مقدمة

تمرُّ كل الحقائق بثلاث مراحل؛ في المرحلة الأولى تُقابل بالسخرية، وفي المرحلة الثانية تُعارَض مُعارَضةً عنيفة، وفي المرحلة الثالثة تُقبَل كأنها بدهيَّة.

مجهول1

منذ خمسة وستين مليون عام اصطدم بكوكب الأرض قُبالةَ ساحل جنوب المكسيك كويكبٌ يفوق عرضه ستة أميال، ويطير بسرعة ٦٧ ألف ميل في الساعة، بقوة تفوق قوة القنبلة الذرية التي أُسقطت على هيروشيما بخمسمائة مليون مرة. وقد أسفر هذا الحدث عن اختلالاتٍ رئيسية في مناخ الأرض، مؤديًا في النهاية إلى كارثةٍ بيئية نتج عنها انقراض الديناصورات و٧٥ بالمائة من كل الأنواع الحية على وجه الأرض.

وإننا الآن في خِضمِّ عملية انقراض جماعي آخر للنباتات والحيوانات ناتجة عن النشاط البشري، وقد تُصبح في النهاية فتَّاكة، شأنها في ذلك شأن حالات الانقراض الجماعي الخمس التي وقعت في التاريخ الجيولوجي للأرض. ويعتقد أغلب علماء الأحياء أن أكثر من نصف الأشياء الحية ستنقرض خلال القرن أو القرنين القادمَين، مع تبعات مجهولة على المستقبل والعدد المتناقص من الأنواع التي ستظلُّ حية.

لم نعُد نحن البشر نوعًا من الصيَّادين وجامعي الثمار البسطاء الذين يعيشون داخل حدود عالم طبيعي مستقر، وإنما صِرنا بعد تحرُّرنا من الكثير من عقباتنا الطبيعية بفضل التقدم التِّقني المستمر، سادةَ الغلاف الحيوي المحرَّرين من القيود.

على مدار الخمسة ملايين سنة السابقة، غيَّرت ثماني تقنيات العلاقة بين الجنس البشري والبيئة الطبيعية تغييرًا بالغًا، محررةً إيانا من قوى الطبيعة التي تحدُّ حريات كل مجموعات الكائنات الحية الأخرى. وتدريجيًّا أحدثت كلٌّ من هذه التقنيات تحولًا أو انسلاخًا كبيرًا في حياة البشر والمجتمع؛ فطوَّرت هذه التحولات بِنية أجسادنا، ووسَّعت قدرات عقولنا، وأثمرت عن مجتمعات بشرية ليس لها مثيل في حجمها وقوَّتها.

سيطر الجنس البشري في العصر الحديث على جميع بيئات الأرض الطبيعية تقريبًا، وأحدث تحوُّلًا جوهريًّا في الكوكب بأسره ليُصبح وحدة إنتاج هائلة من أجل منفعته وحده. وأثناء هذا استولى الجنس البشري حديث التحرُّر من قيوده على جزء كبير من البيئة الطبيعية، ولوَّث تربة الأرض ومحيطاتها وغلافها الجوي، وجعل عالَمنا على حافَّة كارثة.

يتفرد الجنس البشري بين كل كائنات الأرض في قدرته على الاستيعاب والتخطيط للمدى الطويل، إلا أننا ما زِلنا نتحرَّك مدفوعين بغرائز حيوانية قديمة، من بينها التوسع والتكاثر لأقصى حد مُمكن. أما الكائنات الأخرى فهي محدودة في قدرتها على التكاثر بطبيعة علاقتها الثابتة نسبيًّا مع البيئة، لكن التكنولوجيا جعلت استمرارية تكاثرنا أمرًا ممكنًا من خلال تمكيننا من الفرار من قيود قدرنا الحيوي، حتى بعد أن جعلنا العالم قاب قوسين أو أدنى من مستقبل مُبهَم وربما كارثي.

منذ خمسة ملايين سنة شجَّعنا استخدام أسلافنا الشبيهين بالقرود الحِرابَ المصنوعة وعِصيَّ الحَفر على الوقوف والسير والركض ونحن مُنتصبو القامة. أثمر هذا التطور في النهاية عن إعادة هيكلة جذرية في تشريح الثدييات حرَّرت القوائم الأمامية من مسئوليات الحركة. استطاع أسلافنا باستخدام قوائمهم الأمامية القوية وأياديهم الماهرة أن يُسيطروا على النار ويُصمِّموا الملابس ويُشيِّدوا المساكن. وحرَّرتنا هذه التقنيات من الحاجة للعيش في البيئات المدارية حيث نشأنا، وسمحت لنا بأن نسكن المناطق المعتدلة الشاسعة في أوروبا وآسيا.

منذ مائة ألف عام أو أكثر حين بدأنا استخدام الرموز اللفظية والمرئية للتواصل، حرَّرنا أنفسنا من حدود التجربة الشخصية المباشرة، واكتسبنا القدرة على مشاركة المعلومات عبر الزمان والمكان؛ ما مكَّننا من تجميع معرفتنا مع الآخرين وتنمية الثقافات التي توارثتها الأجيال في تراث شفهي من الأغاني والحكايات والأساطير.

منذ عشرة آلاف عام حرَّرتنا تقنية الزراعة من البحث الدائم عن الغذاء الذي يشغل اهتمام كل الأنواع الحيوانية الأخرى. وفي أثناء ذلك لم نعُد مُجبَرين على التجوال بلا نهاية، الذي طالما كان مصيرنا حين كنا صيَّادين وجامعي ثمار؛ فبدأنا نزرع غذاءنا، ونعيش في قرًى، ونُكدِّس كلًّا من الثروة المادية والمعرفة والحكمة التي أورثناها إلى نسلنا.

منذ خمسة آلاف سنة خلت اخترعنا تقنياتٍ جديدةً قوية للنقل والاتصال، شملت هذه التقنيات سفنًا كبيرة عابرة للبحار، وعربات تجرُّها الدواب، وأشكالًا من الكتابة مكَّنتنا من تدوين المعلومات للأجيال القادمة ومن التواصل مع الآخرين عبر مسافات بعيدة. أتاحت لنا تقنيات التواصل هذه بناء المدن وتكوين الحضارات، واستحداث أشكال مُتزايدة التطور من الفن والعلوم والتجارة والحروب والدين التي سرعان ما رفعت البشرية إلى موقع جديد من التفوق على كل أشكال الحياة الأخرى.

منذ خمسمائة سنة عتقتْنا الآلات الدقيقة من ساعات وسُدسيات وبوصلات ومجاهر وتلسكوبات من قيود أعضائنا الحسية المجرَّدة، ومنذ أكثر من مائتَي عام بقليل حرَّرتنا تقنية المحرِّكات المتردِّدة من اعتمادنا القديم على القوة البدنية للجسد الإنساني ولدوابنا؛ ونتيجةً لهذا أخضعنا العالم بقوى العلم وآلات الصناعة، وأنشأنا أممًا واسعة حيث يعيش ملايين الناس ويعملون معًا بوصفهم أعضاءً في مجتمع إنساني واحد.

ويُجرى الآن تحوُّل ثامن تقود إليه تقنية المعلومات الرقمية المهمَّة، التي جعلت من الممكن لكل البشر التزاور والاتصال بعضهم ببعضٍ في أي مكان على وجه الأرض؛ وهو ما مكَّننا من إقامة ثقافة ومجتمع عالميَّين يتخطيان الحدود القومية. سيكون التحدي الذي سيُواجه البشرية هو تبنِّي هذه الحضارة العالمية دون التضحية، سواء بالحريات الشخصية أو الهويات العِرقية التي نحتاجها جميعًا لتحقيق أهدافنا في الحياة والانتماء إلى شيء أكبر من أنفسنا.

لكن قبل أن نبدأ القصة المهمة عن كيفية تحرير التقنية للبشر من قيود أصولهم البدائية، أودُّ تعريف أربعة مفاهيم أساسية استخدمتها في هذا الكتاب بطُرقٍ خارجة عن المألوف قليلًا، وتوضيحها. هذه المفاهيم هي: (١) طبيعة التقنية بالمعنى الأوسع للكلمة. (٢) قراري استخدام مصطلح «أشباه البشر» بدلًا من مصطلح «أسلاف الإنسان» الأكثر رواجًا الآن. (٣) المراحل الثلاث المُتمايزة لتطور البشر كما حدثت على مدار الخمسة ملايين سنة الماضية. (٤) الاختلاف الأساسي بين الثورة والتحول.

طبيعة التقنية

في الخطاب الحديث نستخدم كلمة «تقنية» بوجهٍ عام عند الإشارة إلى أعقد آلات الحياة الحديثة وتراكيبها وأدواتها وآلياتها وعملياتها؛ أشياء على غِرار المَركبات الفضائية والأنظمة الآلية والعمليات الكيميائية والشبكات الحاسوبية والأجهزة الإلكترونية، لكنني استخدمت كلمة «تقنية» في هذا الكتاب كما عرَّفها اختصاصيُّو علم الإنسان وعلم الرئيسيات، الذين صادفوا تقنياتٍ سابقةً للصناعة في مجتمعات الصيادين وجامعي الثمار القديمة وفي المجتمعات البدائية لقِرَدة الشمبانزي البرية. بناءً على هذا وصفَ اختصاصيو علم الإنسان التقنية — في أوسع وأشمل معانيها — بأنها التعديل المتعمَّد لأي شيء أو مادة طبيعية بتروٍّ لتحقيق غاية محددة أو خدمة غرض بعينه. دائمًا ما اعتبر اختصاصيو علم الإنسان الأدوات والأسلحة والملابس ومساكن مجتمعات الصيد وجمع الثمار تقنياتٍ حقيقية. ويَتبع هذا الكتاب هذه الرؤية التقليدية بحرص.

على عكس التقنيات البسيطة جدًّا التي يستخدمها الشمبانزي وسائر الحيوانات، تنطوي أغلب التقنيات البشرية على عمليات معقَّدة ومواد متعددة تُستخدم معًا لتحقيق غاية محددة. على سبيل المثال كان القوس والسهم المستخدمان فيما قبل التاريخ مصنوعَين عادةً من رءوس حجرية وريش طيور مثبتة على الطرفين المتقابلين لعود خشبي بصمغ نباتي ومربوطة معًا بأوتار حيوان، ولم يكن كلٌّ من هذه المواد تُشتق من مصدر مختلف فحسب، لكن كانت تحتاج إلى عملية خاصة في استخراجها وتحضيرها أيضًا، إلا أننا دائمًا ما نعتبر القوس والرمح تقنيةً واحدة. كل من التقنيات الثماني الرئيسية التي جاء وصفها في هذا الكتاب هي في الواقع مجموعة معقَّدة من الأشياء والعمليات؛ ما يربط كلًّا منها معًا ككِيانٍ واحد هو الغرض المشترك الذي اختُرع كلٌّ منها من أجله واستُخدم.

أشباه البشر أم أسلاف الإنسان أم الهومينينا؟

طوال المائتين وخمسين سنةً الماضية كانت كل الرئيسيات ذات القدمين والمُنتصبة القامة تمامًا في شجرة العائلة البشرية تُسمى أشباه البشر (الهومينيد) hominids، وهي كلمة مشتقة من المصطلح اللاتيني Hominidae (ويعني بالعربية أشباه البشر) الذي عرَّفه في الأصل عالم التاريخ الطبيعي السويدي كارلوس لينيوس، الذي وضع الطريقة العلمية الحديثة لتصنيف الأنواع. وظل العلماء والكُتاب لعقودٍ عدة يستخدمون مصطلح «أشباه البشر» في الإشارة لكل الأنواع ما قبل التاريخية والحديثة، التي تسير وتركض في انتصابٍ كامل مُتحرِّرةَ الذراعين واليدين، على نحوٍ فريد بين الحيوانات العليا، لصنع الأشياء وحملها.

لكن تغيَّر المعنى القديم لمصطلح «أشباه البشر» في تسعينيات القرن العشرين، حين أُدخلت تجديداتٌ رئيسية على تصنيف السعادين والقرود التي تنتمي إلى رتبة الثدييات المسمَّاة بالرئيسيات؛ إذ جعلت التطورات في تحليل الحمض النووي في تسعينيات القرن العشرين تقدير المسافة الجينية بين أحد الأنواع ونوعٍ آخر بدقة أمرًا ممكنًا، ولما تبيَّن أن المسافة الجينية بين البشر والقِرَدة العليا — مثل الشمبانزي والغوريلا — قليلة نسبيًّا، فقد عُدل التصنيف بدرجةٍ كبيرة.

وفي التصنيف الجديد أُلغيت البُنجيدات — الفصيلة البيولوجية التي ضمَّت في الماضي الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب — ووُضعت كل هذه الأنواع جميعها مع البشر في فصيلة أشباه البشر؛ لهذا لم يعدْ مصطلح «أشباه البشر»، في لغة المتخصِّصين، يعني «فصيلة إنسان العصر الحديث وإنسان ما قبل التاريخ»، وإنما يعني الآن بالمعنى الدقيق «فصيلة إنسان العصر الحديث وما قبل التاريخ والشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب».

وبمجرد أن صار مصطلح الأناسي أو أشباه البشر غير مقتصر على الحيوانات ذات القدمين، بدأ اختصاصيُّو علم الإنسان وعلماء الحفريات يستخدمون مصطلح «أسلاف الإنسان» في الإشارة إلى بشر العصر الحديث وما قبل التاريخ، لكن مع الأسف لدى مصطلح «أسلاف الإنسان» مشكلة «أشباه البشر» ذاتها بالضبط؛ لأن فصيلة أشباه البشر لا تشتمل فقط على البشر، وإنما الغوريلا والشمبانزي أيضًا، ولا تشتمل فصيلة أسلاف الإنسان على البشر فقط، ولكن على الشمبانزي أيضًا.

من ثَم لا يُشير أيٌّ من «أشباه البشر» أو «أسلاف الإنسان» بالمعنى الدقيق إلى بشر ما قبل التاريخ والعصر الحديث بصفة حصرية. في الواقع، المصطلح العلمي الوحيد المتبقِّي الذي يشير حصريًّا إلى البشر مُنتصِبي القامة ذوي القدمين، سواء في العصر الحديث أو ما قبل التاريخ، هو فصيلة الهومينينا، لكن يُمكننا أن نلتمس عذرًا للكُتاب والعلماء الذين ما زالوا يُواجهون صعوبة مع التغيير من «أشباه البشر» إلى «أسلاف الإنسان» لإحجامهم عن الانتقال مرةً أخرى إلى مصطلح «هومينينا» غير المستخدم والمعروف فقط لدى القِلة، لا سيَّما حين نضع في الاعتبار أن فصيلة الهومينينا قد يلمُّ بها المصير نفسه الذي حاق بأسلافها. اقترح بعض العلماء أن يُعاد تصنيف الشمبانزي باعتباره نوعًا من جنسنا؛ جنس الهومو. إن حدث هذا فحتَّى الهومينينا سيضمُّ الشمبانزي؛ الحيوان الرباعي الأرجل غير المؤهَّل للحركة على قدمين على نحوٍ صحيح وغير القادر عليها، والذي لا يمكن إجازته كفرد من أفراد العائلة البشرية في أبعد ضروب الخيال.2

لكل هذه الأسباب استخدمتُ المصطلح التقليدي «أشباه البشر» طوال الكتاب باعتباره المصطلح المفضَّل لكل الأنواع ذات القدمين فيما قبل التاريخ وفي العصر الحديث في شجرة العائلة البشرية. على عكس «أسلاف الإنسان» — الذي صار مؤخرًا مصطلحًا مفضلًا في علم الإنسان القديم وعلم الحفريات الأكاديميَّين — ظل مصطلح «أشباه البشر» جزءًا من القاموس العلمي لقرون، وصار مقبولًا وراسخًا في الاستخدام العام، وما زال كل القراء المثقَّفين يعرفونه ويفهمونه. والأهم أنه ليس أقل ملائمة من مصطلح «أسلاف الإنسان»، مع وضع التعريفات الحالية لمصطلحات أشباه البشر والقِرَدة العليا وأسلاف الإنسان في الاعتبار.

المراحل الثلاث المتمايزة لتطور الإنسان

حين نُطالع بدايات تطور الإنسان الأولى نستطيع أن نرى أنه جرى في ثلاث مراحل مُتمايزة. كان لأشباه البشر في كل مرحلة تشريحٌ مميَّز، وتنوع مميَّز في أحجام الدماغ، ومجموعة مميزة من الأدوات والأسلحة، وتوزيع جغرافي مميَّز. يمكن تحديد الأنواع التي تُمثل هذه المراحل الثلاث بسهولة بتقسميها إلى ثلاث مجموعات، سأشير إليها في هذا الكتاب بأسماء «أشباه البشر الأوائل» و«البشر الناشئين» و«بشر العصر الحديث».

بدأت المرحلة الأولى — مرحلة أشباه البشر الأوائل — منذ نحو خمسة ملايين عام، حين تطوَّر لدى قِرَدة ما قبل التاريخ تدريجيًّا القدرة على الوقوف والسير والركض بقامةٍ مُنتصبة تمامًا. البقايا الأحفورية الشهيرة للوسي، واحدة من أقدم أشباه البشر الأوائل هؤلاء، كانت من نوع أوسترالوبيثيكوس أفارينسيس، وحاليًّا يعرف علماء الحفريات خمسة أنواع أخرى على الأقل.

صنع أشباه البشر الأوائل أدوات حجرية بدائية من نوعية «أولدوان»، لكنهم لم يتركوا دليلًا على استخدام النار أو العيش في الكهوف. ورغم أنهم كانوا يقفون ويسيرون ويركضون بقامة منتصبة، فقد ظلوا مُحتفِظين بالأذرع الطويلة، وعظام الأصابع المتقوسة، وأصابع الأقدام الطويلة، والأكتاف الضيقة التي تميَّز بها أسلافهم ساكنو الأشجار. استمرار هذه السمات الشبيهة بالقردة في أشباه البشر الأوائل ذوي القامة المنتصبة لهُو دليلٌ مُقنِع على أنهم استمروا في تسلق أعالي الأشجار حتى يناموا ليلًا لتجنُّب الحيوانات المفترسة الضخمة، خاصةً القطط الكبيرة التي كانت أخطر أعدائهم الطبيعيين.

ورغم أن أشباه البشر الأوائل كانوا مُبتكِرين وواسعي الحيلة، إلا أنه غير مرجَّح أنهم كانوا أكثر ذكاءً من القردة العليا بدرجة كبيرة؛ فمقارنةً بدماغ إنسان العصر الحديث الذي يبلغ متوسط حجمه ١٤٠٠ سنتيمتر مكعب تقريبًا، كان دماغ أشباه البشر الأوائل أكبر قليلًا من مخ الشمبانزي النموذجي البالغ ٣٧٥ سنتيمترًا مكعبًا، ولم تكبر أدمغتهم بدرجة كبيرة قط خلال ملايين السنين التي سكنوا فيها أفريقيا الاستوائية.

لا بد أن يُرى التاريخ الطويل لأشباه البشر الأوائل باعتباره التأقلم الموفَّق لوضع القامة المنتصبة والتحرك على قدمين لدى رئيسيات لديها القدرات الذهنية لقِرَدةٍ شديدة الذكاء. صنعت هذه الكائنات الحِراب وعِصيَّ الحفر، ونجحت في صيد حيوانات أخرى وقتلها، ودافعت عن أنفسها ضد أعدائها الطبيعيين، وعاشت في ازدهار نحو أربعة ملايين سنة. وهي فترة زمنية أكثر ٨٠٠ مرة تقريبًا من التاريخ الكامل للحضارة المدنية التي بدأت في بلاد الرافدَين القديمة منذ خمسة آلاف عام.

في وقتٍ ما في الماضي بعد مرور مليونَي سنة، بدأ يظهر في القارة الأفريقية جماعة من أشباه البشر أكثر تطورًا بكثير، وذوي أدمغة أكبر حجمًا بدرجة كبيرة. على مدار المليون سنة التالية تقريبًا تفوَّق هؤلاء البشر الناشئون بالتدريج بأدواتهم الحجرية الأشولية المتقدمة وتقنياتهم، وحلُّوا محلَّ أشباه البشر الأوائل الأكثر بدائية. ومنذ ما يقرب من مليون عام كانت كل الآثار الدالة على وجود أشباه البشر الأوائل قد اختفَت من سجل الحفريات، كانوا قد انقرضوا على ما يبدو.

كان البشر الناشئون أكبر حجمًا وأطول قامة، بالأكتاف العريضة والخصور النحيفة التي تمتاز بها جماعات بشر العصر الحديث. علاوة على ذلك كانت أصابعهم مستقيمة وليست مقوَّسة، وأذرعهم أقصر، وأصابع أقدامهم قصيرة وعريضة. وهذا يدل على أن البشر الناشئين لم يعودوا قادرين على التكيُّف مع تسلق الأشجار للنوم ليلًا؛ فقد صار البشر الناشئون يسكنون الكهوف، واستحدثوا استراتيجية مختلفة — استخدام النار — لحماية أنفسهم من الضواري الكبيرة والخطيرة في بيئتهم.

هاجَر من أفريقيا الهومو إريكتوس (الإنسان المنتصِب)، الأهم والأنجح بين البشر الناشئين، وسكن البيئات المدارية في جنوب وشرق آسيا، واستقرَّ في النهاية في أنحاء الدوائر الشمالية الأبرد في أوراسيا، من الجزر البريطانية حتى الصين. دماغ الإنسان المنتصِب التي بلغ متوسط حجمها ٦٥٠ سنتيمترًا مكعبًا تقريبًا في أقدم الاكتشافات، زاد حجمها حتى وصلت إلى ١٢٥٠ سنتيمترًا مكعبًا، يظلُّ في الحد الطبيعي لمقياس إنسان العصر الحديث. كان الهومو إريكتوس هو من عبر في حسمٍ الهوةَ الفاصلة بين البشرية وسائر عالم الحيوان.

أخيرًا بدأ أول بشر العصر الحديث في الظهور في أفريقيا، منذ ٢٥٠ ألف عام تقريبًا، حاملين أدمغةً عملاقة بحجم ١٣٠٠ و١٤٠٠ سنتيمتر مكعب؛ ثلاثة أضعاف حجم دماغ أشباه البشر الأوائل تقريبًا. انتشر الهومو سيبيانز (الإنسان العاقل)، في أرجاء القارة الأفريقية، بينما هاجرت مجموعاتٌ أخرى من بشر العصر الحديث إلى أوروبا وآسيا. وضمَّ نسلهم إنسان النياندرتال، الذي اصطاد الماموث الصوفي، ووحيد القرن الصوفي خلال العصور الجليدية الأخيرة والإنسان الحديث تشريحيًّا، الذي رسم رسومات جدران الكهوف الشهيرة في فرنسا وإسبانيا قبل التاريخ.

في فترة ما بين خمسة وعشرين ألفًا وخمسة عشر ألف عام مضت، عبرت بعض قبائل الإنسان الحديث تشريحيًّا التي كانت تعيش في سيبيريا إلى ألاسكا، وانتشرت سريعًا في جميع أنحاء أمريكا الشمالية والجنوبية، وأتمَّت الغزو البشري لكل قارات الأرض.

هكذا كان أشباه البشر الأوائل والبشر الناشئون والإنسان الحديث الثلاث جماعات السائدة خلالَ كلٍّ من المراحل الرئيسية في تطور البشرية. عاش أشباه البشر الأوائل ما يربو عن أربعة ملايين عام، وعاش البشر الناشئون نحو مليونَي عام. ونحن البشر الحديثون بعقولنا «المتفوقة» سكنَّا هذه الأرض منذ ربع مليون سنة على أكثر تقدير؛ ثُمن مدة البشر الناشئين، وسُدس مدة أشباه البشر الأوائل. وأمام الإنسان الحديث طريقٌ طويل قبل أن يتساوى مع أقدم أسلافه في طول البقاء.

ثمانية تحولات، عدة ثورات

رغم ظهور ثورات عديدة واختفائها على امتداد التاريخ البشري، لم تمرَّ البشرية إلا بسبعة تحولات أو انسلاخات رئيسية. سُميَت بعض هذه التحولات ثورات (كثيرًا ما يُسمى التحول الخاص بالزراعة ثورة العصر الحجري الحديث، ويُعرَف التحول الخاص بالعلوم والصناعة على نحوٍ شائع بالثورة الصناعية).

لكن تُستخدم كلمة «ثورة» أيضًا لوصف أي تغير مفاجئ وجذري في هيكل سلطة سياسية معيَّنة أو في مجال ثقافي معيَّن، وهو ما يشمل العلوم والتقنية والفن. أما التحوُّل فيصف تغيرًا جذريًّا في كل جوانب الثقافة والمجتمع؛ الغذاء، والسكن، والعلاقات الاجتماعية، والسلوك الاقتصادي، وحجم المجموعة والتقنيات والضغوط التطورية، بل والتشريح البشري ذاته. حدثت آلاف الثورات خلال تطور البشرية وتاريخها، لكن لم يقع سوى القليل من التحوُّلات الحقيقية.

وقعت التحوُّلات الثلاث الأولى منذ ملايين السنين فعليًّا بين مجتمعات قردة ما قبل التاريخ وأشباه البشر الأوائل والبشر الناشئين. أدَّت هذه التحوُّلات إلى صناعة أسلحة فتَّاكة، وتطوُّر وضع القامة كاملة الانتصاب والحركة على قدمين، وتوسُّع السلوك الجنسي وتعزيزه، والتحكم في النار، وصناعة المَلبس والمَسكن، واستحداث ذلك الابتكار الذي تفرَّد به البشر؛ الأُسرة النواة أو المصغَّرة.

حدثت التحوُّلات الثلاث التالية منذ آلاف السنوات، بين مجتمعات البشر الحديثين بيولوجيًّا. أدَّت هذه التحولات لاختراع اللغة، والتواصل بالرموز، ونشأة الهويات القبَلية والعِرقية، واستئناس النباتات والحيوانات، وميلاد الحضارات، وزيادة ضخمة في سكان الأرض من البشر.

وقع التحوُّل السابع الذي أثمر عن الثورة الصناعية منذ عدة قرون فحسب، وقد وُثق توثيقًا جيدًا بفضلِ كمٍّ هائل من المصادر التاريخية. وقد عزَّز هذا التحول التِّقني قدرة البشر على إطعام ذريتهم وحمايتها بدرجة كبيرة، حتى إن الزيادة السكانية البشرية صارت الآن الخطر الأول المتربِّص ببيئة الأرض.

حاليًّا يجري تحولٌ ثامن بدأته التقنية الرئيسية للاتصالات الرقمية؛ فلأول مرة في التاريخ الإنساني صار ممكنًا لأي شخص على وجه الأرض أن يتواصل مع أي شخص آخر تقريبًا على وجه الأرض، سريعًا وبتكلفة معقولة. وسوف يحدث تغيير للمجتمع البشري بهذا التحول الأخير بقدر ما تغيَّر بتقنيات الماضي السبع الرئيسية والتحولات السبعة التي أطلقت لها العنان.

فليكن البقاء للفرضية الأصلح

كان هدفي من تأليف هذا الكتاب هو تحديد التحوُّلات البيولوجية والثقافية الرئيسية — والتقنيات التي أفضت إليها — التي وصل بها النوع الإنساني خطوةً خطوة إلى حالةٍ معيشية راقية في الوقت الحاضر، ولكن محفوفة بالمَخاطر. أثناء ذلك حاولت فهم السمات التشريحية المميزة المتعدِّدة في فصيلة أشباه البشر التي لا وجود لها في أي موضع آخر في مملكة الحيوان، والتي لم تبدُ لها دائمًا فائدةٌ تطورية واضحة.

لماذا اتَّخذ أسلافنا وضع القامة المنتصبة في المقام الأول؟ لماذا فقدنا سلاح الأسنان الفتَّاك الذي ورثناه من أجدادنا من الرئيسيات وصِرنا غير قادرين على الدفاع عن أنفسنا بدون أسلحة مصنَّعة؟ لماذا إناث البشر هنَّ الثدييات الوحيدة التي ترتفع أثداؤها وتصير متضخمة بصورة دائمة عند بلوغ النُّضج الجنسي، بصرف النظر عما إن كن في حالة حمل أو إرضاع؟ لماذا يكاد نشاطنا الجنسي أن يكون مستمرًّا بدلًا من أن يكون متسقًا مع فترات الخصوبة، كما هو الحال مع كل الأنواع الأخرى؟ كيف أصبحنا الحيوان الوحيد على الأرض الذي تجذبه النار بدلًا من أن تصدَّه؟ لماذا فقدنا الغطاء الطبيعي من الفِراء الذي لدى كل الرئيسيات الأخرى وصِرنا عرايا؟ لماذا نحن البشر، المُنحدرون من مجموعة من الثدييات التي تطوَّرت لتعيش فوق الأشجار، صِرنا متكيِّفين للعيش ليس فقط على الأرض، لكن أسفل الأرض فعليًّا في بعض الحالات، في كهوف سواء طبيعية أو مصطنعة؟ وكيف تتواءم كل هذه السمات البشرية الفريدة معًا ككلٍّ متسق؟

حين تقدَّم جاليليو بنظرية دوران الأرض حول الشمس استنكرته البابوية وعلماء الفلك في عصره، وأدانوه بالهرطقة، وحُكِم عليه بالإقامة الجبرية في المنزل مدى الحياة. وحين طرح داروين نظرية تطور النوع البشري من أسلافٍ يُشبِهون القرود، قابَله علماء عصره بالشك والاحتقار والاستهزاء.

وفي العصور الحديثة لم يكن الباحثون والعلماء أقل ميلًا لرفض أي تفسير غير تقليدي، إن كان يُعارض مسلَّمات المعرفة العلمية المألوفة. وقد تبيَّن أن الوضع الكامل، الانتصاب والحركة على قدمين، أقدم مما كان يُعتقد في الأصل بملايين السنوات. واستخدام النار أقدم مما كان يُظَن في الأصل بمئات آلاف السنوات. ويصنع الشمبانزي ويستخدم أدواتٍ متنوعة، وهي المقدرة التي كانت تُعتبر في الماضي حكرًا على البشر. واتضح أن واقعية فن ما قبل التاريخ المُدهشة أقدم بعشرات آلاف السنوات مما كان علماء الحفريات القدامى على استعداد لتصديقه.

القرَّاء المطلِّعون على دراسة التطور البشري سيجدون أن بعض التفسيرات التي قدَّمتها فيما يتعلَّق بأصول الإنسان مُناقِضةٌ للتفكير العلمي التقليدي. هذا في حد ذاته يجب ألا يُزعِج أحدًا، حيث إن التفكير العلمي التقليدي المعني بأصول الإنسان والتطور البشري قد تغيَّر عدة مرات، وفي بعض الحالات صار ما كان بدعة في أحد الأجيال تقليديًّا في الجيل التالي.

أغلب الحقائق والنظريات حول التطور البشري المقدَّمة في هذا الكتاب متَّسِقة مع التفكير العلمي الحالي، وحين لا تكون كذلك حاولت أن أبيِّن لماذا أرى أنه لا بد من تفسير بديل. بعض الفرضيات التي قدَّمتها في هذا الكتاب قد تكون غير تقليدية، لكنها من وجهة نظري تُلائم على أفضل وجه كل الحقائق كما نعرفها. وسيكون على الآخرين تقييم صحتها وتحديد مُلاءمتها للبقاء في إطار الفهم العلمي لأصول البشر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠