أولًا: مكانها، وموضوعاتها، ومعناها

لما كانت العقليات الشق الأوَّل من علم أصول الدين وقد ظهر فيها الإنسان قابعًا وراءها ومَنبعًا للإلهيات، يظهر التاريخ في الشق الثاني من العلم وهو السمعيات أو النبوات كمنبع لها؛ وعلى هذا النحو تكشف العقليات والسمعيات أو الإلهيات والنبوات، وهما الشقان الأساسيان في علم أصول الدين، عن الموضوعَين الرئيسيَّن فيه وهما الإنسان والتاريخ وإن بدَيا غير ظاهرَين مُغترِبَين؛ الإنسان مُغترِب في الذات والصفات والأفعال، والتاريخ مغترب في النبوة والمعاد، مُحاصَر بين الماضي والمستقبل، ومحصور بين إيمان العامة وفردية الإمام.

وكما شملت العقليات موضوعات أربعة؛ الذات والصفات وخلق الأفعال والحسن والقبح، فإن السمعيات أيضًا تشمل موضوعات أربعة؛ النبوة والمعاد والأسماء والأحكام (الإيمان والعمل) والإمامة؛ فالنبوة إذن موضوع في السمعيات، وتبدأ النبوة باب السمعيات؛ لأنها الطريق إلى معرفة الأخبار المتعلِّقة بالمعاد والأسماء والأحكام والإمامة؛ لذلك ظهرت مسألة الكلام ليس كصفةٍ ولكن من حيث هو كلامٌ يُمكِن نقله تاريخيًّا ويكون مصدرًا للمعرفة. وهي كلها أبعاد للتاريخ؛ فالنبوة تُشير إلى تطوُّر الوحي في الماضي، والوحي هو التاريخ، والمعاد يُشير إلى تاريخ الإنسانية في المستقبل، وكلاهما يكوِّن التاريخ العام للإنسانية جمعاء، ماضيها ومستقبلها؛ ثم يبرز الفرد في التاريخ في الأسماء والأحكام في بُعدَي النظر والعمل، كما تظهر الدولة بعد الفرد في صيغة الإمام؛ وبالتالي يظهر التاريخ المتعيِّن في الفرد والدولة منبثِقًا من التاريخ العام، وكأن الفرد بنظره وعمله هو القادر على تحويل التاريخ العام للإنسانية جمعاء إلى تاريخ خاص للفرد. ولما كان الفرد يعيش مع آخرين نشأت الدولة كامتداد للفرد، وأصبحت الدولة هي المحقِّقة للتاريخ العام والمحوِّلة له إلى تاريخٍ خاص لمجتمع بعينه في مرحلة تاريخية بعينها؛ فالدولة باعتبارها ممثلًا للأفراد هي الوريث الوحيد للتاريخ العام.

والنبوة أبعد الموضوعات عن التجريدات العقلية والمقولات الفلسفية وأقربها إلى اللغة الشائعة، وكذلك الأمر في سائر الموضوعات السمعية، ما دام العقل قد غاب ومفاهيمه قد اختفت، ولم يعُد هناك إلا الشواهد السمعية دون تأويل أو تعقيل أو تنظير، وهي أكثر الموضوعات اعتمادًا على النص والأخبار تواترًا وآحادًا؛ لذلك كان موضوع الأخبار جزءًا منها. ومع ذلك يظهر الطابع الجدلي للدفاع وللرد على الخصوم، وكأن مهمة العقل هي الدفاع عن مسلَّمات الإيمان وأخبار السمع، وكذلك الحال في باقي الموضوعات السمعية خاصة المعاد، وكأن القدماء قد اكتفَوا بإعمال العقل في الإلهيات وحوَّلوها إلى عقليات وتركوا السمعيات لأجيال أخرى تقطع النصف الثاني من الشوط، فيتحول العلم كله إلى عقليات. فإذا كان السلف قد قطعوا النصف الأول من الشوط تكون مهمة الخَلَف قطع النصف الثاني منه؛ وبالتالي يتحول علم أصول الدين من علم عقلي نقلي إلى علم عقلي خالص لاحقًا بمجموعة العلوم العقلية.

(١) مكانها في العلم

يتدرج موضوع النبوة ويأخذ مكانه في العلم؛ ابتداءً من عدم ظهوره على الإطلاق في الكتب المتقدمة إلى ظهوره تدريجيًّا حتى يأخذ وضعه بعد العقليات وفي أول السمعيات، حتى يُصبِح ذا أهمية بالغة في العقائد المتأخِّرة، ويُصبِح قطبًا ثانيًا في العقائد التي تدور على قطبَين رئيسيَّين؛ الله والرسول. فلا تظهر في مصنفات التوحيد المتقدِّمة أو المتأخِّرة كما لا تظهر في مصنفات المعتزلة كأصل من الأصول الخمسة،١ ثم تبدأ في الظهور في النهاية إثباتًا لكمال الأنبياء ثم إثباتًا لآيات الأنبياء ولكرامات الأولياء في مُقابِل قضاء الحاجات للأعداء ثم ذِكر أبناء النبي،٢ ثم تظهر أيضًا في كتب العقائد المتقدمة بعد التوحيد، الذات والصفات والأفعال، وقبل الإمامة في عدة مسائل أهمُّها: جواز النبوة، وعموم النبوة، وعدم نسخها، والمعجزة ثم الإعجاز.٣
ثم تظهر النبوة لأول مرة بعد التوحيد سلبًا، وذلك برفض نظريات البراهمة وإنكار النبوة، ثم إثبات نبوة محمد والرد على من أنكرها من المجوس والصابئة والنصارى، وإثبات الأخبار ضد اليهود، وإثبات النسخ أيضًا ضدهم، وإثبات عموم الرسالة ضد العيسوية. وبعد ظهور الصفات والأصول تأتي مباحث الخبر والتواتر والآحاد كمقدمات للإمامة.٤ ثم تظهر النبوات في آخر الحسن والقبح كمقدمة لباب النبوات. ثم تظهر مرة أخرى بعد التوحيد والعدل.٥ وقد تدخل النبوات ضمن التكليف العقلي كما أنها تدخل ضمن تطوُّر الوحي.٦ وفي المصنفات الاعتزالية تظهر النبوة في آخر باب العدل الذي يشمل حرية الأفعال والحسن والقبح.٧ وتظهر النبوة بعد العدل ثم المعجزات والكرامات ثم معرفة أركان الإسلام وأحكام التكليف والأمر، وكأن النبوة تدخل في موضوعات الفرد والدولة، فتظهر على أنها فعل في التاريخ، وتتحول من عقيدةٍ نظرية إلى مسارٍ عملي في الفرد والجماعة، تحقيقًا للرسالة في التاريخ كما هو الحال في الحركة الإصلاحية الحديثة.٨ وقد تُنهي النبوات أبواب التوحيد؛ إذ منها يُستنبط الوعد والوعيد والإيمان والإمامة، ويدور الكلام فيها في ثلاثة أمور؛ جواز بعثة الأنبياء، ووقوع البعثة، ونبوة محمد.٩
ثم تأخذ النبوة شيئًا فشيئًا مكانها الطبيعي في العلم بعد انتهاء العقليات، وكأول موضوع في السمعيات؛ فتظهر بعد التوحيد والعدل دون أن تكون بابًا في السمعيات بعد النبوة مباشرة،١٠ ثم تظهر مرة أخرى بعد التوحيد والعدل ولكن الأخبار تظهر كمقدمة للإمامة.١١ ثم تبدو النبوة في بداية القطب الرابع بعد الأقطاب الثلاثة الأولى عن الذات والصفات والأفعال، وقبل المعاد والإمامة، وملحقها عن تاريخ الفِرَق دون ذِكر للقطب كله؛ تحت باب السمعيات. ويثبت جوازها كآخر فصل من الأفعال؛ أي في العدل قبل الانتقال إلى القطب الرابع والأخير الذي يبدأ بإثبات النبوة الخاصة، وكأن إثبات النبوة العامة أدخَلُ في الأفعال ونفي الواجبات على الله في الجواز.١٢ وبالرغم من هذا الاستقرار النهائي لمكان النبوة في العلم قد تضطرب مباحثها وتتأرجح مسائلها، ولكن معظمها يأتي بعد العدل ويتداخل مع بعض مسائل السمعيات الأخرى كالإيمان،١٣ وقد تظهر النبوة بعد مسائل العدل وقبل المعاد والإمامة ثم تظهر كرامات الأولياء والنسخ بعد الإمامة في النهاية،١٤ وقد تظهر النبوات بعد العدل وقبل المعاد والإمامة.١٥ وتأتي النبوة بعد الوعد والوعيد وقبل المعاد ثم تظهر من جديد بعدها في العصمة وأفضلية الأنبياء على الملائكة، ثم تظهر مسائل الوعد والوعيد والمعاد من جديدٍ مما يدل على أنها جزء من السمعيات.١٦ وتبدو النبوات بعد المعاد وقبل الإمامة في مِحورَين أساسَين؛ جوازهما بالعقل ووقوعهما بالفعل، مع ترك الحشو التاريخي والغيبي منها.١٧ ثم تظهر النبوة لأول مرة في باب السمعيات في مكانها المُستقِر مع المعاد والأسماء والأحكام والإمامة.١٨
ثم يهتز البناء في العقائد المتأخِّرة؛ فتظهر النبوة بعد المعاد والوعد والوعيد والإيمان والعمل وقبل الإمامة في النهاية.١٩ كما تظهر بعض موضوعات للنبوة بعد العدل، مثل الملائكة ثم بعد مسائل التوحيد، ثم يبرز المعاد ومسائل الإيمان والعمل والوعد والوعيد ثم المعاد في بعثة الرسل ثم تأتي الإمامة والتاريخ في النهاية.٢٠ وفي بعض الموسوعات المتأخرة تظهر النبوة بوضوحٍ دون بناء نظري، ولكنها تحتوي على تعريف النبي والفَرق بينه وبين الرسول والمعجزة والملائكة وعصمتهم، والأنبياء وشرفهم ومحبتهم.٢١
وفي العقائد المتأخرة عندما يرتكز علم التوحيد على قطبَي الإلهيات والنبوة تبدأ النبوة في القطب الثاني وتكون شاملة للحشر والجزاء وللإمامة معًا،٢٢ وقد يتفصَّل القطب الثاني ويشمل الملائكة والكتب والسمعيات والقضاء والقدر،٢٣ وقد يشمل الباب الثاني بعد التوحيد الإيمان بالرسل والأنبياء والسمعيات،٢٤ وقد تتفضل الملائكة مع الأنبياء كالقطب الثاني في التوحيد مع الله ثم السمعيات التي أتى بها النبي.٢٥ وبعد التوحيد تظهر أحيانًا مسائل الملائكة والكتب وعددها والأنبياء وأصحاب الشرائع وعدد الأنبياء والرسل وأسماؤهم ثم يأتي المعاد في النهاية.٢٦ وأحيانًا تكون مباحث النبوة والرسالة القطب الثاني بعد الإلهيات، وتسقط السمعيات ودون أن تطغى على الإلهيات.٢٧
وفي العقائد المتأخِّرة أيضًا بالإضافة إلى انتظام العقائد في قطبَي الله والرسول ينطبق على كلٍّ منها نظرية الوجوب والإمكان والاستحالة؛٢٨ فيندرج الإيمان بالرسل تحت نظرية الواجب والممكن والمستحيل؛ ثلاثة للواجب: الصدق والأمانة والتبليغ، وأضدادهما للمستحيل: الكذب والخيانة والكتمان، والجائز واحد وهي الأعراض البشرية؛ فالعقائد في الرسل سبعة. وأحيانًا تظهر بعد التوحيد كعقائد تسعة؛ أربعة في الوجوب، وأربعة أضدادها في الاستحالة، وواحدة في الجواز، وبعدها تأتي باقي السمعيات؛ الجن والملائكة والأنبياء والأولياء ثم التاريخ.٢٩ فمن الخمسين عقيدة التي يجب على المسلم أن يُؤمِن بها يشغل الله منها واحدًا وأربعين والرسل تسعة. وقد يدخل إرسال الرسل فيما يجوز على الله، وتظهر الأفضلية بينهم والمعجزات ونَسبُ الرسول وأولاده قبل الخصال الأربعة؛ الصدق، والأمانة (العصمة)، والتبليغ، والفطانة، والأدلة عليها؛ وأخيرًا جواز وقوع الأعراض البشرية وبعدها تظهر السمعيات. وقد تظهر نفس الموضوعات مع عدد الأنبياء، ثم تفضيل الملائكة وتفضيل الكتب المقدسة، ثم الإيمان بما أتى به الرسول؛ أي بالسمعيات، ثم النهاية بحياة الرسول ومولده وآياته وأولاده وحياته. وأحيانًا تتضخم النبوة كمًّا حتى تطغى على التوحيد. وقد يُزاد على ذلك كله الإقرار بأن النبوة غير مُكتسَبة بل فضل من الله، وأنها مؤيَّدة بالمعجزات، وأنها ليست في النساء، ويُعاد من جديد التفضيل والمعجزات ومنع النَّسخ والمعراج ثم التاريخ والقرن والخلافة والمبشَّرون بالجنة وبداية الاختلاف وظهور الأئمة وتقليدهم والأولياء وكراماتهم. ثم تأتي باقي السمعيات كالإيمان والعمل والإمامة.٣٠
وفي إحدى الحركات الإصلاحية تعود معظم موضوعات النبوة التقليدية مع بعض التوجيهات العملية مثل المعارضة لزيارة القبور وكبار الأولياء، وتظل الملائكة والشياطين والجن، ويتم التركيز على التاريخ الساقط بعد النبوة والخلافة دون محاور ودون بناء عقلي مُحكَم.٣١ وفي حركة إسلامية أخرى تظهر ضرورة النبوة كتكملة لمبحث الحسن والقبح، ثم تظهر النبوة تحت الرسالة العامة «المعجزة وما يجب للرسل» ثم حاجة البشر إلى الرسالة ودوافعها النظرية «المعرفة» والعملية «السعادة» ثم الوحي وتعريفه وكونه مُمكِن الوقوع ثم وظائف الرسل، ورسالة محمد والقرآن والإسلام ثم الاحتجاج على الإسلام. طغت النبوة على التوحيد وأصبحت أوسع منه ثلاث مرات. تحوَّلَت النبوة إلى الرسالة، واختفت الغيبيات منها وقل التركيز على شخص النبي، وظهرت مفاهيم التقدم في التاريخ واكتمال الوحي وبداية التعامل مع التراث الغربي والرد عليه.٣٢

(٢) موضوعاتها ومَحاورها

ونظرًا لأهمية موضوع النبوة فإنها تخرج أحيانًا من البناء النظري للعلم ومكانها الطبيعي بين التوحيد والعدل وبين الإيمان والعمل والمعاد والإمامة، وتدخل في المقدمات النظرية الأولى بعد نظرية العلم ونظرية الوجود، وتدخل عصمة الأنبياء في الإيمان والعمل ثم تظهر نبوة النساء والرؤيا في اللطائف،٣٣ كما تدخل النبوة لأهميتها في المقدمات إثباتًا لإمكانها ضد مُنكِريها أو مُثبتي استمرارها وشمولها للطبيعة.٣٤ كما تظهر بعض موضوعات النبوة في كتب الحِجاج، مثل دلائل النبوة والعصمة والنَّسخ والأخبار.٣٥ وبالرغم من بقاء هذه الموضوعات متفرِّقة متناثِرة ومتداخِلة فيما بينها إلا أنه يُمكِن جمعها في عدة محاور رئيسية نظرية أو عملية، عقلية أم تاريخية؛ وبالتالي يُمكِن عرض الموضوع وبناؤه بعد بيان تطوُّره واكتماله، وأنه من خلال هذا البناء يُمكِن رؤية المحاور الرئيسية فيه تكثر أو تقل؛ فإذا كانت الموضوعات خمسة عشر، فإنه يُمكِن وضعها في محاور رئيسية أقل، في ثلاثة مثلًا؛ معناها وجوازها ومعرفتها، عدد الأنبياء وترتيبهم وصحة نبواتهم، وخاتمهم وعموم رسالته، وتفضيل الرسل بعضهم على بعض.٣٦ وإن كانت الموضوعات تسعًا فإنه يُمكِن أيضًا وضعها في محاور أقل، مثل إثباتها، وعصمة الأنبياء، وتفضيلهم، والمعجزة، والكرامة.٣٧ وإذا كانت الموضوعات خمسًا فإنه يُمكِن أيضًا وضعها في محاور أقل، مثل جوازها، ودليل صدقها، وخاتم الأنبياء، وأحكامهم.٣٨ وإذا كانت الموضوعات أربعًا فإنه يُمكِن أيضًا تلخيصها في محاور أقل؛ جوازها والدليل على صدقها وخاتم الأنبياء.٣٩ وإذا كانت الموضوعات ثلاثة فإنه يُمكِن ضمُّها في موضوعَين اثنَين؛ جوازها وصدقها.٤٠ أما إذا كانت الموضوعات اثنَين، فإنها تكون مِحورَين أساسيَّين في بيان جوازها بالعقل ثم في بيان وقوعها بالفعل؛ الأول يعرض للحق النظري والثاني يعرض للواقع العملي.٤١ والحقيقة أن محاور النبوة الرئيسية أقل من موضوعاتها؛ هي بطبيعة الحال تبدأ بالسؤال النظري عن وجوبها أو استحالتها أو إمكانها، وهو سؤال الحق النظري وأنها مُمكِنة الوقوع، ثم يظهر المحور الثاني عن الدليل على صدقها؛ المعجزة أو غيرها، ثم يبدأ المحور الثالث عن تطوُّرها بدايةً ووسطًا ونهاية، وعلاقة المراحل بعضها بالبعض ناسخًا ومنسوخًا، وتوقُّفها كليةً باكتمالها وتحقيق الغاية منها، ثم يظهر المحور الثالث والأخير عن النبوة في آخر مراحلها والدليل على صدقها، وهو الإعجاز وطُرُق نقلها، ورسالتها دون شخص نبيها، وأخيرًا عن مضمونها العقائدي والتشريعي الذي يتناوله علم الأصول؛ ففي هذه المحاور الثلاثة تندرج كل الموضوعات المتناثِرة؛ فتاريخ الأنبياء وتاريخ الأديان، سواءٌ ديانات إبراهيم أو الديانات الشرقية القديمة والحوار معها، أكثر من الحوار مع الفِرَق الكلامية، كل ذلك يدخل في المحور الثاني عن تطورها، وكل الموضوعات المتعلقة بشخص النبي، مثل العصمة والتفضيل، كل ذلك يدخل في المحور الثالث عن الرسالة التي تجب شخص النبي. أما الموضوعات الغيبية كالملائكة وكيفية اتصال النبي بها فكلُّها تدخل في المحور الأول حول وجوبها واستحالتها وجوازها، ولكن يظل المحوران الرئيسيان للنبوة هما إمكانها ووقوعها، لا الموضوعات التاريخية الصرفة ابتداءً من شخص النبي حتى صحابته وتابعيه وآل بيته، ولا الموضوعات الغيبية الصرفة وهي طريقة اتصال النبي بمصدر الوحي، كما هو الحال في نظرية الاتصال في علوم الحكمة.

(٣) معناها وحقيقتها

تعني النبوة الخبر أو الإخبار؛ فالوحي يأتي من الخبر، والخبر مصدر الوحي؛ الخبر هو الدال، والوحي هو المبادئ العامة في المعرفة الإنسانية لا شخص النبي، وموضوعه حياة البشر وصالح الناس وليس شخص المُرسَل أو الرسول. تُعطي النبوة إذن معارف وأخبارًا، فهي من جانب المعرفة من أجل توجيه السلوك؛ لذلك جاءت النبوة اشتقاقًا من النبأ أي الخبر بالهمزة؛ أي الإعلام، والإعلام غير الإلهام، وليس من باب الظن والوهم أو الكهانة أو النجوم، بل إخبار الله بما يكون. النبوة إذن نوع من المعرفة متميِّزة عن أنواع المعارف الأخرى؛ يقينها باطني، ومعرفتها يقينية. إذا كان الإلهام كشفًا فالنبوة استدلال، وإذا كان التوهم ظنًّا فالنبوة يقين، وإذا كانت الكهانة من استراق الشياطين السمع من السماء، فيرمون بالشُّهب الثواقب وقد انقطعت بمجيء الرسول، فالنبوة عقل وليست سحرًا، وإذا كانت النجوم تجارِب تُتعلم، فالنبوة علم وليست تخمينًا أو خرافة، وإذا كانت الرؤيا لا يدري أحدٌ صدَقَت أم كذبَت، فالنبوة لا تأتي إلا في اليقظة دون الحُلم.٤٢
وهناك معانٍ زائدة في النبوة تتحدث عن كيفية المعرفة، صحيحٌ أن الوحي لغةً يعني الإعلام في خفاء ولكنه اصطلاحًا إعلام الله للأنبياء، إما بكتاب أو برسالة ملك أو بمنام أو بإلهام، وإلهام غير الأنبياء في هذه الحالة ليس وحيًا، فالوحي للتشريع وليس فقط للمعارف النظرية؛ لذلك قد يجيء الوحي بمعنى الأمر وبمعنى التسخير، ويكون الإلهام بمعنى الهداية والإشارة، ويُطلَق بهذا المعنى على القرآن والسنة؛ أي على الوحي المكتوب والمدوَّن، وقد يُزاد على هذا المعنى الزائد أصلًا تفصيل كيفية حدوث الوحي، بأن يخلق الله حالة في النبي يسمع بها مثل صلصلة الجرس، أو من خلال ملَكٍ يتمثل رجلًا؛ أي عن طريق الصوت أو الرؤية، عن طريق السمع أو البصر، من خلال الأذن أو العين؛ أي من خلال الحواس. وهذه المعاني الزائدة يصعب تأصيلها عقلًا وتبقى سمعية خالصة.٤٣
وقد ركَّز الفلاسفة على النبوة بهذا المعنى الزائد داخل نظرية الاتصال؛ فقد أراد الفلاسفة أن يجمعوا فيها خواصَّ ثلاثًا؛ أن يكون النبي مُطلِعًا على الغيبيات ما دامت النفوس الإنسانية مجردة قادرة على إدراك المجردات، وأن تظهر منه الأفعال الخارقة للعادة ما دام بروحه قادرًا على التأثير، وأن يرى الملائكة مصوَّرة ويسمع كلامها وحيًا، نومًا أو يقظة.٤٤ والحقيقة أن هذه الخواص الثلاث تجسيد للمعاني الزائدة في النبوة وتصوير لها؛ فالنبوة ليست غيبية بل حسية تؤكِّد على رعاية مصالح العِباد، والغيبيات اغتراب عنها، والمعارف النبوية دنيوية حسية تتعلق بشئون الناس وصلاح معاشهم، كما أنها إخراج للنبي عن حدود الطاقة البشرية، وجعل صدق النبوة خارجيًّا وليس داخليًّا وضد قوانين العقل والطبيعة وليس معها، كما أن هذه المعاني الزائدة المشخِّصة وقوعٌ في الغيبيات وإخراج للنبوة من محورها الأفقي، النبوة في العالم ومسارها في التاريخ إلى محورها الرأسي، النبوة كطريق بين النبي والله، طريقة للوصول خارج الزمان وخارج التاريخ، ولا يهمُّنا في النبوة طريقة الإيصال؛ الوحي أو الرسول أو من وراء حجاب، ولا يهمُّنا أيضًا في النبوة الملَك وأنواعه وطريقة قدومه وجرسه وصوته وشكله، ولا يهمنا ثالثًا خيال النبي، وكيف كان يأتيه الوحي نائمًا أم يقظًا، لا شأن لنا بالصلة بين الله والرسول وطريقة الاتصال بينهما بالمَلاك أو بغيره، اسمه وشكله وصوته؛ فذلك لا يُمكِن معرفته حسًّا أو عقلًا، ولا شأن لنا بالنبوة بين الملائكة والجن والشياطين أو البهائم والطير والجمادات ما دامت مِثلنا، نحن البشر؛ فهي كلها موضوعات مُفارِقة لا تسمح بها نظرية العلم في المقدمات النظرية الأولى، ما يهمنا هو الرسالة ذاتها التي بها صلاح العِباد، والنبوة للبشر وحدهم؛ فطريق النبوة جزء زائد على تعريفها وخارج عن حقيقتها.
وقد تعني النبوة معنًى ثانيًا غير الإعلام والإخبار وهي الرفعة، فالنباوة من غير همزة ما ارتفع من الأرض؛ وبالتالي يكون النبي هو رفيع المنزلة عند الله، وهو معنًى يترك النبوة ويتجه نحو النبي، ويترك الرسالة ويعرف الرسول، ويترك النبوة في التاريخ ويتصور علاقة النبي بالله، ويُؤثِر قيمة الارتفاع على الانخفاض، والصعود على الهبوط، ويفضِّل التأويل على التنزيل، وهو ما يُعارِض سَير الوحي ومسار النبوة.٤٥
وليست وظيفة النبوة الإخبار بالمستقبل؛ فتلك كانت وظيفة النبي قبل خاتم النبوة كدليل على الصدق، وطبقًا للمعنى الاشتقاقي للفظ في اللغة العبرية.٤٦ أما المعنى في ختم النبوة فهو تحليل الحاضر وليس الإخبار بالمستقبل، وإذا كان هناك قصص فإنما يهدف إلى إعطاء الحاضر ومد الوعي بدروس الماضي وخبرات الأمم السابقة؛ فالوعي بالحاضر هو وعي بالتاريخ، وما الحاضر إلا تراكُم للماضي. الماضي عِبرة ودرس وتطوُّر يصب في الحاضر، مسارًا من الماضي إلى الحاضر وليس نكوصًا من الحاضر إلى الماضي. أما المستقبل فمرهون بفعل الحاضر ومشروط باستمرارية الماضي في الحاضر؛ فالماضي هو مستقبل الحاضر ومستقبل المستقبل على حد سواء. يظن القدماء أن النبوة تنبؤٌ بالمستقبل وقراءة له، ويظن المعاصرون أن النبوة رجوع إلى الماضي، والنبوة في حقيقة الأمر هي تحليل للحاضر لمعرفة جدل الماضي والمستقبل فيه، وقراءة الماضي هي استبصار للمستقبل، وما الحاضر إلا لحظة التقاء بينهما يتم فيها كشف القوانين ورؤية حركة التاريخ.
وتُسمَّى النبوة بعِدَّة ألفاظ مُترادِفة مثل البعثة والرسالة. الوحي والنبوة متقارِبان، والبعثة والرسالة متقارِبان؛ الوحي هو كل العلم، والنبوة الطريق إليه؛ والبعثة النبوة المُعلَنة، والرسالة النبوة المكلَّفة. تدل المصطلحات الأربعة المتقارِبة على تدرُّج مِن النظر إلى العمل أو من العام إلى الخاص، من الوحي إلى النبوة إلى البعثة إلى الرسالة.٤٧

وتتضمن النبوة كرسالة أربعةَ أطراف: مُرسِل وهو الله، ومُرسَل إليه وهو النبي، ومُرسَل إليهم وهم العِباد، ومُرسَل وهو الشيء؛ فالمُرسِل هو الوعي الخالص والمُرسَل هي الرسالة. وأهم طرَف من هذه الأطراف الأربعة ليس المُرسِل أي الوعي الخالص؛ فذلك هو موضوع التوحيد، باب العقليات، الشق الأول في علم أصول الدين، وليس المُرسَل إليه أي شخص النبي؛ فهو مجرد رسول لإيصال الرسالة. أهم طرف في المعادلة الرباعية هي الرسالة أي التكليف، والمُرسَل إليهم أي نحن البشر، عباد الله في التاريخ. شخص النبي إذن ليس أحد موضوعات النبوة ومعنًى زائد في تعريفها، النبي مجرد واسطة لإيصال الرسالة من المُرسِل إلى المُرسَل إليهم، وليس جزءًا من النبوة بشخصه. طبعًا هناك شروط النبوة إذا ما توافرت عند أي إنسان يكون هو النبي، لا ترجع النبوة إلى جسم النبي أو إلى عرَض من أعراضه أو حتى إلى علمه بربه؛ فذاك يقع من غير نبوة أو علم النبي بكونه نبيًّا، فالمعلوم غير معلوم بعد، بل ترجع إلى الرسالة والمُرسَل إليهم حتى ولو كان المُرسِل مجهولًا، وكأن المُرسَل إليه غائب بشخصه، اختفى بعد إيصال الرسالة وأداء الأمانة، وتبقى الرسالة طالما بقي المُرسَل إليهم يحملونها عبر الأجيال ويحقِّقونها في التاريخ.

ولكن هل هناك فرق بين النبي والرسول؟ الفرق بين النبي والرسول هو الفرق بين التصور والنظام، بين العقيدة والشريعة، بين النظر والعمل. يأتي النبي بالنظر وبالعقيدة وبالتصور، ولا يأتي بالضرورة بنظام أو شريعة أو يبني مجتمعًا ويؤسِّس دولة، فالنظر لم ينعقد بعد، في حين أن الرسول هو الذي يولِّد النظام من التصور، ويحقِّق الشريعة من العقيدة، ويحوِّل النظر إلى عمل، كما يُشير النبي إلى البعد الرأسي فقط؛ الصلة بينه وبين الله، في حين أن الرسول يُشير إلى البعد الأفقي أيضًا؛ أي الصلة بينه وبين الناس في التبليغ وحمل الرسالة وأداء الأمانة، ومن هنا أتت صفات الرسول الأربعة؛ الصدق والأمانة والتبليغ والفطنة، واستحالة أضدادها؛ الكذب والخيانة والكتمان والتهور. ويُشتَق لفظ النبي من فعلٍ لازم في حين يُشتَق لفظ الرسول من فعلٍ متعدٍ، الأول لا يُشير بالضرورة إلى كل الأطراف في حين يُشير الثاني ضرورةً إلى الأطراف الأربعة؛ المُرسِل، والمُرسَل إليه، والمُرسَل إليهم، والرسالة. يُطالِب النبي بالتصديق فحسب بينما يطالب الرسول بالتصديق وبالعمل. الإيمان عند الأول مجرد إقرار وتصديق في حين أنه عند الثاني إقرار وتصديق ونظر وعمل. قد لا ينجح النبي في النبوة، ويُصيبه من الأذى الكثير، فدَوره هو الشهادة على العصر في حين أن الرسول مُطالَب بالنجاح؛ بناء المجتمع وتأسيس الدولة؛ لذلك كان بالنبوة تعظيم واستحقاق نظرًا للشهادة أما الرسالة فجزاؤها قدر الأعمال، وإن كان كلاهما مؤيَّدًا بالمعجزات فإن تأييد النبي بها أقوى من تأييد الرسول الذي يكفيه يقين الرسالة الداخلي، والقدرة على تكوين الأفراد وتجنيد المؤمنين والدفاع عن النفس بالفعل، ومقابلة العنف بالعنف، والأخذ بأسباب القوة بُغيةَ الانتصار.٤٨
١  وذلك واضح في «اللمع»، «الإبانة»، «أساس التقديس»، «المحيط».
٢  الفقه، ص١٨٥–١٨٧.
٣  هذا هو الحال في «الإنصاف»: يجوز لله إرسال الرسل وبعث الأنبياء خلافًا للبراهمة (ص٦١)، صدق مدعِّي النبوة لم يثبت بحُجَج دعواه وإنما يثبت بالمعجزات (ص٦١-٦٢)، محمد مبعوث إلى كافة الخلق وأن شرعه لا يُنسَخ ومعجزته القرآن (ص٦٢-٦٣)، نبوات الأنبياء لا تبطل ولا تنخرم بانتقالهم إلى الآخرة (ص٦٣-٦٤).
٤  هذا هو الحال في «التمهيد»: البراهمة (٩٦–١١٤)، في إثبات نبوة محمد والرد على من أنكرها وطعن فيها من المجوس والصابئة والنصارى (ص١١٤–١٣١)، في الأخبار (ص٣١–١١٠)، مُنكِر نَسخ شريعة موسى من جهة السمع دون العقل (ص١٤٠–١٤٤)، مُحِيل النَّسخ منهم من جهة العقل (ص١٤٤–١٤٧)، العيسوية الذين يزعمون أن محمدًا وعيسى إنما بُعِثا إلى قومهما ولم يُبعَثا بنَسخ شريعة موسى (ص١٤٧-١٤٨)، معنى الخبر (ص١٦٠)، أقسام الأخبار (ص١٦٠–١٦٢)، إثبات التواتر واستحالة الكذب على أهله (ص١٦٢-١٦٣)، صفات أهل التواتر (ص١٦٣-١٦٤)، خبر الواحد (ص١٦٤).
٥  هذا هو الحال في «لمع الأدلة»: إثبات النبوات (ص١٠٩)، الرسالة والنبوة والمعجزة (ص١١٠–١١٣)، صدق النبوة بالمعجزات (ص١١٠-١١١)، الدليل على ثبوت نبوة محمد بالمعجزات (ص١١١-١١٢)، للرسول آيات ومعجزات سوى القرآن (ص١١٢)، وما جوَّزه العقل وورد به الشرع وجب القضاء بثبوته (ص١١٢-١١٣)؛ المغني، ج١٣.
٦  هذا هو الحال في المغني، ج١٣. الكلام في النبوات لأنَّا قد ذكرنا جملة التكليف العقلي وما لم نذكره يتصل بالوعد والوعيد. التوبة، ص٤٦١.
٧  هذا هو الحال أيضًا في «شرح الأصول الخمسة»: النبوات (ص٥٦٣-٥٦٤)، لا يُحكَم على الفعل بالقبح والحسن بمجرده وإنما يكون كذلك لوجه (ص٥٦٤–٥٦٨)، حقيقة المعجز (ص٥٦٨–٥٧٣)، صفات الرسول (ص٥٧٣–٥٧٦)، نَسخ الشرائع (ص٥٧٦–٥٨٣)، الفرق بين النَّسخ والبداء (ص٥٨٣–٥٨٥)، وجه الإعجاز في القرآن (ص٥٨٥–٥٩٥)، بقية معجزات الرسول (ص٥٩٥–٥٩٨)، شُبَه الملحدة (ص٥٩٨-٥٩٩)، الحكمة من المتشابه (ص٥٩٩-٦٠٠)، حقيقة المُحكَم والمتشابه (ص٦٠٠–٦٠٣)، الرد على من يدَّعي أنه لا يعرف المراد بظاهر القرآن (ص٦٠٣–٦٠٦)، شروط المفسِّر لكتاب الله (ص٦٠٦–٦٠٨)، الكلام في النبوات ووجه اتصاله بباب العدل هو أنه كلام في أنه تعالى إذا علِم أن صلاحنا يتعلق بهذه الشرعيات فلا بد من أن يعرِّفناها لكيلا يكون مُخلًّا بما هو واجب عليه، ومن العدل ألا يُخلَّ بما هو واجب عليه (ص٥٦٣)، بدأ بالدلالة على نبوة محمد لما كان هو المقصود قبل الشروع في ذلك نذكر الخلاف فيه وعن قاعدةٍ تكون توطئة للباب وجوابًا للمخالف (ص٥٦٣). وهو أيضًا موقف «المغني»، ج١٥: النبوات والمعجزات (ص١٤٦–٣١٦)، الأخبار (ص٣١٧–٤١٠)؛ ج١٦: إعجاز القرآن (ص٩–١٤٢)، نبوة محمد وإعجاز القرآن وسائر المعجزات الظاهرة عليه (ص١٤٣–٤٣٣)؛ ج١٧: الشرعيات، الخطاب العام والخاص والاستثناء وكلها مباحث أصولية.
٨  هذا هو الحال في «أصول الدين»: الأصل السابع معرفة الأنبياء (ص١٥٣–١٦٩)، الأصل الثامن المعجزات والكرامات (ص١٦٩–١٨٥)، الأصل التاسع بيان معرفة أركان الإسلام (ص١٨٥–٢٠٦)، الأصل العاشر معرفة أحكام التكليف والأمر (ص٢٠٦–٢٢٨).
٩  المغني، ج١٥، ص٧-٨، الكلام في النبوات (ص٧–١٤٦).
١٠  هذا هو الموقف في «العقيدة النظامية»: النبوات (ص٤٧–٥٧)، المعجزات (ص٤٨–٥١)، دلالة المعجزة (ص٥١-٥٢)، الكرامات (ص٥٢–٥٤)، نبوة محمد (ص٥٤-٥٥)، إعجاز القرآن (ص٥٥–٥٧).
١١  هذا هو الموقف في «الإرشاد»: باب القول في إثبات النبوات (ص٣٠٢–٣٥٧)، إثبات جواز النبوات (ص٣٠٢–٣٠٧)، المعجزات وشرائطها (ص٣٠٧–٣١٥)، إثبات الكرامات وتمييزها عن المعجزات (ص٣١٦–٣٢١)، السحر وما يتصل به (ص٣٢١–٣٢٣)، باب في الوجه الذي منه تدل المعجزة على صدق الرسول (ص٣٢٤–٣٣٠)، لا دليل على صدق النبي غير المعجزة (ص٣٣١)، امتناع الكذب على الله شرط في دلالة المعجزة (ص٣٣١–٣٣٧)، القول في إثبات نبوة نبينا محمد (ص٣٣٨)، النسخ (ص٣٣٨–٣٤٤)، معجزات محمد (ص٣٤٥–٣٤٩)، وجوه إعجاز القرآن (ص٣٤٩–٣٥٣)، آيات الرسول غير القرآن (ص٣٥٣-٣٥٤)، باب أحكام الأنبياء عامة (ص٣٥٥)، عصمة الأنبياء عامة (ص٣٥٦-٣٥٧)، باب في تفاصيل الأخبار (ص٤١١–٤١٨).
١٢  هذا هو الموقف في «الاقتصاد»، القطب الرابع وفيه أبواب: (أ) في إثبات نبوة محمد (ص١٠٣)؛ وكذلك «الحصون الحميدية».
١٣  هذا هو الموقف في «بحر الكلام»: فصل، قالت المعتزلة كرامات الأولياء باطلة (ص٥٦–٥٨)، قالت المعتزلة إن الشياطين ليس لهم عمل على بني آدم (ص٥٨-٥٩)، إثبات الرسالة (ص٥٩-٦٠)، نبينا محمد الآن هو رسول أم لا (ص٦٠-٦١)، قالت المعتزلة المعراج لم يكن (ص٦١–٦٣).
١٤  هذا هو الموقف في «نهاية الإقدام»: في إثبات النبوات وتحقيق المعجزات ووجود عصمة الأنبياء (ص٤١٧–٤٤٦)، في إثبات نبوة نبينا محمد وبيان معجزاته ووجه دلالة الكتاب العزيز على صدقه (ص٤٤٦–٤٦٧)، بيان كرامات الأولياء (ص٤٩٧–٤٩٩)، في النسخ وأن هذه الشريعة ناسخة للشرائع كلها (ص٤٩٩–٥٠٤).
١٥  هذا هو الموقف في «معالم أصول الدين»: الباب السابع في النبوات (ص٩٠–١١٣)؛ وكذلك في «نهاية الإقدام»: القاعدة العشرون، في إثبات نبوة نبينا وبيان معجزاته وروحه ودلالة الكتاب العزيز على صدقه وجمل من الكلام في السمعيات من الأسماء والأحكام وحقيقة الإيمان والكفر والقول في التكفير والتضليل وبيان سؤال القبر والحشر والبعث والميزان والحساب والحوض والشفاعة والصراط والجنة والنار وإثبات الإمامة وبيان كرامات الأولياء من الأمة وبيان جواز النسخ في الشرائع وأن هذه الشريعة ناسخة للشرائع كلها وأن محمدًا المصطفى خاتم الأنبياء؛ وبه ختم الكتاب (ص٤٤٦).
١٦  هذا هو موقف «المسائل الخمسون»: المسألة الأربعون، في نبوة محمد (ص٣٧٨-٣٧٩)، المسألة الثانية والأربعون، في عصمة الأنبياء (ص٣٨٠)، المسألة الثالثة والأربعون، في أن الرسل أفضل من الملائكة (ص٣٨٠-٣٨١).
١٧  هذا هو الموقف في «غاية المرام»: القانون السابع، في النبوات والأفعال الخارقة للعادات (ص٣١٥–٣٦٠)، الطرف الأول في بيان جوازها في العقل (ص٣١٨–٣٤٠)، الطرف الثاني في بيان وقوعها بالفعل (ص٣٤١–٣٦٠).
١٨  هذا هو موقف «المحصل»: الركن الرابع، السمعيات، (أ) النبوات، (ب) المعاد، (ﺟ) الأسماء، (د) الإمامة (ص١٥١–١٦٣)؛ وهو أيضًا موقف «المواقف»: الموقف السادس في السمعيات، وفيه مراصد (ص٣٣٧)، المرصد الأول في النبوات (ص٣٣٧–٣٧٠): (١) في معنى النبي (ص٣٣٧–٣٣٩). (٢) حقيقة المعجزة (ص٣٣٩–٣٤٢). (٣) إمكان البعثة (ص٣٤٢–٣٤٩). (٤) إثبات نبوة محمد (ص٣٤٩–٣٥٨). (٥) عصمة الأنبياء (ص٣٥٨–٣٦٦). (٦) حقيقة العصمة (ص٣٦٦). (٧) عصمة الملائكة (ص٣٦٦). (٨) تفضيل الأنبياء (ص٣٦٧–٣٧٠). (٩) كرامات الأولياء (ص٣٧٠).
١٩  العقائد النسفية، ص١٣٢–١٤٢.
٢٠  هذا هو الحال في «العقائد العضدية»؛ فمِن ضمن العقائد أن لله ملائكةً لا تذكَّر ولا تؤنَّث، ذوي أجنحة مثنى وثُلاث ورُباع، منهم جبرائيل وميكائيل وإسرائيل وعزرائيل، لكل واحد منهم مقام معلوم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمَرون (العضدية، ج٢، ص٢٢٢–٢٢٨)، وبعثة الرُّسل بالمعجزات من لدن آدم إلى نبينا محمد حقٌّ، ومحمد خاتم الأنبياء، لا نبي بعده، والأنبياء معصومون من الكفر قبل الوحي وبعده ومن الكبائر، وهم أفضل من الملائكة العلوية، وأهل بيعة الرضوان وأهل بدر من أهل الجنة، وكرامات الأولياء حقٌّ يكرِّم الله بها من يشاء ويختص برحمته من يريد (ص٢٧٦–٢٨٢).
٢١  الدر، ص١٥٣–١٥٩.
٢٢  هذا هو موقف «طوالع الأنوار»: الكتاب الثالث في النبوة (ص١٩٨–٢٣٩)، احتياج الإنسان إلى نبي، إمكان المعجزات، نبوة محمد، عصمة الأنبياء، تفضيل الأنبياء على الملائكة، في الحشر والجزاء (ص٢١٤–٢٢٨)، الإمامة (ص٢٢٨–٢٣٩).
٢٣  أركان الإيمان ستة: الإيمان بالله، وبالرسل، وبالملائكة، وبالكتب السماوية، وباليوم الآخر، وبالقدر (الجامع، ص٢).
٢٤  الحصون، ص٣٢–٩٩، الباب الثاني، في بيان الرسل والأنبياء والملائكة والكتب واليوم الآخر: (أ) إيمان بالإيمان وبالرسل وبالأنبياء وما يجب لهم وما يستحيل عليهم وما يجوز في حقهم (ص٣٢–٣٥). (ب) شرح معجزات الرسل (ص٣٥–٤٨). (ﺟ) بيان معجزات محمد (ص٤٨–٨٢). (د) بيان الإيمان بالملائكة والكتب المنزلة والقضاء والقدر (ص٨٢–٨٦). (ﻫ) الإيمان باليوم الآخر وما يشترط عليه وبالبعث وما يَقدم ذلك من أحوال الموت والقبر (ص٨٦–٩٩).
٢٥  هذا هو الحال في «العقيدة التوحيدية»: يجب على المكلَّف معرفة ما يجب لله ولأنبيائه وملائكته الكرام، ويجب للأنبياء العصمة فلا يقع منهم مخالفة لله في أمره ونهيه وكذلك الملائكة، ويجب للرسل تبليغ ما أُمِروا بتبليغه للخلق من الأحكام وغيرها (ص٢-٣).
٢٦  القطر المغيث، ص٤–٨.
٢٧  التحقيق، ص١٥٢–١٧٧.
٢٨  وأما الرسل فيجب في حقهم الصدق، وبرهان صدقهم فلأنهم لو لم يصدقوا للَزِم الكذب في خبره لتصديقه تعالى لهم بالمعجزات النازلة منزَّلة قوله تعالى صدق عبدي في كل ما يبلِّغ عني؛ الأمانة، وأما برهان وجوب الأمانة فلأنهم لو خانوا بفعلٍ محرَّم أو مكروه لَانقلب المحرَّم أو المكروه طاعةً في حقهم؛ لأن الله أمرَنا بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم، ولا يأمر الله بفعل محرَّم ولا مكروه، وهذا بعينه برهان وجوب الثالث، وتبليغ ما أُمِروا بتبليغه للخلق، ويستحيل في حقهم أضداد هذه الصفات، وهي الكذب والخيانة بفعل شيء مما نهوا عنه تحريمًا أو كراهةً وكتمان شيء مما أمروا بتبليغه للخلق، ويجوز في حقهم ما هو من الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية كالمرض ونحوه، ودليل جواز الأعراض البشرية عليهم فمشاهدة وقوعها بهم؛ إما لتعظيم أجورهم أو للتشريع أو للتسلي عن الدنيا أو للتنبيه لحسن قدرها عند الله وعدم رضاه بها دارَ جزاءٍ لأنبيائه وأوليائه باعتبار احوالهم فيها (السنوسية، ص٥-٦؛ الجامع، ص١٤–١٦). ويجمع قولَ هذه العقائد كلها لا إله إلا الله محمد رسول الله … وأمَّا قولنا محمد رسول الله فيدخل فيها الإيمان بسائر الأنبياء والملائكة والكتب السماوية واليوم الآخر؛ لأنه عليه الصلاة والسلام جاء بتصديق جميع ذلك كله، ويؤخَذ منه وجوب تصديق الرسل واستحالة الكذب عليهم، وإلا لم يكونوا رسلًا أمناء لمولانا العالم بالخفيات، واستحالة فعل المنهيات كلها؛ لأنهم أُرسِلوا ليكلِّموا الناس بأقوالهم وأفعالهم وسكونهم، فيلزم ألا يكون في جميعها مخالفة لأمر مولانا الذي اختارهم على جميع خلقه وأمِنَهم على سر وحيه. ويؤخَذ منه جواز الأعراض البشرية عليهم؛ إذ ذاك لا يقدح في رسالتهم وعلو منزلتهم عند الله، بل ذاك مما زيد منها (السنوسية، ص٧٨-٧٩). ما يجب وما يستحيل وما يجوز سبعة عقائد … (الجامع، ص٢٢-٢٣). ويدخل الإيمان بسائر الأنبياء والملائكة والكتب السماوية واليوم الآخر؛ لأنه جاء بتصديق ذلك كله لا يعلم عددهم: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ، وقيل عددهم ١٢٤٠٠٠ نبي؛ فالرسل منهم ٣١٣ وقيل ٣١٥، والأسلم الإمساك عن حصرهم (الجامع، ص٢٦). وقد قيل شعرًا:
وجامعٌ معنى الذي تقرَّرا
شهادة الإسلام فاطرح المِرا
وانَّ العقائد التي تقرَّرت
في لازم شهادتين اندرجت
(الوسيلة، ص٥١)
٢٩  ويجب للرسل أربعة، ويستحيل عليهم أربعة، ويجوز في حقهم أمر واحد (الكفاية، ص٢٥، ص٧٦-٧٧). وقد قيل في ذلك شعرًا:
وصِف جميع الرسل بالأمانة
والصدق والتبليغ والفطانة
ويستحيل ضدها عليهم
وجائزٌ الأكل في حقهم
إرسالهم تفضُّل ورحمة
للعالمين جل مَولى النعمة
والجن والأملاك ثم الأنبيا
والحُور والولدان ثم الأوليا
(الخريدة، ص٤٧–٥٢، ص٥٦–٥٨)
أرسَل أنبِيا ذوي فطانة
بالصدق والتبليغ والأمانة
وجائزٌ في حقهم من عرض
بغير نقص كخفيف المرض
عِصمتُهم كسائر الملائكة
واجبة وفاضلوا الملائكة
والمستحيل ضد كل واجب
فاحفظ لخمسين بحُكم واجب
كلٌّ مكلَّف فحقِّق واغتنِم
تفصيل خمسة وعشرين لزم
هم آدمٌ إدريسُ نوحٌ هود مع
صالح وإبراهيم وكلِّ متبِّع
لوط وإسماعيل إسحق كذا
يعقوب يوسف وأيوب احتذى
شعيب هارون وموسى واليسع
ذو الكفل داود سيلمان اتبع
إلياس يونس زكريا يحيى
عيسى وطه خاتمٌ دع غيا
(العقيدة، ص١١–٤٢)
٣٠  الوسيلة، ص٤٧، ص٥٩، ص٧٤–٨٠؛ الباجوري، ص١٢-١٣.
٣١  هذا هو الحال في كتاب التوحيد ﻟ «محمد بن عبد الوهاب» الذي يتطرق إلى موضوعات مثل: دين الأنبياء واحد، الجمع بين كون عيسى ومحمد عبده ورسوله، ومعرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله، معرفة كونه روحًا منه، حسن خلقه (ص٣–٩)، وصية الرسول وكيفية موته (ص٢)، استرقاق الشياطين ووثوب بعضهم بعضًا، سبب إرسال الشُّهب، تارةً يُدرِكه الشهاب قبل أن يُلقيها وتارةً يُلقيها في أُذُن وليه من الإنس قبل أن يُدرِكه الشهاب (ص٩)، كون الكافر يصدق بعض الأحيان، كونه يكذب معها مائة كذبة، لم يصدَّق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سُمِعت من السماء، قبول النص للباطن، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة، كونهم يُلقي بعضهم إلى بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها (ص٣٦-٣٧)، لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن (ص٧٩)، فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية، فضيلة أمة موسى، قلة من استجاب للأنبياء (ص٨)، كلُّ ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا (ص٢٠)، ثناؤه على إبراهيم بكونه لم يكن من المشركين (ص٨)، ثناؤه على الأولياء بسلامتهم من الشرك (ص٨)، من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من الفقر والجوع والوباء (ص١٢)، قوله: «أنت منهم» علَمٌ من أعلام النبوة (البشارة) (ص٩)، قوله: «لأُعطينَّ الراية» علَمٌ من أعلام النبوة؛ «نقله عني» علَمٌ من أعلامها (ص١٢)، هذا علَمٌ من أعلام النبوة لكونه واقعًا كما أخبر (ص٢٠)، لما أنزل عليه: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ … جِدُّه بحيث فعل ما نسبه بسببه إلى الجنون وكذلك لو لم يفعله مسلم إلى الآن، قوله: «لا يغني عن أحد شيئًا» (ص٣٣)، جِدُّه ومبالغته في إسلام عمه، الرد على من نهى عن ذلك (ص٤٢)، جبريل يُحييهم بعد ذلك بقوله: «أول من يرفع رأسه جبريل» … بقوله: «جبريل هو الذي ينهي بالعصي إلى حيث أمره الله» … العكوف على قبور الصالحين، زيارة القبور، تغيير دين الأنبياء، ما يلي الرسول شدة التزام، الصدِّيق أفضل الصحابة، خلافته، خرج المختار في آخر عصر الصحابة، ثناؤه على القرون الثلاثة أو الأربعة، الرسول والقرآن حق ومحمد خاتم النبيين (ص٦٤، ص١٦٨).
٣٢  هذا هو الموقف في «رسالة التوحيد» لمحمد عبده (ص٧٩–٢٠٨): تفاوُت العقول وحاجتها إلى هدى النبوة (ص٧٩)، النبوة وتحديدها للغاية والجزاء وأنواع الأعمال (ص٨٠–٨٢)، الرسالة العامة (ص٨٣–٨٨)، حاجة البشر إلى الرسالة (ص٨٩–٩٥)، المسلك الثاني في بيان الحاجة إلى الرسالة يؤخَذ من طبيعة الإنسان نفسه (ص٩٦–١٠٧)، إمكان الوحي (ص١٠٨–١١٤)، كونه مُمكِن الوقوع، وقوع الوحي والرسالة (ص١١٥–١١٧)، وظيفة الرسل (ص١١٨–١٢٣)، اعتراض مشهور (ص١٢٤–١٢٩)، رسالة محمد (ص١٣٠–١٤٣)، القرآن (ص١٤٤–١٥١)، الدين الإسلامي أو الإسلام (ص١٥٢–١٦٥)، ترقِّي الأديان بترقي الإنسان وكمالها بالإسلام (ص١٦٦–١٨١)، انتشار الإسلام بسرعة لم يُعهَد لها نظير في التاريخ (ص١٨٢–١٩٥)، إيراد سهل الإيراد (ص١٩٥-١٩٦)، الجواب (ص١٩٩-٢٠٠)، التصديق بما جاء به النبي (ص٢٠٠–٢٠٦)، خاتمة (ص٢٠٧-٢٠٨).
وقد استرعى ذلك انتباهي وأنا طالب بالسنة النهائية بجامعة القاهرة ١٩٥٥-١٩٥٦م في الفلسفة الحديثة التي كان من ضمن مقرَّراتها «رسالة التوحيد»؛ فقد أحسست بالرسالة وأعَدتُ شرحها في إطار «التراث والتجديد»، ولكن الأستاذ رأى ذلك غامضًا ولم يقدره حق قدره وأعطائي درجة النجاح؛ مما ساهم في تقليل المجموع العام بالإضافة إلى درجة مماثلة في علم الجمال حول سؤال عن مقاييس جمال رابطة العنق التي اشتريتها وإجابتي برفض الفنون البصرية وإيثاري الفنون السمعية، ودرجة مماثلة في «علم النفس الصناعي» ورفض لمقاييس الموضوعية والكمية في القياس النفسي وردي ذلك كله إلى المجتمع الصناعي ومشاكله في الغرب؛ وكان من آثار ذلك أني غادرت البلاد في صيف ١٩٥٦م.
٣٣  يتضح ذلك خاصةً عند ابن حزم؛ إذ يذكر موضوعات النبوة متفرِّقة، وإن أمكن ظهور المحاور الرئيسية من خلالها خاصةً محور إمكانها ونقلها؛ الكلام على من يُنكِر النبوة والملائكة، إثبات النبوة، هل في البهائم رسل؟ من جعل للجمادات تمييزًا، الرد على من زعم أن الأنبياء ليسوا بأنبياء اليوم وكذا الرسل، تناسُخ الأرواح، إنكار الشرائع من المنتمين إلى الفلسفة وهم أبعد الناس عن العلم بها جملة، اليهود ومن أنكر التثليث من النصارى ومذهب الصابئين ومن أقر بنبوة زرادشت من المجوس وإنكار ما سواه من الأنبياء (الفصل، ج١، ص٥٥–٧٨). تناقضات ظاهرة في التوراة والإنجيل يتعيَّن بهما تحريفهما وتبديلهما وأنهما غير الذي أنزل الله، السامرة التي لديهم توراة غير التوراة التي مع سائر اليهود، فساد قول اليهود وأن مَسكن بني إسرائيل بمصر ٤٣٠ سنة، ما هو أشنع من شهرة الكذب وشنعة المحال، في وصف قيام بني إسرائيل على موسى، فصول التوراة التي هي ٥٧ فصلًا وما فيها من التحريفات، التوراة لم تكن موجودة إلا في الهيكل عند الكوهن، طرق سائر الكتب التي عندهم (ج١، ص٩٢–١٥٤)، اعتراض بعضهم والجواب عنه، إقرارنا بالتوراة وغيرها من كتب الأنبياء، خطأ من أنكر التوراة والإنجيل غير محرَّفَين، كلام أحبارهم، الإنجيل وكُتُب النصارى وما فيها من التناقض، ما تُثبِته النصارى بخلاف نص التوراة التي بأيدي اليهود، متناقضات الأناجيل الأربعة وما فيها من الكذب، ما يُسمُّونهم النصارى بالحواريين هم غير الحواريين المنصوص عليهم في القرآن، ما في كتبهم غير الأناجيل من الكذب والكفر والهوى، بعض اعتراضات النصارى على المسلمين وبيان فسادها، إبطال ما تمسَّكت به النصارى من بعض أقوال للرافضة وبيان بطلانها (الفصل، ج٢، ص١٢–٨١). صفة وجوه النقل الذي عند المسلمين لكتابهم ودينهم وما ينقلونه عن أئمتهم، فصولٌ يعترض بها جهلة المُلحِدين على ضعفة المسلمين، مطلب كروية الأرض، كذبُ مَن ادعى لمدة الدنيا عددًا معلومًا (الفصل، ج٢، ص٨٢–١٠١).
٣٤  يرفض ابن حزم في مقدماته سبع فِرَق: (١) مَن أبطل الحقائق «السوفسطائية». (٢) من قال إن العالم قديم ليس له مدبِّر. (٣) من قال إن للعالم خالقًا غير أن النفس والزمان قديمان. (٤) من قال العالم لم يزَل ومع ذلك فاعل. (٥) من قال إن فاعل العالم أكثر من واحد. (٦) من يقول إن الباري خلق العالم جملة كما هو بجميع أحواله. (٧) من يُنكِر النبوة والملائكة (الفصل، ج١، ص٧–٥٥).
٣٥  وذلك مثل كلام النظَّام في كون القرآن حجة للنبوة (الانتصار، ص٢٧-٢٨)، ومقالات المعتزلة في العصمة وفي الإجماع (ص٩٣–٩٧)، وقول الرافضة في البداء (ص١٢٦–١٣٠)، والأصوات والأخبار (ص٤٠–٥١)، وخبر الواحد وخبر الكافة (ص٥٢-٥٣)، والتواتر (ص١٥٧–١٥٩).
٣٦  هذا هو موقف البغدادي في «أصول الدين» الذي يعرضه في الأصل السابع، معرفة الأنبياء في خمسة عشر أصلًا: (١) معنى النبوة والرسالة. (٢) جواز بعثة الرسل وتكليف العباد. (٣) معرفة الرسول بأنه رسول. (٤) بيان عدد الأنبياء والرسل. (٥) ترتيب الرسل. (٦) صحة نبوة موسى. (٧) صحة نبوة عيسى. (٨) صحة نبوة محمد. (٩) كون نبينا خاتم الأنبياء والرسل. (١٠) التخصيص والتعميم في الرسالة. (١١) جواز تفضيل الرسل بعضهم على بعض. (١٢) تفضيل نبينا على سائر الأنبياء. (١٣) تفضيل الأنبياء على الملائكة. (١٤) تفضيل الأنبياء على الأولياء. (١٥) بيان عصمة الأنبياء (الأصول، ص١٥٣–١٦٩).
٣٧  هذا هو موقف الإيجي في «المواقف»، الموقف اسادس في السمعيات، المرصد الأول في النبوات وفيه مقاصد تسعة: (١) معنى النبي. (٢) حقيقة المعجزة. (٣) إمكان البعثة. (٤) إثبات نبوة محمد. (٥) عصمة الأنبياء. (٦) حقيقة العصمة. (٧) عصمة الملائكة. (٨) تفضيل الأنبياء على الملائكة. (٩) كرامات الأولياء (المواقف، ص٣٣٧–٣٧٠).
٣٨  هذا هو موقف الجويني في «الإرشاد»، القول في إثبات النبوات، إثبات النبوات من أعظم أركان الدين والمقصود منه في المعتقد يحصره في خمسة أبواب: (١) إثبات جواز انبعاث الرسل ردًّا على البراهمة. (٢) المعجزات وشرائطها وتمييزها من الكرامات والسحر وما يتميز به من مدعِّي النبوة. (٣) إيضاح وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول. (٤) تخصيص نبوة نبينا محمد، الآيات والرد على مُنكِريها من أهل المِلَل. (٥) أحكام الأنبياء وما يجب لهم وما يجوز عليهم (الإرشاد، ص٣٠٢).
٣٩  هذا هو موقف الجويني في «العقيدة النظامية»؛ إذ تدور النبوة على أربعة محاور: (١) ثبوت النبوة ووقوعها والمعجزة وشرائطها. (٢) وجوه دلالة المعجزات على صدق الرسل. (٣) درجة إثبات الكرامات. (٤) إثبات نبوة سيدنا محمد (النظامية، ص٤٨).
٤٠  هذا هو موقف الشهرستاني في «نهاية الإقدام»، في إثبات النبوات وتحقيق المعجزات ووجوب عصمة الأنبياء: (١) صارت البراهمة والصابئة إلى القول باستحالة النبوة عقلًا. (٢) صارت المعتزلة وجماعة من الشيعة إلى القول بوجوب وجود النبوات عقلًا من جهة اللطف. (٣) صارت الأشعرية وجماعة من أهل السنة إلى القول بجواز وجود النبوات عقلًا ووقوعها في الوجود عيانًا، وتنتفي استحالتها بتحقيق وجودها كما ثبت تصوُّرها بنفي استحالتها (النهاية، ص٤١٧). وإذا حقَّقنا القول في النبوات وبيان صدقهم بالمعجزات، فالأنبياء، مَن ورد اسمه في الكتاب ومن لم يرد، واجبُ الطاعة؛ ويجب على كل مكلَّف الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإنما ثبت صدق من تقدَّم على نبينا محمد اسمًا فاسمًا وشخصًا متشخِّصًا بما ظهر عليه من الآيات وبما أخبر من ثبت صدقه عندنا، وإنما يتحقق ختم الأنبياء عندما يُخبِر النبي وبما أخبر القرآن أنه خاتم النبيين، ومن أنكر نبوته من أهل الكتاب وغيرهم من المشركين فلا متمسَّك لهم إلا القول بإحالة النسخ والقدح في وجه المعجزة (النهاية، ص٤٤٦-٤٤٧).
٤١  هذا هو موقف الآمدي في «غاية المرام»، القانون السابع، في النبوات والأفعال الخارقة للعادات، ويشتمل على طرفَين: (١) في بيان جوازها في العقل. (٢) في بيان وقوعها بالفعل (الغاية، ص٢١٥–٢١٧).
٤٢  الأصول، ص١٥٣-١٥٤؛ الإرشاد، ص٣٥٥؛ الغاية، ص٣١٧؛ الحصون، ص٣٢؛ التحقيق، ص١٥٢؛ المواقف، ص٣٣٩؛ الدر، ص١٥٣–١٥٥؛ الشرح، ص٥٦٧-٥٦٨؛ المغني، ج١٥، ص١٤–١٦.
٤٣  الوحي قصدٌ من الله إلى إعلام مَن يوحي إليه بما يعلمه، حقيقة خارجة عن الوجوه السابقة، يُحدِث علمًا ضروريًّا بصحةِ ما أوحى إليه إدراكه بحواسه وبديهة عقله ولا مجال للشك، بمَجيء الملَك أو بخطابٍ يخاطب به نفسه، تعليم من الله دون وساطة قلم (الفصل، ج٥، ص٨٧). الوحي الكلام بما يُخفيه، إعلام في خفاء، إعلام الله لنبي من أنبيائه بحُكم شرعي (التحقيق، ص١٦٠-١٦١). عرفانٌ يجدُه الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قِبل الله بواسطة أو بغير واسطة (الرسالة، ص١٠٨–١١١).
٤٤  المواقف، ص٣٣٧–٣٣٩.
٤٥  أصول الدين، ص١٥٣-١٥٤.
٤٦  ويُشير إلى ذلك القرآن الكريم في عِدة آيات منها: وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ (٣: ٤٩)، وهو التعريف الشائع في قواميس اللغة العبرية وفي التراث العبراني القديم.
٤٧  يسمِّيها القاضي عبد الجبار «البعثة» (الشرح ص٤٧٥-٤٧٦، ص٥٧٣).
٤٨  معظم هذه الفروق عند أهل السنة؛ فكلُّ مَن نزل عليه الوحي من الله على لسان من الملائكة، وكان مؤيَّدًا بنوع من الكرامات المُناقِضة للعادات فهو نبي، ومن حصلت له هذه الصفة وخُصَّ أيضًا بشرع جديد أو بنسخ بعض أحكام شريعة كانت قبله فهو رسول (الفرق، ص٣٤٢). النبي أعم من الرسول، فالرسول أُمِر بالتبليغ، والنبي أوحي إليه، كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا (شرح الفقه، ص٥٨؛ الأصول، ص١٥٤؛ الشرح، ص٥٦٧-٥٦٨). ويُثار إشكالان: (أ) داود له كتاب دون شريعة وأُمِر بمتابعة الشرع السابق. (ب) أكثر الرسل لم يكونوا أصحاب كتاب، النبوة يُنظَر فيها إلى الله والرسالة إلى المبعوث إليهم (الدر، ص١٥٣–١٥٥). فيما يُفيد وصف الرسول بأنه رسول وما يتصل بذلك، ضرورة قبول الرسول الرسالة، والإشكال أنه لا يوجد رسول قد رفض الرسالة، قال بعض شيوخ الاعتزال: الرسالة ليست بمدح ولا ثواب (المغني، ج١٥، ص٩–١٣). فيما يوصف النبي بأنه نبي وما يتصل بذلك، قال شيوخ الاعتزال في النبوة: إنها جزاء على عمل. وفصلوا بينها وبين الرسالة من حيث كان المستفاد منها الرفعة دون الرسالة (المغني، ج١٥، ص١٤–١٦). فيما يجب أن يختص به الرسول في الرسالة وسائر الأحوال، هناك صفات إنشائية مثل الأداء وعدم الكتمان وعدم تأخير الأداء، وعدم فعل ما ينفِّر، وصلاح العباد، وكونه في أكمل الأحوال، حال الخِلقة، حتى تجب له البعثة تخييرًا من القديم (المغني، ج١٥، ص١٧–١٩).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠