النسل

فاسمعه يهنئ بمولود فيقول ناثرًا: قد سرت الجماعة بالمولود القادم أجزل الله حظه من اسمه، وأعطاه الغاية مما كُنِّي به. ويشتد به الفرح حتى يقول في ختام رسالة هذه التهنئة: وكان ينبغي ألا نهنئ به؛ لأنا شعرات في جسده وحصيات من أرضه، ولكن الجذل غلب فاستفز.١
وإن لم نعرف متى كانت هذه التهنئة بالمولود أكانت قبل عزلته أم بعدها؟ فإنَّا لنقرأ له تهنئة أخرى بمولود في قصيدة يصرح فيها بأنه الآن في صبر واعتزال،٢ ومنها يقول في التهنئة بالمولود:
هنيئًا والهناءُ لنا جميعًا
يقينًا لا يُظنُّ ولا يُخال
بمنتظرٍ مراقبة السواري
يهش لبرقها عُصب نهال

ويرجو للمهنأ المزيد من النسل والولد فيقول:

أهلَّ فبشر الأهلين منه
محيًّا في أسرَّته الجمال
بإخوته الذين همو أسود
على آثار مقدمه عجال

ويصف كثرة الولد وأثرها فيقول:

وهل يثقُ الفتى بنماء وفْرٍ
إذا لم تَتْلُ أينقَه فصالُ

هذا قول الذي رأى أن الحزم عدم النسل، بل رآه ذنبًا لا إقالة منه، والذي رأى النسل فرش هموم الفتى وأذًى للوالدين هو القائل من القصيدة السابقة في التهنئة مخاطبًا أبا الوليد:

بأن الله قد أعطاك سيفًا
عدوُّكَ من مخايلِه يُهال

كما يقول:

ستركزُ حولَ قبَّتك العوالي
وتكثرُ في كنانتِك النِّبالُ
فإن مُنايَ أن يُثري حصاكم
ويقصر عن زهائكم الرمال

وكما هنأ الإنسان بالمولود، دعا للطير العابد لله بسلامة الولد، فقال: وإن كنت عابدًا لله فأث ريشك وسلم ولدك (ف٤٢٩).

وهو في اللزوميات يقدر نفع النسل ويقول: إن خير النسل ما نفع:

خير النساء اللواتي لا يلدن لكم
فإن ولدن فخير النسل ما نفعا
٢: ٧٩

ويقدر فضل الابن في حمل العبء عن أبيه ويأمر الولد بذلك:

تحمل عن أبيك الثقل يومًا
فإن الشيخ قد ضعفت قواه

والذي رأى خير النساء العقيم هو الذي بارك النسل من المرأة الحَصان العاقلة التي عدَّها نعمة يُحسد عليها زوجها؛ إذ قال:

فإنْ جمعت إلى الإحصان عقلًا
فبورك مثمر الغصن الوريق
٢: ١٢٣

والذي يذكر جناية الأب على الولد حتى لو عقَّه الولد لكان قد كافأه بسوء صنيعه هو هو الذي يذكر عطف الوالدين على الولد، ويذم منه سوء معاملته لهما، ويضيف صنيعهما الحسن معه، فيقول: وأحسِن وأجمِل بالذي فعلاه:

ولو بمُشار العين يُوحى إليهما
لوشْكِ اعتزالِ العيش لاعتزلاه
يودَّان إكرامًا لو انتعلَ السُّها
وإن حُذِيَا السُّلَّاء وانتعلاه
يذمُّ لفرط الغي ما فعلَا به
وأحسِنْ وأجمِلْ بالذي فعلاه
٢: ٣٣٧

والذي عد الاشتغال بالنسل اشتغالًا بما لا ينفع هو الذي يعنف مَن يمنُّ على أبنائه بالنزر، ويلفته إلى صنيع الطير لأبنائها وإعطائها إياها ما في حواصلها:

مننْتَ على أبنائك النزرَ آسفًا
فأنت عليهم كالألدِّ المُفاصِل
ولم تسعَ فيهم ليلة سعي متعب
إلى أن يبين الصبحُ شيبة ناصل
ألم ترَ زُغبًا أدلجتْ أمهاتُها
فألقتْ لها ما حصَّلت في الحواصل
٢: ١٨٦

وهو يتحدث عن صنيع القَطا في هذا فيصفه في موضع آخر قائلًا:

عجبًا للقطا من الكدر والجو
نِ غدت في عنائها المتواصل
لقطتْ حبَّةً وجاءتْ بها الأفـ
ـراخ ثم استقت لها في الحواصل
٢: ٢١٥
وأخيرًا فإن أبا العلاء الذي يظن أنه صمم على عدِّ النسل جناية، واختار هذا الرأي من آرائه ليحمله شاهد قبره، ويعرفه به الخالفون بعده من الملمين بمثواه، فطلب — فيما يُروى — أن يكتب على قبره البيت المشهور:٣
هذا جناه أبي عليَّ
وما جنيت على أحد

أبو العلاء هذا هو الذي يعد النسل أفضل عمل في هذه الدنيا، ويعد السعي له عملًا معقولًا، ويقول:

دنياك دارٌ كلُّ ساكنها
متوقعٌ سببًا من النقل
والنسلُ أفضل ما فعلتَ بها
وإذا سعيتَ له فعَن عقلِ
٢: ٢٠٦

فهل آثر أبو العلاء العدم، ورأى من الواجب اتقاء الوجود والاجتهاد في قطع سلسلته؟ هذه آراؤه في المجتمع الصغير وهو الأسرة.

وأما …

١  رسائل المعري، ط أكسفورد، ص١١٣.
٢  سقط الزند ٢: ١٨٠. وليقدر القارئ أن من أبيات هذه القصيدة نفسها قوله:
وحالي خير حال كنت يومًا
عليها وهي صبر واعتزال
٣  ترجمة الذهبي لأبي العلاء، من رسائله، ط أكسفورد، ص١٣٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠