد في «الإلياذة»، وسعى للتأسِّي بأخيل كنموذج. وبحسب المؤرخ بلوتارخ (حوالي ٤٦–١٢٠م)، احتفظ الإسكندر بنسخة من «الإلياذة» معه خلال حملاته العسكرية، حتى إنه كان ينام وهي تحت وسادته! وصار سعي الإسكندر وراء المجد نموذجًا يُحتذَى لدى يوليوس قيصر (١٠٠–٤٤ق.م) عندما كان يسعى لمساواة مجد روما بشخصه. وربما يُنظَر لهذا السعي القديم أيضًا باعتباره المغذي للطموح الإمبريالي الحديث في الدول الأوروبية العظمى؛ مثل: فرنسا، وإسبانيا، وبريطانيا العظمى، وألمانيا النازية.

مع ظهور المسيحية، تحوَّلَ مفهوم المجد من ميادين المعارك الدنيوية والقوة الإمبريالية إلى القيمة المثالية المتمثِّلة في أن الله يستحق المجد والولاء المطلَقَيْن؛ فكان المسيحيون يرون السعي الجاهلي وراء المجد خطيئةً وعبثًا، وفي ذلك كتب أوجستين ما يلي:
إن هذه «الشهوة للهيمنة» تجلب شرورًا كبرى لإزعاج الجنس البشري بأسره وإنهاكه. لقد هُزِمت روما بسبب هذه الشهوة حين انتصرَتْ على غزو ألبا، وأطلقت على التهليل الشعبي لجريمتها اسمَ «المجد»؛ إذ إن «الآثم» — مثلما يقول الكتاب المقدس — «يُمتدَح في رغبات روحه، ويُبارَك الإنسان ذو الأفعال الخبيثة.»5

كان المجد والمديح من منظور أوجستين وغيره من المسيحيين الأوائل يعودان في المقام الأول لله، ولم يكن تمجيد الله لعطاياه ونِعَمه وكماله شيئًا خيِّرًا في حدِّ ذاته فحسب، بل ساعَدَ أيضًا في كبح جماح الغرور الإنساني والطموح العنيف. وبالنظر إلى أن الكثير من المسيحيين الأوائل قد تبنَّوا مبدأ السلام الكامل، فقد كانت هناك أيضًا فرصة حقيقية في اقتطاع مفهوم المجد من ماضيه الجاهلي، غير أنه — كما أشار تولكين — لم يكن من السهل على المسيحيين التخلِّي عن مفهوم المجد الكلاسيكي.

في عام ١٩٣٦ ألقى تولكين محاضرةً في الأكاديمية البريطانية بعنوان «بيوولف: الوحوش والنقاد». كانت الملحمة البطولية الإنجليزية القديمة «بيوولف» (التي تمَّ تأليفها فيما بين القرن الثامن والقرن الحادي عشر) تضمُّ شتى أنواع العناصر المسيحية، ولكن تولكين أشار إلى أن هذه العناصر كانت من قبيل الزينة والزخرفة إلى حدٍّ كبير. فأسفل هذه الإشارات والمراجع المسيحية كان هناك تقليد بطولي للمجد في غاية النشاط من عصر ما قبل المسيحية؛ أَلَا وهو كسب المدح من خلال العنف. فبطل القصة، بيوولف، أشبه بالأبطال الكلاسيكيين منه إلى يسوع في العهد الجديد الذي لا يميل للعنف، ويحث أتباعه على أن يحبوا أعداءهم وأن يديروا لهم الخدَّ الآخَر. وبينما كان يسوع يعظ بالرأفة والرحمة والصفح والتواضع، كان تركيز بيوولف منصبًّا أكثر بكثير على بهجة الانتصار وتحقيق الشهرة المهيبة المجيدة.

في أرض تولكين الوسطى، هناك بالتأكيد مكان للبطولة على أرض المعركة؛ ففي رواية «الهوبيت»، يتوافق هجوم ثورين في معركة الجيوش الخمسة بشكلٍ مباشِر مع التقليد البطولي الكلاسيكي:
فجأةً انطلقت صيحةٌ، وجاء صوت نفير عَبْرَ البوابة. لقد نسوا ثورين! … هبَّ الملك أسفل الجبل، وتَبِعه رفاقه. تلاشت القلنسوة والعباءة، وصاروا لا يَرْتَدون سوى الدرع البرَّاقة، وقفز من أعينهم شعاع ضوء أحمر. ووسط الظلام الدامس تألَّق القزم العظيم مثل الذهب في نيران محتضرة.6
وعلى الرغم من أن ثورين يموت في المعركة، فإنه يحقِّق المجد من خلال الهزيمة النهائية لأعدائه وبلوغ مسعاه البطولي بنجاح. وينجح ثورين في الظفر بالمجد العظيم بصفة خاصة بفضل القوة الكاسحة الهائلة التي لا بد أن يواجهها؛ مصداقًا لما لاحَظَه شيشرون من أن «كلما عظمت المشقة؛ عظم المجد.»7
تتجلَّى مثل هذه الفرص لبلوغ المجد الكلاسيكي بدرجة أكبر في رواية «عودة الملك» حين يصف تولكين ما يتضح أنه المحطة الأخيرة لأراجورن. ففي لحظة يمكن اعتبارها أعظم لحظاته، يُنَظِّم أراجورن قواته قبل بلوغ بوابة موردور السوداء. ويعرض تولكين هذه اللوحة الأخَّاذة لأراجورن بعد فتح البوابة مباشَرةً ومواجهة رجال الغرب لقوات معادية تَفُوقهم عددًا بعدَّة مرات:
لم يكن أمام أراجورن سوى القليل من الوقت من أجل تنظيم معركته. وعلى التلِّ وقف مع جاندالف، وهناك رُفِعَتْ راية الشجرة والنجوم، وعلى التل الآخَر على مسافة قريبة للغاية وقف رايتا روهان ودول أمروث، الحصان الأبيض والبجعة الفضية، في هدوء وقنوط. وعلى كل تلٍّ تقريبًا صُنِع خاتمٌ مواجِهٌ لجميع الطرق، مدجَّج برمح وسيف. ولكن في المقدمة في اتجاه موردور، حيث سيأتي الهجوم المرير الأول، وقف ابنا إلروند إلى اليسار وبالقرب منهما وقف الدوندين، وإلى اليمين وقف الأمير إمراهيل مع رجال دول أمروث ذوي القامة الطويلة والبشرة الشقراء، وراحوا يحصدون حرسَ البرج من البشر.8

إن هذه المجموعة من المحاربين، بأسمائهم المهيبة وزيهم وشاراتهم القتالية، على موعد مع لحظة مجدهم. وحقيقة أن الانتصار يبدو مستحيلًا تجعل بطولتهم أكثر تألقًا وإشراقًا؛ فأراجورن وشَعْبُه سوف يكرِّسون أنفسهم للموت إن اقتضت الضرورة.

في رواية «الهوبيت»، يبدو أن بيلبو نفسه يحظى بالمجد من خلال القتال باستبسال؛ فترى بيلبو يهاجم العناكب المتوحشة بشجاعةٍ وإقدامٍ، ويتغلَّب عليها من أجل تحرير أصدقائه، وينجح في تحرير أصدقائه (مرة أخرى) بعد أن يتم أسرهم في ردهات ملك الجن تحت الأرض، ويتصدَّى لتنينٍ فتَّاكٍ مهلكٍ، ويستخدم فطنته ومهارته ليتفوَّق بالحيلة على جولوم الخائن، وفي مخاطرة شخصية كبيرة يُجبِر ملكًا متغطرسًا على الموافقة على التنازل عن جزء من إرثه، على الرغم من أن هذا يكلِّف بيلبو ثروةً.

وعلى الرغم من أن وجود كل هذه العناصر الخاصة بالمجد الكلاسيكي في أعمال تولكين الخيالية، فإنه يقدِّم لنا في الواقع نقدًا لهذا التقليد.

(٢) الجمال أولًا! ثم المجد!

كما أشرنا في بداية الفصل، كان أفلاطون متشكِّكًا بشأن السعي وراء المجد البطولي لأجل المجد ذاته. وربما كان هذا يُعزَى جزئيًّا لتجاربه وخبراته في الحرب البيلوبونسية (٤٣١–٤٠٤ق.م) التي كانت معركة حياة أو موت بين أثينا وأسبرطة. كانت الحرب غير متصوَّرة في وحشيتها، تاركةً عشرات الآلاف من القتلى جرَّاء العنف، والمرض، والجوع. وقاد الصراع — الذي لاقَى دفاعًا في البداية من قِبَل رجال الدولة الأثينيين باسم السيطرة الإمبريالية والمجد الخالد — إلى إبادة أثينا وانتحار الحضارة اليونانية.

عوضًا عن المجد، حضَّ أفلاطون على السعي وراء الجمال، والحقيقة، والخير؛ وهي القِيَم التي اعتبرها معزِّزة للحياة بطبيعتها ومصدرًا للابتكار والإبداع الأمثل. ويذهب أفلاطون إلى أنه من خلال الاستمتاع بالخير، نستطيع بشكل أفضل السعيَ وراء العدالة. وفي محاورته «المأدبة»، أثنَى أفلاطون على قوة المجد، ولكنه أصرَّ على أن الإبداع والإنتاجية الحقيقيَّيْن يوجدان في الاستمتاع بالجمال، وقد شبَّهَ حبَّ الجمال بعملية التناسُل على عكس حب المعركة.

لم يَقُمْ سقراط أو أفلاطون بتعليم اللاعنف التام؛ ففي طرحه عن الدولة المثالية في «الجمهورية»، اعترف أفلاطون صراحةً بالحاجة إلى نظامٍ عامٍّ ودفاعٍ مسلَّحٍ، غير أنَّ الشيء الغائب هو نوع التباهي بالمجد الذي دفع بأثينا نحو الدخول في صراعها الكارثي مع أسبرطة. بل إن أفلاطون أوصى في نهاية كتاب «الجمهورية» بحياةٍ هادئةٍ مكرسةٍ للفضيلة والحكمة وليس للسعي وراء النفوذ والمجد العسكري.9 ومثلما رأينا، تحوي رواية «الهوبيت» وأعمالُ تولكين الخيالية الأخرى مكانًا للمجد الكلاسيكي، ولكن المجد الحقيقي جرى تعريفه والتعمُّق فيه من خلال ربطٍ أفلاطونيٍّ (ومسيحي) للمجد بالفضيلة، بما في ذلك فضائل التواضع، والرحمة، والتآلُف، والإيثار.
حين يسأل ثورين جاندالف بشأن اتخاذ طريق خطر بعينه إلى مملكته المفقودة، يحذِّره جاندالف من ذلك قائلًا:
قال الساحر: «لن يكون لذلك أي جدوى دون وجود محارِبٍ قويٍّ، بل بطل. لقد حاولتُ أن أجد واحدًا، ولكن المحاربين مشغولون بمحاربة بعضهم بعضًا في أراضٍ بعيدة، والأبطال في المناطق المجاورة نادرون، أو ببساطة ليس لهم وجود. فالسيوف في هذه المناطق كليلة في معظمها، والفئوس تُستخدَم من أجل قطع الأشجار، والدروع تُستخدَم كمهاد أو أغطية للصحون.»10
يقع الاختيار على بيلبو للانضمام إلى ثورين والرفقة، ليس بصفته محاربًا شديد البأس، ولكن بصفته لصًّا؛ مما يُعَدُّ دورًا كوميديًّا نسبيًّا. ومن ثَمَّ لا يمكن أن نتوقَّع من بيلبو تحقيقَ مجدٍ في التقليد الحربي الكلاسيكي، مصداقًا لما كتبه شيشرون: «الزي الحربي الذي يزين كل تماثيلنا تقريبًا يُعَدُّ دليلًا آخَر على ولعنا بالمجد في الحرب.»11 وبعيدًا عن مهمة بيبين القصيرة، كونه أحد أفراد برج حرس جوندور وفريق الهوبيت لتطهير الشاير، فإن المرة الوحيدة التي ارتدى فيها الهوبيت الملابسَ العسكرية في أعمال تولكين كانت عندما اتَّشَح فرودو وسام بخوذات ودروع أوركية كبيرة الحجم بشكل مثير للضحك على سبيل التنكُّر في موردور.
لا تبدأ رواية «الهوبيت» بالطريقة التي قد يقدِّم بها ثورين نفسه؛ بالألقاب الأرستقراطية وأغانٍ من الزمن القديم. فنحن لا نفتح الكتاب لنقرأ عن غضب ثورين وحنقه بالطريقة التي نعلم بها عن غضب أخيل في السطور الافتتاحية من «الإلياذة». ففي بداية كتاب تولكين نعلم أن الهوبيت قومٌ بسطاء هادئون ليس لهم أية مغامرات ولا يفعلون أي شيء غير متوقَّع؛ فهم يحبون أباريق الشاي، والغليون، والفطر، والجعة، والحقول المعتنَى بها جيدًا، والبيوت المريحة التي تشبه الجحور. وفي أول لقاءٍ ببيلبو، يصفه أحد الأقزام بأنه يبدو «أقربَ لبقَّالٍ منه إلى لصٍّ!»12
إنَّ أقزامَ تولكين وجنَّه وبَشَرَه منجذبون لفتنة المجد والشهرة، ويبدو الأقزام على وجه الخصوص مغرمين بسمعتهم في صناعة الأسلحة، والأقداح، والقيثارات، وشتى أنواع الأشياء الثمينة. وفي بداية «الهوبيت»، بينما يُغَنِّي الأقزام في الحفل المفاجئ في لاج إند، يتأثَّر بيلبو بامتداحهم للأشياء محل الرغبة:
بينما راحوا يُغَنُّون، شَعَر الهوبيت بحبٍّ للأشياء الجميلة المصنوعة باليد والدهاء والسحر يسري عَبْرَ جسده، حبٍّ عاتٍ تملؤه الغيرة، رغبة قلوب الأقزام. حينئذٍ استيقظ شيءٌ مغامِرٌ بداخله، وتمنَّى لو ذهب وشاهد الجبال الشاهقة، وسمع حفيفَ أشجار الصنوبر وشلالات الماء، واستكشف الكهوف، وأمسك سيفًا بدلًا من عصا مشي. فنظر من النافذة … وراح يفكِّر في جواهر الأقزام وهي تلمع في المغارات المظلمة.13
إذن فإنَّ بيلبو قادرٌ بالتأكيد على أن يُفْتَن بالأمجاد التي قد يظفر بها بسيف وكنز، وتغمره رهبة الثروة ومجدها حين يواجه ثروة سموج المسلوبة:
كان بيلبو قد سمع حكايات وأغاني عن كنوز التنين مِنْ قبلُ، ولكن لم تكن روعة مثل هذا الكنز وشهوته ومجده قد انتابته بَعْدُ. فكان قلبه عامرًا ومُخترقًا بسحر الأقزام ورغبتهم؛ فراح يحملق دون أن يحرِّك ساكنًا في الذهب الثمين الذي لا يُحصى، ناسيًا الحارس المخيف.14
ولكن بينما يشعر بيلبو بفتنة المجد، فإنه لا يقع تحت إغرائها. وتتضح حصانة بيلبو المطلقة ضد إغراء المجد والشهرة الدنيويين في استجابته لحسرة داين على عدم حصول بيلبو على نصيبٍ مُجْزٍ من الثروة، فتأتي إجابة بيلبو زاخرة بالتواضع. ويبدو أيضًا أنه يشير ضمنًا إلى أن الثروة العظيمة بطبيعتها غير آمنة؛ إذ تميل لإثارة العنف:

قال بيلبو: «هذا كرم عظيم منك، ولكن في ذلك راحة لي حقًّا؛ فكيف ينبغي بحقِّ الأرض أن أحمل كل هذا الكنز إلى الوطن دون وقوع حربٍ وقتلٍ طوال الطريق؟! لا أعرف. ولا أعرف ما الذي ينبغي أن أفعله به حين أعود إلى الوطن! أنا على يقين من أنه من الأفضل أن يظل بين يديك.»

وفي النهاية يأخذ صندوقين صغيرين فقط، أحدهما مملوء بالفضة، والآخَر بالذهب، وهو ما يستطيع حصانٌ قويٌّ حَمْلَه، وقال: «سيكون هذا في حدود قدرتي على التصرف فيه.»15
حين يودِّع بيلبو الأقزام الذين نجوا من المعركة الكبرى، لا يودِّعهم وداعَ مُقاتِلٍ صَلْدٍ جازَفَ بكلِّ شيء من أجل خَلْق تحالُف حقق النجاح. وتجد الأقزام يتحدَّثون عن مأدبة عظيمة سيقيمونها لبيلبو عند عودته، ولكن إجابة بيلبو تأتي عادية بشكل جذَّاب وليس بها أي لمحة بطولية:

بعد ذلك انحنى الأقزام أمام بوابتهم، ولكن الكلمات علقت في حناجرهم. وفي النهاية قال بالين: «وداعًا وحظًّا سعيدًا أينما حللتَ. إذا عاودْتَ زيارتنا، حين تعود ردهاتنا جميلةً مرة أخرى، فستكون الوليمة فاخرة بحقٍّ.»

قال بيلبو: «إذا مررتم بطريقي، فلا تنتظروا حتى تطرقوا الباب! إنَّ موعد الشاي في الرابعة، مرحبًا بأيٍّ منكم في أي وقت!»16

يقاوم بيلبو بذلك صنوفَ الإغراءات التي لازمَتْ سيدَ مدينة البحيرة، وثورين، وسموج، والآخَرين الذين يشتهون الأشياء والشهرة الدنيوية.

ولا شكَّ أنَّ شجاعة أراجورن المؤثرة معادلةٌ لأفضل ما في قائمة الأبطال الكلاسيكية، ولكن لاحِظْ أنَّ وقفته العظيمة قبالة بوابات موردور كانت لخلق نوع من التشتيت والإلهاء حتى يتمكَّن اثنان من الهوبيت الشجعان المتواضعين (بقدرٍ يسيرٍ غير مقصود من العون من جولوم) من توجيه الضربة القاضية للعدو عن طريق تدمير خاتم القوة. ربما بَدَا بيلبو بقَّالًا متواضع الحال بالنسبة للأقزام في بداية «الهوبيت»، وربما لم تَبْدُ لفرودو (وريث بيلبو) وسام (البستاني) أهميةٌ تَفُوق أهمية أصحاب الحوانيت بالنسبة لسورون الشرير. ولكن يظل من الحكمة ألا تقلِّل من قيمة المجد الذي يمكن الفوز به من قِبَل أصحاب الحوانيت العاديين الذين لم تَجْرِ تنشئتهم من أجل خوض معركة أرستقراطية؛ فقد أشار نابليون ذات مرة إلى أن إنجلترا كانت أُمَّةً من أصحاب الحوانيت، غير أن هذه الأمة لعبت دورًا حاسمًا وبالغ الأهمية في إنهاء سيطرته على أوروبا.

يتلقَّى فرودو وأتباعه من الهوبيت قَدْرًا كبيرًا من الإشادة والمجد في حفل تنصيب أراجورن في نهاية أحداث «سيد الخواتم»، ولكن هذه الإشادة ليست الإشادةَ ذات الصوت الأجشِّ المميِّزة للمحاربين في التقليدِ الهوميريِّ؛ فالمجدُ ليس إشادةً بالقوة الطبيعية الخام، ولكن بالعَظَمة التي تتحقَّق على يد المتواضعين. فإنجاز بيلبو يوسِّع نطاق التصنيف الكلاسيكي للبطولة الموضَّح في المقال الكلاسيكي للمؤرِّخ البريطاني توماس كارلايل (١٧٩٥–١٨٨١) «عبادة الأبطال».17 يُعرِّف كارلايل أنواعًا عدَّةً من الأبطال، بما في ذلك البطل، كصاحب صفة إلهية، ورسول، وشاعر، وقديس، وفنان، وكاتب، وحاكم. ولا بد أن تكون هناك فئة إضافية، أَلَا وهي البطل كهوبيت متواضِع.18

(٣) تركيب وتغيير طبيعة الهوبيت

بينما ينتقد تولكين في روايته «الهوبيت» المفهومَ الكلاسيكي للمجد، فإنه يحذرنا أيضًا من خطر أن نكون شخصيات بيتية أكثر من اللازم، فيقول إنه لولا التجارب والمغامرات، لكان هناك القليل جدًّا للتحدُّث بشأنه:
إنه لشيء غريب، ولكنَّ الأشياءَ الجديرة بامتلاكها والأيامَ الجديرة بقضائها سرعان ما يُحكَى عنها ولا يُستمَع إليها كثيرًا؛ بينما الأشياء المزعجة والمثيرة للاضطراب، وحتى الشنيعة، تصلح كحكاية جيِّدة، وتستغرق قَدْرًا كبيرًا من الحكي على أيِّ حال.19
وتبدو الحكايات والمحادثات الجيدة هي العناصر الأساسية في توجيه جاندالف لبيلبو. لقد كان بيلبو بحاجةٍ لمواجهة المغامرة والخطر؛ خشية أن ينزلق بشكل تام إلى الحياة المريحة الخالية من المغامرات التي يحياها جيرانه،20 فمن دون مغامرة محفوفة بالمخاطر، ما استطاعَ جاندالف أن يقول (بعاطفة وتأثُّر): «عزيزي بيلبو! … ثمة خطب بك! أنت لستَ الهوبيت الذي كنتَ عليه من قبلُ.»21 لقد فاز بيلبو بالفعل بنوعٍ من المجد وكُرِّمَ بشكل رائع في مشيبه من قِبَل الجن في ريفيندل.
ولكن على عكس البطل الكلاسيكي، يحتفظ بيلبو بحبٍّ لجمال الأشياء المنزلية الصغيرة وسط كل مغامراته الخطرة والمدحِ الذي يحظى به. ربما يكون بيلبو قد فَقَدَ بعضًا من ملاعقه الفضيَّة الجميلة لدى عودته إلى شاير، ولكنه تعلَّمَ من بيورن درسًا مهمًّا عن القيمة المحدودة للمجد والثروة؛ فلم يكن بيورن منبهرًا على الإطلاق بحب ثورين والرفقة للثروة الزائلة:
كان أغلب حديثهم عن الذهب والفضة والجواهر وصنع الأشياء بواسطة الحدادة، ولم يَبْدُ أن بيورن يعير أدنى اهتمامٍ لمثل هذه الأشياء؛ فلم تكن هناك أشياء من ذهب أو فضة في ردهته، وعدا السكاكين كانت قِلَّة من الأشياء مصنوعة من المعدن من الأساس.22
ربما لم يكن تولكين يتبع أفلاطون عن وعيٍ وإدراك في إخضاع المجد للخير والجمال، ولكن نهاية «الهوبيت» تُلْمِح إلى تأكيدٍ أفلاطونيٍّ على الجمال الدنيوي باعتباره السبيلَ لما هو مهم حقًّا في الحياة. فيقول جاندالف:

«أنت شخصٌ في غاية الروعة يا سيد باجنز، وأنا في غاية الإعجاب بك، ولكنك في النهاية مجرد شخص ضئيل الحجم في عالم رحيب!»

فقال بيلبو ضاحكًا: «شكرًا لله!» وناوَلَه برطمان التبغ.23

إن هذا الحب للتبغ والوجبات والبساتين والأشياء البسيطة الأخرى هو ما يكبح جماح السعي وراء المجد المفرط.

كان سقراط وتلميذه أفلاطون سيتفقان مع ذلك. فالحديث في «المأدبة»، أشهر محاورات أفلاطون عن الحب والجمال، لا يدور على أعتاب معركة (كما هو الحال في «بهاجافاد جيتا»)، أو في معسكرٍ حربيٍّ (كما في «الإلياذة»). فقد كان المكان عبارة عن حفل يحاول كلٌّ من المشاركين فيه التفوقَ على الآخرين في الحكمة وإعداد الخطب. فالجميع يشاركون في إنشاء فلسفة للحب، مع الاستثناء الشهير الذي يجسِّده مقاتلٌ عنيدٌ هو ألكيبيادس؛ إذ يظهر هذا الشاب المشهور بوسامته عاجزًا عن حب الجمال حبًّا حقيقيًّا؛ فهو أفضل في الإغواء، والسعي وراء المتعة، والتعقُّب الشخصي للمجد، وهو طموح أفضى به في النهاية إلى تسليم أثينا لألدِّ أعدائها؛ أسبرطة. لقد أشار أفلاطون وتولكين إلى الطريق لعالم أكثر بهجةً.24

هوامش

(1) Plato, “The Apology,” in Dialogues of Plato, trans. Benjamin Jowett (New York: Random House, 1937), 1:412-13.
(2) Cicero, De Officiis, trans. George B. Gardiner (London: Methuen, 1899), 33.
(3) Saint Augustine, City of God, trans. Henry Scowcroft Bettenson (Harmondsworth, UK: Penguin, 1972), 197.
(4) A vivid portrait of ancient Greek glory may be found in book 15, lines 644–652; book 17, lines 412–419, 453–455, and 563–566; and book 19, lines 202–214. For a vivid overview of pagan glory, see William Durant, The Story of Civilization: The Life of Greece (Norwalk, CT: Eaton Press, 1992), 50.
(5) Saint Augustine, City of God, 104.
(6) J. R. R. Tolkien, The Hobbit: or, There and Back Again (New York: Del Rey/Ballantine Books, 2001), 285.
(7) Cicero, De Officiis, 32.
(8) J. R. R. Tolkien, The Lord of the Rings: The Return of the King (New York: Del Rey/Ballantine Books, 2001), 175.
(9) Aristotle (384–322 BCE), Plato’s great pupil and the tutor of Alexander the Great, agreed. See his critique of honor as the chief good in Aristotle, Nicomachean Ethics, trans. Martin Ostwald (Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1969), 1095b22–29.
(10) Tolkien, The Hobbit, 21-22.
(11) Cicero, De Officiis, 30.
(12) Tolkien, The Hobbit, 18.
(13) Ibid., 15-16.
(14) Ibid., 215-16.
(15) Ibid., 293.
(16) Ibid., 294.
(17) Thomas Carlyle, Past and Present (New York: Charles Scribner’s Sons, 1918), 40–46.
(18) For an excellent analysis of hobbits as heroes, see Richard Purtill, J. R. R. Tolkien: Myth, Morality, and Religion, 2nd ed. (San Francisco: Ignatius Press, 2003), 59–77.
(19) Tolkien, The Hobbit, 51. In one of his letters, Tolkien notes that one moral of The Lord of the Rings is that “without the high and noble the simple and vulgar is utterly mean; and without the simple and ordinary the noble and heroic is meaningless.” Humphrey Carpenter, ed., The Letters of J. R. R. Tolkien (Boston: Houghton Mifflin, 1981), 160.
(20) As Tolkien notes in a later story, Gandalf’s plans to get rid of Smaug nearly failed because Bilbo had changed greatly in the years since Gandalf had last seen him. Bilbo “was getting rather greedy and fat, and his old desires had dwindled down to a sort of private dream.” J. R. R. Tolkien, “The Quest of Erebor,” in Unfinished Tales of Númenor and Middle-Earth, ed. Christopher Tolkien (Boston: Houghton Mifflin, 1980), 232.
(21) Tolkien, The Hobbit, 302.
(22) Ibid., 126.
(23) Ibid., 305.
(24) We wish to thank Eric Bronson and Gregory Bassham for their excellent insights on glory and hobbits; we are deeply grateful for their encouragement and contributions to our inquiry. We also wish to thank Elizabeth Clark for her brilliant assistance in researching and editing this chapter.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠