الفصل الثالث

فهْم الذات

لقد استمرَّ المعلمون الروحانيُّون في القرن العشرين في تعليم تلاميذهم وإرشادهم بالأساليب التقليدية مع استخدام تقنيات اتصال حديثة في الوقت نفسه، وأهمها الكلمة المطبوعة، ووسائل النقل الحديثة، ومؤخرًا الكمبيوتر والإنترنت. وبفضل ذلك، يحظى عدد من المعلمين الروحانيِّين بأتباعٍ على مستوى العالم، والجماعات الناجحة المتمركزة حول معلم روحاني، مثل إرسالية سوامينارايان الهندوسية والجمعية الدولية للوعي بكريشنا، وحركة شايفا سيدهانتا، لديها مراكز في الهند وخارجها، ويسافر معلموها حول العالم لزيارة تلاميذهم، وآخر هذه الجماعات حركة هندية جنوبية يقودها في الغرب معلم روحاني يُدعَى سيفايا سوبرامونياسوامي، وهو أمريكي المولد وهندوسي شايفا الأصل. استخدم سيفايا وسطًا يتمثَّل في صحيفة توزَّع عالميًّا، وهي «هيندويزم توداي»، للوصول إلى التلاميذ الحاليين والمحتملين، وغيرهم من الأشخاص المهتمين بالأمر. وأي شخص يرغب في معرفة أفكار هذا الرجل حول الطبيعة ومصير الذات يمكنه الوصول إليها عن طريق البحث في أرشيف الصحيفة السالفة الذكر على الإنترنت. وفي إصدار نوفمبر ١٩٩٦ من «بابليشرز ديسك»، أجاب سيفايا سوبرامونياسوامي على سؤال «مَن أنا؟» قائلًا:

يشير الحكماء (ريشي) إلى أن هُويَّتَنا لا تكمن في أجسادنا أو عقولنا أو مشاعرنا، وإنما نحن أرواح سماوية في رحلة مُعجِزة. لقد أتينا من الإله، ونعيش في الإله، ونتطور لنصير واحدًا مع الإله! نحن، في الحقيقةِ، الحقيقةُ التي نسعى إليها. أوم.

نحن أرواح خالدة تعيش وتنمو في مدرسة الخبرة الدُّنيويَّة العظيمة التي نعيش فيها حيواتٍ عديدةً. وقد منحنا حكماء «فيدا» الشجاعة بالنطق بحقيقة بسيطة؛ وهي أن «الإله هو حياة حياتنا.» وذهب حكيم عظيم إلى ما هو أبعد من ذلك بقوله إن ثمة شيئًا واحدًا فقط لا يمكن للإله فعله، ألَا وهو الفصل بينه وبيننا؛ وذلك لأن الإله هو حياتنا. الإله هو الحياة في الطيور! الإله هو الحياة في السمك! الإله هو الحياة في الحيوانات!

إن إدراكَ هذه الطاقة الحياتية في كلِّ ما يحيا يعني إدراكَ الوجودِ الحنونِ للإله داخلنا. نحن الوعيُ والطاقة الأبديان المتدفقان في كل شيء.

والتلاميذ الذين الْتَزموا باتِّباع تعاليم هذا المعلِّم الروحاني يمكنهم الوصول إليه أيضًا مباشرةً عن طريق البريد الإلكتروني، ليطرحوا عليه ما لديهم من أسئلة بشأن الروح أو الذات، وبذلك، تكون لدينا صورةٌ جديدة لفكرةٍ قديمة موجودة في «أوبانيشاد»؛ وهي صورة الباحث عن الحقيقة لدى أحد الحكماء. وعلى الرغم من أن العلاقة بين التلميذ والمعلم الروحاني لا تكون عميقةً حتى يتأهَّل الأوَّل على يد الأخير، يمكن للباحث عن الحقيقة الحصولُ على إجابات مبدئية عن الأسئلة الوجودية والعملية بغضِّ النظر عن المسافة أو الطائفة أو الجنسية أو النوع أو الدين.

لاستكشاف المزيد من الأفكار الهندوسية عن الذات، من المفيد الرجوع إلى قصةٍ أقدم بكثير يتلقَّى فيها تلميذ التعليم على يد معلمه الروحانيِّ. تخيَّل تلميذًا شابًّا في العشرينيات من عمره يُدْعَى شفيتاكيتو، ومعلِّمه الذي هو في الأساس والده، والذي يُدعى أودَّلاكا أروني. كان شفيتاكيتو قد درس «فيدا» بالفعل، واعتقد بذلك أنه قد تعلَّم، وعاد إلى منزل والده. وهناك، اكتشف والده أن ابنه، بالرغم من سنوات دراسته، لم يكن يدرك طبيعة الحقيقة الصحيحة إدراكًا كاملًا. وباستخدام مثال ثمرة التين، يوضح أودَّلاكا أن الجوهر نفسه موجود في كل شيء: فسمات ثمرة التين موجودة في الفاكهة، وفي البذور الموجودة بداخلها، وفي الشجرة التي طرحت منها. ولتأكيد فكرته، يعلِّم الأبُ ابنَه باستخدام مثال المِلح:

ضع هذه الكمية من المِلح في إناء به ماء، واتركها حتى الغد.

نفَّذ الابنُ ما أُمِر به، وقال له والده: «أحضِرْ إلى هنا الملح الذي وضعتَه في الماء الليلة الماضية.» فتلمَّس الابنُ مكانَ المِلح في الإناء، لكنه لم يجده؛ لأنه كان قد ذاب تمامًا.

فقال الأب: «والآن، ارتشف رشفة من هذا الجانب، ما مذاق الماء؟»

– مِلح.

– ارْتَشِفْ رشفةً من المنتصف، ما مذاقها؟

– مِلح.

– ارتشفْ رشفةً من ذلك الجانب، ما مذاقها؟

– مِلح.

– «تخلَّص من الماء، وعُد في وقت لاحق.» ففعل الابن ما أُمِر به، ووجد أن المِلح كان موجودًا دائمًا في الإناء. وقال له والده: «أنت، بالطبع، لم تَرَه هناك يا بني، لكنه كان موجودًا دائمًا هناك، هذا هو الجوهر الدقيق الذي تتألَّف منه ذات هذا العالم بأكمله، هذه هي الحقيقة؛ هذه هي الذات (أتمان). وهذا ما أنت عليه يا شفيتاكيتو!

أوبانيشاد: أوبانيشاد تشاندوجيا
إن عبارة «هذا ما أنت عليه» ترجمة لعبارة سنسكريتية شهيرة هي Tat tvam asi. وتُعبِّر هذه العبارة عن فكرة أن الحقيقة التي تكمن في كلِّ شيء وتمثِّل جوهره هي نفسها حقيقة ذات شفيتاكيتو (أتمان)، وهذه الحقيقة أو الذات هي قوة الحياة (براهمان) في كلٍّ من العالم والبشرية، ويُنظر إلى هذه الكلمات الثلاث المهمة Tat tvam asi على أنها تحتوي على حقيقة مهمة بشأن طبيعة الحقيقة، وأن لديها القدرة على تحقيق إدراك الذات. وبالإضافة إلى ظهور هذه العبارة وغيرها من العبارات الأخرى المهمة في «أوبانيشاد»، فهي توجد أيضًا في مَجْمَعٍ للحِكَم متأخِّر يُعرَف باسم «براهما-سوترا» أو «فيدانتا-سوترا». ولقد لخَّص هذا النص تعاليم «أوبانيشاد» حول الحقيقة المطلقة (براهمان)، وصار جوهريًّا في نظام فلسفي يُعرَف باسم «فيدانتا» (انظر الإطار التالي). وكان نظام فيدانتا أحد الأنظمة الفلسفية التقليدية الستة (دارشانا) في الهندوسية؛ وكان نظام «يوجا» أحد هذه الأنظمة أيضًا (انظر الملحق).

لفهم المزيد عن نظام فيدانتا الفلسفي، ولا سيما ما يقوله عن الذات، سوف نُلقِي نظرة سريعة على كيفية فهْم ثلاثة فلاسفة وعلماء لاهوت في الوقت نفسه للذات، واستمرار أهمية أفكارهم بالنسبة إلى الحركات الهندوسية الحديثة؛ كان شانكارا ورامانوجا ومادهفا برهميين من جنوب الهند واشتُهروا بمهارتهم في التأويل الفلسفي. وصاروا معروفين بمناهجهم المختلفة المتعلقة بنظام فيدانتا. فقدَّم كلٌّ منهم تفسيرًا مختلفًا متَّسقًا مع تقليد فيدانتا، لكنه وثيق الصلة في الوقت نفسه بالزمن الذي عاش فيه، وسوف نتعرف على المزيد من المعلومات حول هؤلاء الشخصيات بعد قليل، لكننا سنتناول أولًا صِلَتَهم بالهندوسية المعاصرة.

عندما تعرَّف الغربيون لأول مرة على الرُّوحانية الهندوسية في أواخر القرن التاسع عشر على يد مُعلِّمٍ رحَّالة يُدعَى فيفيكاناندا (انظر أيضًا الفصل السادس)، حصلوا على تفسير عصري لأفكار شانكارا عن نظام فيدانتا الفلسفي. وتعلَّموا منه أن الحقيقة المجرَّدة المطلقة هي أيضًا الإله الشخصي الذي عبده الناس، وأن هذا الإله هو أيضًا الذات العليا الموجودة داخل كلِّ إنسان، فيقول فيفيكاناندا: «إنه هو أنت، نفسك» (وهي عبارة مشابهة لعبارة «هذا ما أنت عليه».)

نظام فيدانتا الفلسفي ومعتنقوه

فيدانتا هو نظام فلسفيٌّ ركَّز فيه الباحثون على دراسة النصوص الفيدية المتعلقة بالحقيقة المطلقة (البراهمان). ومن أهم هذه النصوص «أوبانيشاد» و«بهاجافاد جيتا» و«براهما سوترا». واعتنق الكثير من الباحثين هذا النظام الفلسفيَّ، منهم ثلاثة أثَّروا بنحوٍ خاصٍّ في تاريخ الفكر والممارسة الهندوسيَّيْن. وتنوَّعت أفكار هؤلاء الباحثين ما بين فَهْم العلاقة بين الحقيقة المطلقة والذات باعتبارهما متطابقين (شانكارا) وفَهْم الانفصال والاختلاف بينهما (مادهفا).

(١) شانكارا (٧٨٨–٨٢٠ ميلاديًّا)

مؤمن باللاثنائية أو أدفايتا فيدانتا.

لا يزال النظام الذي أسَّسه شانكارا قائمًا إلى الآن في سرينجيري، ودواركا، وبادريناث، وبوري، وكانتشي.

يَظهَر أثر أفكار شانكارا أيضًا في فيفيكاناندا، وجماعة راماكريشنا، وجمعية فيدانتا في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يزال الزهَّاد والباحثون الهندوس يفسِّرون الأدافيتا فيدانتا.

(٢) رامانوجا (١٠١٧–١١٣٧ ميلاديًّا)

مؤمن باللاثنائية المؤهلة أو فيشيشتادفايتا فيدانتا.

إن نظام شري فايشنافا، الذي كان رامانوجا زعيمًا له وتُدرَس فيه فلسفته، لا يزال قائمًا إلى الآن ومركزه سريرانجام في جنوب الهند.

حركة سواميناريان في جوجارات هي أحد أنواع السامبرادايا التي تزعم أن أصولها ترجع لتلاميذ رامانوجا.

(٣) مادهفا (القرن الثالث عشر الميلادي)

مؤمن بالثنائية أو دفايتا فيدانتا.

إن المعبد والدَّير الموجودَيْن في أوديبي، اللذين شيَّدهما مادهفا في القرن الثالث عشر، لا يزالان موجودَيْن إلى الآن.

تزعم الجمعية الدولية للوعي بكريشنا (وحركة جاوديا فايشنافا ماث البنغالية التي ترجع أصول هذه الجمعية إليها) أن أصولها ترجع لتلاميذ مادهفا من خلال تشيتانيا صاحب الشخصية الجذابة الذي عاش في القرن السادس عشر.

صارت هذه الصورة العصرية لنظام فيدانتا الفلسفي غير الثنائي لشانكارا واسعة الانتشار في الغرب؛ الأمر الذي جعل العديد من المُعلِّقين يفترضون أنها سمة أساسية للهندوسية ككل. ولم يدركوا وجود وجهات نظر مختلفة تمامًا ومُقنِعة بالقدر نفسه حول الإله وعلاقته بالذات البشرية. وعندما بدأ الباحثون والدارسون في زيارة الهند بأعداد كبيرة في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، الْتَقَوْا بمُعلِّمين رُوحانيين وحركات تمثِّل وجهات نظر أخرى فيما يتعلَّق بنظام فيدانتا، وكانت الشعبية الواسعة الانتشار للهندوسية التأليهية التعبُّدية، التي قامت على أفكار رامانوجا ومادهفا اللاهوتية وتلاميذهما فيما بعدُ، واضحةً في جميع أنحاء الهند وخارجها أيضًا بين المهاجرين الهندوس. وما بين سامبرادايا شري-فايشنافا التقليدي في جنوب الهند والحركات المعاصرة للسوامينارايان في جوجارات ولهار كريشنا (الجمعية الدولية للوعي بكريشنا) في البنغال وما وراءها، ازدهر اللاهوت التعبُّدي الذي تحدَّى الأفكارَ غير الثنائية المبكِّرة بشأن الحقيقة المطلقة والذات.

لكن ماذا كانت هذه الأفكار؟ ولماذا كانت مهمة للغاية لتطور الهندوسية؟

(١) شانكارا

تعني كلمةُ «أدفايتا» اللاثنائيةَ. واستخدام هذه الكلمة في وصف مفهوم شانكارا عن نظام فيدانتا يشير إلى عدم إمكانية الفصل بين الماء والملح في قصة شفيتاكيتو. فمِن وجهة نظر شانكارا، الحقيقة المطلقة والذات متماثلتان، وتمثَّلت مهمته في تفسير أسباب فشل الناس في إدراك ذلك. ومن الأساليب التي اتَّبعها لفعل ذلك الإشارةُ إلى مثال المسافر الذي اعْتَقد خطأً أن حَبْلًا ما هو ثُعْبَان، وكوَّن انطباعًا خاطئًا (ثعبانًا) عن الحقيقة (الحبل). وذكر شانكارا الصورَ العديدة التي فَهِم بها مختلفُ الناسِ — أو بالأحرى أخطئوا في فَهْمِ — الذات؛ على سبيل المثال، بمساواتها بالجسم أو الأعضاء الحسية أو العقل. كوَّن كلُّ هؤلاء الناس فكرةً خاطئةً عن الذات (أتمان). أما شانكارا، فرأى أن أتمان ليست في الحقيقة سوى براهمان. ولا توجد أي تعددية في الوعي أو الكينونة، فكلها واحد. ويتحقق التحرر عن طريق التخلص من الجهل، وتعلُّم كيفية التمييز بين ما هو أبديٌّ وما بدا كذلك فقط، ثم اكتساب المعرفة عن هُوية الذات من خلال البراهمان.

ظلَّت البوذية، في نظر المجتمع البرهمي، تُمثِّل تهديدًا كبيرًا في الهند؛ لذا، استعان شانكارا ببراعة بأساليب بحثية استُخدِمت من قبلُ في الفلسفة البوذية لإعادة التأكيد على الأفكار البرهمية. ومن خلال إقرار مستوًى أدنى مشروطٍ من المعرفة تُقدَّر فيه صور التمييز، مثل التمييز بين الحبل والثعبان، تمكَّن شانكارا من تفسير الأهمية التي أُعطيت في «فيدا» للنشاط الطقسي وتقديم القرابين للآلهة. وفرَّق بين ذلك والمستوى الأعلى أو المطلق الذي يكون فيه كلُّ شيء واحدًا والحقيقة غير ثنائية.

(٢) رامانوجا

اختلفت مهمة رامانوجا، الذي كان يعلِّم الناس بعد أكثر من قرنين في سياق دينيٍّ مختلف، فعلى عكس شانكارا، لم يكن عليه التغلُّب على شعبية البوذية، وإنما الْتَزَم بالترويج لدين الفايشنافا، وهم أتباع الإله فيشنو، عن طريق تقديم الدعم الفلسفي لمزاعمهم التعبُّدية. عَبد رامانوجا فيشنو، وكان ضليعًا في «الملاحم»، و«البورانا»، والشعر الخاص بمنطقته. واستندت أفكاره إلى عمل شانكارا، الذي كان قد قَبِلَه المجتمع البرهمي واعتُبِر منهجًا محافظًا بحلول العصر الذي عاش فيه رامانوجا. واتفق رامانوجا مع فكرة أن الحقيقة المطلقة غير ثنائية، لكنه اختلف بشدة مع شانكارا بشأن طبيعة البراهمان، والذوات الفردية، والعالم. وكان حادًّا في نقده، واتهم أتباع شانكارا بالخطأ ونقص البصيرة، واستند في زعمه إلى أمثلةٍ من مجموعة واسعة النطاق من النصوص المقدسة.

كان زعمه الأساسيُّ هو أن ما لدينا من قناعةٍ قوية بأننا مختلفون بعضنا عن بعض وعن الإله ليست خاطئةً، مثلما يدَّعي شانكارا. واستنتاجات حواسنا ومشاعرنا ليست وهميةً. وإنما تشير إلى حقيقة عميقة، وهي أن الحقيقة المطلقة مؤهلة داخليًّا (فيشيشتا). علاوةً على ذلك، فإن الحقيقة المطلقة ليست موضوعية ومن دون سمات، كما أكَّد شانكارا، فرأى رامانوجا أن هذه الحقيقة هي إيشفارا؛ أي الإله الذي يتطلَّع إليه كلُّ مَن يسعى للهروب من العذاب؛ ومن ثَم، فإن براهمان ليس سوى الكائن الأسمى أو الإله المذكور في «الملاحم» و«البورانا».

لكن ما العلاقة إذن بين الذات وهذا الكائن الأسمى؟ إن الإله هو المُتحكِّم الداخلي في كلٍّ من الذوات الفردية والعالم. وقال رامانوجا إنه مثلما يُعَدُّ الجسم البشري أداةَ الذات الموجود بداخلها، يرتبط العالم والذوات بالإله. إن معرفة الإله تساعدنا على التحرر، لكن فضل الإله واستجابة الذات المستسلمة ضروريتان أيضًا.

(٣) مادهفا

أيَّد مادهفا وجهةَ نظر رامانوجا إلى حدٍّ كبير، لكنَّ ردَّ فعله على أفكار شانكارا كان مختلفًا بدوره. فعندما زهد مادهفا في الدنيا وانضمَّ إلى إحدى جماعات الفايشنافا في سِنِّ السادسة عشرة، تعلَّم نظام فيدانتا الفلسفيَّ وطوَّر تدريجيًّا نقدَه الخاص له (دفايتا). وشأنه شأن رامانوجا، استخدم مجموعة متنوِّعة من نصوص «فيدا» و«بورانا»، والنصوص التعبُّدية اللاحقة، لكنه ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك باستنتاجه أن تعاليم النصوص المقدسة لا يمكن فهمها إلا بمنظور الثنائية؛ أي بالتأكيد على التمييز الكامل بين الإله والذات؛ فالبراهمان والأتمان ليسا متطابقَيْن، علاوةً على ذلك، رأى مادهفا أن الذوات مختلفة بعضها عن بعض، وعن العالم. وحتى داخل العالم نفسه، رأى مادهفا أن الظواهر مختلفة بعضها عن بعض. فكلُّ شيء موجود داخل إطار إرادة الإله الأعلى، لكن مع احتفاظه بخصوصيته. ويتطلَّب التحرر من العذاب والانبعاث فضلًا من الإله، واعتمادًا عليه، وتعبدًا نَشِطًا عن طريق عبادته في صورة أيقونة (مورتي). ووضع مادهفا أيقونةً للإله كريشنا في دَيْرِه في أوديبي؛ حيث ظلَّت في مكانها ليراها الحجَّاج إلى يومنا هذا.

على الرغم من أن كلًّا من هؤلاء الفلاسفة وعلماء اللاهوت الثلاثة قد كتب تعليقات على نصوص الفيدانتا الرئيسية، فقد توصَّلوا إلى نتائج مختلفة اختلافًا كبيرًا بعضها عن بعض فيما يتعلق، على سبيل المثال، بمعنى العبارة التي تعرَّضنا لها في قصة شفيتاكيتو: «هذا ما أنت عليه.» فرأى شانكارا أن هذه العبارة تشير إلى اللاثنائية؛ بمعنى أنه لا يوجد اختلاف بين الحقيقة المطلقة والذات. ومن وجهة نظر رامانوجا، كان المعنى الضمني للعبارة هو عدم الاتحاد؛ أي إنها أشارت إلى أن البراهمان والأتمان يختلفان بعضهما عن بعض على الرغم من ارتباطهما الواضح. أما مادهفا، فكان رأيه أن الاثنين منفصلان انفصالًا تامًّا، وإن كان يرى أن الذات تظهر في صورة الرب ويسكنها شاهد داخليٌّ إلهيٌّ.

على الرغم من أن هؤلاء الفلاسفة والعلماء الثلاثة هم أشهر الباحثين في نظام فيدانتا الفلسفيِّ، فثمة باحثون آخرون، أغلبهم من الفايشنافا مثل رامانوجا ومادهفا، الذين يتغنَّون بأمجاد فيشنو أَوْ كريشنا، وعمل آخرون، ولا سيَّما مَن بجَّلوا الإله شيفا، خارج تقليد نظام فيدانتا، معتمدين على النصوص التنترية في تطوير أفكارهم اللاهوتية.

اليوم، لا يزال التلاميذ في المؤسسات الدينية المرتبطة بشانكارا ورامانوجا ومادهفا يسمعون ويناقشون هذه الاستنتاجات الفلسفية. فلا يزالُ القادة الشانكاريون، الذين عرضنا لهم في الفصل السابق، يبشِّرون باللاثنائية (أدفايتا فيدانتا). وأتباع نظام شري فايشنافا الموجودون في جنوب الهند هم الورثة الطبيعيون للاهوت رامانوجا. ولا يزال الدَّير الموجود في أوديبي يعلِّم الثنائية التعبُّدية التي نادى بها مادهفا. كما أن حركة شايفا سيدهانتا، التي ذُكِرت في بداية هذا الفصل، تُعلِّم اللاهوت الذي طوَّره علماء اللاهوت الشايفا القدامى. وفي وقت سابق من هذا القرن، رأى الكثير من المُعلِّقين أن اللاثنائية التي آمن بها شانكارا، هي أهم إنجاز فكريٍّ هنديٍّ. لكن ساعد، مؤخرًا، الوعيُ بأهمية الحركات التعبُّدية الهندوسية على إعادة التأكيد على أهمية وجهات النظر التأليهية التي تركِّز على علاقة المحبة بين المتعبدين وإلههم المختار.

ليست هذه الأفكار الفلسفية، في الواقع، موضوعًا للمناقشة اليومية لدى أغلبية الهندوس، لكنها تُمثِّل أساسَ فكرة الهندوس عن الإله. فتحديد إن كان الهندوسي يؤمن بحقيقة موضوعية مطلقة أم بإله شخصي له نتائج مهمة على ممارسته الدينية ورحلته الروحانية. ويُعَد اكتساب المزيد من المعرفة عن الحقيقة المطلقة وعلاقتها بالذات أمرًا مُهِمًّا للحقيقة المطلقة، بينما تُعَد الصلاةُ والعبادة محوريَّيْن للذات. لكن ثمة فكرة دينية واحدة يشير إليها كلُّ الهندوس عادةً؛ ألَا وهي «الكارما».

(٤) الكارما واليوجا والذات

لا تكتمل أي مناقشة موجزة حول الآراء الهندوسية عن الذات دون النظر في مفهومَيْن معروفَيْن؛ ألَا وهما «الكارما» و«اليوجا». إنهما كلمتان يعرفهما الجميع، ليس فقط في الهند وإنما أيضًا في الغرب؛ حيث ترتبط الكارما عادةً بالقدريَّة والتناسخ، وتُمارَس اليوجا — عادة الهاثا يوجا (اليوجا الحركية) — لتحسين الصحة والعافية. ولقد ذُكِرت هاتان الكلمتان في «أوبانيشاد» و«بهاجافاد جيتا»، وناقشهما شانكارا ورامانوجا ومادهفا. وعرَّفهما — بوصفهما أفكارًا — الزاهدون أو الحكماء في الهند القديمة.

أيُّ شخصٍ يعرف قصة بوذا سيدرك أن المجتمعَ الهنديَّ القديمَ في عصر بوذا كان مكانًا للبؤس والشقاء في نظر الباحث الروحانيِّ. فالسعادة زائلة وسرعان ما يحلُّ محلها التقدُّم في السنِّ والمرض والموت. وأوضح الباحثون أيضًا أن ذلك الوقت شهد تغيرًا اجتماعيًّا وسياسيًّا؛ إذِ اتسعت المدن وقُضيَ على نمط الحياة الزراعية وتآكل تنظيمها الاجتماعي. ومع التنمية الحضرية، سنحت فرصة أكبر للتنقُّل والتواصل. وانتقلتِ الأفكار الجديدة من مكانٍ إلى آخر، وهكذا الحال بالنسبة إلى الناس. واشترك الكثير ممن نبذوا المجتمع ليرتحلوا ويعيشوا حياة الزهد من وجهة النظر القائلة بأن شخصية المرء أو ذاته يتقمَّصها جسد جديد عند الموت، وتدفع دورة الانبعاث (سامسارا) سلسلةً من الأسباب والنتائج المرتبطة بالأفعال (كارما). وتمرُّ كلُّ الكائنات الحية بهذه الدورة. وعلى الرغم من أن الأفعال الصالحة قد تؤدِّي إلى نتائج سارَّة وميلاد أفضل، فقد رأى الكثيرون أن العذاب والحتمية المتأصلين في هذه العملية لا يمكن تحملهما. ومن ثَمَّ كان السعيُ للتحرر من الميلاد المتكرر المستمر؛ إذ حاول الزاهدون إيقافَ هذه الدورة باستخدام سُبُلٍ عدة، مثل عزل أنفسهم عن المجتمع، والصيام ومعاقبة النفس جسديًّا، وإحاطة أنفسهم بأشياء تذكِّرهم بالعذاب والموت، والاعتكاف للتأمُّل. ومن خلال هذه السبل، سيتوقف العمل ونتائجه وسيكون التحررُ ممكنًا.

fig5
شكل ٣-١: تناسخ الذات.

وقد تمَّ تناول المشكلات المتعلقة بالعمل والميلاد المتكرر بعد عدة قرون في «بهاجافاد جيتا». ففيه نجد أرجونا يسأل سائق عجلته الحربية، كريشنا، إن كان يجب عليه الدخول في معركة ضد أحد أقاربه. ويقدِّم كريشنا، الذي هو في الحقيقة الإله الأعلى متنكرًا، التوجيهَ لأرجونا كمعلِّم رُوحاني مشيرًا إلى مسألة العمل النابع من الشعور بالواجب، وشارحًا رحلةَ الذات وسبل تحررها. ويوضِّح لأرجونا الحائر أن الذات أو الروح المتجسدة لا تموت في المعركة، وإنما تنتقل إلى جسد جديد: «لا يمكن طعنها، أو حرقها، أو بلُّها، أو تجفيفها. إنها غير متغيِّرة، وموجودة في كلِّ مكان، وثابتة، وغير متحركة، وخالدة.» ويذكِّر كريشنا أرجونا بواجبه الاجتماعي والديني (دارما) بصفته عضوًا في طبقة المحاربين، ويعلِّمه آداب العمل. ويفترض أرجونا أن كريشنا يؤمن بأنه يجب نبذ العمل، شأنه شأن الزهَّاد.

لكنَّ ردَّ كريشنا جاء عاليًا وواضحًا: «لا يتحرر الإنسان من نتائج العمل عن طريق الامتناع عن العمل نفسه، ولا يصل إلى الكمال بنبذ العمل.» ويواصل كريشنا حديثه موضحًا أن ما يجب نبذه هو نتائج العمل، وليس العمل نفسه؛ فيجب ألا يرغب الإنسان في مكافآت معينة، وألَّا يفتخر بنفسه بوصفه فاعلًا لأمور عظيمة. ويجب أن يكون المرء راضيًا عن نفسه، ويقدِّم العملَ ونتائجَه كقربان للإله. وهذا هو أدب الكارما يوجا. وبعد أن علَّم كريشنا أرجونا ذلك، يشرح له سبلًا أخرى جيدة يمكنها — إن اتُّبِعت باستمرار — أن تمنح أيَّ باحث الرزانة، والتحرر في نهاية الأمر. ولقد ركَّز كريشنا — الذي اتضح تدريجيًّا في الأغنية أنه إله الكون الذي قد يجد لديه كلُّ الباحثين الملاذ — على جنانا يوجا (الطريق إلى المعرفة) وبهاكتي يوجا (طريق الإخلاص في العبادة) بوجه خاص، وهما المفهومان اللذان سنعود لتناولهما في الفصل الخامس من هذا الكتاب.

في الفصل السادس من «بهاجافاد جيتا»، يناقش كريشنا ممارسة خبير اليوجا، وإن كان يوصي بهذا الطريق للقادرين فقط على التحكم القوي في الذات وتقرير المصير. ويصف كيف يجب أن يجلس ذلك الشخص، وكيف يجب أن يتحكم في حواسه وغرائزه، وكيف يجب أن يركِّز على عقله. ويُعَد كلٌّ من التركيز على الذات، وكبت الأهواء، والمحافظة على الهدوء أهمَّ معالم هذا الطريق، الهادف إلى الهناء. ما يصفه كريشنا هنا ليس الهاثا يوجا الأكثر مشقةً من الناحية البدنية، التي يتخذ فيها الممارسون أوضاعًا صعبة؛ وليس السيدها يوجا التي يكتسب خبراؤها قُدْرَتَي الارتقاء والتخاطر، والقدرة على الاختفاء أو تحمُّل الألم. وإنما ما يصفه يشبه الممارسة التي أشار إليها باتانجالي في كتابه «يوجا سوترا» باسم «راجا يوجا»؛ أي اليوجا الملكية أو العليا، وهي يوجا تأملية تكمن أهم إنجازاتها في «سامادهي»؛ أي التركيز العميق الذي يؤدِّي إلى تحرر الذات.

وفي «بهاجافاد جيتا»، يطرح كريشنا فكرتين مبتكرتين؛ الأولى: هي «كارما يوجا» التي تمنح الباحثين العاديين إمكانيةَ إضفاء معنًى روحانيٍّ على أفعالهم اليومية؛ والثانية: هي مفهوم أنه لا يوجد سبيل واحد للتحرر، وإنما عدة سبل؛ بحيث يجد الباحثون أكثر السبل الملائمة لحالاتهم المزاجية وأوضاعهم. ولم ينسَ كريشنا مَن همَّشتْهم الديانة البرهمية. فتمَّ الاعتراف بالنساء وذوي الأصول الدنيا بوصفهم باحثين، ودعوتُهم لتقديم أنفسهم وأعمالهم وهدايا بسيطة مثل الماء أو زهرة أو ورقة شجر أو ثمرة إلى كريشنا.

يحوِّل «بهاجافاد جيتا» المفهومَ المتشائم القديم القائل بأن نتائج العمل تؤدي إلى ميلاد متكرر وتناسخ مستمرين للذات إلى نظام إيجابي للتحوُّل الشخصي. وفي عصور أحدث، شهدتِ الكارما والكارما يوجا تأييدًا مجددًا. وقد أوصى قوميُّون دينيون من أمثال بال جانجادهار تيلاك ومهاتما غاندي بالكارما يوجا في كفاح الهند من أجل الحكم الذاتي، وبوصفها سبيلًا لإدراك الذات لدى الهندوس المعاصرين المنشغلين. واعتقد باحث هندوسي معاصر أيضًا يُدعَى أرفيند شارما بأهمية الكارما والكارما يوجا في إعادة التفكير في مسألة الطوائف الهندوسية.

يعرفنا «ريج فيدا» والفصل الثاني من «بهاجافاد-جيتا» على فكرة الطبقات الأربع في المجتمع البرهمي. وكان من المتوقع من أرجونا، بصفته محاربًا، أداءُ واجبه تجاه طبقته وعدم الوقوع ضحية إغراء محاكاة واجبات الآخرين لمجرد أنها تبدو أكثر جاذبية أو أهمية، أو أقل إثارةً للجدل. ونوقِشت هذه الفكرة عن الواجب الاجتماعي بمزيد من التفصيل في «مانوسمريتي»؛ حيث تمَّ تناول عواقب إهمال المرء لواجبه بقدر كبير من الجدية. فيُعاقَب المرء على الأفعال المناقضة للواجب أو الدارما بطرده من جماعته الاجتماعية أو بميلاده على نحو أدنى في الحياة التالية.

يتناول أرفيند شارما هذه المشكلةَ بأسلوبٍ مباشر في كتابه «الهندوسية في عصرنا». فهو يؤمن بضرورة فهم الرابط بين الكارما والمجتمع الهندي القائم على نظام الطوائف، ونقله للآخرين، فيقول: «من وجهة النظر الهندوسية التقليدية، يتحدد ميلاد الشخص في طائفة معينة بالكارما الخاصة به في حياة سابقة.» فيحصل الهندوس على هُويَّتهم الطائفية عند الميلاد؛ إذ يولَدون في أسرة داخل طائفة معينة بسبب أعمالهم في حياة سابقة. والذات، على نحو مطلق، لا تتأثَّر بذلك، وإنما في كلِّ مرة تُجسَّد فيها الذات، تجد نفسها داخل طائفة معينة مع كلِّ الواجبات والظروف المرتبطة بذلك الوضع.

من اليسير التفكيرُ من وجهة نظر قَدَريَّة في هذا الشأن، ولقد قدَّم الكثير من المعلِّمين الهندوس، الذين يقتدون بكريشنا في «بهاجافاد جيتا»، وَصَفات روحانية للتعامل مع هذه المسألة. ويتمثَّل الحلُّ المعاصر الذي قدَّمه أرفيند شارما في أن التفكير في الكارما على نحو قَدَريٍّ ليس مفيدًا، في الواقع؛ لأننا بوصفنا بشرًا لدينا القدرة في أي لحظة على تغيير سلوكنا؛ ومن ثَمَّ عواقب هذا السلوك على مستقبلنا؛ لذا، فإن الإرادة الحرَّة هي التي تميِّز عمل الكارما، لا القدرية. علاوةً على ذلك، إذا تقبَّلنا فكرة أن الكارما ليست عمليةَ سببٍ ونتيجةٍ بين الحيوات بقدر كوْنها ذلك داخل حياة واحدة، فإن ذلك سيغيِّر الكثير. فما نفعله في هذه اللحظة له نتائج على ما سيحدث لنا في الدقائق القليلة القادمة، أو في الأسبوع المقبل، أو بعد عشر سنوات. إن الحياة المعاصرة التي تمتد لسبعين أو ثمانين عامًا تساوي ما كان على الأرجح ثلاث حيوات منفصلة في الماضي عندما كانت الحياة قصيرة وصعبة (مع ميلاد واحد في طائفة واحدة، بينما كان الميلادُ ثلاثَ مراتٍ النموذجَ السائد في السابق)؛ ومن ثمَّ، فإن ما يصير مُهِمًّا من هذا المنظور ليس الطائفة باعتبارها مؤشرًا على كارما الحياة السابقة، وإنما الكارما الحالية ونتائجها على الإدراك الذاتي المتطور للشخص وعلاقاته المتطورة مع الآخرين. إن إعادة التركيز على الكارما بهذا الأسلوب، وفقًا لشارما، يقلل من أهمية الطائفة وصور الظلم فيها؛ فالمجتمع الذي يدرك فيه كلُّ شخص أنه يتحمل مسئولية مباشرة فيما يتعلق بتحسين مستقبل هذا العالم بدلًا من حياته القادمة؛ سيكون مجتمعًا يختفي فيه النظر إلى الطائفة باعتبارها مقياسًا للأعمال السابقة. ويقول شارما إن تعاليم كريشنا حول أهمية العمل في العالَم مع نبذ نتائج هذا العمل، هي التي تجعل ذلك ممكنًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠