عاشرًا: مضمون الرسالة

تنتهي النبوة في آخر المطاف إلى كونها رسالة مُتواتِرة؛ أي صحيحة تاريخيًّا، وبعد ذلك يأتي الموضوع الأخير وهو مضمون الرسالة وفحوى الخطاب، وهو الموضوع الذي تناوله علم أصول الفقه، ومع ذلك توجد بعض مواده في علم أصول الدين، ويكون السؤال: هل مضمون النبوة غيبي أم حسي؟ نظري أم عملي؟ عقائدي أم تشريعي؟ وإذا كانت موضوعات النبوة غيبية فهل يُمكِن إثباتها حسيًّا؟ وإذا كانت حسية، فهل هي أشخاص انقضى نَحبها أم كتبٌ ما زالت متواترة؟ وإذا كانت الكتب فهل هي وسيلة أم غاية. هل الكتب مُغلَقة على نفسها أم تُحِيل إلى شيء آخر هو قصدها وغايتها وهدفها الذي هو خارج الكتاب؟ كيف يُمكِن الانتقال من اللغة لفظًا ومعنًى إلى اللغة باعتبارها إحالة إلى الأشياء في العالم الطبيعي؟ وهل العالم هو عالم الأشياء أساسًا أم عالم البشر؟

وقد ظهر ذلك في العقائد المتأخِّرة، خاصةً في تحديد مضمون الإيمان على أنه إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيره وشره.١ وهي موضوعات مُتناثِرة يدخل البعض منها في العقليات وقد تم عرضه، والبعض الآخر في السمعيات، والنبوة أولى موضوعاتها. فالله هو الأصل الأول في العقليات، وهو التوحيد في نظريات الذات والصفات، والقضاء والقدر هو الأصل الثاني في العقليات، وهو العدل في حرية الاختيار وفي الحسن والقبح؛ أي الإرادة والعقل. أما الكتب والرسل فهي موضوعات النبوة؛ أول السمعيات، واليوم الآخر هو موضوع المعاد؛ الموضوع الثاني في السمعيات، وتبقى الملائكة وحدها التي لم يتم تناوُلها في موضوع النبوة إلا بصدد عصمة الأنبياء. ويُلاحَظ في هذا المضمون أنه يشمل الموضوعات الستة؛ أربعة في العقليات، واثنَين في السمعيات، ويُترَك الاثنان الآخران في السمعيات، وهما: الإيمان والعمل، والإمامة والسياسة، وكأن عمل الفرد ونظام الحكم لا يدخلان ضمن قواعد الإيمان. لا حقوق المواطن ولا اختيار الحاكم يدخلان ضمن إيمان المسلم، فيظل إيمان المسلم نظريًّا لا عمليًّا، إلهيًّا لا إنسانيًّا، أُخرويًّا لا دنيويًّا. وإذا كان آخر موضوعَين في السمعيات هما التاريخ المتعين؛ أي خلق التاريخ، فإنه من البديهي أن الغاية من إسقاطهما هو إخراج المسلم من التاريخ وسلب عمله وإنكار وجوده؛ ومن ثَم يكون إيمان المسلم قمة بلا قاعدة، رأسًا بلا جسد، خلودًا بلا زمان، وعيًا بلا تاريخ، وكأنه روح لا جسم له، مجرد طائر شريد في الهواء، لا مستقر له في أرض أو وطن. وهو ما ترسَّب في وعينا القومي حتى الآن، وكان أحد أسباب ضياع الأرض من تحت الأقدام، وضياع الثروة من بين أيدي الناس.

(١) الموضوعات النظرية (الغيبية)

(أ) الله والقضاء والقدر والرسل والكتب واليوم الآخر

وضع القدماء الله أول موضوع للإيمان، فهل الله موضوع النبوة؟ إن الله هو في أصل التوحيد أول موضوع في العقليات، والعقليات سابقة على السمعيات ومُستقِلة عنها وغير مشروطة بها، ولا يُمكِن أن يكون الأصل موضوعًا للفرع، أو أن يكون السابق متضمَّنًا في اللاحق، بل إن السمعيات يُمكِن معرفتها من العقليات؛ وبالتالي يُمكِن الاستدلال على النبوة من صفة الكلام في موضوع الصفات في التوحيد. يُمكِن معرفة الله وإثبات وجوده عقلًا؛ وبالتالي فهو الأول، والنبوة تبني عليه وتستدل منه. وإذا بان أن الله كذاتٍ وكصفات هو الإنسان الكامل كان أول مضمون للإيمان هو الإيمان بالإنسان الكامل، وإذا كان لفظ «الله» في القرآن مقرونًا بلفظ «الأرض» في «إله السموات والأرض»، «رب السموات والأرض»، «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله»، كأن الإيمان بالله هو في نفس الوقت إيمان بالأرض؛ فقد تعود الأرض تحت الإقدام بعودة الأرض إلى الله في قواعد الإيمان.٢
أما القضاء والقدر فقد دخل من قبل في الأصل الثاني، العدل، في العقليات قبل السمعيات؛ فهو من الموضوعات العقلية لا السمعية، وهو إيمان بخلق الإنسان لأفعاله، وليس بالسعادة والشقاء المكتوبَين على الإنسان وهو ما زال في بطن أمه؛ «السعيد مَن سعد في بطن أمه، والشقي مَن شقي في بطن أمه.» ولماذا اختيار إحدى النظريات وهي الجبر كأحد قواعد الإيمان، وليس نظرية أخرى مثل الكسب أو الاختيار، أو وضع رأس الموضوع ذاته وهو خلق الأفعال مثل الله، دون اختيار أحد النظريات فيه كالتأليه أو التجسيم أو التشبيه أو التنزيه؟ هل تهدف قواعد الإيمان إلى الترويج إلى نظام سياسي معيَّن يقوم على القهر وعلى سلب حريات الناس؟ وهل يُمكِن أن يؤمن الإنسان بالقضاء على حريته، فيدمِّر نفسه بيده؟٣
أما اليوم الآخر فلا يكون موضوعًا للإيمان؛ لأنه سيأتي في المعاد ثامن موضوع في السمعيات بعد النبوة، وهو لم يثبت بعد في بناء العلم، فكيف يتم الإيمان بشيء مُسبَق مُفترَض دون تأسيس أولًا؟ وماذا عن تفصيلات اليوم الآخر ابتداءً من الموت وعذاب القبر حتى الجزاء؟ هل يدخل ذلك كله في مضمون الإيمان باليوم الآخر؟ وماذا عن هذا اليوم، وما يحدث في هذا الزمان، وما قبل قدوم اليوم الآخر؟ ماذا عن الدنيا قبل الآخر؟ وماذا عن أفعال العباد قبل الجزاء؟ وهل تأتي النهايات قبل المقدمات، والثمرات قبل الغروس؟٤
أما فيما يتعلق بالرسل فقد بان أن موضوع النبوة ليس هو تشخيص الرسول، بل رسالته؛ وبالتالي فالرسل ليست موضوعًا للإيمان. الرسل مجرد وسائل النبوة للإسلام والإخبار والتبليغ وليست موضوعها، ويُمكِن الاستغناء عنها بالوحي المباشر، كما أن كل النبوات بها أنبياء ورسل، وليس الرسول خاصًّا بآخر مرحلة من مراحل الوحي. وكيف يتم التمييز بين الأنبياء والرسل الصادقين منهم والكذبة؟ وإثبات الرسول بالمعجزة مجرد إثبات خارجي، وإثباته بالإعجاز يُحِيلنا إلى الكتاب وليس إلى الرسول، وجعل النبوة رسالة وليس شخصًا.٥

(ب) هل الملائكة موضوع للنبوة؟

بقي إذن موضوع الملائكة، وقد ظهر من قبل في المقدمات النظرية الأولى في نظرية الوجود في مبحث الجوهر إجابة على سؤال: هل هناك جواهر مُفارِقة؟ وكان منها طبقًا للحكماء أربعة: الله والنفس والعقل والمَلاك. فالملاك عند الحكماء صورة مفارقة؛ أي موجودات مجردة نظرًا لإمكانية وجود صور بلا مادة، كما ظهر الموضوع من قبل في النبوة، في التفضيل؛ تفضيل الملائكة على الأنبياء أو الأنبياء على الملائكة، ثم يظهر الموضوع هذه المرة كأحد قواعد العقائد.٦ والحقيقة أنه لا يظهر إلا في العقائد المتأخِّرة، بل حتى في الشروح على المتون المتأخرة، ولم تظهر في العقائد الأولى إلا كموضوع وافد من علوم الحكمة، وقد استقاه الشُّراح المتأخِّرون من القصص الشعبي وكتب السير والأحاديث الموضوعة؛ لجذب انتباه العامة وتحريك خيالهم؛ حتى ينعموا بهذه العوالم العلوية تعويضًا عن مآسيهم السُّفلية، وحتى ينشغلوا بالآخرة عن دنياهم، وينصرهم المدعَّم بالملائكة عن هزائمهم، وتحديد المسئولية عنها. والعجيب في الأمر هو الدخول في كل هذه التفصيلات؛ في ماهية الملائكة وأنواعها ووظائفها ومقاماتها، وكأنها موضوعات حسية يُمكِن إدراكها بالحس، أو عقلية يُمكِن معرفتها بالعقل، أو نقلية متواترة، أو بها صلاح الناس وقضاء أمور العباد! بل إن كثيرًا من الحركات الإصلاحية الحديثة لم تسلم منها.٧
فما هي الملائكة؟ هي أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكل، ولا يراها أحد في أيٍّ من صورها، ومثال ذلك في الطبيعة الهواء الأثير الذي يأخذ أشكالًا عديدة ولا يراه أحد. والحقيقة أن الضغط يحوِّل الغاز إلى سائل، والسائل يُمكِن رؤيته، ولكن المتأخِّرين، ليبيِّنوا استحالة الرؤية، جعلوا الله خالق الرؤية في العين؛ وبالتالي تكون الرؤية مشروطة بقدرته، كما أن تعلُّق ذرات التراب بالهواء تجعل رؤية الهواء مُمكِنة في الرياح أو تحت أشعة الشمس. وقد قال القدماء في الأثير مثل هذا القول في تحديده كجسم لطيف. وهو من نور لشفافيته وعلو رتبته؛ فإذا كان النور عاملًا مُساعِدًا على الرؤية للأجسام، فإنه يكون هو نفسه موضوع الرؤية في حالة الملائكة، وهو أقرب إلى تفسير الحكماء الذي اعتمده المتكلِّمون الطبائعيون. وتشكيلاتها جميلة باهية تُفرِح ولا تُحزِن، بعكس تشكيلات الجن التي تُرهِب وتُخيف. والنور أشرف من النار؛ النور للملائكة، والنار للشياطين والجن، والطين للإنسان.٨ وهي كلها تشبيهات إنسانية تدل على رغبة الإنسان في المفارقة، وفي الحصول على موجودات مفارقة لا مادة لها، تكون أقرب إلى قلبه من الموجودات المادية. فعندما يئس من العالم المادي ومن إمكان معرفته أو التأثير فيه، فإنه ينقلب إلى العالم الروحاني؛ فلعل به معارف أفضل، ولعله هو يُصبِح مفعولًا فيه بفاعلٍ أشرف وأسمى. وما دام الإنسان موضوعًا للأثر وليس مؤثِّرًا، فعلى الأقل يكون المؤثِّر فيه شريفًا؛ فالملائكة إذن نتيجة للإشراقيات، وازدواج الأشعرية بالتصوف في الشروح المتأخِّرة.
وبعد الحديث عن مادة الملائكة وأجسامهم يُطرَح موضوع جنسها؛ ذكر أم مؤنث. وإذا كان النص أحيانًا ينفي الأنوثة فإنما يتم ذلك استهزاءً بقومٍ يرَون الذكر شرفًا والأنثى عارًا، فأخذوا أفضل القسمَين وتركوا لله القسم الآخر، ولقد يكون إبليس وحده هو الذكر وأن له أنثى؛ لأن له ذرية مثله. فإذا ما حدث ذلك بعد الطرد يظل الحكم الأول بنفي الذكورة والأنوثة عن الملائكة قائمًا. وإذا ما كانت له ذرية قبل الطرد لأصبح الخلاف لغويًّا نصيًّا بين النفي والإثبات. وإذا كانت الملائكة بناتًا فقد يعني ذلك الستر؛ ستر الله للبنات؛ فهن أحوج للستر من الذكور في مجتمع الذكور. فإذا كان عيسى قد ظهر ولم يكن مستورًا، فإن آدم عندما هبط إلى الأرض ظل يخصف عورته من ورق الشجر ليستر نفسه.٩ وهذا كله إسقاط من الإنسان وبيئته على موضوعٍ لا يُدرِكه الحس، ولا يتصوره الذهن.
ولما كان للملائكة هذا القدر من الرتبة العُلوية والشفافية الجسمية، فهم يقدرون على ما لا يقدر عليه سائر البشر؛ فيُجرُون المعجزات، مثل قطع المسافات بين السموات والأرض في مدة قصيرة جدًّا، وتمر أمامنا ولا نراها، وتفعل أفعالًا عظيمة يعجز عنها البشر. وتُحاوِل إحدى الحركات الإصلاحية الحديثة تفسير ذلك وتبريره بظواهر الطبيعة، وباكتشافات العلم الحديث؛ فالرياح تقلع الأشجار العظيمة وتهدم الأبنية العالية، والكهرباء تجر الأثقال التي يعجز عنها ألوف الرجال، والإنسان قادر بأصبعه وعضلات ساعِده القيام بأفعال صعبة، وهي كلها من أوامر مخه، وهو جسم لطيف نحيل يحرِّك الأعضاء من خلال الأعصاب، بالرغم من فساده بأقل شيء ولو بنقطة دم زائدة فيها. وإمكان ذلك كله يرجع إلى الله القادر على كل شيء!١٠ كما أن سرعة قطع المسافات يُمكِن تبريرها بقانون الجاذبية؛ فالجسم الساقط من الشمس تكون سرعته أكبر بكثير من الجسم الساقط على الأرض في أول ثانية، كما أن سرعة حركة الأفلاك ودوران الأرض أكبر بكثير مما نشعر بها. ولماذا لا تُذكَر أيضًا سرعة الصوت والضوء لتبرير سرعة الملائكة؟١١ واضحٌ من ذلك أنه لا سبيل إلى معرفة الغائب إلا بالقياس على الشاهد، وإذا كان الشاهد هو العلم، فإن موضوعات العقائد لا تُفهَم حينئذٍ إلا بالعلم، ويكون العلم هو وسيلة معرفة عقائد الإيمان، إذا ما تغيَّر العلم تغيَّر فهم العقائد. ولما كان العلم باستمرار متغيِّرًا أصبح فهم العقائد متغيِّرًا كذلك؛ وبالتالي تحوَّل نسق العقائد كله من الثبات إلى التغير، وأصبحت مادة العقائد كلها هي مادة العلم، وبدل أن يُصبِح المتكلِّمون تابعين للساسة يُصبِحون هذه المرة تابعين للعلماء؛ الساسة الجدُد، أو الذين يعملون أيضًا عند الساسة القدماء. وعلى الرغم من هذا التفسير العلمي لقدرة الملائكة إلا أن اللجوء إلى قدرة الله على كل شيء لا يتم التنازل عنه، وكأن تفسير العلم لا يتنافى مع الإيمان بالقدرة، وليس بديلًا عنه، فيتجاور العلم مع الإيمان؛ الأول وافد من الآخر، والثاني نابع من الذات، ويُصبِح المسلم مقلِّدًا للآخر وناقلًا عنه، ومطمئنًّا إلى إيمانه القديم، وكأنه قد جمع بين الحُسنيَين؛ علم الآخر وإيمان الذات، وهو ما نحن عليه حتى اليوم.
أما من حيث باقي الأوصاف، فقد يكون مكانهم في السماء؛ نظرًا لقربهم من عالم الأفلاك، وهو عالم مُشابِه لها، من حيث الشفافية واللطافة والحياة والحركة.١٢ ومن هنا أيضًا أتى مقامهم المحمود، وانتظامهم صفًّا صفًّا،١٣ قد يترقَّون كما يفعل البشر من أسفل إلى أعلى طبقًا لأداء الوظائف، وقد يظل كلٌّ منهم في رتبته بلا استحقاق. وهم مأمورون لا يعصون الله في أمرهم؛ وبالتالي فهم معصومون، سواء كان منهم الرسل أو لم يكن.١٤ لا يأكلون ولا يشربون ولا يتغوطون، ولا يلد بعضهم بعضًا، ويذكرون الله كثيرًا وفي كل وقت، ليس لهم حظ من الجنان، ولا من رؤية الرحمن. وقيل إن جبريل وحده هو الذي ينظر إلى الله مرة واحدة؛ حتى لا ينالهم الجميعَ الفضلُ بما في ذلك العاصي المُعاقَب وتفضيله على الرسل. وهو إسقاط موضوع الرؤية في الصفات من عالم الشهادة إلى عالم الغيب؛ حتى يُمكِن تفضيل الثاني على الأول.١٥ وما المانع أن يرى النور النور، ما دام الأمر كله تشبيهًا وتعبيرًا عن موقف إنساني خالص؟ فإذا ما عُوقِبوا فليس عقابهم مثل عقاب الملاك على الكفر، فجزاؤه النار مثل إبليس، وإن كان دون ذلك فعليه العقاب مثل هاروت وماروت، ومن استحق الثواب فله لذة الطاعة لله!١٦ كل ذلك إسقاطات من الإنسان على ما لا يعلم، وتصورٌ حسي مادي لنِعَمه، وظلم للمُطيع للملائكة بأن تكون له لذة الطاعة، والطاعة فعل، فكيف تكون ثوابًا؟ وكيف يكون من أهل الجنة دون أن يكون ذلك ثوابًا؟ يبدو أن الصراع بين الرؤية لعالم الملائكة، كالنور والعصمة والطاعة، في صراع مع الرؤية الواقعية لها؛ العصيان والجزاء، وكلاهما رؤيتان إنسانيتان خالصتان. وقد يكون ذلك رد فعل على اليهود، الذين جعلوا عصيان الملائكة بلا حدود، وعقابهم إلى حد مسخ الله لهم.
ولكن الموضوع الغالب في موضوع الملائكة هو تصنيفها طبقًا لوظائفها ومهامها وتكليفاتها. فالملائكة على أنواع، وتندرج في مجموعات، لكل مجموعة رئس تُسلَّط عليه الأضواء، له اسم ووصف، وربما يندرج الرؤساء كلهم في مجموعة واحدة تحت رئيس الرؤساء، وهو في العادة جبريل. وعلى المسلم أن يُؤمِن بالملائكة أولًا إجمالًا من حيث نوعهم وجنسهم وعصمتهم، ثم تفصيلًا من حيث تصنيفهم في مجموعات. قد يكون التفضيل بالشخص بناءً على اسم رئيس للمجموعة، وقد يكون بالنوع بناءً على الوظيفة العامة اللا مشخصة، فإذا صنَّفنا بالشخص فالرئيس يكون لدينا جبريل الموكول بالوحي إلى الأنبياء، وميكائيل الخاص بالرزق والأمطار، وعزرائيل الذي يقبض الأرواح، وإسرافيل نافخ الصور يوم البعث، وهؤلاء الأربعة أكبر الملائكة. وهناك تصنيف بالشخص دون أن يكون وراءه نوع، أي رئيس بلا مرءوس، مثل منكر ونكير، فتَّانا القبر، ورضوان خازن الجنان، ومالك خازن النيران، ورقيب وعتيد على جنبَي الإنسان، واحد لتسجيل الحسنات والآخر للسيئات. هناك إذن عشرة ملائكة: أربعة رؤساء مجموعات، وستة رؤساء بلا مجموعات. فإذا ما كان التصنيف بالنوع يكون لدينا: حملة العرش، وأعوان عزرائيل، والحفَظة، والكتبة. وقد يُضاف إلى حملة العرش الحافون حوله، وملائكة الجنة المُعاوِنون لرضوان. وقد يتم تقسيم الرؤساء والمجموعات معًا في أربعة أقسام؛ المُتصرِّفون: جبرائيل، وميكائيل، وعزرائيل، وإسرافيل؛ الحافظون: رقيب وعتيد؛ الفاتنون: منكر ونكير؛ الخازنون: مالك ورضوان.١٧ والحقيقة أن تصنيف الملائكة إنما هو تشخيص للوظائف، وتقسيم للعمل والمهام.
فجبريل هو ملاك الوحي الموكَّل إليه من الله إبلاغ الرسل والأنبياء؛ فهو الواسطة بين الله والنبي، وجبريل أمين الوحي والمأمور بتبليغه، وحامل العلوم، وهو الذي سمَّاه الحكماء العقل الفعَّال، وما سمَّته الديانات السابقة الروح القدس، وأحيانًا يتناوب العقل الفعَّال على جبريل واللوح المحفوظ. ونظرًا لأهمية كبير الأكابر فقد زادت التفصيلات فيه، من حيث الشكل والمهنة وطريقة الأداء؛ فله ستمائة جناح، ومن ورائها جناحان أخضران يُنشَران ليلة القدر، واللون الأخضر هو اللون المفضَّل عند الصوفية والأولياء، مثل العمامة الخضراء والثوب الأخضر والراية الخضراء، وجناحان آخران لا لون لهما وإن كانا إلى السواد أقرب ساعةَ هلاك القُرى؛ تعبيرًا عن حالتَي الفرح والغضب، والرضا والسخط، أو عن موقفَي الخير والشر. وقد يُصاغ حوار بين جبريل والمُحتضَر حول سؤال جبريل أن يموت الميت على الحنيفية السمحة؛ أي الإيمان بالرسالة التي بلغها، وكأنه يُزاحِم عزرائيل في مهمته، أو يُضفي على واقعة الموت دلالة، أو يُثبِت حرية الإنسان وعقله في آخر لحظة قبل فوات الأوان وانقضاء العمر.١٨ وإذا كان جبرائيل هو المعني بالروح فإن ميكائيل هو المعني بالبدن؛ هو مَلاك الأمطار والبحار والأنهار، مَلاك الأرزاق من المال والبنين، وكل زينات الحياة الدنيا دون أن يكون له فعل في ذلك إلا بمشيئة الله، فكل ما يحدث في الدنيا من رزق هو من مهام ميكائيل، وهو ما يتفق مع الآجال والأرزاق والأسعار بمشيئة الله في آخر أصل العدل. ميكائيل هو أمين الأمطار في بيئة صحراوية تعتمد على المطر وتقوم بصلاة الاستسقاء.١٩ أما إسرافيل فموكول باللوح المحفوظ والنفخ في الصور، مع أن اللوح المحفوظ أقرب إلى وظائف جبريل من حيث هو حامل العلوم. أما إذا كان يعني التاريخ ونهاية الزمان، فيدخل في اختصاص إسرافيل، وكيف يكون الصور قرنًا من نور به ثقوب، فالنور كيف وليس كمًّا، والنور أشعة، وكيف تكون في الأشعة ثقوب؟ وكيف يكون فيه ثقوب بعدد أرواح من يموت في ذلك اليوم أو منذ بداية الخليقة؟ وهل كل ثقب يُخرِج صوتًا يتجه إلى الميت فيُميته أو يُنبِّهه؟ وهل سينفخ في الصور وما زال في الأرض أناس مكلَّفون؟ ولماذا تُنفَخ نفختان فقط؟ الأولى يُهلِك فيها كل شيء، باستثناء سبعة أشياء: العرش، والكرسي، واللوح المحفوظ، والقلم، والجنة والنار، والأرواح؟ والعدد سبعة له مدلوله الرمزي عند القدماء وفي تاريخ الأديان؛ وفي النفخة الثانية تُبعَث جميع الخلائق؛ من مات من قبل ومن مات في النفخة الأولى. ولماذا يكون بين النفختَين أربعون عامًا؟ وماذا يكون عليه حال الدنيا في ذلك الوقت المعلوم؟ وفيمَ الانتظار؟ ولماذا هذا السكون المُوحِش بين الموت والحياة؟٢٠ وهل في ذلك نمط قديم عندما كان بين موت المسيح وبعثه أربعين يومًا، وفي مصر القديمة بين موت الإنسان وتحلُّله أربعين يومًا، وهو ما هو سائد حتى الآن في مدة الحزن حتى اليوم الأربعين؟ وأخيرًا عزرائيل يُوكَل إليه قبض الأرواح كلها، حتى ولو كانت قملة أو بعوضة أو برغوثًا! وهل هي مكلَّفة حتى تموت وتُبعَث؟٢١
أما باقي الملائكة فهي تشبيه إنساني خالص، وقياس للغائب على الشاهد؛ فلا يوجد مكان به ثروة إلا وله أمين، ولا يوجد مكان مهم إلا وله حارس؛ فرضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار؛ واسم الأول مشتق من الرضا والسرور في حين أن الثاني مشتق من مسك الرقبة وملك الزمام والقبض على الأرواح ولوي الأعناق. أما أنواع الملائكة فهي المرءوسة التي تقوم بوظائف مساعدة للرئيس، مثل حملة العرش، والملتفين حوله في صورة الملك. أما الكتبة فهم الذين يسجِّلون على الإنسان أفعاله الحسنة أم القبيحة، ولكل نوع مَلاك خاص، يسجِّلون عليه كل قول أو اعتقاد أو فعل، لا يُفارِقونه إلا في حالات الإنسان في حياته الخاصة، كالجماع والغسل والخلاء، وقد يُسمَّى الأول رقيبًا والثاني عتيدًا، والاسم الأول أرحم من الثاني، والثاني أقسى من الأول. قد يتغيران كل يوم وليلة مرة كفترة عمل تنتهي لغيرهما، وقد يبقيان معه طول عمره في حياته وحتى مماته، ويجلسان على قبره يستغفران له إن كان مؤمنًا! ولكن ماذا يفعلان إن كان كافرًا؟ قد تُوحِي ضرورة التغير بالأمانة والنزاهة ومع الأثر عليهما من الإنسان لطول عشرة ومصاحبة، وقد تزداد التفصيلات في الزمان والمكان، فإن تغيَّرا فإنهما يتعاقبان على الإنسان عند صلاة العصر وصلاة الصبح؛ أي كل اثنتَي عشرة ساعة مرة، فترة صباحية، وفترة مسائية. أما من حيث المكان فقد يجلسان على عاتقَيه أو بجوار ذقنه أو شفتَيه أو عنقه أو ناجذَيه، وكلها أجزاء من الرأس أو النصف الأعلى من الإنسان، وأحيانًا يكون المكان مُزدوِجًا له جانبان، لكل جانب مَلاك مثل العاتقَين والناجذَين والشفتَين، وقد يكون المكانان أفقيَّين وهو الأفضل كالعاتقين، فيكون الرقيب على اليمين والعتيد على اليسار، وقد يكونان رأسيَّين، مثل الشفتَين والناجذَين؛ وبالتالي يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل، وبطبيعة الحال يكون الرقيب إلى أعلى والعتيد إلى أسفل، وقد يكون المكان ذا جهة واحدة كالذقن والعنق، وفي هذه الحالة يصعب التوجه في المكان إلا إذا كان للذقن جانبان من ناحيتَي الوجنتَين، وكان للعنق أيضًا جانبان من ناحيتَي الكتفَين. أما الحفظة فهم يحفظون المؤمنين من الشر، ويحفظون الكافرين من الجن، وكيف يتم ذلك قبل أن يتحدد المؤمن ويتميز عن الكافر، والحياة ما زالت جارية متقلِّبة؟ وأين دور حرية الإرادة واستقلال العقل في حفظ الإنسان؟ وكيف يتنازع الكتبة؟ كيف يُنازِع ملك الحسنات ملك السيئات، ويمنعه عن الكتاب لمدة ست ساعات؛ فلعل الإنسان يتوب؟ وماذا لو تاب الإنسان بعد ست ساعات، والتوبة مُمكِنة حتى آخر لحظة في حياة الإنسان؟ هل يقوم الملاك بمحوها؟٢٢
وللملائكة وظائف أخرى في الأرض، في حياة الناس وبين المسلمين ساعة الشدة وفي وقت المعارك، في مقابل دور الشياطين والجن وإبليس، فإذا ما وسوس الشيطان للمسلمين في بدرٍ يفتُّ في عضدهم، ويبيِّن لهم سوء أحوالهم في مواجهة أعدائهم من عطش وجوع؛ أرسل الله للمسلمين مطرًا من السماء ليشربوا ويغتسلوا ويملئوا الأسقية ولتُنبِت الأرض. وإذا ما أشاع إبليس في أحد أن محمدًا قد قُتِل، فقُتِل من المسلمين عدد كبير بفعل إشاعة إبليس، بعد أن وهن المسلمون وفترت عزائمهم، وكما في الحديبية أن الكفار قد قتلوا عثمان، ورفع صوته به حتى يُضعِف موقف المسلمين، في مقابل ذلك ولمواجهة عداوة الجن والشياطين وإبليس، حارَب الملائكة مع المسلمين في بدر سبعون من الجن وثلاثة آلاف من الملائكة، مُردِفين، يتبع بعضهم بعضًا في موجات، ثم زادوا إلى خمسة آلاف، وتمثَّلوا في رجال بِيض على خيلٍ بُلقٍ عمائمهم بِيض، أرخَوا أطرافهم بين أكتافهم كما هو الحال في المشاهد الفنية للفرسان. ولما كانت الألوان في هذه الصورة غيرة مُتناسِقة، رجال بِيض وعمائم بِيض، أصبحت العمائم سودًا أو صفرًا أو حمرًا أو خضرًا لظهورِ تضادِّ الألوان، وكان قتل الملائكة للمشركين يُعرَف بآثار سيوفهم في الأعناق والبنان؛ أي المفصل نقطًا سودًا مثل حرق النار تعبيرًا عن دقة التصويب في المَقتل، نقطة سوداء صغيرة في مَفرق العنق. فإذا ما تصدى إبليس للمسلمين، وكان على رأس المشركين تصدَّى رئيس الملائكة له وهو جبريل، فارسًا لفارس، ورئيسًا لرئيس، مثل مبارزات الفرسان العرب في القتال قبل بدء المعارك تقويةً لحماس الجند ورفعًا لمعنوياتهم. وبالرغم من تشكُّل إبليس في صورة سراقة بن مالك، ورفعه الراية، وندائه على الكفار لقتال المسلمين، ووعدهم بالنصر، وخطب فيهم، إلا أنه هرب بمجرد رؤيته جبريل كبير الملائكة، ثم عاد فخطب ليبرِّر نكوصه بأنه يرى ما لا يرى المشركون، ومذكِّرًا بأنه من المُنظَرين، وبأنه متروك حرًّا في غواية الناس، ولا يعترض عليه أحد، ولا يقف أمامه إلا الإنسان وحده، وكأن الله أراد أن يسلِّح الإنسان ليس فقط بإرادته الحرة وعقله المستقل تحقيقًا لغاية الوحي، ولكن أيضًا بملائكته؛ أي بفعل الله المباشر من خلال الملائكة، وهو ما يُناقِض إتمام الوحي وتحقيق غايته. وأحيانًا يُستبدَل ميكائيل بجبريل، فيظهر ميكائيل وعلى جناحه أثر الغبار من تعقُّبه القوم الكافرين، ويراه الرسول ويبتسم له، ولا يرى المؤمنون إلا ابتسامة الرسول! ويعود جبريل من جديد بعد ميكائيل على فرس أحمر عليه درعه ومعه رمحه، وقد يكون اللون الأحمر من آثار دماء الكفار، وقد يكون لون النصر وعلامة القتال، ويعرض جبريل على الرسول خدماته حتى يرضى بتكليف من الله فيرضى الرسول. والعجيب في مثل هذه الروايات هو ذِكر الحكمة منها؛ أي سبب وضعها وهو تقوية المسلمين وتكثيرهم في أعين الكفار. صحيحٌ أن ملاكًا واحدًا مثل جبريل قادر على هزيمة الكفار، بل واقتلاع الأرض، ولكن كثرة الملائكة عدةً وعددًا إرهاب للكفار وتفتيت لعزائمهم أمام المسلمين. قد تُقاتِل بالفعل كما فعلت يوم بدر، وقد تحضر كل قتال دون أن تُقاتِل تضخيمًا وإكثارًا لعدد المسلمين في أعين الكفار وإرهابًا لهم، وكأن الأمر كله خداع حواس!٢٣ والملائكة الذين شهدوا بدرًا أفضل ممَّن لم يشهدها منهم، والجن قياسًا على ذلك في المؤمنين منهم، ولكن إذا كان اختيار الملائكة والجن في بدر أو عدم اختيارهم لا يرجع إليهم بل إلى الله، فكيف يستحقون الفضل دون غيرهم وليس لهم فضل فيه؟ وقد تم ذلك كله في إطار معجزات الرسول في الحرب، ومنها اشتراك الملائكة والجن إكرامًا له ورضًا عنه. والتنبؤ بمَصارع المؤمنين في بدر ومواطنها قد يتم بناءً على معرفته بشجاعة الرجال وقلة العدد (ثلاثمائة تقريبًا) وضيق المكان وفنون المبارزة. أما رمي الرسول المشركين بكف من حصًى، فشاهت وجوههم، وأصاب بها أعين جميعهم وهم بالآلاف، فإنما ذلك تقوية لنفوس المسلمين وشحذًا لهِمَمهم. وقد تؤدي كثرة العدد إلى زحام بين الكفار في بحثهم عن المؤمنين القلائل، وفي الزحام يضيع الإنسان ويفقد رؤيته لمن يبحث عنه، خاصةً لو كان عدد المشركين بالنسبة للمؤمنين عشرة إلى واحد. أما رمي الرسول كافرًا بحجر فكسر رباعيته، فلم يُولَد من نسله إلا أهتم، ثم دخول حلقتَين في وجنته، ونزع أحد المؤمنين لهما بأسنانه فكان أحسن الناس هتمًا، فهو تقابُل عضوي بين الخير والشر، بين أسوأ هتم وأحسن هتم، بين الرسول كفاعل والرسول كمفعول فيه، وكلها صور فنية من سِيَر الأبطال لاسترعاء انتباه السامعين، خاصةً لو كانوا يعيشون جو الهزائم وحالات الإحباط.٢٤
ويُقال في الجن ما يُقال في الملائكة، من حيث إنها تدخل ضمن عقائد الإيمان عند الشُّراح المتأخِّرين؛ فهي مثلها قادرة على التشكل، والاحتجاب عن الأبصار، والقدرة على الإتيان بالأفعال العظيمة، ولكنها تختلف عنها في أنها ليست نورانية، بل نارية، وأنها مكلَّفة تُطيع وتعصي؛ فمنهم المؤمنون ومنهم الكافرون.٢٥ والحقيقة أنهما معًا يعبِّران عن عالم واحد، وهو عالم التمني والرغبة في تجاوُز الحس، وقلب العجز مقدرة، وتحويل التناهي إلى لا تناهي. والفرق بين الملائكة والجن هو مجرد فرق في الدرجة، وليس فرقًا في النوع، يتمايزان فيما بينهما فقط في درجة الشرف ومرتبة الكمال؛ فالملائكة أعلى من الجن من حيث الطاعة والإيمان، ولكن الجن أقرب إلى الإنس منهم إلى الملائكة؛ لأنهم مكلَّفون يعيشون حياة البشر من طعام وشراب وتناسُل، ويسترقون السمع، فهم وسط بين كمال الملائكة ونقص البشر.
لذلك تراوح القدماء فيما بينهم في موضوع الملائكة بين الإثبات والإنكار؛٢٦ فالإثبات يعتمد على النصوص الواردة، وهي في معظمها، باستثناء نصوص أصل الوحي، آحاد أو مشهورة لم تبلغ درجة التواتر، وكلها وُضِعت في عصور متأخِّرة، مستمدة من الخيال الشعبي وقصص الأبطال. والحقيقة أن موضوع النبوة هو عالم الإنس وليس عالم الجن، وعالم البشر وليس عالم الملائكة، وعالم الشهادة وليس عالم الغيب. والملائكة من السمعيات الخالصة، في حين أن موضوع النبوة من العقليات؛ أي المصالح العامة. وليس بإثبات الملائكة تُقام مصالح الناس، وليس بإنكارها تنهدم وتُعطَّل؛ فهي موضوع نظري خالص أقرب إلى القصص وشحذ الهمم وتقوية المعنويات، والإيمان بها موجود في كل الديانات، وليس منها ما يخص خاتم النبوة وآخر مرحلة تطوُّر الوحي، وهي في النهاية موضوعات ثانوية لوظائف ثانوية، وسائل وطرق وليست موضوعات وغايات. والله قادر على الحديث مع الأنبياء، وعلى قبض الأرواح، وعلى تقدير الأرزاق، وعلى بعث الموتى، بلا واسطة الملائكة، وهو قادر على معرفة أفعال العباد بلا كتبة أو حفظة، كما أنه قادر على تسيير أمور الجنة بلا رضوان، وتدبير شئون النار بلا مالك، ولا يحتاج إلى حملة عرش من تحته أو من حوله، فلا يُمكِن التضحية بالتنزيه من أجل التشبيه، أو بالعقليات من أجل السمعيات.
والحقيقة أن «الملائكة» في أصل الوحي ليسوا أساسًا موضوعًا للإيمان، بل وسيلة لرد الإنسان إلى نفسه وإرجاع البشر إلى ذواتهم، ببيان الفَرق بين الاستحالة والإمكان، بين اللامعقول والمعقول.٢٧ وكما أن دورها في أداء الوظائف التي يطلبها الله منها، فإن دورها أيضًا في السجود للإنسان؛ لأن الإنسان أعظم منها وأقدر بالتكليف والتمكن منه بحرية الإرادة واستقلال العقل، كما أنها تسجد لله سجودها للإنسان، وكأن الإنسان مع الله في قيمة السجود لله! ولقد أعلم الله الملائكة مُسبَقًا بجعله الإنسان خليفة له في الأرض، كقرار علني من أجل قبول علني؛ حتى تنتفي الأعذار ويستحيل الرفض والإنكار، وكان جزاء الطرد من الجنة والتحول من النقيض إلى النقيض؛ من الملاك إلى الشيطان، ولا شفاعة لها خارج قانون الاستحقاق.

(٢) الموضوع العملي

إذا كان الإيمان بالله يدخل في العقليات في أصل التوحيد، والقضاء والقدر في أصل العدل، واليوم الآخر في المعاد، والرسل في النبوة، لم يبقَ إلا الكتب وهي الموضوع الحسي الوحيد المنقول من جيل إلى جيل نقلًا متواترًا حتى الآن وإلى نهاية الزمان. الإيمان بالكتب إذن هو أقرب الموضوعات إلى الحس وأبعدها عن الغيب؛ كتب الوحي أو كتب التاريخ والآثار. أما الكتب فهي وحدها الباقية، والكتب هي التوراة والزبور والإنجيل والقرآن،٢٨ وهي الكتب الموجودة لدينا حتى الآن، ولكن أين صحف إبراهيم؟ هناك روايات كثيرة عنها عند أهل الكتاب، وقد تكون لها مصادر عربية مفقودة، خاصة وأن إبراهيم كان معروفًا في الجزيرة العربية، وكان دين الحنفاء موضع احترام وتعظيم فيها، وقد وضع القدماء التوراة قبل الزبور، على خلاف الترتيب الزماني؛ ربما لأهميتها ولاحتوائها على الشريعة. وللقرآن أسماء أخرى، مثل الفرقان والكتاب والذكر. وكل كتاب يعبِّر عن مرحلة من مراحل الوحي السابقة، وتتبُّع هذه المراحل يؤدي إلى اكتشاف قانون تطوُّر النبوة، منذ الإعلان الأول حتى اكتمال الوحي، والكتاب في متناول الإنسان؛ يُمسِكه بيده، ويقرؤه بلغته، ويفهمه بعقله، ويحقِّقه بفعله. الكتاب إذن هو مضمون النبوة الحسي العملي، وهو مجرد وسيلة وليس غاية، مجرد أداة وليس هدفًا. إنما الهدف هو تحقيق الرسالة المتضمَّنة فيه. ولكي يتم ذلك هناك ثلاث مراحل؛ الأولى إثبات الصحة التاريخية للنقل منعًا للتحريف والتبديل، والثانية الفهم الصحيح منعًا لسوء الفهم والتأويل، والثالثة تطبيق الشريعة منعًا للإيمان الميت. والكلام النظري غير مُمكِن الوقوع. يتضمن المضمون العملي للرسالة إثبات صحتها وفهم نصوصها وتطبيق أوامرها، وهنا يتحول علم أصول الدين إلى علم أصول الفقه ويصب فيه، وتعود إلى علم الأصول وحدته المفقودة بين النظر والعمل؛ وعلى هذا النحو لا يُصبِح موضوع النبوة من الموضوعات المُتعالِية، بل يكون مسار الرسالة في التاريخ. ولأول مرة يظهر الإسلام كجزء من النبوة، كما اتضح في الحركة الإصلاحية الحديثة، في متناول الرسالة العامة، انتقالًا من المجردات والنظريات إلى الوقائع المحسوسة، ومن التوحيد إلى النُّظم؛ فالإسلام وانتشاره في التاريخ هو معجزة النبوة، ولكنه ظل حديثًا عامًّا عن الإسلام في التاريخ، وانتشاره ومآثره، وتكوين جيل وقادة، وقضاء على إمبراطوريات ودول، ونشأة نُظُم جديدة، أو تقريظ للإسلام والدفاع عنه إعجابًا بالماضي، وربما تعويضًا عن هزائم العصر. وظل أيضًا مدحًا للشريعة الغراء دون تحقيقها علميًّا، وبيان المسافة بين المثال والواقع ووسائل التنفيذ. وهو حديث خارج الزمان والتاريخ، وبلا أرض أو شعب أو شعب أو وطن، وكأنها مدائح نبوية أو تواشيح دينية أو مدائح سلطانية. ويرتبط بذلك الدفاع عن الإسلام ضد الانتقادات المعاصرة وشبهات الغربيين، مثل دعوى انتشار الإسلام بالسيف تنكرًا لمبادئ الإسلام، وتعلُّم الرسول الشريعة من أسفاره إنكارًا للوحي. ومع ذلك هناك جذور عند القدماء إلى العودة بالنبوة إلى التاريخ والدخول فيه؛ وذلك بإظهار الإسلام ذاته وعرض شريعته طبقًا لحاجات المسلمين. فينتظم الحديث في ثلاثة أقسام رئيسية؛ العبادات وهي أركان الإسلام الخمس مع الجهاد دون تخصيصه كرُكنٍ سادس، المعاملات وتشمل الأحوال الشخصية والحدود والمحرَّمات والمباحات والأموات، الشرعيات وتشمل الأدلة الشرعية والفرق بين العقليات والشرعيات.٢٩

(أ) الأدلة الأربعة

بعد ضمان تواتُر الرسالة في التاريخ وحفظها صحيحةً عبر الأجيال، تأتي قضية الاستدلال؛ استدلال الأحكام من الأدلة؛ أي الاستفادة من الرسالة في استنباط الأحكام من أجل تطبيقها؛ وبالتالي تحقيق الرسالة. والأدلة أربعة على ما هو معروف في علم أصول الفقه الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. الكتاب والسنة دليلان نصيان، والإجماع والقياس دليلان عقليان. ولما كان الكتاب والسنة أيضًا يعتمدان على العقل، سواءٌ في شروط التواتر، أو في الاعتماد عليه كدليل قطعي، أو في إدراكه للحسن والقبح كصفات موضوعية في الأفعال، وكأبنية فعلية في المجتمع؛ كان العقل أساس الأدلة الشرعية الأربعة، وهي التي انصبَّت كلها في النهاية في الاجتهاد؛ أي في دليل العقل. فالعقل أساس النقل في الدليلَين النقليَّين؛ الكتاب والسنة، والعقل أساس النقل في دليلَي الإجماع والاجتهاد؛ نظرًا لأن الإجماع يقوم على نقل وعقل جمعي، ولأن الاجتهاد يقوم على نقل وهو الأصل، وعلى عقل في الفرع، وعلى عقل في استنباط علة الحكم من الأصل، وعلى عقل في تحقيقها في الفرع، وعلى عقل في معرفة تشابُهها حتى يُمكِن تعدية الحكم. فالأدلة الأربعة كلها ترتكز على الدليل الرابع؛ دليل العقل؛ وبالتالي كانت الأولوية الفعلية للدليل العقلي على دليل النقل، وكما هو معروف في نظرية العلم، وفي المقدمات النظرية الأولى.٣٠ وبالتالي كان ترتيب الأدلة الأربعة: القياس ثم الإجماع ثم السنة ثم الكتاب، ترتيبًا تصاعديًّا يرتكز على القاعدة الطبيعية، وهو القياس أو الاجتهاد، وهو دليل العقل. فعلى الإنسان أن يجتهد رأيه، فإن لم يجد ففي إجماع الأمة، حاضرًا أم ماضيًا، فإن لم يجد فعليه بالسنة ثم بالكتاب. وهناك اتفاق مبدئي بين الأصل الأول؛ الاجتهاد، والأصل الرابع؛ الكتاب، فالطرفان يلتقيان. ولا خلاف بين العقل والنقل؛ فالعقل أساس النقل، ومن يقدح في العقل يقدح في النقل؛ نظرًا لموافقة العقل الصريح مع النقل الصحيح، كما قال فقهاء الأمة من قبل. وعلى هذا النحو يُمكِن أن يكون إبداع. أما تصوُّر الأدلة الأربعة قديمًا فيقوم على أن النقل أساس العقل، فالقرآن والحديث نقل، والإجماع يعتمد على نقل، والقياس يعتمد أصله على نقل؛ فهو إنكار لدور العقل وللصفات الموضوعية للأفعال وللأبنية الاجتماعية. وإن الترتيب التقليدي للأدلة ابتداءً من القرآن فالحديث فالإجماع فالقياس، يجعل الهرم قائمًا على قمته، والمخروط مُرتكِزًا على رأسه، وكأن المعاني والأشياء كلها متضمَّنة في اللغة، وهذا هو منهج التقليد.٣١ ولا يُمكِن فهم القرآن إلا باللغة وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ؛ فقد دوِّن منذ لحظة الإعلان؛ وبالتالي فليست هناك حاجة إلى تطبيق التواتر فيه كما هو الحال في الحديث. وتعني «أسباب النزول» أولوية الواقع على الفكر، وأن كل آية هي تعبير عن موقف وحل لمُشكِل، وبنية نظرية مُمكِنة لوضع اجتماعي قائم. والناسخ والمنسوخ يعني وجود التطور داخل الوحي، وتكييف الشريعة طبقًا لقدرات الواقع؛ فاللغة تجمع القرآن والحديث، وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ خاصَّان بالقرآن وحده.٣٢ أما السنة فإنها في حاجة إلى نقل متواتر؛ نظرًا لأنها انتقلت بمرحلة شفاهية على مدى مائتَي عام قبل تدوينها. فالسنة دليل بشرط تواترها كما هو معروف في شروط التواتر في نقل الرسالة، والتواتر وحده يُفيد اليقين. أما الآحاد، وهو ما يفقد أحد شروط التواتر، فلا يُورِث إلا العلم الظني، ولا سبيل لمعرفة صحته إلا بعدالة الراوي وضبطه وبلوغه وإسلامه؛ أي إلى بنية شعوره التاريخي، وكذلك المشهور الذي كان في أصله آحادًا ثم أصبح متواترًا في نقله، فهو واحد من حيث المبدأ، مُتواتِر من حيث الواقع لا يفيد إلا الظن. ومعظم السمعيات وأمور المعاد أخبار مشهورة. التواتر يُوجِب العلم والعمل في حين أن الآحاد يُوجِب العمل دون العلم.٣٣
والإجماع حجة غير نصية، وإن كان يعتمد على نصٍّ يُؤخَذ أساسًا للعقل. والنص هنا قد يكون متواترًا أو آحادًا أو مشهورًا؛ وبالتالي ترجع قطعية الإجماع أو ظنيته إلى نوع النص الذي يقوم عليه، وفي هذه الحالة يلحق الإجماع بأحد الدليلَين النصيَّين. أما العقل الجمعي فهو نوع من الاستدلال الجماعي يقوم به علماء الأمة. صحيحٌ أن الإجماع هو عمل جماعي للعقل، يعبِّر عن وعي تاريخي يُعطي مزيدًا من الاطمئنان، أكثر مما يُعطي الاستدلال الفردي، كما أنه يحوِّل النص من ظن إلى يقين؛ لأنه يُعطي له فهمًا في الزمان والمكان ومضمونًا في التاريخ، وهذا مما يدعو البعض إلى إثبات حجية الإجماع.٣٤ ومع ذلك فللإجماع حدود تجعل البعض الآخر أقرب إلى نفيه كحجة في الاستدلال.٣٥ فالإجماع يرتبط بتفسير جماعة في زمان ومكان معيَّنَين. ولما كان نصه أقل عمومية وأكثر خصوصية من نصوص الكتاب، فهو غير مُلزِم إلا للعصر الذي انعقد فيه دون العصور التالية، وإلا كان مُلزِمًا لكل العصور، وكان ذلك عائقًا عن التقدم، ومانعًا من الإبداع وأقرب إلى التقليد. إن الإجماع خاضع لمصلحة العصر، ولما كانت المصالح مُتمايِزة، ما يكون مصلحة لجماعة قد يكون مضرَّة لأخرى في عصر آخر، أو لنفس الجماعة في نفس العصر، كان مُلزِمًا فقط لعصره. فإلزامه كلَّ عصرٍ يجعله قوة على الإبداع، ودافعًا على التقدم، ويقلِّل التبعية للقدماء، ويخفِّف من ثِقَل الماضي، كما أنه يصعب أحيانًا التفرقة بين الإجماع والتقليد. فالإجماع إن لم يكن قائمًا على يقين؛ أي إنه إذا لم تتوافر شروطه، وغالبًا ما لا يحدث ذلك، فإنه يكون تقليدًا خفيًّا. ومن شروطه ضرورة اعتماده على أصل نقلي متواتر، وأن يكون تامًّا، وألا يُعارِض إجماعًا سابقًا؛ فالمصالح تتغير ولكن لا تنقلب، إلى آخر ما هو معروف في علم أصول الفقه من شروط المجتمعين في العلم والفضل، بل هناك صعوبة في الاتفاق على شروط ثابتة للإجماع الصحيح. فما زال الأساس النظري للإجماع خاضعًا للرأي والظن والهوى والمصلحة، مثل: هل هو إجماع خاص أم عام؟ هل هو أهل الحل والعقد أم عامة المسلمين؟ كم عدد المُجتمِعين؟ هل هناك حد أدنى للإجماع؟ هل هو إجماع مُطلَق أم إجماع بالأغلبية؟ وما هي حدود الأغلبية؟ ما هو هدف المُعارَضة؟ ماذا لو كانت معارضة واحد فقط؛ هل يبطل الإجماع؟ وفي علم أصول الفقه ما يجعل الأُسُس النظرية للإجماع أُسسًا خلافية؛ وبالتالي كيف يكون أساسًا للاستدلال ودليلًا للعقل الجمعي؟ وتخضع نصوص الإجماع لما تخضع له نصوص الوحي من تفسير وتأويل، وكل تأويل هو اختيار اجتماعي، أو هو إسقاط نفسي من المفسِّر الذي هو في الحقيقة نتاج اجتماعي؛ وبالتالي يتحول الخلاف في الإجماع إلى خلاف حول تأويل النصوص، ونعود إلى الحجة النصية من جديد، ويزداد الأمر صعوبة إذا ما ظهر الإجماع كحل لمشكلة التعارض بين النصوص في الكتاب أو السنة أو بينهما معًا؛ فتعارض نصوص الكتاب ظاهري وله حله؛ إما في النسخ أو في التأويل، في حين أن التعارض بين نصوص الإجماع حقيقي؛ إما لخطأ في النقل، أو لتغايُر المصالح من عصر إلى عصر، ومن جماعة إلى جماعة في نفس العصر. وقد يكون هناك إجماع على الشيء وضده في آنٍ واحد في عصرَين مختلفَين، أو عند جماعتَين مختلفتَين في عصر واحد. إن نص الإجماع في نهاية الأمر هو حجة سلطة، وليس حجة عقل، وإن كانت حجة السلطة تُقبَل في نصوص الوحي؛ لأنه غير معرَّض للخطأ في الفكر أو في الرواية، إلا أنه لا يُمكِن قبولها في نص الإجماع المعرَّض للخطأ في الحكم، والمُرتبِط بمصلحة عصر معيَّن وجماعة معيَّنة، والمعرَّض لخطأ في الرواية. وإذا كان الإجماع هو إجماع أهل الحل والعقد أو إجماع العامة، فغالبًا ما يكون الحكم تعبيرًا عن الوضع الطبقي للمُجتمِعين؛ فاختيار العلماء غير اختيار العامة. صحيحٌ أنه نظرًا وشرعًا لا فرق بين الاختيارَين إذا كان الطرفان يتمثَّلان الحق، ولكن ما يحدث عملًا هو أن أحكام الإجماع إنما تعكس الأوضاع الطبقية للمُجتمِعين وصلتهم بالسلطة السياسية، أكثر مما تعكس حقيقة أو تصنع يقينًا. وهناك فرق بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن ما دُمنا مع بشر؛ أي مع أهواء ومصالح. وفوق ذلك كله يجوز الإجماع في اللغة وفي التشريع، ولكنه يصعب في النظريات؛ أي في الاعتقاديات؛ لأن أساس النظر بات يقيني ثابت، في حين أن العمليات تراعي الظروف والمصالح؛ فلا يجوز الاستدلال بالإجماع في موضوعات علم أصول الدين وإن جاز في موضوعات علم أصول الفقه.٣٦
ولا يوجد خلاف أكثر اتساعًا من الخلاف حول الدليل الرابع وهو القياس. ويعتمد إنكار القياس على سببَين رئيسيَّين: الأول إثبات العلم السمعي الضروري وكفايته دونما حاجة إلى علم عقلي مُساعِد أو مكمِّل أو مؤسِّس، والثاني مَخاطر العقل والقياس واحتمالات الخطأ فيه. والحقيقة أن الدفاع عن العلم السمعي لا يكون بهدم العقل؛ لأن العقل أساس النقل، بل إن الأدلة الثلاثة الأولى التي هي أقرب إلى السمع، الكتاب والسنة والإجماع، لا تقوم إلا على الدليل الرابع وهو العقل؛ فالعقل أساس النقل، والإجماع عقل جماعي، ولا يُفهَم الكتاب والسنة بل لا يُنقَلان إلا بالعقل؛ فالاتفاق مع العقل شرط التواتر. وماذا عن الجهد الفردي في الفهم؟ وماذا عن دور الإنسان في الفهم والنظر؟ ليس العقل هادمًا للنقل، بل مؤسِّس له ومؤوِّل له؛ حتى يكون للنقل دعامة يقوم عليها، وحتى يكون له أثر يحدث فيه.٣٧
أما مخاطر العقل فهي متوهَّمة لا أساس لها؛ إذ كيف يؤدي العقل إلى الاستبداد بالرأي، العقل هو التنوير، والتنوير ضد الاستبداد بالرأي. القطيعة مضادَّة للعقل؛ لأن العقل يقوم على البرهان. القطيعة جزم ترفض البراهين المضادة، والعقل حوار يخضع للبراهين المضادة.٣٨ وحتى على افتراض الجزم في الرأي والقطع فيه، فإن ذلك لا يبرِّر الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد دونَ رأيٍ تقليدٌ، كما وُضِّح ذلك في نظرية العلم في المقدمات النظرية الأولى. والرأي ليس اعتقادًا أو تقليدًا أعمى، بل هو برهان يقيني، والعقل هو التوسط لا التطرف؛ إذ يستطيع العقل إحكام الأطراف ومعرفة البناء والرؤية المحايدة والتجرد والنزاهة، في حين أن الهوى أُحادي الطرف، متميِّز منحاز.٣٩ ولا يعني احتمال الخطأ في القياس عدم شرعيته؛ فكل اجتهاد قد يُخطئ وقد يُصيب، والمجتهد يُخطئ ويُصيب، وللمُخطئ أجر وللمُصيب أجران. وقواعد القياس وأشكاله قادرة على أن تضمن صحة القياس، كما أن تعدُّد الأقيسة لا يعني التشتت والتضارب والاختلاف؛ وبالتالي تكافؤ الأدلة؛ فالأقيسة عامة وشاملة يتفق عليها كل الناس، وتعدُّد المذاهب والآراء لا يطعن في صحة الرأي، بل يبيِّن تغايُر المصالح من جماعة إلى جماعة، ومن فرد إلى فرد، ومن مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان. وفي علم أصول الفقه، الحقُّ متعدِّد والصواب كثير ما دام يؤدي إلى تحقيق مصالح العباد. والخلاف النظري لا ينفي وحدة العمل، ووحدة العمل لا تتطلب وحدة النظر بالضرورة.٤٠ ولا يعني العقل أي تفضيل للنظر على العلم أو للتأمل على الفعل؛ فالعقل نظري وعملي، تأملي وفعلي. العقل النظري هو الباحث والسائل والموضِّح والكاشف، والعقل العملي يوجِّه نتائج العقل النظري إلى الحياة العملية. وكل مسألة نظرية لا ينتج عنها أثر عملي فخارجة عن علم الأصول.
العقل ليس شُبهة يبدأ بها تاريخ العالم. وكيف يبدأ تاريخ العالم كله بشبهة العقل؟ هل لأن اللعين الأول قاس واستدل؟ وعلى هذا النحو يكون الفكر الإنساني الآن عودًا إلى الشبهة الأولى أو تكرارًا لها في شبهة ثانية، ويكون العقل الإنساني هو استمرارًا لعقل الشيطان! فقد نشأت الشبهات في آخر الخليقة بتحكيم العقل أيضًا؛ لأن العقل يخلط بين المستويات منذ أول الخليقة! فهل نشأت الشبهات في أول الخليقة بتحكيم العقل؟ هل تاريخ الحضارة الإنسانية هو تاريخ الضياع والضلال؟ إن العقل هو وسيلة درء الشبهات، وتوضيح اللَّبس، وإحكام المتشابهات، والتمييز بين المستويات.٤١ هناك القياس الجلي الذي يكون الفرع فيه أولى بالحكم من الأصل، وهناك القياس الذي فرعه من معنى أصله دون أن يكون أحدهما أولى من الآخر، وهناك القياس بغلبة الأشباه والترجيحات. هناك قياس العلة، وقياس الدلالة وقياس الشبه. كل ذلك من أجل دقة المعنى والوصف، وليس من أجل الاشتباه. إن قياس إبليس طلب للعلة، وطلب العلة إحكام الظواهر وإدراكها في علاقتها بالمعلول. طلب العلة هو البحث عن السبب من أجل سيطرة الإنسان على قوانين الطبيعة والتنبؤ بمسارها.٤٢ خطأ إبليس ليس في القياس الصحيح، بل في القياس الخاطئ في خلطه بين الكم والكيف، بين الجبر والحرية؛ فالنار ولو أنها أفضل من الطين إلا أن الطين بفعل الروح بها كيف؛ وبالتالي فهي أغنى وأقدر. وقد يكون الطين أي الأرض أقيم عند شعب محتل، حياته الأرض، وكرامته في الأرض، في حين أن النار في الأرض، والشمس غالبًا عليها، ومعروفة ديانات الشرق من قبل. ليس الخطأ في القياس في ذاته؛ أي في صورته، بل في مادته وأهدافه ونواياه واستخداماته وتطبيقاته، ولقد قاس إبراهيم ووصل إلى الحق؛ فالقياس لا يؤدي إلى الباطل ضرورة. ليس القياس محاجَّة وجدلًا بالضرورة، بل قد يكون برهانًا ويقينًا. ولماذا احتقار الذات، وإدانة النفس، واتهام العقل، واستصغار الإنسان لنفسه؟٤٣ والحقيقة أن كل مصادر الشريعة الأربعة مُرتكِزة على المصدر الرابع وهو الاجتهاد، قد يُصيب وقد يُخطئ؛ لذلك وُضِعت شروط للاجتهاد حتى يكون احتمال الصواب أرجح من احتمال الخطأ.٤٤ في دليل العقل يتوحَّد علم أصول الدين وعلم أصول الفقه؛ الأول في نظرية الحسن والقبح العقليَّين، والثاني في دليل القياس. يتوحَّد العِلمان في العقل ويجد علم الأصول وحدته في العقل. ومع ذلك تظل القسمة عند القدماء قائمة بين الأحكام العقلية والأحكام الشرعية. فإن كانت العقول تدل على صحة الصحيح واستحالة المحال في التوحيد والعدل والوعد والوعيد، فإنه لا وجوب قبل الشرع، وإذا استدل العاقل على ذلك قبل ورود الشرع لما استحق الثواب، ولو كفر ما استحق العقاب، ولو أنعم الله عليه بعد ذلك بالشرع كان لطفًا ونعمة وفضلًا، وإن عذَّب الكافر كان عدلًا. فإذا أمكن معرفة الله بالعقل فإن وجوبها بالشرع. وأفعال العقلاء كلها قبل الشرع على الإباحة، لا تحليل فيها ولا تحريم. ليس في الأحكام العقلية ناسخ ومنسوخ كما هو الحال في الأحكام الشرعية. وإذا كانت الأحكام العقلية قد تكون بعينها مثل كون العرَض سوادًا، وقد تكون بغيرها كما يدل الشيء في العقل بنفسه على غيره، مثل دلالة الفعل على الفاعل، فإن الأحكام الشرعية إما أن تكون اسمًا أو دليل اسم أو معنًى مُودَعًا في الاسم، فالأحكام الشرعية في الوجود والحظر والإباحة تُعرَف من الخبر، والخبر على لسان الرسول، وأحكام المعاد بالخبر وإن دل العقل على الجور؛ لذلك كان تحليل الخطاب هو منطق الخبر من أجل إحكام لغته، من حيث العموم والخصوص، أو التشابه والإحكام، أو الإجمال والتبيين.٤٥ والحقيقة أن هذه الثنائية بين حكم العقل وحكم الشرع، تنتفي بمجرد التوحيد بين العقل والنقل، وتأسيس النقل على العقل. يُعطي العقل الحكم الكيفي ويفصِّل النقل الحكم الكمي. يحدِّد الحكم العقلي الغاية والهدف بينما يحدِّد الحكم الكمي الوسيلة والطريقة. يكشف الأول العلة الغائية بينما يحدِّد الثاني العلة المادية. ولما كان العقل والشرع لا بد لهما من خطاب كان الطريق لمعرفة الأحكام هو تحليل الخطاب.

(ب) تحليل الخطاب

بعد إثبات الصحة التاريخية للنص تأتي مرحلة فهمه وتفسيره وتأويله إن اقتضى الأمر، ويأتي تحليل الخطاب باعتباره نظرية في التفسير؛ أي في فهم النص. وإذا كان كل خطاب يحتوي على ثلاثة عناصر؛ اللفظ والمعنى والشيء، تضمَّن تحليل الخطاب هذه العناصر الثلاثة؛ اللفظ المُستعمَل، والمعنى المستفاد منه، والشيء المُشار إليه بهذا اللفظ وله هذا المعنى.

ولكن قبل الشروع في تحليل عناصر الخطاب على نحوٍ علمي صرف، يتأكد أولًا أن الخطاب ليس مجرد قول أو كلام، بل هو تكليف وأمر، فهو خطاب موجَّه نحو الإنسان، نداء إلى الفعل، وتوجيه للسلوك، فهو ليس مجرد لغة بل أمر، ليس مجرد معرفة نظرية بل توجُّه عملي. والتكليف من الكُلفة، أي من المشقة والعمل والجهد،٤٦ بل إن تحليل الخطاب هو في الواقع تابع للتكليف والأمر وجزء منه؛ فالوحي أولًا تكليف وأمر، ثم يأتي بعد ذلك تحليل الخطاب كأحد عناصره. ويتحدد أولًا معنى التكليف وأقسامه وشروطه وترتيبه وأوصافه، المكلِّف والمكلَّف، وما يصح وروده فيه قبل تحليل أقسام الخطاب في الأمر والنهي والاستخبار، ثم تأتي بعد ذلك مباحث الألفاظ على ما هو معروف في علم أصول الفقه، ولكن على نحوٍ مختصر مثل العموم والخصوص،٤٧ والمُجمَل والمفسَّر، ثم تأتي مباحث المعاني مثل دليل الخطاب أو مفهوم الخطاب؛ من أجل فهم المعنى مباشرةً دون المرور بتحليل الألفاظ، كما يُمكِن فهم الدلالة ليس فقط من اللفظ، بل أيضًا من الفعل؛ فعل النبي. فما دام الخطاب تكليفًا وأمرًا فإنه إذا ما تحقَّق هذا الأمر في فعل، فإن هذا الفعل يكون خطابًا متحقِّقًا له نفس الدلالة اللفظية في الخطاب. وقد يدخل موضوع النسخ مقرونًا بالخبر، وهو أحد أقسام الخطاب، كأحد وسائل التراجيح حين تعارُض الخبرَين، ولكنه في الحقيقة أدخل في تطور النبوة.٤٨
وبالرغم من أن التكليف يكون ابتداءً؛ نظرًا لحصول الإنسان على حرية الإرادة واستقلال العقل؛ نتيجةً لتطوُّر الوحي واكتماله وتحقيق غايته بشرط البلوغ، إلا أنه أيضًا يكون لغاية، وهو استمرار تحقيق الوحي كنظام مثالي للعالم تزدهر فيه الطبيعة من خلال الفعل الإنساني الفردي والجماعي. التكليف ابتداءً نابع من طبيعة المكلَّف، ومع ذلك فيه تحقيق لمصالح الناس، والتكليف من طبيعة الإنسان، ومع ذلك له إرادة لحدوثه وإرادة لكونه وإرادة لفعله.٤٩
ويظل النظر أول الواجبات على المكلَّف؛ أي فعل العقل وليس عمل اليد، ويبدأ النظر إما ضرورةً أو بداهةً أم استدلالًا، على ما هو معروف في نظرية العلم وقسمته إلى ضروري ونظري.٥٠ ويظل السؤال بعد ذلك عن المعارف العقلية التي يتم الحصول عليها بالنظر بنوعَيه؛ فهي معارف نظرية أولًا، مثل العقائد المعرفة بالله وبصفاته وعدله وحكمته وجواز الرسل والتكليف، ثم تفصيل أركان الشريعة. فتبدأ المعارف من التوحيد إلى العدل إلى النبوة؛ أي من العقليات بأصلَيها إلى أول موضوع في السمعيات ينتهي إلى تحقيق أحكام الشريعة. وقد تبدأ المعارف بالنفس أولًا ثم بالمعارف النظرية ثانيًا؛ أصلَي التوحيد والعدل، وما دون ذلك من أحكام الشريعة لا يُعرَف إلا بالخبر. والحقيقة أن هذا الفصل بين المعارف النظرية والتحقيقات العملية يجعل النظر موضوعًا مستقلًّا بذاته؛ موضوعًا ومنهجًا، ويجعل العمل موضوعًا مُنفصِلًا عنه؛ موضوعًا ومنهجًا أيضًا، وهو ما يُعارِض التطور الطبيعي من النظر إلى العمل.٥١ ولا يعني التكليف أن هناك مكلِّفًا ومكلَّفًا؛ فذاك تشخيص للتكليف وتصوير له على أنه أمر بين طرفَين، من أعلى إلى أدنى، مثل تشخيص النبوة وجعلها علاقة بين طرفَين؛ أعلى وأدنى. فالحياة والعلم ليسا صفتَين في المكلَّف، بل هما شرطان للتكليف، والعقل والإرادة ليسا صفتَين في المكلَّف، بل هما شرطان للتكليف، والعقل والإرادة ليسا صفتَين للمكلف، بل هما أيضًا شرطان للتكليف؛ فلا تكليف لميت جاهل بليد عاجز.٥٢ وللتكليف أُسُس موضوعية في صفات الفعل المكلَّف به، ولا يُمكِن أن يتحول الأمر إلى نهي، والنهي إلى أمر، بمجرد إرادة المكلِّف، وإلا كان ذلك إلغاء للطبيعة والعقل، وهدمًا للحسن والقبح العقليَّين، وهما من مُكتسَبات العدل.٥٣
وبعد التأكيدات على أن الخطاب هو تكليف وأمر، ينقسم الخطاب إلى أربعة أقسام: أمر ونهي وخبر واستخبار. وقد يُضَم الاستخبار إلى الخبر؛ لأن الاستخبار هو طلب الخبر؛ وبالتالي لا يكون قسمًا مستقلًّا؛ وبالتالي تكون قسمة الخطاب ثلاثية؛ أمر ونهي وخبر. ولما كان النهي هو ضد الأمر كان الأمر هو الأساس، خاصةً إذا كان الأمر بشيء نهيًا عن ضده، والنهي عن كل شيء أمر بضده عند من يجوِّز القلب العقلي في الأحكام دون البِنية الموضوعية والموقف الحياتي لها؛ وبالتالي تكون ثنائية؛ أمر وخبر، ولكن أين باقي الصِّيَغ والتي يُمكِن جمعها في الصيغة الإنشائية، مثل التمني والتعجب والاستفهام؟ بل لقد أضاف القدماء صيغًا أخرى، مثل الوعد والوعيد والطلب والشفاعة والتلهف والاستثناء. وقد تكون القسمة كلها واحدة لما كان الخبر أيضًا نوعًا من الأمر غير المباشر؛ فالقصص مع أنه إخبار عن أحوال الأمم السابقة إلا أنه درس وعظة وعبرة لتقوية الأمر في بداية القصة أو في نهايتها، فالخبر أمر يتضمن وسيلة الاقتناع به وطرق الإيحاء من أجل تحقيقه، وإلا كان مجرد أمر صوري عسكري غير مشفوع برجاء أو تمنٍّ. وصِيَغ الإنشاء لا تدل على حطة منزلة، بل تدل على رفعة القدر، ومن تواضع للإنسان رفع. أما قسمة الخطاب المُفيد إلى اسم وفعل وحرف، فهي قسمة لغوية صرفة، ليس لها دلالة مباشرة في خطاب التكليف، مع أنه يُمكِن حتى في هذه الحالة رؤية الفعل والفاعل؛ فالاسم هو الفاعل المكلَّف، والفعل هو التكليف، والحرف هو الرابطة التي تربط الفعل والاسم في الزمان والمكان.٥٤ ومع ذلك تظل القسمة الثلاثية للخطاب إلى أمر ونهي وخبر هي القسمة الغالبة، ويُضَم الأمر والنهي معًا في مُقابِل الخبر.
فما هو الأمر والنهي؟ هل هما الإثبات والنفي على مستوى العقل وليسا على مستوى الفعل؛ إذ إن الحكم إما عقلي أو فعلي؟ النفي والإثبات متصلان في العقل، وقد يكونان مُنفصِلين في الوجود؛ فلو أمكن للعقل نفي المعدوم منطقيًّا إلا أنه في الوجود لا ينفي إلا الموجود. فإذا تداخَل الإثبات والنفي في العقل فإنهما قد يتمايزان في الوجود. فإذا كان الإثبات في العقل والنفي حكمَين كليَّين؛ إثبات الشيء هو إثباته من جميع أوجهه، ونفي الشيء هو نفيه من جميع أوجهه، فإنهما في الوجود حكمان جزئيان؛ فإثبات شيء هو إثبات محمول، والمحمول أحد وجوه الموضوع؛ فإثبات صفة لا يعني إثبات كل الصفات، ونفي صفة لا يعني نفي كل الصفات.٥٥ وإذا كان في حكم العقل أن الأمر بشيء نهي عن ضده، فإنه في الوجود قد لا يكون كذلك؛ فالحكم الشرعي لا ينقلب. الأمر الشرعي قد لا يكون نهيًا عن ضده، والنهي عن شيء قد لا يكون أمرًا بضده. الحكم الشرعي خاص بالفعل وليس عامًّا للعقل، والمواقف الإنسانية خاصة وإن تكرَّرت في مواقف أخرى مشابهة، ولكن الإنسان لا يقيس فعلًا واحدًا على فعل واحد آخر في نفس الموقف.٥٦ في الأفعال صفات موضوعية وجودية لا يُمكِن قلبها حضورًا وغيابًا، وجودًا وعدمًا. وهو أحد مُكتسَبات الإنسان المتعين في قدرته على التمييز بين الحسن والقبيح العقليَّين كصفات موضوعية في الأشياء؛ حتى يبدو التوافق والتطابق بين العقل والطبيعة.٥٧
لذلك انقسمت الأفعال إلى أحكام خمسة كما هو معروف في الأحكام الشرعية في علم أصول الفقه: الوجوب والندب والإباحة، والكراهية والحظر أو التحريم. فالأمر يعني الوجوب، والنهي يعني الحظر عقلًا، ولكنهما قد يعنيان درجتَيهما المُمكِنتَين؛ أي الندب والكراهة بدلالة، وقد يعني الأمر المباح أيضًا بدلالة، بل قد يتوسع البعض ويُدخِل الصيغ الإنشائية من ترغيب وإرشاد في الأمر، وتهديد ووعيد وإهانة وتأديب في النهي؛٥٨ لذلك ارتبط الأمر والنهي بموضوع القدرة التي تكون وراء تحديدات درجات الأمر والنهي بين الضروري والمُمكِن. وكما هو الحال في التمييز بين الحكم العقلي والحكم الفعلي، فكذلك الأمر في القدرة؛ فالقدرة على الفعل قد لا تكون قدرة على الترك بالضرورة، والقدرة على الترك قد لا تكون قدرة على الفعل بالضرورة.٥٩ ويكون الأمر والنهي بالظاهر منعًا للتأويل من حيث المبدأ؛ فالتأويل استثناء وليس قاعدة.٦٠
أما الخبر فقد ورد من قبل في تواتُر الرسالة وشروط التواتر، وهو ما يرِد أيضًا في الدليل الثاني وهو السنة في علم أصول الفقه، ولكنه هنا هو أحد صِيَغ الخطاب بعد الأمر والنهي، وليس منهجًا للنقل وطريقًا للرواية.٦١ والقول أعم من الخبر؛ فالكلام يشمل الخبر وغيره. القول يشمل القضايا الخبرية والإنشائية على السواء. وأهم شيء في الخبر كصيغة في الخطاب هي نظرية الصدق والتمييز بين الخطاب الصادق والخطاب الكاذب؛ فلم يعد المطلوب هنا هو الصدق التاريخي؛ أي صحة النقل من حيث السند، بل صدق الخبر ذاته من حيث المتن. وقد يكون الصدق صوريًّا خالصًا بمعنى اتفاق الخبر مع المبادئ الكلية للعقل، وهو الصدق النظري الخالص. وقد يكون صدقًا ماديًّا صرفًا بمعنى مطابقة الخبر للواقع طبقًا لمبدأ التحقق. والواقع هنا هو الواقع الإنساني وليس الواقع الكوني وعقائد الثنوية في النور والظلام. قد يكون صدقًا إنسانيًّا خالصًا بمعنى صدق الفعل ومطابقته للنية والقصد؛ وبالتالي انتفت الجبرية من صدق النية والقصد، فالنية أحد أفعال الحرية، والجبر ليس به حرية قصد أو اختيار نية؛ فالصدق والكذب ليسا ضروريَّين؛ أي كون الصادق صادقًا بالضرورة والكاذب كاذبًا بالضرورة، بل الصدق مرهون بالحرية والعقل.٦٢ الصدق والكذب إذن مرتبطان بالشعور؛ قد يكون الشعور صادقًا، ولكن من حيث النية يحدث تطابُق بين الخبر والواقع، وقد يكون الشعور كاذبًا من حيث النية ويحدث نفس التطابق. فالصدق والكذب ليسا فقط أمرَين صوريَّين أو ماديَّين لا شأن لهما بقصد الشعور؛ نظرًا لضرورة توافُر النية في الصدق والكذب. وإن صح الكذب من غير قصد، فالصدق لا يصح من غير قصد، وإن كان الكذب خضوعًا للغرور أو غيابًا للقيمة، فإن الإخبار بالصدق تعبير عن الواجب وحضور للقيمة في الشعور، وما ينبغي أن يكون.

وسواء كان الخطاب أمرًا ونهيًا أم خبرًا، فإنه في كلتا الحالتَين يحتاج إلى فهم لمعناه، ولا يتأتى هذا الفهم إلا بمبادئ اللغة. وقد اقتصر علماء أصول الدين على بعض المبادئ المستعارة من علم أصول الفقه، مثل العام والخاص، والمُحكَم والمُتشابِه، والمُجمَل والمبيَّن، والظاهر والمؤوَّل. ولم يزيدوا على ذلك مبادئ أخرى، مثل الحقيقة والمجاز، وهو من أوائلها، أو المُطلَق والمقيَّد، والمستثنى والمستثنى منه وهي من أواخرها. وبعض المبادئ تتغير أسماؤها، مثل المُجمَل والمبيَّن الذي يُسمَّى المُجمَل والمفسَّر. والبعض لا يكون ظاهرًا كمبدأ، بل كحالة ثانية لمبدأ آخر، مثل المُحكَم والمُتشابِه الذي يدخل ضمن حالات المُجمَل والمفسَّر. وبعض المبادئ تظهر في أحد جوانبه فقط، مثل الظاهر والمؤوَّل الذي لا يظهر إلا في المؤوَّل وهو الأهم؛ لأن الظاهر لا إشكال فيه، ولأن نقد الباطنية أهم من نقد الظاهرية. وقد تظهر بعض المبادئ كحالات خاصة، مثل المُجمَل والمفسَّر والمُحكَم والمُتشابِه. وقد تظهر كمبادئ عامة، مثل العموم والخصوص والتأويل.

ومع أن العموم والخصوص صيغة لغوية إلا أنها تكشف عن البُعد الشخصي للنص؛ الفردي أو الجماعي. فالنص متوجِّه إلى الشخص، وموجَّه لسلوك الفرد والجماعة. اللغة للسلوك والصيغة للفعل. فإذا كان النص صورة بلا مضمون، فإن تحديد الخاص والعام فيه تحديد لمضمونه لبيان البعد الشخصي في النص والعامل الفردي في الأمر، بصرف النظر عن التحديد الكمي للعام. وغالبًا ما يكون التحديد بأقل الجمع اثنَين فما أكثر. والقول بالعموم وحده وإنكار الخصوص هو تحويل للخطاب إلى مبدأ كلي صوري شامل وإنكار للبعد الفردي؛ التزام بالعزيمة دون الرخصة وبالقاعدة دون الاستثناء، كما أن إثبات الخصوص دون العموم هو إنكار أن أفعال الإنسان إنما هي أنماط عامة للسلوك تنطبق على كل إنسان في كل زمان، وليست أسماء أعلام خاصة تُطلَق على فرد معيَّن أو جماعة معيَّنة، في زمان معيَّن ومكان معيَّن، بل إن الفعل الفردي لا يكون كذلك إلا إذا كان نمطًا عامًّا، قائمًا على مبدأ عام. العموم والخصوص إذن واجهتان لشيء واحد، يُمكِن تخصيص العام كما يُمكِن تعميم الخاص. لا يوجد عام إلا ويُمكِن تخصيصه، ولا خاص إلا ويُمكِن تعميمه.٦٣ وصيغة العموم هي الأصل، ولا يتحول إلى خصوص إلا بمخصِّص من السنة أو الإجماع أو القياس، ولكن هل يكون العقل مخصِّصًا؟ في هذه الحالة يكون العقل مؤوِّلًا لا مخصِّصًا؛ فالتخصيص نص من جنس العموم. وإن لم يكن في الوعد تخصيص ففي الوعيد تخصيص؛ لأن تحقيق الوعد مبدأ عام في حين أن تخصيص الوعيد من رفعة القدر.٦٤ ومن صفات التخصيص أن يكون العموم ظاهرًا، وألا يتأخر عنه وإلا كان نسخًا.٦٥
وبعد العموم والخصوص يأتي المُجمَل والمفسَّر، وهما المفهومان اللذان يشملان أساسًا المُحكَم والمُتشابِه والظاهر والمؤوَّل. فالمجمل هو الذي يحتاج إلى تفسير؛ وبالتالي فتعريف كل مفهوم يتم بالمفهوم الآخر، فهما مفهومان مُتضايِفان أو مُتقابِلان أو مُتضادَّان. أما التأويل، خاصةً الباطني منه، فهو خروج على قواعد التفسير، والظاهر هو إمساك عنها. ويكون المُجمَل في عدة مَواطن؛ فقد يكون الإجمال في الحكم والمحكوم فيه، وهو أشد أنواع الإجمال؛ فالنص هنا يحتوي على معنًى عامٍّ لم يتحول بعد إلى حكم في الزمان والمكان، ولا يتوجه إلى محكوم فيه بعينه. وقد يكون الإجمال في الحكم فقط، في حين أن المحكوم فيه معلوم، وهو أقل إجمالًا من الأول. فالحكم هو الذي يحتاج إلى أن يتحول من معنًى عام إلى حكم خاص طالما أن المحكوم فيه قد تحدَّد من قبل. وقد يكون الإجمال في المحكوم فيه في حين أن الحكم معلوم، وهو عكس الحالة السابقة؛ لأن الإجمال هذه المرة في الإنسان الذي يتوجه إليه الحكم، في حين أن الحكم قد تحوَّل من قبل من معنًى عام إلى حكم خاص. وقد يكون الإجمال في الحكم والمحكوم له، ولكن المحكوم عليه معلوم، وفي هذه الحالة يكون المعنى ما زال عامًّا ولم يتحول بعد إلى حكم، وفي الإنسان الذي يتوجه إليه الحكم، في حين أن الفعل الخاص وهو المحكوم عليه معروف. يدل إذن المُجمَل والمفسَّر، وهو ما سمَّاه الأصوليون في علم أصول الفقه المُجمَل والمبيَّن، على بُعدِ الإنسان الفردي وفعله الذي يتوجه إليه الحكم، في حين يدل الخاص والعام على بُعدِ الإنسان أيضًا من حيث هو فرد أو جماعة. المُجمَل هو القول والمبيَّن هو الفعل، ولما كان القول أوسع نطاقًا من الفعل احتاج المُجمَل إلى تبيين.٦٦
ويدخل المُحكَم والمُتشابِه أيضًا كحالة خاصة في المُجمَل والمفسَّر؛ من أجل إحكام الزمان والمكان للفعل الإنساني؛ لذلك كانت مواطن الإجمال الباقية خاصة باللفظ والمعنى؛ فقد يكون الإجمال في اللفظ من جهة صلاحه لمعنيَين حتى يتم اختيار أحدهما طبقًا للزمان والمكان؛ أي الواقعة التي يتم فيها الفعل، وهذا هو حال المُحكَم والمُتشابِه. وقد يكون الإجمال في اللفظ في نفسه معلومًا ثم صار مُجمَلًا باستثناء مُجمَل، وهذا هو حال المستثنى والمستثنى منه. وقد يكون الإجمال في اللفظ معقول المعنى لغويًّا، وضعت الشريعة له شروطًا، مثل ألفاظ الصلاة والزكاة، ولكنه في حاجة إلى تأويل آخر؛ أي إخراج اللفظ من معناه الأصلي إلى معنًى آخر؛ لوجود دليل أو إمارة أو قرينة، وهذا هو حال الظاهر والمؤوَّل.٦٧
والمُحكَم هو الواضح الذي ليس في حاجة إلى تأويل في حين يحتاج المُتشابِه، وهو الذي يُشير إلى معنًى واحد في حين يُشير المُتشابِه إلى معنيَين يتم ترجيح أحدهما دون الآخر؛ حتى يُمكِن الإشارة إلى واقعة واحدة دون الأخرى. ويُمكِن معرفة المتشابه فهو ليس سرًّا؛ وبالتالي لا يكون نموذج التشابه الحروف الأولى من السُّوَر؛ فهذه تدخل في حساب الأسلوب الجمالي واللغوي كما هو معروف في الأساليب الأدبية. المُحكَم هو الذي لا تأويل له غير تنزيله على عكس المتشابه الذي له تأويل، وقد يستعمل تعبير الألفاظ المشتركة للمتشابهات، مثل الوجه واليد والعين. وليس نموذج المتشابه هو القصص؛ لأنه لا يحتوي على معنيَين، ولو كان متشابهًا لما أدَّى وظيفته في ضرب الأمثلة لحقائق التاريخ المستمدة من سلوك الأفراد والجماعات وتاريخ الشعوب. فالقصص ليس متشابهًا؛ لأن الغرض منه ليس وصف التاريخ وإعطاء أخبار تاريخية، بل وصف التجربة البشرية وإيجاد دلالتها في لحظة اكتمال الوحي واستقلال الشعور الإنساني، كما أن القصص للإيحاء والإقناع وليس لاستنباط الأحكام؛ للترويح على النفس وليس للتشريع. وليس المتشابه هو أمور المعاد وشئون الأُخرويات؛ فهذه يُمكِن تأويلها مجازًا تعبيرًا عن رغبة الإنسان في عالمٍ تسوده العدالة المُطلَقة في مقابل هذا العالم الذي يعيش فيه الظالم ويشقى فيه العادل، عالمٌ تنكشف فيه الحقيقة في مقابل هذا العالم الذي تسوده الأقنعة والدوار. وقد يكون المحكم هو الوعد والمتشابه هو الوعيد؛ نظرًا لاحتماله معنيَين؛ التخويف أو العقاب، توجيه السلوك أو تنفيذ الترهيب، والأول يحقِّق النفع الفعلي والهدف من الوعيد في حين أن عدم تحقُّق الثاني يدل على علو القدر ورفعة المنزلة. فإذا كان المحكم عقاب الفاسق، والمتشابه ما خفي عقابه، فقد يكون ذلك أيضًا لخطورة الفسق؛ أي خروج العمل على النظر وعدم تطابُق الفعل مع القول. والحقيقة أن المحكم والمتشابه دافعٌ على البحث والنظر، وصارفٌ عن الجهل والتقليد، كما أنه يدل أيضًا على درجة عالية من الفصاحة وتذوُّق اللغة، كما هو الحال في الحقيقة والمجاز، وكل جهد هو في النهاية ثواب أعظم.٦٨
أما الظاهر والمؤوَّل فإنهما يكوِّنان لب تحليل الخطاب خاصةً المؤوَّل. فالتأويل سلاح ذو حدَّين؛ يُمكِن أن يُفيد في ضبط الأحكام والاستدلال عليها؛ وبالتالي إثباتها من أجل تحقيقها، وهذا هو التأويل اللغوي، ويُمكِن أيضًا أن يقضي على الأحكام ويرفعها من أجل نفيها أو إسقاطها، وهذا هو التأويل الباطني. يقوم التأويل اللغوي على طبيعة اللغة وصلتها بالفكر، في حين يقوم التأويل الباطني على صلة اللغة بالشيء. الأول تأويلٌ أوليٌّ يبغي الصورة الفنية، بينما الثاني تأويل مادي يبغي الشيء. الأول تأويل نظري يهدف أولًا إلى معرفة المبدأ، بينما الثاني تأويل عملي يهدف إلى تغيير الواقع مباشرة. ومع ذلك فإن هدف التأويل اللغوي إحكام المبدأ النظري من أجل تحقيق الفعل، في حين أن التأويل الباطني يهدف إلى إسقاط الشرائع وإبطال الحدود. هدف الأول الخارج والتحقق، وهدف الثاني الداخل والتأمل. وتأويل الشريعة لا يعني رفعهما أو تبديلها أو تجسيمها؛ فالشرائع أفعال، والأفعال تهدف إلى تحقيق أبنية مثالية للعالم.٦٩ التأويل منهج حق قد يُراد به باطل إذا كان الغرض منه هدم الشريعة والقضاء على فاعليتها في العالم. وإذا توجَّه التأويل اللغوي إلى الأفعال فإن التأويل الباطني يتوجه إلى الطبيعة والكون؛ أي التأويل الباطني للظواهر لتأويل الطبيعة الخارجية واستشراف ظواهرها فيما وراء اللغة. التأويل اللغوي تأويل للنصوص في حين أن التأويل الباطني تأويل للطبيعة، وتأويل الطبيعة هو في الحقيقة إسقاط العواطف والانفعالات الإنسانية على ظواهر الطبيعة، فالطبيعة خالية من المعنى، والإنسان هو الذي يُسقِط من شعوره المعاني على الطبيعة كما هو الحال في اختبارات الإسقاط. وإذن كان الهدف من التأويل اللغوي تثبيت حقائق الوحي وإزالة الشك فيه، في حين أن التأويل الباطني يهدف إلى هدم حقائق الوحي وتثبيت الشك فيه لأن زعزعة النظر أُولى درجات الانسياب في العمل؛ لذلك كان التأويل اللغوي علنيًّا يُذاع، في حين أن التأويل الباطني سرٌّ يُكتَم، وبينما لا يفسِّر التأويل اللغوي إلا المعاني يفسِّر التأويل الباطني الرموز. فالنصوص كلمات، والكلمات حروف، والحروف أعداد، والأعداد أسرار.٧٠ وإذا كان التأويل اللغوي يقوم به فرد واحد، فإن التأويل الباطني يحتاج إلى معلِّم. الأول يضع حقائق موضوعية لإيصالها للناس، والثاني يستخرج الحقائق من قلوب السامعين وتوليدها منها دون إيصال حقائق له. وإذا كان التأويل اللغوي يهدف إلى معرفة الحقيقة فإن التأويل الباطني يهدف إلى التأثير على الناس. والتأثير ليس فقط منهجًا في الفهم، بل أيضًا منهج في الإقناع والإيحاء عند الخصوم للتشكيك والتضليل. لا يُعتمَد على العقل بقدرِ ما يُعتمَد على الإيحاء الباطني. فإذا اعتمد التأويل اللغوي على قواعد اللغة فإن التأويل الباطني يعتمد على التحليل النفسي والاجتماعي للسامع لمعرفة كيفية إقناعه والتأثير عليه.٧١ وإذا كان التأويل اللغوي لا يتعلق بالأحكام بقدرِ ما يتعلق بالاعتقادات، فإن التأويل الباطني يهدف إلى العمليات والنظريات معًا حتى يفك الارتباط بين الحكم والفعل بتدخل المعاني والنظريات، فيتوه العقل فيها ويفقد توجهاته العملية.٧٢ وإذا كان التأويل يعني لغويًّا العودة إلى الأصل، فإن التأويل الباطني يرجع الوحي إلى النبوة، ويرجع النبوة إلى مصدر الوحي. ومع ما في هذا من ميزة في القضاء على تشخيص الوحي في شخص النبي، فإنه مع ذلك يقع في تشخيص مُقابِل، وهو تشخيص الوحي في شخص الإمام أو في شخص الله.٧٣
والحقيقة أن التأويل له أُسُسه الاجتماعية والسياسية المحلية، وليس ناشئًا عن مصدر خارجي يوناني أو غيره، كما لم تأتِ التأويلات الباطنية من مصدر عربي سابق؛ فالنظريات لها نشأتها الاجتماعية والسياسية.٧٤ التأويل من حيث المبدأ محاولة للبحث عن الحقائق فيما وراء الألفاظ والوقائع التي تُشير إليها المعاني، ولكنه من حيث الواقع قراءة مذهب كل إنسان في النص والتعرف على نفسه فيه؛ تدعيمًا لمواقفه وهدمًا لمواقف الخصوم في مجتمعٍ النصُّ فيه سلاح وسلطة؛ فالتأويل هو منهج جبر النص للدفاع عن المذهب ثم تكييف النص حسبه؛ فالمذهب هو الأساس والنص هو الفرع.٧٥ ولما كان خلاف المذاهب هو في الحقيقة التعبير الأيديولوجي للصراع على السلطة، كان التأويل الباطني أحد وسائل زعزعة السلطة القائمة. والمعارضة التي تبنَّت التأويل الباطني إما الشعوبية التي كانت تريد إرجاع المُلك إلى العجم دون العرب، أو قبائل العرب التي لم تخرج النبوة منها. وهذه هي صفوة المعارضة أو قيادتها بالإضافة إلى العامة التي لا تقتدر على مناهج النظر وطرق الاستدلال.٧٦ وفي مقابل الباطنية تخرج الظاهرية تتمسك بظاهر النصوص.٧٧ قد يكون ذلك دفاعًا عن السُّلطة القائمة، ومنعًا لإيجاد مضمون جديد للنص غير مضمون السُّلطة، ودافعًا جديدًا له غير واقعة السُّلطة؛ وبالتالي تم «قفل» النص وتثبيته وعدم تحريكه؛ حتى لا يقوم بتوجيه الواقع وتغيير النظام القائم. وقد يصل الأمر إلى حد تكفير المتأوِّلين مثل باقي فِرَق المعارضة باعتبارها فِرقًا هالكة؛ فكل فِرقة تكفِّر الفِرق المخالفة. ولما كانت الفِرقة التي تكفِّر المتأوِّل في السلطة، والتي تقوم بالتأويل في المعارضة، كفَّرت السلطة المعارضة تحت ستار التأويل، وتحت شعار المحافظة على ظاهر النص.٧٨ وقد تُعطي شرعية الإمساك عن التأويل بتأويل بعض النصوص، كما تُعطي شرعية التأويل بتأويل نفس النص؛ فسواءٌ كان الأمر نهيًا عن التأويل أو أمرًا بالتأويل ففي كلتا الحالتَين يحتاج إلى تأويل.٧٩ والحقيقة أن التأويل ضرورة ولا يكفر من يقوم به. وحتى لا ينتج عن التأويل قول خاطئ يؤدي إلى فعل خاطئ، كانت هناك قواعد للتأويل وشروط للمفسِّر، مثل العلم باللغة العربية وبأسباب النزول والوعي بالمبادئ النظرية؛ التوحيد والعدل، والحاجات العملية لجماهير المسلمين.٨٠
وبالإضافة إلى هذه المبادئ اللغوية: العام والخاص، والمُجمَل والمبيَّن، والمُحكَم والمتشابه، والظاهر والمؤوَّل، هناك أيضًا أدلة تتجاوز اللغة إلى المعنى مباشرةً سمَّاها الأصوليون في علم الأصول دليل الخطاب أو لحن الخطاب أو فحوى الخطاب. ويعني المفهوم أو دليل الخطاب الذهابَ إلى المعنى الشامل الكلي داخل الألفاظ. ويُسمَّى أيضًا مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة؛ أي إدخال كل معنًى يتفق مع اللفظ فيه، وإخراج كل معنًى يُخالِف اللفظ منه. ويدخل في ذلك السياق؛ أي المعنى الكلي للجملة الذي قد لا تُفيده الألفاظ المفردة. فإذا لم تُفِد الألفاظ في مفرداتها فإنها تُفيد بسياقها، فلا يوجد خطاب إلا وله متعلَّق، وقد يكون متعلَّق الخطاب فيما بين السطور.٨١
ولما كانت الدلالة ليست فقط لغوية بل أيضًا فعلية، فإن تحليل الخطاب ليس هو الطريق الوحيد للدلالة، بل أيضًا أفعال النبي؛ فدلالة فعل النبي مثل دلالة الخطاب، ورؤية الدلالة مثل فهمها، وإدراك الدلالة مثل تصوُّرها. وما دام الرسول قدوة وفعل نموذج فإن دلالته تُصبِح عامة للناس جميعًا؛ فأفعاله تنفيذ لأوامر وتمثُّل لها. وإنما يكون الخلاف في وجه الدلالة؛ هل هو الوجوب أو الندب أو الإباحة؟ ومن ثَم كانت دلالة الأفعال لا تستقل بذاتها، بل هي دلالات مساعدة لدليل الخطاب حامل الدلالات الأولى. فالوحي خطاب قبل أن يكون فعلًا، ورسالة قبل أن يكون رسولًا.٨٢

وعلى هذا النحو تصب مباحث علم أصول الدين في علم أصول الفقه، ويجد النظر تحقيقه في العمل، وتهبط النبوة من الإيمان بالملائكة والغيب إلى فهم الرسالة من أجل قضاء المصالح والسعي بين الناس.

(ﺟ) تحقيق الرسالة

وكما صب علم أصول الدين في علم أصول الفقه في الأدلة الأربعة وفي تحليل الخطاب، فإنه يصب هذه المرة في علم الفقه تأكيدًا على الانتقال من المضمون النظري للنبوة إلى المضمون العملي. وتتحقق الرسالة في العبادات وفي المعاملات، في الشقَّين الرئيسيَّين لعلم الفقه. وتتركز العبادات في أركان الإسلام الخمسة، وليس المهم فيها هو إعادة تكرار المادة الفقهية، بل معرفة دلالتها على أصلَي العدل والتوحيد. ليس المهم ممارستها كمًّا، بل دلالته كيفًا، بل إن الأهم من ذلك كله هو الانتقال من أصولها النظرية في علم التوحيد إلى دلالتها العملية في العبادات في علم الفقه، إلى الممارسة العملية في المجتمعات. فالشهادتان لم يتم التركيز عليهما بالرغم من أنهما أساس باقي العملية في المجتمعات، في عمليتَي النفي والإثبات، في حركتَي الرفض والقبول، والعصيان والطاعة. وقد يكون السبب هو دخولهما في باب الأسماء والأحكام؛ أي في النظر والعمل باعتبارهما صيغة القول والإقرار. فالشهادتان ليستا باللسان والقول فقط، بل بالتصديق والفعل. ليستا في الداخل فقط في الذهن والقلب، وهو أضعف الإيمان، بل في الخارج أيضًا بالكلمة والفعل، باللسان واليد. والشهادة ضد الكتمان والصمت «ومن يكتم الشهادة فإنه آثم قلبه». والصلاة إحساس بالزمان وبأداء الفعل فيه، واقتراب من الأفعال الخلقية واجتماع وتعارف، وتباحث في أحوال المسلمين. النية شرطها حتى لا تكون نفاقًا وكسبًا للمال أو الشهرة أو الجاه أو تعمية على السرقة والنهب والاحتيال. ليست طاعة لأمير المؤمنين إمامًا، بل تأدية لواجب الأمة انتسابًا. تتلوها الزكاة؛ أي حق الجماعة على الفرد في أمواله، وسيولة للمال في المجتمع ضد اكتناز الثروات بلا استعمال. والصوم تهذيب للنفس وشحذ للإرادة وإعلان على تجاوز الإنسان لنفسه ولعالمه، وعيش على مستوى الجماعة، وإحساس بحاجات الفقراء، وبأحوال المساكين. والحج اجتماع للمسلمين في زمان ومكان معيَّن لبحث أمور الأمة ووحدتها، والممارسة العملية للوحدانية في العمل. وفوق ذلك كله يأتي ركن الجهاد الذي يتصل بالركن الأول؛ الشهادتَين، فالطرفان يلتقيان، فالشهادة والشهيد من نفس المصدر «شهد»، فالشاهد والشهيد صنوان. ويكون الجهاد من أجل فكرة قبولًا ورفضًا، ويكون بالعقل والمحاجة، ويكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون بالنصيحة، ويكون جهادًا فعليًّا؛ جهاد الأعداء في حالة الظلم والعدوان والاعتداء واحتلال الأراضي والإخراج من الديار ونهب الثروات واستباحة الحرمات وامتهان الكرامات. فإذا ما تم تحرير أراضي المسلمين ووحدتهم وأصبحوا في مثل قوة الأعداء وأقوى منهم، وتطاحَن أعداؤهم فيما بينهم وانقسموا إلى معسكرَين كبيرَين وقوتَين عُظميَين يدمِّر بعضهم بعضًا، في هذه اللحظة التاريخية، يُمكِن للأمة أن تقوم بدورة جديدة في التاريخ، تدعو إلى الإسلام. ولا تعني «الجزية» أكثر من استعلاء المسلمين ووصولهم إلى درجة أخذ زمام المبادرة في التاريخ، ولا يجوز الصلح مع العدو المحتل أو الاعتراف به وإنهاء الحرب معه، وواجب الإمام سد الثغور وبناء الجيوش وإعداد الأمة لرد الظلم والعدوان. وفي هذه الحالة يكون الجهاد فرض عين لا فرض كفاية، لا يسقط عن أحد لأن الآخرين يقومون به وإلا كان من المتخلِّفين القاعدين. الجهاد تتويج للنبوة في الأرض وتحقيق للرسالة في التاريخ.٨٣
أما المعاملات فإنها تنقسم إلى الأحوال الشخصية أي أحكام الفروج، والأحوال العامة أي أحكام العاملات، والقانون الجنائي أي أحكام الحدود، والقانون المدني أي المحرمات والمباحات، ثم أحكام الأموات. وليس المهم في هذه الأحكام ذِكر الأنماط المثالية لها، يقرأ الإنسان فيها أمانيه ويجد فيها تعويضًا عن مآسيه. يجد فيها الحاكم فرصة للمزايدة على الإيمان، ووسيلة لتغطية نظام حكمه والتستر عليه بستار الإسلام، بل المهم هو ذكر أحوال الناس، وكيف أن تطبيق الشريعة الإسلامية هو السبيل لإعطاء الناس حقوقهم قبل مطالبتهم بأداء واجباتهم. ليس المهم عرض أحكام النكاح والرجعة والطلاق والخلع والظهار والإيلاء والعدة واللعان والرضاع والمهر ونفقات الأزواج، بل المهم معرفة أوضاع الأزواج ومشاكل طالبي الزواج من مَسكَن وقوت وأوضاع المطلَّقات أو الموقوفات، فلا هن متزوِّجات ولا مطلَّقات، وأوضاع دور الحضانة، وارتفاع المهور. وهناك فرق بين الشريعة، المبادئ العامة المنصوص عليها والتي لا تتغير، والفقه الذي هو اجتهاد الفقهاء والمشرِّعين في كل عصر. الأول ثابت، والثاني متغيِّر. فإذا تغيَّرت الظروف اليوم فمهمة المجتهد تجديد الفقه في ضوء الشريعة، خاصةً فيما يتعلق بقوانين الطلاق وتعدد الزوجات، طالما نقص التعليم وقتل الوعي الديني، كما أن الخلاف بين الفِرَق القديمة حول أحكام الفروج خلاف تاريخي صرف؛ فلا الفِرَق موجودة ولا أحكامها مطبقة. وتغيُّب الفِرَق الجديدة بالرغم من حضور المشاكل المعاصرة.٨٤ أما أحكام المعاملات فقد غلبت عليها أحكام التجارة أولًا فالزراعة ثانيًا. وبطبيعة الحال أن تقل منها أحكام الصناعة والتعدين. وقد كثرت مشاكل المال والتجارة وتعقَّدت النُّظم البنكية والنقدية، وأصبحت عملات المسلمين، أو على الأقل فريق منهم، لا قيمة لها بين عملات الفريق الآخر القوية في البنوك الأجنبية يستثمرها أعداء المسلمين. وعظمت مشاكل الزراعة، ومات فريق من الأمة جوعًا وقحطًا، بينما يموت الفريق الآخر بِطنةً وشبعًا. واتسعت الأراضي القاحلة، وقلَّت الأراضي الزراعية، وزاد عدد الفلاحين حتى لقد احتاج الأمر إلى إعادة نظر في الملكية الزراعية. فكما أن الأرض لمن يُصلِحها، فالأرض لمن يفلَحها، ولا نصيب للمُلاك الغائبين في الأرض. وإن أخذ جزء من عمل الفلاح الأجير من جرَّاء كرائه الأرض لهو سلبٌ لعمله من مالكٍ لم يعمل وله مصدر رزق آخر في المدينة. وإذا كان القدماء قد عرفوا الذهب والفضة والنحاس والحديد، فقد عرفنا نحن النفط الذي تنطبق عليه نظرية الركاز؛ أي إن كل ما في باطن الأرض ملك للأمة، وليس لأمير أو قبيلة أو نظام. وقد تفاوَتت الدخول بين الأغنياء والفقراء لدرجة التفاوت بين السماء والأرض؛ مما تطلَّب إعادة توزيع الدخول بين المسلمين.٨٥ أما أحكام الحدود فليس القصد منها تخويف المسلمين وإرهابهم من الشريعة الإسلامية، أو حماية الأغنياء من غضب الفقراء، أو تطبيقها عليهم وحدهم دون الشرفاء، وليس صلبها حد الزاني وشارب الخمر، بل حد السارق والقاهر والظالم؛ فقد أتت الشريعة لاسترداد حقوق الضعفاء من الأقوياء. وإن الهدف من الحد هو البحث الاجتماعي أولًا قبل تطبيقه لمعرفة السبب؛ فقد يكون هناك مانع من تطبيقه.٨٦ أما المحرَّمات والمباحات فليس المقصود منها تكبيل الطبيعة بالأغلال، بل العودة إلى البراءة الأصلية في المباحات، والتعبير عن مقتضيات الطبيعة في الواجبات.٨٧ وإن أحكام الأحياء في النهاية من مَأكل ومَسكن ومَلبس لَأولى من أحكام الأموات من غسل وكفن ودفن.٨٨
١  أصل التوحيد وما يصح الاعتقاد به؛ آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله … (الفقه، ص١٨٤؛ التوحيدية، ص٢؛ الجامع، ص٢).
٢  الجامع، ص٢؛ الفقه، ص١٨٣؛ التوحيدية، ص٢، انظر أيضًا الباب الثاني: الإنسان الكامل، الفصل الخامس: الوعي الخالص (الذات)، الفصل السادس: الوعي المتعين (الصفات)، رابعًا: إلهيات أم إنسانيات، (٥) التوحيد العملي. وانظر أيضًا دراستنا «الله والأرض»، في «اليسار الإسلامي»، العدد الثاني، ١٩٨٨م.
٣  الجامع، ص٢.
٤  الجامع، ص٢.
٥  النسفية، ص١٣٨؛ العقيدة، ص٢١-٢٢.
٦  الباب الأول: المقدمات النظرية، الفصل الرابع: نظرية الوجود، (٤) هل هناك جواهر مفارقة؛ النفس والعقل؟ (ﺟ) هل هناك جن وشياطين؟ وأيضًا هذا الفصل، ثامنًا: الشخص أم الرسالة؟ (١) النبوة كشخص، (ﺟ) تفضيل الأنبياء.
٧  وذلك مثل محمد بن عبد الوهاب في «كتاب التوحيد»، وأيضًا حسين الجسر في «الحصون الحميدية».
٨  إن الله خلق أجسامًا لطيفة نورانية، تُسمَّى ملائكة، قادرة على التشكل وبأي شكل أرادت. من المُمكِن الجائز عقلًا أن الله عظيم القدرة واسع العلم، قد خلق الملائكة من مادة لطيفة كمادة الهواء الأثير، الذي يقول به المتأخِّرون من أنه مادة لطيفة جدًّا مالئة الكون لا تُرى. وقد كوَّنهم سبحانه من تلك المادة وجميع أجزائهم بكيفية صالحة لتلك الخواص والشئون التي ذكرناها لهم، كما كوَّن سبحانه الحيوان من العناصر الجمادية بكيفيةٍ أكسبَته قبول الحياة وجمع قواها من الإدراك والحركة وغير ذلك، بعد أن لم يكن للعناصر شيء من ذلك، ويحتمل حينئذٍ أن عدم رؤيتنا إياهم لشفافتهم ولطافتهم كالهواء والأثير. على أن الأمر ظاهر جدًّا على ما ثبت لدينا معشر المسلمين، من أن الرؤية بمحض خلق الله؛ فمن المُمكِن أن الله لا يخلق رؤيا لهم عند مرورهم أمامنا، ثم إن اقتدارهم على التشكل، مع أنه جائز عقلًا داخلًا تحت تصرُّف قدرة الله، يُمكِن توجيهه وبيان كيفيته تقريبًا بإمكان العقول. إن الله كوَّن تلك الأجسام على كيفيةٍ يقتدرون بها على تناوُل كمية من الهواء أو الأثير أو نظير ذلك، وتكثيفها وتكوينها على الصورة التي يريدونها، ثم يلبسونها كما يُلبَس الثوب، فيظهرون للأبصار بتلك الصور في الأعمال الكيماوية التي أقدر الله البشر عليها، من تحويلات الأجسام إلى بعضها، كتحويل الكثيف لطيفًا واللطيف كثيفًا، ما يقرِّب فهمَ ما قرَّرنا إلى العقول. وحيث إن تشكُّل تلك الأجسام كيفما كان هو مُستنِد إلى عظمة قدرة الله الذي تُدهِش أعماله الآن، قارٌّ فيما أعطاه للحيوان والنبات من الخواص، فلا غرابة في ذلك. وكل مؤمن بذلك الإله وبعظيم قدرته وواسع علمه لا يستبعد حصول ما ذكر للملائكة (الحصون، ص١١١–١١٣). ولكنهم يتشكلون بأشكال مختلفة، ويظهرون في صور وتماثيل لطيفة (المرجاني، ج٢، ص٢٢٢). أجسام لطيفة، هذا ما أحدثه النظَّام أخذًا من قدماء الفلاسفة، إلا أنه لما تقاصَر نظره مال إلى مذهب الطبيعيين منهم (المرجاني، ص٢٢٢). ذهب الحكماء إلى أنها عقول مجردة (الخلخالي، ص٢٢٢). وحقيقتهم عند أكثر المسلمين أنهم أجسام لطيفة، أعطاهم الله القدرة على التشكل بأشكال مختلفة (الحصون، ص٨٢). الملَك جسم لطيف روحاني نوراني، له القدرة على التشكلات الجميلة (شرح الخريدة، ص٥٦-٥٧؛ المطيعي، ص٦٠). هي أجسام لطيفة قادرة على التشكلات المختلفة (الدواني، ج٢، ص٢٢٣). هي أجسام لطيفة روحانية، خُلِقوا من نور (الجامع، ص١٦). إنهم أجسام لطيفة هوائية، تقدر على التشكل بأشكال مختلفة (شرح الفقه، ص١١١). وذكر الحكماء أن جميع الصور العلمية فائضة من جانب العقل العاشر الذي هو جبريل بلسان الشرع … خصوا الملائكة بالعقول العشرة التي جميع كمالاتها بالفعل. الملائكة عند الفلاسفة هي العقول المجردة والنفوس الفلكية. ويخص باسم الكروبين ما لا يكون له علاقة مع الأجسام ولو بالتأثير. غرض النفوس الفلكية من التحريكات الدورية تحصل الكمالات، والتشبيه بالعقول المجردة في أن تكون جميع كمالاتهم بالفعل عندهم بالعقل؛ ففي كل دورة تزداد كمالاتهم والأكمل أقرب (الكلنبوي، ج٢، ص٢٢٤).
٩  لا يُوصَفون بالذكورة ولا بالأنوثة (النسفية، ص١٣٧). وزعم عبَدة الأصناف أنهم بنات الله محالٌ باطل وإفراط في شأنهم، ولم يرِد بذلك نقل ولا دل عليه عقل (التفتازاني، ص١٣٧). عدم ورود نقل، وعدم دلالة عقل في الذكورة والأنوثة لا نفيًا ولا إثباتًا، يقتضي عدم الوصف بالذكورة والأنوثة، وعدم الوصف بنفيهما أيضًا؛ لأن عدم الدليل على شيء من الطرفَين يقتضي التوقف. لا دلالة لقوله: أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (٣٧: ١٤٩)، وَيَجْعَلُونَ لِلهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (١٦: ٥٧)، أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (٣٧: ١٥٣)، أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (٤٣: ١٦)، أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٥٢: ٣٩) على نفي الأنوثة؛ لأنه يحتمل أن يكون الذم على جعل الجميع إناثًا، وليس لك أن تستدل على الوصف بالذكورة والأنوثة بأن ظاهر استثناء إبليس عن الملائكة دل على أنه ملَك، وإثبات الذرية في قوله: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ (١٨: ٥٠) دل على أنه له أنثى، فثبت الذكر والأنثى للملَك؛ لأن الاستثناء يُعارِضه ما يُخرِج دلالته على الملائكة عن كونها قطعية. ولعل جعلهم الملائكة بنات الله؛ لسترهم عن الأعيان، وذلك يليق بالبنات؛ ولذلك ظهر عيسى ولم يستتر (الخيالي، ص١٣٧). ومنزَّهون عن صفة الذكورية ونعت الأنوثية، وقد أنكر الله في كتابه على من قال إنهم بنات (شرح الفقه، ص١١١). ولله ملائكة لا تذكَّر ولا تؤنَّث (العضدية، ج٢، ص٢٢٢–٢٢٥).
١٠  وأنها تقطع المسافات التي بين السموات والأرض في مدة قصيرة جدًّا، وأنها تمر أمامنا ولا نراها، وأنها تفعل أفعالًا عظيمة تعجز عنها قوى البشر، فبعد النظر إلى أعمال الرياح التي تقلع الأشجار العظيمة وتهدم الأبنية الجسيمة، وأعمال القوة الكهربائية التي تجر الأثقال التي يعجز عنها ألوف الرجال، لا نجد في نسبة تلك الأعمال للملائكة مع أنها أجسام لطيفة شيئًا من الغرابة، لا سيَّما وأن الذي يقدر منهم على تلك الأعمال هو الله الذي لا يُعَد ذلك بالنسبة إلى عظيم قدرته شيئًا صعبًا. وإذا نظرنا إلى أن بعض الناس يكسر بقوة ذراعه الحديد، وما قوة ذراعه إلا عمل أعصابه مع عضلاته التي تنتهي أخيرًا إلى مخه اللطيف النحيف، الذي هو مبدأ حركة الأعضاء على ما يقوله أولئك الفلاسفة، والمخ للطافته لا يتحمل أذى مُصادَمة من جسم غريب، بل صعود نقطة دم زائدة على القدر اللازم قد تُفسِده وتُعدِم صاحبه الحياة؛ ظهر لنا أن الله قادر على إعطاء لطيف قوة لا تُوجَد في الصلب الكثيف (الحصون، ص١١١–١١٣).
١١  وأما أن الملائكة يقطعون المسافات الشاسعة بين الأجسام السماوية بينها وبين الأرض بمدة قصيرة جدًّا، فنقول لا مانع منه عقلًا؛ لأن سرعة الحركة ليست محصورة بمدة يسيرة. فلينظر إلى ما قاله أولئك الفلاسفة من أن الجسم الساقط إلى الأرض في أول ثانية من سقوطه تكون سرعته ست عشرة قدمًا، وإذا كان سقوطه من الشمس تكون سرعته في تلك الثانية أربعمائة وخمسين قدمًا، ثم إن الجسم يسقط في أي عدد كان من الثواني بعد الثانية الأولى، ما يساوي مقدار ما يسقط في الثانية الأولى، مضروبًا في مربَّع ذلك العدد من الثواني. فالتأمل في هذا الناموس يُعلِم ما تبلغه سرعة حركة الأجسام من العظمة التي يحتار فيها الفكر. وكذلك عندهم في علم الهيئة أن نجم المشتري يجري ثلاثين ألف ميل في الساعة؛ أي أسرع من قلة مدفع ثمانين مرة، فيجري تسعة أميال كُلَّما تنفَّس الإنسان، وسرعة أجزائه الاستوائية في دورانه على محور أربعمائة وسبعة وستين ميلًا كلَّ دقيقة؛ ففي الساعة يقطع كل جزء من تلك الأجزاء سبعة وعشرين ألفًا وتسعمائة وعشرين مرة. والمشتري أكبر من أرضنا بألف وأربعمائة مرة على ما يقوله الفلكيون منهم. فالذي جعل هذا الجسم الكثيف العظيم، وكل جزء من أجزائه الاستوائية تقطع تلك المسافة الشاسعة في تلك المدة الجزئية، لا بد من قدرته أن يجعل الملَك يقطع تلك المسافات بين السموات والأرض في مدة قليلة جدًّا وإن كانت هذه المسافات أكبر بكثير من المسافات التي يقطعها المشتري وأجزاؤه، لكن النظر الصحيح في سَير ذلك الكوكب يُقنِع العقل بأن قدرة الله الذي سيَّره ذلك السَّير صالحةٌ لأعظم ما يكون من جنس هذا العمل، لا سيَّما وناموس الأجسام الساقطة قد بيَّن عِظَم سرعة حركة الأجسام. إن قيل: إن سير المشتري هو بواسطة الجاذبية التي ينسبون إليها أعمالًا عظيمة في الكائنات، وهم يعجزون عن الإفصاح عن حقيقتها، وعما هو المُوجِب لقيامها في الأجسام، وغاية ما يكون منهم أنهم يقولون بها لتعليل الحوادث التي حيَّرت عقولهم، من نحو النظام الشمسي؛ أي دوران الكواكب حول الشمس وغيره، وبعد تسليم ثبوتها. نقول: مَن الذي أوجدها وجعلها خاصة الأجسام، وأنشأ عنها تلك الحوادث العظيمة في الكائنات؟ أغيرُ الله الذي أبدع الخلق من العدم، ووضعه على أتم نظام وأسمى حكم؟ فإذا كان ذلك الإله قادرًا على إيجاد مثل هذه الجاذبية، وإحداث حركات الأجسام السريعة عنها، فلا يعجز أن يجعل الملَك يقطع تلك المسافات في مدة وجيزة؛ إما بخاصة وضعها فيه، وإما بغير خاصة، فالكل جائز عقلًا وقدرته صالحة لكلا الأمرَين (الحصون، ص١١٣-١١٤). ودلَّت النصوص أيضًا على الأعمال الشاقة العظيمة التي يعجز عنها ألوان البشر، إلى غير ذلك مما ورد في حقهم القرآن والأحاديث (الحصون، ص٨٢).
١٢  مَسكنهم السموات (الحصون، ص٨٢). مَساكنهم السموات أو مسكن معظمهم، وهذا قول أكثر المسلمين (شرح الفقه، ص١١١).
١٣  ويجيء الملائكة صفًّا صفًّا (الإنصاف، ص٢٨). لكل واحد منهم مقام معلوم (العضدية، ج٢، ص٢٢٢–٢٢٥). لزيادة فضلهم وشهرتهم، لكل واحد منهم مقام معلوم في المعرفة والقرب والائتمار بأمر من أوامر الله. قيل إنهم لا يترقَّون ولا ينزلون عن مقاماتهم. وهذا هو مذهب الحكماء وبعض المتكلِّمين. وقيل إن القرآن لا يدل على نفي الترقي، بل يجوِّز الترقي. وقال جبريل ليلة المعراج: لو دنَوتُ منزلةً لاحترقت (الدواني، ص٢٢٢–٢٢٥).
١٤  والملائكة عباد الله العاملون بأمره (النسفية، ص١٣٧). لا يعصون ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (العضدية، ج٢، ص٢٢٢–٢٢٥). وقال هشام في الملائكة إنهم مأمورون منهيون (مقالات، ج١، ص٢٢٦). لا يأكلون ولا يشربون ولا يبولون ولا يتغوطون، ولا يلد بعضهم بعضًا؛ لأنهم لا يُوصَفون بالذكورة ولا بالأنوثة، مَسكنهم السموات العُلى، ولا يقع منهم الذنب في حالة من الحالات، ولا يغفلون عن ذكر الله في ساعة من الساعات، معصومون من جميع المحرَّمات والمكروهات بأسرهم حتى هاروت وماروت (الجامع، ص١٦). وقد اتفق أئمة المسلمين، كما يُؤخَذ من الشفاه الشريفة، على عصمة المُرسَلين منهم بالوحي إلى أنبياء البشر، كما عصم الأنبياء، لكن اختلف العلماء في عصمة غير المُرسَلين من الملائكة. قال الرازي والجمهور الأعظم من علماء الدين على عصمة الملائكة من جميع الذنوب (الحصون، ص٨٢). وضد قول اليهود بأن الواحد منهم قد يرتكب الكفر، ويُعاقِبه الله بالمسخ تفريطًا وتقصيرًا في حالهم (التفتازاني، ص١٣٧).
١٥  الملائكة لا يرَون ربهم سوى جبريل يراه مرة واحدة. قيل إن كانوا موحِّدين لمَ لا يرَون ربهم؟ قال: لأن الرؤية فضل من الله، والله يؤتي الفضل من يشاء ومن كنز العباد، ولو لم يرَوا، أي الملائكة، ربهم لكان فيه تفضيل للعاصي المُعاقَب على الرسل، وهذا لا يجوز، فتكون الرؤية ثابتة في حق جبريل وميكائيل وإسرافيل وكذا في حق سائر الملائكة. وقال بعضهم يُتوقَّف فيه؛ لأنه لم يُوجَد النص في حق الملائكة، فلا يجوز المنع لعدم الدليل، فيُتوقَّف فيه (الدر، ص١٥٦). ليس لهم حظ من نعيم الجنان، ولا من رؤية الرحمن (شرح الفقه، ص١١١).
١٦  وسئل عن الملائكة؛ لهم ثواب وعقاب؟ قال: نعم، إلا أن عقابهم كعقاب الآدميين، وثوابهم ليس كثوابهم؛ لأن الثواب التلذذ، ولذتنا في الدنيا بالشراب والطعام، وكذلك في الآخرة. وتلذذ الملائكة بالطاعة ونحوها في الدنيا، فكذا في الآخرة. أما الملائكة فمن وُجِد منه الكفر فهو من أهل النار، كإبليس عليه اللعنة، ومن وُجِد منه المعصية دون الكفر فعليه العقاب، كقصة هاروت وماروت، ومن وُجِد منهم الطاعة فهو من أهل الجنة ولا ثواب له (الدر، ص١٥٨).
١٧  ويجب الإيمان بهم إجمالًا فيمن عُلِم منهم إجمالًا وتفصيلًا، فيمن عُلِم منهم تفصيلًا بالشخص كجبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل، وهم رؤساء الملائكة، ومنكر ونكير ورضوان خازن الجنان ومالك خازن النيران؛ أو بالنوع كحملة العرش وأعوان السيد عزرائيل، والحفظة وهم ملائكة موكَّلون بحفظ البشر ولو صغيرًا أو كافرًا من الجن … والكتبة وهم ملائكة يكتبون على المكلَّف جميع ما صدر منه من قول ولو نفسًا وفعل واعتقاد، لا يُفارِقونه إلا في حالة الجماع والغُسل والخلاء، والمشهور أنهما ملَكان يُسمَّى أحدهما الرقيب والثاني العتيد … ولكل يوم وليلة ملَكان يتعاقبون عند صلاة العصر وصلاة الصبح، وقيل بل هما ملَكان فقط لا يتغيران ما دام حيًّا، فإذا مات جلسا على قبره يستغفران له إن كان مؤمنًا، ومحلهما من الإنسان عاتقاه، وقيل ذقنه، وقيل شفتاه، وقيل عنقه، وقيل الناجدان، وقيل إن الكتبة الحفظة بالجملة، والواجب اعتقاده أن على الإنسان حفظة وكتبة على سبيل الإجمال (شرح الخريدة، ص٥٦-٥٧). وقد وردت النصوص الشرعية بما يُفيد أنهم أقسام؛ فمنهم حملة العرش، ومنهم الحافون حول العرش، ومنهم أكابر الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومنهم ملائكة الجنة، ومنهم ملائكة النار، ومنهم الموكَّلون ببني آدم، ومنهم كتبة الأعمال، ومنهم الموكَّلون بأحوال هذا العالم بالتدبير، ومنهم رسول الله إلى أنبيائه بالوحي (الحصون، ص٨٢). وأما على التفصيل فتعرف منهم عشرة: جبرائيل، وميكائيل وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيبًا، وعتيدًا، ومنكرًا، ونكيرًا، ومالكًا، ورضوان. وهم على أربعة أقسام؛ المتصرِّفون وهم أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل؛ الحافظون وهم اثنان: رقيب وعتيد؛ الفاتنون وهم اثنان: منكر ونكير؛ الخازنون وهم اثنان: مالك ورضوان (الجامع، ص١٦-١٧). أيضًا (المطيعي، ص٦٠؛ الدردير، ص٥٠–٥٤؛ الدوائي، ص٢٢٢–٢٢٥). لا يعلم عددهم إلا الله، ولا يلزم تعيين أشخاصهم (العقباوي، ص٥١). ولا يعلم عددهم إلا الله (الجامع، ص١٦).
١٨  جبريل موكَّل بالوحي؛ أي النبي الذي يأتي من عند الله للرسل والأنبياء (الجامع، ص١٦). جبريل أمين الوحي (الدردير، ص٥٠). جبرائيل ملك مقرَّب يتعلق بإلقاء العلوم وتبليغ الوحي، وهو اسم مشتق من الألوكة وهي الرسالة؛ سُمُّوا بهم لأنها رسائل بين الله وبين الناس … وكان المراد تعدُّد الأجنحة لا الحصر في هذه الأعداد؛ لما رُوِي أنه رأى جبريل ليلة المعراج، وله ستمائة جناح (الدواني، ج٢، ص٢٢٢–٢٢٥؛ الكلنبوي، ج٢، ص٢٢٤). جبريل اسم سرياني بمعنى عبد الله أو الرحمن أو العزيز، له ستمائة جناح، ومن ورائها جناحان أقفران لا ينشرهما إلا ليلة القدر، ومن ورائهما جناحان ينشرهما عند هلاك القرى، كقلع مدائن قوم لوط، ينزل عند طلوع روح من يريد الله موته على الإيمان، فيقول له بعد أن يمسح وجهه: يا فلان، أنا جبريل وهؤلاء الفتانان من الشياطين، مت على الحنيفية السمحة؛ أي الملة السهلة، ما شيءٌ أحب على الميت من ذلك (العقباوي، ص٥١). إن جبريل يُجيبهم … أول من يرفع رأسه جبريل، يقوم أهل السموات كلهم لأنهم يسألونه … جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله (الكتاب، ص٣٦). وقد تكون الأجنحة للجميع مثنى وثلاث ورباع كالزوجات (العضدية، ج٢، ص٢٢٢–٢٢٥).
١٩  وميكائيل موكَّل بالأمطار والبحار والأرزاق وتصوير الأجنة في الأرحام، ولا تأثير له في ذلك (الجامع، ص١٦-١٧). ميكائيل أمين الأمطار (الدردير، ص٥٠–٥٤). ميكائيل يتعلق به تعيين الأرزاق (الدواني، ج٢، ص٢٢٢–٢٢٥).
٢٠  وإسرافيل موكول باللوح المحفوظ والنفخ في الصور، والصور قرن من نور فيه ثقوب على عدد أرواح من يموت، فينفخ فيه نفختَين؛ فالنفخة الأولى تفنى منها جميع الخلائق إلا من شاء الله، وهم المُستثنَيات السبع: العرش، الكرسي، اللوح المحفوظ، القلم، الجنة، النار، الأرواح؛ والنفخة الثانية تُبعَث فيها الخلائق، وما بين النفختَين أربعون سنة (الجامع، ص١٦-١٧). إسرافيل أمين الصور (الدردير، ص٥٠–٥٤). وإسرافيل يتعلق بنفخ الصور للموت والبعث (الدواني، ج٢، ص٢٢٢–٢٢٥).
٢١  عزرائيل موكَّل بقبض أرواح الخلائق؛ أي كل ما له روح ولو قملة أو بعوضة أو برغوثًا ولا تأثير له في ذلك (الجامع، ص١٦-١٧). وعزرائيل أمين قبض الأرواح (الدردير، ص٥٠–٥٤). وعزرائيل يتعلق به قبض الأرواح (الدواني، ج٢، ص٢٢٢–٢٢٥).
٢٢  ومنكر ونكير الموكَّلون بسؤال القبر، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار، فهؤلاء يجب معرفتهم بالشخص. وأما حملة العرش، وأعوان سيدنا عزرائيل، والحفظة الموكَّلون بحفظ البشر الصغير والكبير والكافر يحفظونهم من الجن، والكتبة الذين يكتبون الخير والشر، ومن فضل الله أن ملك الحسنات يمنع ملك السيئات الكتابة ست ساعات؛ لعل العبد يتوب ولا يكتب عليه، فإذا مات العبد جلسوا على قبره يستغفرون له إن كان مؤمنًا. فهؤلاء يجب معرفتهم بالنوع (الدردير، ص٥٠–٥٤).
٢٣  وسوس الشيطان في بدر لبعض المسلمين، وقال: تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبي الله وأنكم أولياء الله، وقد قلبكم المشركون على الماء وأنتم عطاش، وتُصلُّون مُحدِثين مُجنِبين، وما ينتظر أعداؤكم إلا أن يقطع العطش رقابكم ويُذهِب قواكم، فيتحكمون فيكم كيف شاءوا. فأرسل الله عليهم مطرًا وسال منه الوادي، فاغتسلوا وشربوا وشرب دوابهم وملئوا الأسقية ونبت المطر ملء الأرض … وكان مع المسلمين سبعون من الجن وثلاثة آلاف من الملائكة مُردِفين يتبع بعضهم بعضًا، ثم كملت خمسة آلاف، فتمثَّلوا برجال بِيض على خيلٍ بُلقٍ عمائمهم بيض، قد أرخَوا أطرافها بين أكتافهم. وقيل سود، وقيل صفر، وقيل حمر، وقيل خضر، فكأنهم أنواع. وكان قتلهم يُعرَف بأثر السواد في الأعناق والبنان؛ أي المفصل، مثل حرق النار، وكان إبليس مع المشركين قد صُوِّر بصورة سراقة بن مالك، وكان معه راية، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم؛ أي مُعِين لكم. فلما أقبل جبريل والملائكة نكص على عقبَيه وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون. وصار يقول: اللهم إني أنشدك أني من المُنظَرين. وتبسَّم الرسول في صلاته فسألوه عن ذلك، فقال: مرَّ بي ميكائيل وعلى جناحه أثر الغبار وهو راجع من طلب القوم، فضحك، فابتسمت إليه. وجاء جبريل بعد القتال على فرس أحمر، عليه درعه ومعه رمحه، فقال: يا محمد، إن الله بعثني إليك، وأمرني ألا أُفارِقك حتى ترضى. هل رضيت؟ قال: نعم. والحكمة في قتال الملائكة وحضورهم مع المسلمين مع أن الملك الواحد كجبريل يقدر على رفع الكفار، بل على اقتلاع الأرض، أن تكون الملائكة عددًا ومددًا لجيش المسلمين على عادة مدد الجيوش، رعايةً لصورة الأسباب التي أجراها الله بين عباده. قال ابن عباس: لم تُقاتِل الملائكة إلا يوم بدر، ولكنها تحضر في كل قتال من قتال الكفار إلى يوم القيامة لتكثير سواد المسلمين … ثم الملائكة الذين شهدوا بدرًا أفضل ممَّن لم يشهدها منهم، وقياسه أن يُقال كذلك في مؤمن الجن (البيجوري، ج٢، ص٤٧–٤٩).
٢٤  ومنها يوم غزوة بدر أن مشى الرسول في موضع المعركة، وجعل يُشير بيده: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله. فما تعدَّى أحد منهم موضع إشارته، كما أخذ الرسول كفًّا من حصًى، فرمى به المشركين، وقال: شاهت الوجوه، أي قبحت، اللهم أرعب قلوبهم وزلزل أقدامهم. فأصاب أعين جميعهم وانهزموا، ورسول الله يقول: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى ورمى الرسول عقبة بن أبي وقاص بحجر فكسر رباعيته، فلم يُولَد من نسله إلا أهتم أبحر، ودخلت حلقتان من المغفر في وجنته، فأخرجهما أبو عبيدة بأسنانه، فسقطت ثنيتاه، فكان أحسن الناس هتمًا (البيجوري، ج٢، ص٤٧–٤٩).
٢٥  وأنه تعالى خلق أجسامًا أخرى تُسمَّى جنًّا تُشابِه الملائكة المذكورين في بعض خواصها، من نحو الاقتدار على التشكيل، والاحتجاب على الأبصار، والاقتدار على أعمال عظيمة، ولكنها تُخالِفهم بأنها ليست نورانية مثلهم، وأنها مكلَّفة كالبشر؛ فمنهم المؤمن الطائع والعاصي والكافر، وليُعلَم أن جميع ما قرَّرناه في حق الملائكة يُقال مثله في شأن الجن من القدرة على التشكل، والأعمال العظيمة، وقطعهم المسافات الطويلة في برهة قليلة، وعدم رؤيتنا لهم (الحصون، ص١١١–١١٤). يجب الإيمان بالجن وهم أجسام لطيفة نارية، لهم قدرة على التشكلات (شرح الخريدة، ص٥٦-٥٧). واختلفوا؛ هل الملائكة جن أم ليسوا بجن؟ فقال فريق هم جن لاستتارهم عن الأبصار، ومن هذا قيل للجنين إنه جنين. وقال فريق آخر إنهم ليس بجن (مقالات، ج٢، ص١١٥).
٢٦  في رد الشُّبه عن النصوص الواردة في شئون الملائكة والجن. وجوب الإيمان بالملائكة. وروت النصوص الشرعية متواترة أو مشهورة وأحاديث آحادية، لكن كثرتها وتعدُّد طرقها بلغ ما يُستفاد منها درجة التواتر … وقد وردت شُبَه على وجود الملائكة والجن وشئونهم، من نحو الاقتدار على التشكل والأعمال الشاقة، مع أنهم أجسام لطيفة، وغير ذلك من بعض الفلاسفة المتقدمين وقبلهم المتأخرون. ونقول في بيان رد تلك الشُّبهة وإظهار أنها أوهام، لا تقوم لدى الإيمان بعظمة قدرة الله على إيجاد الملائكة والجن في تلك الشئون والأحوال (الحصون، ص١١١-١١٢). فإن قيل بيِّنوا مذهبكم في الجن والشياطين. قلنا: نحن قائلون بثبوتهم، وقد أنكرهم معظم المعتزلة دون إنكارهم إياهم على قلة مبالاتهم وركاكة دياناتهم، فليس في إثباتهم مستحيل عقلي، وقد نصَّت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم، وحق اللبيب والمُعتصِم بحبل الدين أن يُثبِت ما قضى العقل بجوازه، ونص الشرع على ثبوته، ولا يبقى من يُنكِر إبليس وجنوده والشياطين المسخَّرين في زمن سليمان، كما أنبأ عنهم آيٌ من كتاب الله لا يُحصيها مسكة في الدين وعُلقة يتشبَّث بها (الإرشاد، ص٣٢٣). وأما قصة مجيء عرش بلقيس من بلاد اليمن إلى مجلس سليمان في لمحة طرف، فقد وردت هذه القصة في القرآن، وأنها جرت على يد من عنده علم من الكتاب؛ فبعض المفسِّرين قال إنه آصف بن برخيا وزير سليمان، فيكون مجيء ذلك العرش كرامة أظهرها الله على يده؛ لأنه من أولياء الله، وبعضهم قال إنه نفس سليمان، فيكون ذلك مُعجِزًا أظهره الله على يدَيه؛ إذ هي أمر خارق للعادة. ومن تأمَّل في هذا المقام، وظهر لديه أن سرعة حركة الأجسام مهما بلغت فهي من الجائزات العقلية الداخلة تحت تصرُّف قدرة الله، فلا يصعب عليه الإيمان بهذه القصة (الحصون، ص١١٥). في بيان الإيمان بالملائكة … يجب على كل مكلَّف شرعًا الإيمان بالملائكة، وهو أن يعتقد اعتقادًا جازمًا بوجودهم، وأنهم عباد الله المؤمنون به المكرَّمون، لا يسبقون بالقول وهم بأمره يعملون، يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يُؤمَرون. وقد وردت النصوص الشرعية بجميع ذلك (الحصون، ص٨٢). ويدخل في كلمة الرسالة الإيمان بالملائكة، فيجب الإيمان بأن لله ملائكة (المطيعي، ص٦٠). أصل التوحيد وما يصح الاعتقاد عليه يجب أن يقول آمنت بالله وملائكته (الفقه، ص١١). وبالإضافة إلى إنكار المعتزلة للملائكة أبطلت الباطنية أيضًا القول بالملائكة في السماء والجن في الأرض (الفِرَق، ص٢٩٦). والحنفية على خلافه؛ لأنه لم يتكلم عليه الشارع، فالواجب علينا أن نقف حيث وقف بنا، وننتهي إلى الحد الذي بيَّن لنا بالإمساك عن أمره والطي على غيره (المرجاني، ج٢، ص٢٢٢؛ وأيضًا الجامع، ص٢؛ الفقه، ص١٨٤؛ التوحيدية، ص٢).
٢٧  ذُكِر لفظ «الملائكة» في القرآن ٩٣ مرة؛ ١٣ مرة مُفرَدًا، ٢ مرة مثنى، ٧٨ مرة جمعًا؛ منها ٥ مرات مُضافة إلى ضمير الملكية «ملائكته»، ولم تُذكَر من هذه المرات كلها كإحدى قواعد الإيمان إلا ثلاث مرات؛ مرتَين للإيمان: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ (٢: ١٧٧)، كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ (٢: ٢٨٥)، ومرة واحدة ضد الكفر: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (٤: ١٣٦). وفي كثير من الاستعمالات تُرَد الملائكة إلى حجمها الطبيعي ودورها في السجود إلى الإنسان وإلى الله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ (٢: ٣٤)، (١٧: ٦١)، (١٨: ٥٠)، (٢٠: ١١٦)، ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ (٧: ١١)، وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا (٣٠: ٨٨)، لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ (٤: ١٧٢)، فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (١٥: ٣٠)، (٣٨: ٧٣)، وَلِلهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٦: ٤٩). أمَّا استعمالات الاستحالة التي ترجع إلى الإنسان، فمثل: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ (٦: ٨)، قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (١٧: ٩٥). وآيات إخبار الله للملائكة، مثل: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (٢: ٣٠)، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ (٢: ٣١)، وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ (١٥: ٢٨)، إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٣٨: ٧١). ولا شفاعة لها: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا (٥٣: ٢٦). بالنسبة لتحليل الجن والشياطين في أصل الوحي، انظر الباب الأول: المقدمات النظرية، الفصل الرابع: نظرية الوجود، رابعًا: أنطولوجيا الوجود (الجواهر)، (٤) هل هناك جواهر مفارقة؛ النفس والعقل؟ (ﺟ) هل هناك جن وشياطين؟
٢٨  النسفية، ص١٣٨؛ العقيدة، ص٢١-٢٢. توراة موسى، وزبور داود، وإنجيل عيسى، وفرقان محمد (التوحيدية، ص٢؛ الجامع، ص٢؛ الفقه، ص١٨٤). الإيمان بها جملةً وتفصيلًا؛ الجملة أن تعتقد أن كل ما في علم الله من الكتب هو حقٌّ ثابت لا شك فيه، وأن جميع ما في هذه الكتب من القصص والأخبار والوعد والوعيد والأوامر والنواهي حقٌّ ثابت لا شك فيه، وأن جميع ما في هذه الكتب دالٌّ على كلام الله القديم القائم بالذات العَلية (الجامع، ص١٩-٢٠).
٢٩  انظر الباب الأول: المقدمات النظرية، الفصل الثالث: نظرية العلم، ثامنًا: مناهج الأدلة، (١) نقد الدليل النقلي.
٣٠  هذا هو الحال في «رسالة التوحيد» لمحمد عبده، وإلى حد كبير «الحصون الحميدية» لحسين الجسر. وهذه المادة القادمة كلها أدخل في علم أصول الفقه، ولكنها هنا مستمدة من مصنَّفات علم أصول الدين، خاصةً من «أصول الدين» للبغدادي، «والعقائد النسفية» للنسفي، و«الفصل» لابن حزم، و«شرح الأصول الخمسة»، و«المغني، ج١٧» للقاضي عبد الجبار، ومستمدة أيضًا من كتب الفِرَق، مثل: «الفَرق بين الفِرَق» للبغدادي، «مقالات الإسلاميين» للأشعري، و«التنبيه والرد» للشافعي الملطي، و«والمِلَل والنِّحَل» للشهرستاني. فقد خصَّص البغدادي الأصلَين التاسع والعاشر لهذا الموضوع؛ الأصل التاسع في بيان معرفة أركان الإسلام (الأصول، ص١٨٥–٢٠٦)، الأصل العاشر في معرفة أحكام التكليف والأمر (الأصول، ص٢٠٦–٢٢٨). ويشمل الأصل التاسع خمسة عشر فرعًا، تتدرج في أقسام ثلاث: (أ) العبادات، وهي: (١) الأركان الخمسة. (٢) الشهادة. (٣) الصلاة. (٤) الزكاة. (٥) الصيام. (٦) الحج. (٧) شروطها. (٨) الجهاد. (ب) المعاملات، وتشتمل الفروع: (٩) أحكام المعاملات. (١٠) الفروج. (١١) الحدود. (١٢) المحرَّمات والمباحات. (١٣) الأموات. (ﺟ) الشرعيات، وتشمل الفروع: (١٤) مأخذ أحكام الشريعة. (١٥) الفَرق بين العقليات والشرعيات. في حين يشتمل الأصل العاشر على تحليل الخطاب ومباحث اللغة. ولما كُنا قد بدأنا في رسالتنا: Les Mèthodes d’Exègése في تحديد البِنية الثلاثية لعلم الأصول، ابتداءً من الأدلة الأربعة، ثم مباحث اللغة والعلة، ثم موضوع الأحكام المقاصد؛ اتَّبعنا ذلك في عرض هذه المادة الأصولية. وهو أيضًا ما فعله القاضي عبد الجبار في تخصيص جزء للشرعيات من أجل الحديث عن الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فصبَّ علم أصول الدين في علم أصول الفقه (المغني، ج١٧). وهي نفس قسمة المسلمين في «المِلَل والنِّحَل» للشهرستاني إلى أهل أصول وأهل فروع. والأصول هي التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد؛ والفروع أهل الاجتهاد والتشريع والفقه. وهو ما يفعله أيضًا البغدادي في «الفَرق بين الفِرَق»؛ فقد اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أصول من أركان الدين، كلُّ ركن منها يجب على كل عاقل بالغ معرفة حقيقته، ولكل ركن منها شُعَب، وفي شُعَبها مسائل، واتفق أهل السنة منها على قول واحد، وضلال من خالفهم فيها ومنها. (٩) في معرفة ما أجمعت عليه الأمة من أركان شريعة الإسلام. (١٠) في معرفة أحكام الأمر والنهي والتكليف. (١١) في معرفة فناء العباد وأحكامهم في المعاد (وهو أدخل في أمور المعاد) (الفِرَق، ص٣٢٣).
٣١  انظر رسالتنا الأولى: Les Mèthodes d’Exègése, Iere Partie.
٣٢  انظر بحثنا: ماذا تعني أسباب النزول؟ الدين والثورة في مصر، ١٩٥٢–١٩٨١م، ج٧، اليمين واليسار في الفكر الديني، دار ثابت، القاهرة، ١٩٨٨م. ويُشير البغدادي إلى هذا البُعد اللغوي في القرآن؛ إذ يحتوي على نص ظاهر؛ عموم وخصوص، دليل خطاب، لحن قول، تنبيه بالشيء على غيره، تصريح وتعريض، كناية وتأكيد (الأصول، ص٢٠٤).
٣٣  وجوه الأدلة من السنة طرفها ثلاث: (أ) التواتر المُوجِب للعلم الضروري. (ب) خبرٌ جارٍ مجرى التواتر بالاستفاضة، يُوجِب العلم المُكتسَب، كالأخبار الواردة في الرجم والمسح على الخُفين، وكأخبار الرؤية والحوض والشفاعة وعذاب القبر ونحو ذلك، ولا اعتبار فيه بخلاف أهل الأهواء. (ﺟ) أخبار آحاد تُوجِب العمل دون العلم بشروط؛ منها: اتصال السند، وعدالة الرواة، وجواز صحة المتن بالعقل من غير استحالة (الأصول، ص٢٠٤-٢٠٥). وأبطل النظَّام خبر الواحد إذا لم يُوجِب العلم الضروري (الفِرَق، ص٢٤٣-٢٤٤).
٣٤  يُثبِت الأشاعرة ومعظم المعتزلة الإجماع؛ فالإجماع المُحتجُّ به عند الأشاعرة إجماع أهل كل عصر على حكم من أحكام الشريعة (الأصول، ص٢٠٥)، ويظهر من مسائل القاضي عبد الجبار في «المغني» آراء المعتزلة في الإجماع، باستثناء النظَّام وواصل وضرار: الكلام في الإجماع، بيان صورة الإجماع، في أنه يصح حصوله ووقوعه، في أنه لا يُمنَع في إجماع أمة أو جماعة أن يكون صوابًا دون آحادهم وأبعاضهم، في الدلالة على أن الإجماع حجة، في بيان الإجماع، في بيان مائية الإجماع، الوجوه التي يكون عليها الإجماع حجة، في أن الإجماع قد يكون عن القياس والاستدلال، في المنع من إجماعهم على ما الباطن بخلافه، في الإجماع، في كونه صوابًا وإن كان بصورة الخلاف، في قول بعض الأمة إذا انتشر في جميعهم ولم يُعرَف مُخالِف ما حكمه، في القول إذا قال به بعضهم ولم يظهر الخلاف من غير انتشار، في بيان الطرق التي يُعرَف بها ثبوت الإجماع (المغني، ج١٧، ص٢٠٥–٢٤٣).
٣٥  أنكر النظَّام حجة الإجماع في الفروع الشرعية، ثم إنه علِم إجماع الصحابة على الاجتهاد في الفروع الشرعية، وطعن في فتاوى الصحابة وجميع فرق الأمة (الفِرَق، ص١٣٢). جوَّز إجماع الأمة في كل عصر في جميع الأعصار على الخطأ من جهة الرأي والاستدلال، ويلزمه الشك في التواتر والآحاد والقياس (الفِرَق، ص٢٤٣-٢٤٤). جواز اجتماع الأمة على الضلالة (الفِرَق، ص٣٢٧-٣٢٨). أبطل إجماع الصحابة ولم يرَه حجة (الفِرَق، ص٣١٩). قال في الإجماع إنه ليس بحجة في الشرع (المِلَل، ج١، ص٨٥-٨٦). الإجماع وخبر الواحد والقياس ليس بحجة عند النظَّامية، ولا يذكرون الصحابة ولا عليًّا بسوء (الاعتقادات، ص٤١-٤٢). طعن النظَّام في فتاوى الصحابة بالاجتهاد، وقال إن ذلك منهم لأمرَين؛ إما لجهل بأن ذلك لا يحل لهم، أو لأنهم أرادوا أن يكونوا زعماء وأرباب مذاهب تُنسَب إليهم (الفِرَق، ص٣١٩). أما ضرار بن عمرو فقد شك في جميع عامة المسلمين، وقال لا أدري لعل سرائر العامة كلها ترك وكفر (الفِرَق، ص٢١٥). أما واصل بن عطاء فإنه يشك في عدالة علي وبَنِيه وابن عباس وطلحة والزبير وعائشة وكل من شهد حرب الجمل من الفريقَين (الفِرَق، ص٣٢٠).
٣٦  بالرغم من ظهور بعض المسائل الأصولية في علم الكلام، إلا أن الإحساس بالتمايز بين العلمَين واضح، مثلًا: الأدلة الشرعية أنواع من الخلاف استقصيناها في كتب في أصول الفقه، ويكفي ذِكر معناها للمبتدئ في هذه الصناعة (الأصول، ص٢٠٥).
٣٧  هذا هو موقف أهل الظاهر والحنابلة بوجه عام. فعِلم التوحيد هو أساس بناء العقائد، أشرف العلوم تبعًا للمعلوم، لكن بشرط ألا تخرج من مدلول الكتاب والسنة وإجماع العدول، ولا يدخل فيه مداخل مجردة لأدلة العقول (شرح الفقه، ص٢). إن القول بالرأي والعقل المجرد في الفقه والشريعة بدعة وضلالة؛ فأولى أن يكون ذلك في علم التوحيد والصفات بدعة وضلالة. قال فخر الإسلام علي البزدوي في أصول الفقه إنه لم يرِد في الشرع دليل على أن العقل مُوجِب، ولا يجوز أن يكون مُوجِبًا وعلة بدون الشرع؛ إذ العِلَل موضوعات الشرع، وليس إلى العباد؛ وذلك لأنه ينزع أن يسوق إلى الشَّرِكة، فمن جعله بلا دليل شرعًا فقد جاوز حد العباد، وتعدَّى حد الشرع على وجه العناد (شرح الفقه، ص٦؛ النسفية، ص١٥١). والخوارج صنفان: الأزارقة ويُنكِرون الاجتهاد في الأحكام، ولا يقولون إلا بظاهر القرآن؛ والنجدات يُجِيزون الاجتهاد في الأحكام (مقالات، ج١، ص١٩٠). كما أنكر النظَّام القياس إذا لم يُوجِب العلم الضروري (الفِرَق، ص١٤٣-١٤٤؛ المِلَل، ج١، ص٨٥-٨٦)، وأنكر حجية القياس في الفروع الشرعية (الفِرَق، ص١٣٢، ص١٤٨-١٤٩).
٣٨  فإن الإنسان إذا اعتقد عقدًا أو قال قولًا، فإما أن يكون فيه مُستفيدًا من غيره أو مستبدًّا برأيه؛ فالمستفيد من غيره مسلم مُطيع، والدين هو الطاعة والتسليم، والمُطيع هو المتديِّن؛ والمستبد برأيه مُحدِث مُبتدِع، وفي الخبر: «ما شقي امرؤ عن مشورة، ولا سعِد باستبداد برأي.» وربما يكون المستفيد من غيره مقلِّدًا قد وجد مذهبًا اتفاقيًّا، بأن كان أبواه أو معلِّمه على اعتقاد باطل فيتقلَّده منه دون أن يتفكر في حقه وباطله، وصواب القول فيه وخطئه؛ فحينئذٍ لا يكون مستفيدًا؛ لأنه حاصل على فائدة وعلم، ولا اتبع الأستاذ على بصيرة ويقين إلا مَن شهد بالحق وهم يعلمون شرط عظيم. وربما يكون المستبد برأيه مُستنبِطًا مما استفاده، على شرط أن يعلم موضع الاستنباط وكيفيته؛ فحينئذٍ لا يكون مستبدًّا حقيقة؛ لأنه حصَّل العلم بقوة تلك الفائدة لعلم الذين يستنبطونه منهم ركن عظيم (المِلَل، ج١، ص٥٥). انظر أيضًا: الباب الأول: المقدمات النظرية، الفصل الثالث: نظرية العلم، ثانيًا: تعريف العلم، (١) الشك والظن والوهم. (٢) الجهل والظن. (٣) التقليد. (٤) المطابقة في العلم.
٣٩  كل طرفَي قصد الأمور ذميم. غالى المعتزلة في التوحيد حتى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات المُشبِهة، قعدوا حتى وصفوا الخالق بصفات الأجسام، والروافض غالَوا في النبوة والإمامة حتى وصلوا إلى الحلول، والخوارج قصَّروا حيث نفَوا تحكيم الرجال (المِلَل، ج١، ص٢٢).
٤٠  الكلام في الاجتهاد: فيما لا يصح من المذاهب أن يكون جميعه حقًّا، وفيما يصح ذلك فيه، الشروط التي معها يصح تصويب المذاهب المختلفة، في تمييزِ ما الحق فيه واحد من الشرعيات مما نقول فيه إن لكل مجتهد نصيبًا، في الدلالة على أن كل مُجتهد مُصيب، الكلام في الأشبه (المغني، ج١٧، ص٣٥٥–٣٧٦). كما يذكر القاضي عبد الجبار عدة مسائل تبيِّن أهمية القياس وموضوعاته؛ فصل في الكلام في القياس: في بيان صورة القياس والاجتهاد وصفة المكلَّف، في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد، في أنه تعالى قد تعبَّد بالقياس والاجتهاد والسمعيات، في بيان الشروط التي معها يصح تصويب المذاهب المختلفة، في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد، في أنه تعالى قد تعبَّد بالقياس والاجتهاد ومنها السمعيات، في بيان موضع القياس، في بيان أصول القياس، في علة القياس، في بيان طرق صحة العلة، باب في شروط العلة وأحكامها، فيما يتنافى عن العِلَل وتعلَّق الحكم بهما، في بيان ما تتنافى فيه العِلَل ولا تتنافى فيه، فيما يتنافى عن العِلَل ومفارقته لما لا يتنافى، فيما يجوز التعبد به في العِلَل المتنافية ولا يجوز، فيما وقع للتعبد به في العِلَل المتنافية، فيما يقوِّي العِلَل ويرجِّحها، في الفَرق بين العلة والشَّبه والاشتباه (المغني، ج١٧، ص٢٧٨–٣٥٣).
٤١  هذه الشبهات كلها ناشئة من شبهات اللعين الأول، تلك في الأول مصدرها، وهذه في الآخر مَظهرها (المِلَل، ج١، ص٢٢). اللعين الأول لما حكَّم العقل على من لا يحتكم عليه العقل لَزِمه أن يُجري حكم الخالق في الخلق أو حكم الخلق في الخالق؛ الأول غلوٌّ والثاني تقصير. ثار من الشبهة الأولى مذاهب الحلولية والتناسخية والمشبِّهة والغلاة من الروافض، حتى غالَوا في حق شخص من الأشخاص، حتى وصفوه بصفات «الجلال»؛ وكان من الشبهة الثانية مذاهب القدرية والجبرية والمجسِّمة، حتى قصَّروا في وصفه بصفات المخلوقين. فالمعتزلة مشبِّهة الأفعال والمشبِّهة حلولية الصفات، وكل واحد منهم أعور بأي عينَيه (المِلَل، ج١، ص٢٠-٢١). وعنه نشأ مذهب الخوارج؛ إذ لا فرق بين قولهم لا حاكم إلا الله ولا يحكم الرجال، وبين قوله لا أسجد لك، أأسجد لبشر خلقته من صلصال؟ (المِلَل، ج١، ص٢١-٢٢). اعلم أن أول شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس، ومصدرها استبداد الرأي في مقابلة النص، واختياره الهوى في معارضة الأمر، واستكباره بالمادة التي خلق الله منها وهي النار على مادة آدم وهي الطين، وانشعبت من هذه الشبهة سبع شبهات أخرى (المِلَل، ج١، ص١٥–١٩).
٤٢  طلب القدرية العلة في كل شيء من سنح اللعين الأول؛ إذ طلب العلة في الخلق أولًا، والحكمة في التكليف ثانيًا، والفائدة في تكليف السجود لآدم ثالثًا (الملل، ج١، ص٢١).
٤٣  يقول الملطي الشافعي مثلًا: فكيف وأنت ترجع في أمرك كله إلى عقلك الفاسد ورأيك الأعرج، فتقول: ففعل فلان، ولمَ كان؟ وممَّ كان؟ وأنت يا جاهل قد ضارَع قولك قول إبليس حين قاس، فقال: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (الأعراف: ١٢)، فأنت مُعارِض كما عارَض أولياء الشيطان، ثم مِن أدل الأدلة أنك لو قطعت واجتهدت لم يصح لك أصل تعتمد عليه إلا أن تكذب وتنقل الكذب لتستريح إليه، ولا راحة لكذاب … استعمال إبليس القياس مع وجود النص خطأ وقياس فاسد. وأهل البدع وافقوا إبليس في القياس وتركوا النص من التنزيل، وتأوَّلوا تأويلًا فاسدًا، فعدلوا عن نص الخبر إلى القياس الفاسد (التنبيه، ص١١-١٢). وقد قال جماعة من التابعين: أول من قاس إبليس ليدفع بقياسه ما أمره به نصًّا … وأهل البدع وافقوا إبليس في مجال القياس، وتركوا النص من التنزيل، وتأوَّلوا تأويلًا فاسدًا، فعدلوا عن نص الخبر إلى القياس الفاسد (التنبيه، ص٨١-٨٢). كل الشبهات نشأت من مُنافقي زمن النبي الذين لم يرضَوا بحكمه، وسألوا عما مُنِعوا وجادلوا (المِلَل، ج١، ص٢٣-٢٤).
٤٤  عند عباد بن سليمان يُعرَف الحق من كتاب الله وإجماع المسلمين وحُجَج العقول (مقالات، ج٢، ص١٦٧). للأنبياء أن يجتهدوا مُطلَقًا وعليه الأكثر، أو بعد انتظار الوحي وعليه الحنفية، وإذا اجتهدوا فلا بد من إصابتهم ابتداءً وانتهاءً (شرح الفقه، ص١٢٣). وإجابة على سؤال: هل يكون ما يُعلَم بالاجتهاد دين؟ اختلفت إجابات الفِرَق بين الإثبات والنفي (مقالات، ج٢، ص١٥٤). وذهب بعض الأشاعرة والمعتزلة إلى أن كل مجتهد في المسائل الشرعية الفرعية التي لا قاطع فيها مُصيب. والحقيقة أن هناك احتمالات أربعة: (أ) ليس لله فيها حكم معيَّن قبل الاجتهاد، وهنا قد تتعدد الأحكام الحقة في مادة واحدة، ويكون كل مُجتهد مُصيبًا. (ب) الحكم معيَّن ولا دليل عليه من الله، والعثور عليه كالعثور على دفينة. (ﺟ) الحكم معيَّن وله دليل قطعي. (د) الحكم معيَّن وله دليل ظني (شرح الفقه، ص١٢٢). لا يجوز الاجتهاد إلا عن علمِ ما أنزله الله في كتابه من الأحكام، وعلم السنن، وما أجمع عليه المسلمون؛ حتى يُعرَف الأشباه والنظائر ويُرَد النوع إلى الأصول. والمُستفتي له أن يُفتي فيقلِّد بعض المُفتين. وقال بعض أهل القياس ليس للمستفتي أن يقلِّد، وعليه أن ينظر ويسأل من الدليل والعلة؛ حتى يستدل بالدليل ويصح له الحق (مقالات، ج٢، ص١٥٤).
٤٥  في بيان مأخذ أحكام الشريعة (الأصول، ص٢٠٢–٢٠٤). الفَرق بين العقليات والشرعيات، الأمور العقلية يدل عليها العقل قبل الشرع، والأحكام الشرعية يدل عليها الشرع، الحكم العقلي قد يكون بعينه مثل كون العرش سوادًا، وقد يدل الشيء في العقل بنفسه على غيره مثل دلالة الفعل على الفاعل، وقد يكون الشيء في العقل دليلًا على غيره مثل دلالة المعجزة للنبي، والفَرق بين العقليات والشرعيات أن الأولى لا نَسخ فيها والثانية بها نسخ، الأدلة الشرعية إما اسم أو دليل اسم أو معنًى مُودَع في الاسم (الأصول، ص٢٠٥-٢٠٦). ويُعطي القاضي عبد الجبار مسائل مُشابِهة، مثل: العقول تدل على صحة الصحيح واستحالة المحال في التوحيد والعدل والوعد والوعيد، معرفة الله بالعقل ووجوبها بالشرع عند الأشاعرة، وبالعقل عند المعتزلة إما بالخواطر أو بدونها، وعند أهل الظاهر أفعال العقلاء قبل الشرع على الإباحة. عند الأشاعرة لا واجب قبل ورود الشرع، ولو استدل عاقل على ذلك قبل ورود الشرع لما استحق الثواب، ولو كفر لما استحق عقاب، ولو أنعم الله بعد ذلك كان لطفًا ونعمة وفضلًا، وإن عذَّب الكافر كان عدلًا، مثل إيلام الأطفال والبهائم ابتداءً. والأحكام الشرعية في الوجوب والحظر والإباحة من أحكام المعاد بالخبر وإن دل العقل على الجور، الأسماء والأحكام من النقل، في بيان الأحكام التي تُعلَم بالسمع، في بيان ما يدل على وجوب الأفعال الشرعية من ضروب الأدلة (المغني، ج١٧، ص٩٣–١٠٤). في بيان ما يجوز أن يدل عليه الخطاب وسائر الأدلة السمعية (المغني، ج١٧، ص٩٣).
٤٦  معنى التكليف من الكُلفة؛ أي التعب والمشقة في الشرع (الأصول، ص٢٠٧).
٤٧  أقسام التكليف: (أ) أمرٌ، مثل: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ (ب) نهي، مثل: لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا (ﺟ) خبر، مثل: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (الأصول، ص٢١٠-٢١١).
٤٨  هذا هو مضمون الأصل العاشر عند البغدادي «في معرفة أحكام التكليف والأمر»، ويشمل خمسة عشر فرعًا: (١) معنى التكليف. (٢) أقسامه. (٣) شروطه. (٤) ترتيبه. (٥) أوصاف المكلِّف والمكلَّف. (٦) ما يصح وروده فيه. (٧) أقسام الخطاب. (٨) وجوب الأمر والنهي. (٩) أقسام الأخبار. (١٠) أقسام العموم والخصوص. (١١) المجمل والمفسر. (١٢) المفهوم ودليل الخطاب. (١٣) أحكام أمثال النبي. (١٤) نَسخ الخطاب. (١٥) شروط النَّسخ.
٤٩  شروط التكليف، عند الأشاعرة التكليف ابتداءً، وعند الجبائي له إرادة لحدوثه وإرادة لكونه وإرادة لفعله (الأصول، ص٢١٠-٢١١).
٥٠  انظر الباب الأول: المقدمات النظرية، الفصل الثالث: نظرية العلم، ثالثًا: أقسام العِلم.
٥١  عند القدرية، المعارفُ ضرورية، الله يخلقها في العقل ضرورةً دون استدلال. وعند أبي الهذيل، بعضها ضروري وبعضها مُكتسَب، وبعد المعرفة بالنفس تلزم المعرفة بالتوحيد والعدل وإلا كان كافرًا، وفيما دون ذلك معرفة بالخبر بعد أن يصل إليه. وعند بشر بن المعتمر، الحال الثانية فكر والمعارف العقلية في الثالثة. وعند الإسكافي وجعفر بن حرب وجعفر بن مبشر والكعبي، المعارفة كسبية؛ لذلك كان الأطفال في الجنة (الأصول، ص٢١٠-٢١١).
٥٢  في أوصاف المكلِّف والمكلَّف؛ من شروط الأول: (أ) أن يكون حيًّا عالمًا؛ فالنائم ليس آمرًا ولا ناهيًا. (ب) أن يكون عالمًا عارفًا بالإضافة إلى العلم، عارفًا بالصفة التي بها وجب الأمر. وصفات الثاني: (أ) القدرة دون العجز، بما في ذلك القدرة على الفعل والترك. (ب) العقل دون البلادة ونصب الدليل (الأصول، ص٢١٠-٢١١).
٥٣  في بيان ما يصح ورود التكليف به، بكل ما ورد به أمره، ولو نهى عنه لجاز (الأصول، ص٢١٠-٢١١).
٥٤  تقسيم الخطاب المُفيد إلى اسم وفعل وحرف، أما قسمة أصحاب المعاني للخطاب ففي أربعة: أمر ونهي وخبر واستخبار. الطلب والشفاعة داخلان في الأمر، والتمني والتلهف والنفي والاستثناء كل ذلك داخل في الخبر. وقد تأتي هذه القسمة من تقسيم الكلام؛ فالكلام أمر ونهي وخبر واستخبار وتمنٍّ وتعجُّب وسؤال. وقد تكون القسمة ثلاثية: أمر ونهي وخبر؛ فالاستخبار طلب الخبر. والقول عند ابن كُلَّاب أمرٌ لعلة المأمور، ونهي لعلة النهي، وخبر لعلة الخبر. وقد تكون القسمة ثنائية: أمر وخبر؛ فالاستخبار في صيغة الأمر، والنهي ضمن الأمر إذا كان الأمر بالشيء نهيًا عن ضده (مقالات، ج٢، ص١١٨؛ الأصول، ص٢١٤-٢١٥).
٥٥  اختلفوا في الإثبات والنفي على ثلاث مقالات: (أ) النفي مُتصِل بالإثبات في العقل، ولكن هل ينفى المعدوم أم لا ينفى إلا الموجود؟ (ب) عند الجبائي، النفي كل قول واعتقاد دلَّ على عدم شيء، ولا يجوز أن يكون المُثبَت منفيًّا، والإثبات كل قول واعتقاد ودل على وجود شيء. (ﺟ) المُثبَت قد يكون منفيًّا على وجه، والمنفي قد يكون مُثبَتًا على وجه (مقالات، ج٢، ص١٢٠-١٢١).
٥٦  وهو سؤال القدماء: هل يُشترَط في الأمر مقارنة النهي عن ضده؟ واختلاف الفِرَق في ذلك بين النفي والإثبات (مقالات، ج٢، ص١٢٠).
٥٧  وقد ركَّز المعتزلة على هذه المسألة طبقًا لنظرية الحسن والقبح العقليَّين وإثبات الصفات الموضوعية للأفعال، ويتضح ذلك من المسائل التي يُثيرها القاضي عبد الجبار، مثل: في الأوامر، بيان أحكام الأوامر، بيان ما يدل على تحريم المسائل الشرعية؛ في النهي وكيفية دلالته على قبح المنهي عنه، في بيان أحكام النهي، في دلالة التحريم والتحليل إذا عُلِّقا بالفعل أو عُلِّقا بالأعيان، في بيان أن ما يدل على أن الفعل مباح من الأدلة السمعية، بيان ما هو أصله في الحظر وما هو أصل في الإباحة، بيان ما يدل على حسن الفعل وكونه ندبًا؟ ما يعرف به ما يتعلق بهذه الأحكام من سبب ووقت وشرط وعلة (المغني، ج١٧، ص١٠٧–١٥١). انظر أيضًا الباب الثالث: الإنسان المتعين، الفصل الثاني: العقل الغائي (الحسن والقبح)، ثالثًا: صفات الأفعال.
٥٨  وجوه الأمر والنهي: (أ) الوجوب ومظاهره عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وعامة الفقهاء. (ب) الندب عند القدرية. (ﺟ) لا وجوب ولا ندب عند الواقفية إلا بدلالة، وعند الأشعري وابن الراوندي. ويُصرَف الوجوب من ظاهره إلى وجوهٍ ثمانية: (١) الندب. (٢) الترغيب. (٣) الإرشاد. (٤) الإباحة. (٥) الطلب. (٦) التهديد والوعيد. (٧) الإهانة. (٨) التأديب. ومنها أمر التكوين. ظاهر النهي التحريم، ولا يُصرَف إلى معنى التنزيه إلا بدلالة (الأصول، ص٢١٥-٢١٦).
٥٩  هذا هو سؤال القدماء: هل القدرة على الفعل قدرة على الترك؟
٦٠  وهذا هو سؤال القدماء: هل يكون قول الله «افعلوا» أمرًا بنفسه ظاهرًا أم لا؟ واختلاف الفِرَق فيه بين النفي والإثبات (مقالات، ج٢، ص١٥٣).
٦١  انظر في هذا الفصل، تاسعًا: تواتُر الرسالة، (١) شروط التواتر.
٦٢  أقسام الأخبار؛ ينقسم الخبر من حيث الصدق والكذب إلى قسمَين: (أ) صادق وهو ما وافق مَخبره. (ب) كاذب وهو ما كان خلاف مَخبره، ولا يُمكِن أن يكون هناك خبر صادق كاذب، أو قول رجل لم يكذب قط لأنه كاذب. وهذا إبطال قول الثنوية إن فاعل الصدق لا يفعل الكذب، وفاعل الكذب لا يفعل الصدق، وإن النور يفعل الصدق، والظلام يفعل الكذب. وعند الديصانية إحدى فِرَق الثنوية، يصح الكذب من غير قصد إليه ولا علم به، في حين أن الصدق لا يصح إلا من عالم به قاصدًا إليه. وعند المتأخرين من القدرية، خبر النائم ليس صادقًا ولا كاذبًا؛ لأنه خالٍ من القصد. وعند الكرامية، حقيقة الصدق هو الخبر الذي تحته معنًى، والكذب هو الخبر الذي لا معنًى تحته. وعند فريق آخر من الكرامية، الصدق هو الخبر، والكذب في صورة الخبر ليس بخبر. وعند الشورملي من الكرامية، الصدق هو الخبر الذي لك أن تُخبِر به، والكذب ما لا يجوز لك الإخبار به؛ فالغِيبة والنميمة كذبٌ وإن كانا على ما أخبر عنه (الأصول، ص٢١٧-٢١٨).
٦٣  أقسام العموم والخصوص، العموم عين الشمول والخصوص للأفراد، صِيَغ الجمع، أقل الجمع (الأصول، ص٢١٨-٢١٩؛ الفصل، ج٢، ص٣٥، ص٤٥-٤٦؛ التنبيه، ص٥٤). وعند ابن الراوندي والمرجئة، قد يكون الخبر خاصًّا يعم واحدًا وعامًّا يعم اثنَين، وقد يكون عامًّا خاصًّا في اثنَين من نوع واحد. وعند عباد بن سليمان، الخاص لا يكون عامًّا والعام لا يكون خاصًّا (مقالات، ج٢، ص١١٩-١٢٠). وعند الإباضية، كل شيء أمر الله به عباده فهو عام وليس بخاص، وليس في القرآن خصوص (المِلَل، ج٢، ص٥٤). لذلك كان للعلماء مذهبان: عموم، وعموم مع تأويل (الإرشاد، ص١٩٨-١٩٩، ص٢٥١-٢٥٢). ولكن عند الجمهور، الخطاب له عموم وخصوص، والخلاف في التحديد وليس في المبدأ؛ فقد اختلفت المرجئة في الأمر والنهي على العموم أم لا على فِرقتَين: (أ) على الخصوص حتى تأتي دلالة العموم. (ب) على العموم حتى تأتي دلالة التخصيص (مقالات ج١، ص٢٠٨–٢١٠). وعند محمد بن شبيب، العموم الذي يُقصَد به الخصوص كما تُجيز اللغة. وقد أنكر المرجئة أن يكون للعموم لفظة موضوعة له، والأمر كذلك عند المعتزلة طبقًا للمسائل التي يعرضها القاضي عبد الجبار: في بيان ما يصيِّر العام عامًّا والخاص خاصًّا، في أن العام قد يقع خاصًّا والخاص قد يقع عامًّا، في بيان أن ما يصيِّر العام خاصًّا والخاص عامًّا، وأنه يجب أن يكون مقارنًا لهما، الوجوه التي عليها يحسن الخبر العام والخاص، والوجوه التي عليها يقبحان وما يتفق ذلك في الشاهد والغائب وما يختلف فيه (المغني، ج١٧، ص١٤–٣٠). في أقسام الدلالة التي يختص بها العموم، ويتبين بها المراد بالخطاب المُجمَل (المغني، ج١٧، ص٨٧).
٦٤  التخصيص بالسنة والإجماع والقياس، إذا سمع السامع المُخبِر فظاهره على العموم إن لم يكن في العقل ما يخصِّصه. عند النظَّام، الخبر على العموم حتى يُتصفَّح القرآن والإجماع والأخبار من أجل التخصيص. وعند أبي الهذيل والشحام، العموم لغة (مقالات، ج١، ص٣١٠). واختلفت المرجئة إذا وردت الأخبار وظاهرها العموم: (أ) الخبر بالعذاب يُتوقَّف فيه لجواز الاستثناء. (ب) الوعد ليس فيه استثناء، والوعيد فيه استثناء، وذلك أيضًا بحكم اللغة (مقالات، ج١، ص٢٠٧-٢٠٨). عند بعض علماء اللغة، الإثابة (الوعد) تقع، والعقاب (الوعيد) لا يقع، وبحكم اللغة (مقالات، ج١، ص٢١٠). عند المرجئة، ليس يجوز في عموميات الوعيد أن تُحمَل على الشمول والاستغراق؛ فاللفظة ليست موضوعًا لهذا المعنى (الشرح، ص٦٠٥-٦٠٦).
٦٥  لا يجوز أن يقع في خطابه التخصيص أو الاستثناء على وجهٍ لا يظهر، في مفارقة حال مَن ليس بمُخاطَب للمُخاطَبين، في البيان وافتراق أحوال المُخاطَبين فيما يفترقون فيه واتفاقهم فيما يتفقون، بيان المراد بالخطاب لا يجوز أن يتأخر عن وقت الخطاب إلى الحاجة، هل يجوز أن يتأخر التخصيص والاستثناء عن حال سماع الخطاب؟ فيما يجب أن يرتب خطاب الله عليه عند وروده (المغني، ج١٧، ص٥٤–٥٩؛ الفصل، ص٦٥–٧١).
٦٦  المُجمَل الذي يحتاج إلى تفسيرٍ أقسامُه سبعة: (١) الإجمال في الحكم والمحكوم فيه. (٢) الإجمال في الحكم، والمحكوم فيه معلوم. (٣) الإجمال في المحكوم فيه، والحكم معلوم. (٤) الإجمال في الحكم والمحكوم له، والمحكوم عليه معلوم. والحالات الأربعة الأولى هي حالات المُجمَل والمفسَّر (الأصول، ص٢٢٠-٢٢١).
٦٧  والحالات الثلاث التالية هي التي تدخل في المُحكَم والمُتشابِه، وفي المستثنى والمستثنى منه، وفي الظاهر والمؤوَّل، وهي: (٥) الإجمال في اللفظ من جهة صلاحه لمعنيَين. (٦) الإجمال في اللفظ في نفسه معلوم وصار مُجمَلًا باستثناء مُجمَل. (٧) الإجمال في اللفظ معقول المعنى لغويًّا، وضعت الشريعة لها شروطًا، مثل ألفاظ الصلاة والزكاة … إلخ، وهذه هي أقسام المُجمَلات في الكتاب والسنة وكلام الناس، وكل نوع يصير معلومًا بدليل وقرينة (الأصول، ص٢٢١-٢٢٢).
٦٨  عند أبي بكر الأصم من المعتزلة، مُحكَمات تعني حُججًا واضحة. وعند الإسكافي، هي التي لا تأويل لها غير تنزيلها على عكس المتشابهات (مقالات، ج١، ص٢٦٩-٢٧٠؛ الأصول، ص٢٢٢). وعند مالك والشافعي وجمهور الأمة، المتشابهات هي ما اشتبه على اليهود من الم، المر، المص … إلخ (مقالات، ج١، ص٢٧٠). وقد يُستعمَل تعبير الألفاظ المشتركة للمتشابهات، مثل الوجه واليد والعين (الفصل، ج١، ص٦٥). وقد ذهب البعض إلى تشابه القصص (مقالات، ج١، ص٢٧٠). وعند الأصم، المُحكَمات هي التي احتجَّ الله بها على المقرَّبين بوجودها كاحتجاجه على المشركين، والمتشابه الذي احتج به على المشركين في البعث والنشور (الأصول، ص٢٢٢). وعند بعض المعتزلة مثل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، المحكمات من القرآن وعيد الفُساق بالعقاب، والمتشابهات ما أخفى الله عن العباد عقابه، وقد فسَّره كالنظرة والكذبة (الأصول، ص٢٢١-٢٢٢). ويذكر القاضي عبد الجبار ثلاثة أسباب لوجود التشابه: (أ) أنه داعية لنا للبحث والنظر وصارفٌ عن الجهل والتقليد. (ب) أنه تكليف أشق وثواب أعظم. (ﺟ) أنه أعلى طبقات الفصاحة (الشرح، ص٥٩٩–٦٠١).
٦٩  تأوَّلت الباطنية أصول الدين على الشرك، وأحكامَ الشريعة على وجوهٍ تؤدي إلى رفع الشريعة أو إلى مثل أحكام المجوس. أباحوا لأتباعهم نكاح البنات والأخوات وشرب الخمر وجمع الملذات (الفِرَق، ص٢٨٥-٢٨٦). تأوَّلوا كل ركن من أركان الشريعة؛ فالصلاة موالاة الإمام، والحج زيارته وإدمان خدمته، والصوم الإمساك عن إفشاء سر الإمام، والزنى إفشاء سرهم بغير عهد وميثاق. مَن عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها؛ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (الحجر: ٩٩)، واليقين هو معرفة التأويل (الفِرَق، ص٢٩٦). أسقطوا العبادات وأباحوا الخمر ونكاح المحرمات (الفصول، ص٣٣٠). وهذا المعنيان لفعل Interpreter؛ أي يفهم ويفسِّر ويئوِّل من ناحية، ويعرف وينفِّذ ويحقِّق من ناحية أخرى.
٧٠  معاني حروف الهجاء في أوائل السور في التأويل الباطني تسعة وعشرون حرفًا، وقد أُعجِم بعضها بالنقط طبقًا لعلم أسرار الأعداد (الفِرَق، ص٣٠٥).
٧١  لذلك يقول أنصار التأويل الباطني لدعاتهم: لا تتكلموا في بيت فيه سِراج. ويعنون به «من يعرف علم الكلام ووجوه النظر والمقاييس»، أو: «لا تطرحوا بذركم في أرض سبخة.» أي منع دعاتهم من إظهار بدعتهم عند من لا تؤثِّر فيهم. وسموا قلوب أتباعم الأغنام أرضًا زاكية (الفِرَق، ص٢٩٨). ولهم مناهج نفسية في ذلك تقوم على عدة خطوات محدَّدة، منها: (أ) التدليس، وهو قولهم للغِر الجاهل بأصول النظر والاستدلال إن الظواهر عذاب وباطنها رحمة. فإذا سأل عن الباطن أخذوا عليه العهد والميثاق، فإذا حلف لهم ربطوه وذكروا له من تأويل الظواهر ما يؤدي إلى رفعها، فيدخل في الزندقة ويتظاهر بالإسلام كاتمًا الأسرار. (ب) التأنيس، وهي قريبة من درجة التفرس، وهي تزيين ما عليه الإنسان في مذهبه في عينَيه، ثم سؤاله بعد ذلك عن تأويل ما هو عليه وتشكيكه في أصول دينه، فإذا سأله المدعوُّ قيل علمه عند الإمام، فيصل إلى درجة التشكيك، ويرى في الظواهر والسنن غير مقتضاها في الفقه، يرتكب المحظورات ويترك العبادات. (ﺟ) الربط، وهو تعليق نفس المدعو بطلب تأويل أركان الشريعة، فإما أن يقبل منهم تأويلها على وجه يَئول إلى رفعها، وإما أن يبقى على الشك والحيرة فيها. فإذا مال المدعو إلى أبي بكر وعمر قيل له لهما حظ في تأويل الشريعة؛ لذلك استصحب النبي أبا بكر في الغار ثم إلى المدينة وأفضى إليه بالتأويل. (د) التفرس، وهو أن من شرط الداعي أن يكون قويًّا على التلبيس، عارفًا بوجوه تأويل الظواهر لردها إلى الباطن. (ﻫ) الإغمار بالتشكيك، وهو أن يسألوه عن مسألة من أحكام الشريعة ويُوهِموه أن فيها خلاف معانيها الظاهرة، أو عن مسائل في المحسوسات ويُوهِموه بأن فيها علوًّا لا يُحيط بها إلا زعيمهم، مثلًا: لمَ صار للإنسان أُذنان ولسان واحد؟ ولمَ صار للإنسان ذكر واحد وخصيتان؟ (الفِرَق، ص٢٩٨–٣٠١).
٧٢  ومن مسائلهم في أحكام الفقه سؤالهم: لمَ صارت صلاة الصبح ركعتَين والظهر أربعًا والمغرب ثلاثًا؟ لمَ صار في كل ركعة ركوعٌ واحد وسجدتان؟ ولمَ كانت العقوبة بقطع اليد في السرقة وفي الزنى بالجلد؟ فيقولون للغِر: عِلمها عند إمامنا المأذون له في كشف الأسرار! واعتقد أن المراد بالظواهر غير ظاهر. فأخرجوه بهذه الحِيَل عن العمل بالشريعة، فإذا تركها استحل المحرَّمات وكشفوا له القناع (الفِرَق، ص٣٠٦).
٧٣  النبي هو الناطق، والوحي أساسه الفائق، وإلى الفائق تأويل الناطق على ما تراه يميل إليه هواه. فمن صار إلى تأويله الباطن فهو من الملائكة البرَرة، ومَن عمل بالظاهر فهو من الشياطين الكفرة (الفِرَق، ص٢٩٦).
٧٤  كيف يكون زعماء الباطنية مخصوصين بمعرفة عِلَل ذلك وقد ذكَرَته الأطباء والفلاسفة في كتبهم. وصنَّف أرسططاليس في طبائع الحيوان كتابًا، وما ذكرت الفلاسفة من هذا النوع شيئًا مسروقًا من حكماء العرب الذين كانوا قبل زمان الفلاسفة. وقد ذكرت العرب في أشعارها وأمثالها جميع طبائع الحيوان، ولم يكن في زمانها باطني ولا زعيم للباطنية، وإنما أخذ أرسططاليس الفرق بين ما يلد وما يبيض من قول العرب في أمثالها (الفِرَق، ص٣٠٧-٣٠٨).
٧٥  تأوَّلت الباطنية القرآن والسنن لموافقة أُسُسهم (الفِرَق، ص٢٨٥). غرض الباطنية الدعوة إلى دين المجوس بالتأويلات (الفِرَق، ص٢٩٣). يتأولون الملائكة على دعاتهم إلى بدعتهم، ويتأولون الشياطين والأبالسة على مخالفيهم (الفِرَق، ص٢٩٦). يتأولون الآيات والأخبار وفقًا لضلالتهم (الفِرَق، ص٣٠٠). يتأولون شرائع الإسلام وفق مذاهب المجوس أيام المأمون (الأصول، ص٣٢٣).
٧٦  وسبب ذلك أن المجوس في زمان المأمون تشاوَروا في استدراك مُلكهم، فعلموا عجزهم عن قهر المسلمين، فدبَّروا في تأويل أركان الشريعة على وجوهٍ تؤدي إلى رفعها، وانتُدب لذلك حمدان بن قرمط زعيم القرامطة وعبد الله بن ميمون القداح جد زعيم الباطنية بمصر، وخالَفَا، مع أتباعهما، المسلمين في التوحيد والنبوات وفي تأويل الآثار والآيات (الأصول، ص٣٢٩-٣٣٠). والذي يروِّج مذاهبَ الباطنية أصنافٌ: (أ) العامة الذين قلَّت بصائرهم بأصول العلم والنظر كالنبط والأكراد وأولاد المجوس. (ب) الشعوبية الذين يرَون تفضيل العجم على العرب، ويتمنون عود المُلك إلى العجم. (ﺟ) أغنام بني ربيعة من أجل غيظهم من مضر لخروج النبي منهم. يقول الباطني: قومك أحق بالمُلك من مضر، الشريعة المضرية لها نهاية وقد دنا انقضاؤها، وبعدها يعود الملك إليكم. ثم يذكر لهم تأويل إنكار الشريعة على التدريج حتى يصير ملحدًا بما يستثقل العبادات ويستحل المحرَّمات (الفِرَق، ص٣٠٠-٣٠١).
٧٧  أهل السنة تأخذ النصوص على ظواهرها، وكل إخراج لها كفر (النسفية، ص١٤٨؛ الفصل، ج١، ص٦٥). مَن أحال شيئًا من الألفاظ اللغوية عن موضوعاتها في اللغة بغير نص مُحِيل لها ولا بإجماع أهل الشريعة، فقد فارَق حكم أهل العقول والحياء (الفصل، ج٣، ص٢٢). وليس لأحد أن يصرف هذه اللفظة عن موضوعاتها في اللغة برأيه من غير نص ولا إجماع، ولو جاز هذا لبطلت الحقائق ولم يصح التفاهم (الفصل، ج٣، ص٢٢). وأما جماع اللغات فكل لغة لا يُنكِر أحد فيها القول (الفصل، ج٣، ص٦٦). وقد أقرَّت المرجئة التنزيل وجحدت التأويل (التنبيه، ص١٥١-١٥٢).
٧٨  اختلفت المرجئة في إكفار المتأوِّلين على عدة فِرق: (أ) لا تكفِّر أحدًا إلا ما أجمعت الأمة على إكفاره. (ب) ويكفِّر «شمر» من يردُّ قولهم في القدر والتوحيد، ويكفِّرون الشاكَّ في الشاك. (ﺟ) وعند جهم، الكفر هو الجهل بالله فقط (مقالات، ج١، ص٢١٣). وعند البعض منهم، كلُّ مُرتكِب معصية بتأويل أو بغير تأويل فهو فاسق، فكل معصية فسق، ويفسِّقون الخوارج بسفكهم الدماء وسبيِهم الناس وأخذ الأموال. وعند أبي الهذيل، من شبَّه الله بخلقه أو جور فهو كافر (مقالات، ج٢، ص١٥١-١٥٢). أما الإباضية فتَستَتيب مُخالِفيهم في تنزيل أو تأويل وإلا قُتِلوا (الفِرَق، ص١٠٧).
٧٩  هذا هو الصراع حول الآية المشهورة: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، والخلاف حول الوقف؛ هل بعد «الله» وبالتالي ينهى عن التأويل، أم يكون الوقف بعد «العلم» وبالتالي يؤمَر بالتأويل؟ والقضية ليست في الوقف؛ القراءتان منقولتان، ولكن كل رأي يجد في القرآن ما يبرِّره. عند أهل الظاهر، الوقف الأول أصح (ابن عباس، ابن مسعود، ابن أبي كعب، ومصحف أبي)، وهو قول مالك والشافعي والحارث المحاسبي وعبد الله بن سعيد والقلانسي (الأصول، ص٢٢٣؛ مقالات، ج١، ص٢٧٠). والوقف الثاني لدى المتكلِّمين من الأشاعرة والمعتزلة، فلا بد أن يكون في كل أمة من العلماء من يعلَم (الأصول، ص٢٢٢-٢٢٣؛ الفصل، ج٣، ص٥٧؛ الشرح، ص٦٠٢–٦٠٤).
٨٠  في الصفة التي يجب أن يكون عليها المفسِّر لكتاب الله؛ اللغة العربية، النحو، الرواية، الفقه، أصول الفقه، التوحيد والعدل، التفسير (الشرح، ص٦٠٦–٦٠٨).
٨١  مفهوم الخطاب هو ما يدل عليه الخطاب مِن حكمِ ما لا يدخل في لفظه بموافقته في معناه. ودليل الخطاب هو دلالة الخطاب على خلاف حكمه في غير تناوُله الخطاب (الشافعي) (الأصول، ص٢٢٣-٢٢٤). في أنه لا بد في خطابه تعالى من فائدة ومراد وما يتصل بذلك، في أنه لا يجوز أن يفيد بخطابه وما لا تعلُّق للخطاب به، في أن ما يريده تعالى بالخطاب ويفيده به لا بد من أن يدل عليه (المغني، ج١٧، ص٣٩–٤٢).
٨٢  في بيان أحكام الأفعال: (١) ما فعله متمثِّلًا لأمرٍ قد أُمِر. (٢) أن يكون فعله بيانًا لجملة مُجمَلة وهو على الوجوب أو الندب. (٣) ما يفعله من المباحات. (٤) قضاؤه بين خصمَين في شيء فهو على الوجوب. (٥) ما فعله بين شخصَين على التوسط بينهما فيكون على الاستحباب. (٦) إقامته للحدود والعقوبات على الوجوب. (٧) ما كان تصرفًا منه في ملك غيره موقوف على معرفة سببه. (٨) ما كان من بيان فعله بفعله. (٩) تركه إنكار ما فعله بمضرته فيكون على الإباحة. (١٠) أفعاله التي تجري مجرى القرب مما ليس فيه نص على حكمه اختُلف فيها؛ هل هي على الوجوب أو الندب أو الإباحة؟ (الأصول، ص٢٢٥-٢٢٦). الكلام في أفعال الرسول ومراتبها، أقسام الأفعال، ما يختص به النبي من الأفعال الشرعية، في أن الفعل بمجرده لا يدل على الأحكام، في أن الفعل لا يقتضي أن حكمنا حكم في أفعاله ولا وجوب الناس به والاتِّباع، في بيان ما تقوله في أفعاله، في الكلام على من قال إن أفعاله على الوجوب، في كيفية التأسي به، في أحكام أفعاله وتروكه وأقواله وسكوته وإقراره وإنكاره (المغني، ج١٧، ص٢٤٦–٢٧١).
٨٣  يذكر الأصوليون مواقف الفِرَق من العبادات، ويذكرون أكثر اختلاف الفقهاء فيها؛ مما يُوحي بالتشتت والتفرق فيها. فالشهادة بالظاهر والباطن، باللسان والقلب، أدخل في باب الأسماء والأحكام نظرًا لأهميتها، وتحتوي على الجانب الشرعي لغير المسلمين وفِرَق الكفار، جزاء غلاة الروافض والحلولية القتل. أما المعتزلي وأهل الأهواء فلا يُصلَّى خلفه ولا يُورَث. وعند الكرامية، النية غير واجبة في الصلاة (الحصون، ص٦٥–٦٨؛ الأصول، ص١٨٦–١٩٣). في شرط الجهاد: الجهاد واجب مع أعداء الدين على حسب الوُسع والطاقة، وأصله وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد مع أهل الكفر بالقتال إلى أن يؤمنوا بالله وكتبه ورسله ويقبلوا دين الإسلام بكمال أركانه أو يقبل الجزية ممن يجوز لنا بذل العهد على الجزية، والجهاد مع أهل البدع بالحِجاج أولًا ثم بالاستتابة ثانيًا، ومن لم يبلغه دعوة الإسلام فلا يجوز قتله ولا أخذ ماله حتى يُدعى إلى الإسلام وتُقام عليه الحجة فيه، فإن لم يقبل ذلك عُومِل حينئذٍ بما يُعامَل به أهل الكفر؛ فإن قتله قاتل قبل قيام الحجة فقد اختلفوا فيه، وأوجب أصحابنا على قاتله دية له كما يليق بدية أهل دينه. وعلى الإمام سد الثغور، وإغزاء الجيوش، واستتابة أهل الردة وأهل البدع، وإقامة الحدود، وقسمة الفيء والغنيمة بين المُستحِقين. وإذا وقع النفير العام وجب على جميع المكلَّفين القيام به. ومتى قام بفرض الجهاد في ناحيةٍ بعض الناس سقط فرضه عن غيره؛ لأن الجهاد من فروض الكفاية (الأصول، ص١٩٣-١٩٤).
٨٤  أحكام الفروج: النكاح والرجعة والطلاق والخلع والظهار والإيلاء والعدة واللعان والرضاع والمهر ونفقات الأزواج. كفر الميمونية من الخوارج لإباحتهم نكاح بنات البنين وبنات البنات، ولفروع أحكام الفروج كتبٌ مقرَّرة. والغرض من جملتها أن مَن غيَّر منها ما اجتمعت الأمة عليه في نص في القرآن أو نسبة كفر، ومن خالف في شيء قد اختلف فيه سلف الأمة لم يكفر (الأصول، ص١٩٧).
٨٥  أحكام المعاملات أنواع، منها: البيوع والرهون والديون والضمان والكفالة والوكالة والحوالة والشركة والوديعة والعارية والصلح والشُّفعة والهبة والأوقاف والإجارات والزراعات والمساقاة وأحكام الإقرار والتفليس وأحكام اللُّقَطة وإحياء الأموات وإقطاع المعادن وسائر الوجوه التي تُكتسَب منها الأموال، فكل ذلك على الإباحة في الجملة. وقد كفر الأصم في إنكاره صحة عقد الإجارة التي أجمع السلف على جوازها، وفي إجازته الوضوء بالخل، وفي نفي الأعراض؛ تحريم الربا في الذهب والورِق والبُر والشعير والتمر والمِلح. والكلام في فروع المعاملات وشروطها كتابٌ مُنفرِد (الأصول، ص٢٩٥). شريعةٌ يستوفي بها كلٌّ من القوي والضعيف حقه (الحصون، ص٦٦–٦٨).
٨٦  أحكام الحدود نوعان: (أ) حق الله، كحدِّ الزنا وشرب الخمر. (ب) حق الآدمي، كالقصاص وحد القذف. الأول يسقط بالتوبة إلا مَن أقرَّ بها أُقيمَ عليه الحد، أو قامت البينة عليه (الأصول، ص١٩٨).
٨٧  في المحرَّمات والمباحات الأحكام الخمسة، وهي أدخَلُ في الحسن والقبح. وعند ابن الراوندي والقدرية لم يرِد الأمر إلا بالواجب، وأن النوافل غير مأمور بها؛ وبالتالي ليست طاعات. وعند معتزلة بغداد، نحن مأمورون بالمباح، وتركه معصية (الأصول، ص١٩٩-٢٠٠).
٨٨  أحكام الأموات: (أ) حكم الكفن والمئونة والغسل والدفن. (ب) حكم الديون والوصايا التي تُقتضى عنهم. (ﺟ) حكم الميراث عنهم (الأصول، ص٢٠٠).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠