قضية تحرير المرأة المصرية١

يتصور بعض الرجال في بلادنا أن قضية تحرير المرأة المصرية قد بدأت وانتهت بكتاب قاسم أمين، وهم بهذا يتجاهلون جهود النساء المصريات لتحرير أنفسهن في القرون السابقة من نشوء العبودية (أو النظام الطبقي الأبوي) وحتى يومنا هذا. إن إعادة قراءة التاريخ توضح كيف لعبت المرأة المصرية القديمة دورًا في الثورات الشعبية والنسائية ضد بطش الفراعنة والسلطة المطلقة للحاكم في الدولة والعائلة. وقد حرق المصريون والمصريات القصرَ الملكي ذاته (عام ٢٤٢٠ قبل الميلاد)، ونادَوْا بتكافؤ الفرص بين الأغنياء والفقراء وبين النساء والرجال، إلا أن المؤرخين الرجال المتحيزين للسلطة الحاكمة قد تجاهلوا جهود النساء في هذه الثورة التي عُرِفَت باسم ثورة «منف».

وقد أُجهضت هذه الثورة بعد فترة، وعاد الحكم الفرعوني بسطوته مرة أخرى. ثُمَّ قامت الثورة الشعبية الثانية يقودها النساء والرجال (عام ١٢٦٠ قبل الميلاد)، وجاءت الأسرة العاشرة (ونظام الرودو) الذي أعاد للمرأة المصرية حقوقها المسلوبة، وتم القضاء على نظام التسرِّي، وتساوت المرأة في الحقوق العامة والخاصة مع الرجل، إلا أن هذه الثورة فشلت وعاد نظام الإقطاع والبطش الفرعوني (عام ١٠٩٤ قبل الميلاد)، ينزع من النساء والفلاحين حقوقهم، وأصبح للرجال فقط حق الطلاق والنسب والكهنوتية. ثُمَّ ثار الشعب المصري نساءً ورجالًا مرة ثالثة (عام ٦٦٣ قبل الميلاد) واسترد الفقراءُ والنساءُ بعضَ حقوقهم المسلوبة.

لقد تم تجاهل دور النساء في مصر القديمة بمثل ما تم تجاهل دورهن في مصر الحديثة؛ لأن معظم الذين يكتبون التاريخ رجال يتطلعون إلى السلطة، ويحتقرون الشرائح الفقيرة والضعيفة في المجتمع ومنهم النساء.

لهذا لا أُدْهَش كثيرًا حين يكتب بعض الرجال في بلادنا قائلين إن قضية تحرير المرأة المصرية بدأت وانتهت بكتاب قاسم أمين. وأنا في حاجة إلى كتاب جديد يتناول قضية المرأة؛ لندخل القرن الجديد والألفية الجديدة. إنهم بذلك يتجاهلون تسعين عامًا من جهود المرأة المصرية خلال القرن العشرين وجهودها في القرون السابقة على ظهور قاسم أمين.

لن أتعرض لكتابات النساء التحريرية خلال العقود الماضية؛ فهي معروفة ومقروءة على نطاق واسع في مصر والعالم العربي من مثيلات هدى شعراوي وسيزا نبراوي ودرية شفيق، لكني سأذكر بعض الكاتبات اللائي شاركن في النضال لتحرير المرأة المصرية منذ بداية هذا القرن، ومن هؤلاء النساء الكاتبة عائشة التيمورية، وجاءت بعدها زينب فواز، أمَّا ملك حفني ناصف التي اشتهرت باسم باحثة البادية (١٨٨٦–١٩١٨م) فقد شاركت بقلمها القوي في الكتابة لتحرير المرأة، وكانت معاصرة لقاسم أمين، وأصبحت آراؤها تكملة لدور رفاعة الطهطاوي، لكنها كانت أكثر تقدُّمًا من الطهطاوي وقاسم أمين؛ لأنها اعتبرت دعوة الطهطاوي إصلاحًا فحسب، أمَّا قاسم أمين فقد اعتبر أفكار الطهطاوي تحريرًا.

فلماذا اشتهر قاسم أمين في التاريخ على حين توارت ملك حفني ناصف وغيرها من الكاتبات الأكثر تقدُّمًا من قاسم أمين؟! لماذا يتم (حتى يومنا هذا) تجاهل الكتابات النسائية التحريرية التي لعبت دورًا في تقدم المرأة المصرية أكثر من أي كتابات أخرى؟! هناك عوامل متعددة تلعب دورًا في تفسير هذه الظاهرة:
  • (١)

    أصبحت قضية تحرير المرأة من القضايا الاجتماعية والسياسية المهمة محليًّا ودوليًّا. لم تعد شائكة أو محرَّمة كما كانت بالنسبة لهؤلاء النساء اللائي دفعن ثمنًا غاليًا من أجل قضية المرأة، بل ربما تكون من القضايا ذات البريق (الأدبي أو المادي)، فلماذا لا يركب هذه الموجة الصاعدة بعض الرجال الذين تعوَّدوا ركوب الموجات الصاعدة.

  • (٢)

    من السهل جدًّا طرد المرأة من أي مجال، وإن كان المجال الذي يخصها قبل غيرها؛ حيث إن الرجل لا يزال هو الأقوى سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، ويمكنه أن يستوليَ على قضية المرأة أيضًا ضمن ما يستولي عليه من أشياء أخرى.

  • (٣)

    من السهل الاعتراف بقيادة الرجل للمرأة حتى في المجالات التي تخصها؛ لذلك يريدون أن يظل قاسم أمين قائدًا لحركة تحرير المرأة حتى يأتيَ رجل آخر ليحل محله ويتوارث التركة رجل وراء رجل.

  • (٤)

    يسهل على بعض الرجال منافسة المرأة فيما يخص قضيتها عن أن ينافسوا زملاءهم الذكور في القضايا السياسية الأكثر أهمية (في نظرهم).

  • (٥)

    تجميد الحركة النسائية أو الفكر النسائي عند قاسم أمين ليس فقط تجاهلًا لجهود النساء في هذا المجال، بل محاولة لإيقاف مسيرة الحركة النسائية وفكرها المتقدم.

  • (٦)

    يحاول هؤلاء الرجال أن يكونوا هم المتحدثين باسم المرأة (كالزوج الذي يتحدث نيابةً عن زوجته)، إنهم يتصورون أنهم أقدر منها في التعبير عن نفسها.

  • (٧)

    لا يريد هؤلاء الرجال التنازل عن مكانتهم في المجتمع أو على الأقل بالنسبة للنساء. إن تصدي النساء لقضية تحرير المرأة يهدد مصالحهم ومكانتهم؛ لأن معنى ذلك أنها ستأخذ المبادرة في جوانب كثيرة من الحياة.

  • (٨)

    من الناحية العملية، إن تحرير النساء لن يتحقق أساسًا إلا بجهود النساء أنفسهن، وإن ساعدهن بعض الرجال، فإن وجود النساء ضروري كقوًى أساسية فكرية وسياسية واجتماعية.

من المعروف أن أي فئة مقهورة في المجتمع لن يمكنها التحرر إلا بجهودها.

إن المقياس الأول لمدى تقدم أو تخلف مسيرة المرأة المصرية هو مدى مشاركة النساء المصريات في هذه المسيرة لتحرير أنفسهن، ومدى إدراكهن لأهمية هذه المشاركة. يزداد هذا الإدراك بازدياد خروج النساء للتعليم والعمل بأجر، والمشاركة في المهن المختلفة، والنشاط السياسي والاقتصادي والثقافي، وتحمل المسئوليات في المستويات المختلفة، وممارسة اتخاذ القرارات في الدولة والعائلة، والمشاركة في الفكر والأدب والكتابة والإعلام والبحوث العلمية والاجتماعية … إلخ.

هناك جوانب عديدة ومؤشرات متنوعة لمدى تقدم أو تخلف مسيرة المرأة التحريرية، وليس فقط التمثيل النيابي، لا شك أن عدد النساء في البرلمان أو المجالس النيابية أحد المؤشرات، إلا أنه قد يكون مُضلِّلًا في كثير من الأحيان؛ إذ قد تدخل البرلمان نساء لا علاقة لهن بقضية تحرير المرأة، بل قد يعملن ضدها، كما هو يحدث في كثير من برلمانات العالم، بل قد تصبح المرأة رئيسة لحزب سياسي أو رئيسة الوزراء وتُصدر قرارات ضد مصالح النساء، كما حدث مع مارجريت تاتشر في إنجلترا؛ إذ فقدت النساء في عهدها الكثير من حقوقهن المكتسبة عبر السنين.

وكم صمتت عضوات البرلمان في بلادنا عند مناقشة القوانين التي تهم المرأة، على حين ارتفعت أصوات النساء خارج البرلمان في الجمعيات النسائية الأهلية أو الشعبية أو المنظمات غير الحكومية.

ولا تزال قضية تحرير المرأة في حاجة إلى مزيد من الفهم، ولا تزال الحركة النسائية المصرية في حاجة إلى الكشف عن جوانبها المتعددة في الماضي والحاضر على السواء.

١  الأهرام، ٢٢ / ٥ / ١٩٩٩م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠