رثاء أنطون الجميل باشا

ألقيت هذه القصيدة في الحفل الذي أقامه مجمع اللغة العربية لتأبين الأستاذ أنطون الجميل عضو المجمع عام ١٩٤٨م.

حَنَّ شِعري إلى اللّقاءِ وأنَّا
أينَ ألقاكَ ليتَ شعري؟ وأنَّى؟١
ضَرَبتْ بينَنا المَنونُ بِسُورٍ
حَجبتهُ العقُولُ عَنْها وعَنَّا
تَتَلاقَى بِه الدموعُ حَيارَى
وَتَغُوصُ الظنونُ فيه فَتضنى٢
كم حوَى مِن ورائه زَهراتٍ
وغُصُونًا رَيّا المَعاطفِ لُدنَا٣
كم حوى من ورائِه عبقريا
تٍ، ورأيًا عَضْبَ الشَّباةِ وذهْنَا٤
كم حَوى مِن صحائفٍ لم تُتمَّمْ
وأناشيدَ لم تَعِشْ لتُغنَّى!
وأمانٍ زُغبٍ تطير إلى القَبـ
ـر، خِمَاص الحشى، فُرادى ومَثْنَى٥
حَجَبَ السورُ خلفَه لي رجاءً
خانَه الدهرُ في صِباهُ وأخْنَى٦
أسكتَتهُ قوارعُ الموتِ لَحنًا
ولوتْهُ زَعازعُ الموتِ غُصنَا٧
هُو في البدرِ حينما يطلعُ البد
رُ، وفي الروضِ حينَما يتثَنَّى
ما بُكاءُ الأطفالِ أجدى عليهِ
لَا، ولَا الصبرُ والتجلُّدُ أغنَى
فيه أسْعدتُ كلَّ باكٍ بِدَمعي
وأعرتُ الثكْلى الحزينَةَ جَفْنَا٨
كلَّما مرَّت النوادبُ صُبحًا
ضربَ القَلبُ بالجَناحِ وحنَّا٩
يا شبابًا فقدتُ فيه شَبابي
أدْركِ الوالهَ الشجيَّ المُعنَّى!١٠
قد وأدتُ الرجاءَ في هذه الدْ
دُنيا، فلا أرتجِي ولا أتَمنَّى١١
وخنقتُ السنينَ أو ما علاها
فرأيتُ الميلادَ مَوْتًا ودَفْنا
مَنْ يُعمِّرْ يجدْ أخلَّاءَهُ في الأر
ضِ أوفَى مِمَّن عليها وأحنَى!١٢
يذهب الأمسُ بالرجال فيُنسَوْ
نَ، وتَمضِي القُرونُ قرنًا فقرنا
رِيشَةٌ في مهامهِ البيدِ طارَت
أيْنَ طارت؟ اللهُ أعلمُ مِنَّا!١٣
وخِضَمُّ الماضِي يَعُجُّ بمن فيـ
ـه، ويغْشى قوْمًا، ويغمرُ مُدنَا١٤
وظُعونُ المنونِ منذُ سليل الطيـ
ـنِ تَطوي الصحراءَ ظِعنًا فظعنَا١٥
سُفنٌ تلتقِي على شاطئ الغيـ
ـبِ، لتَلقى هُناكَ سُفنًا وسفنَا
ما لنا غيرَ أن نقولَ حيارى
بلسان الدموع: كانُوا وكُنَّا
لا تقلْ: إنَّ صالحَ الذكرِ يبقى
كل شيءٍ في الدهرِ يبقى ليفْنَى
ما غنائي بالذكر يبقى جميلًا
حين أمسي تحت الصفائح رَهْنَا؟١٦
ما رجائي والسيفُ أضحى حُطامًا
أن أرى بعده نِجادًا وجَفْنَا؟١٧

•••

قد فقدنا «أنطونَ» بالأمس والحز
نُ على فقده يُجدِّدُ حُزنا
أَخَذَتْه فُجاءةُ الموتِ أخذًا
رِيعَ مِن هولِه الصباحُ وجُنَّا١٨
ما حنى الرأسَ مرةً لِعظيمٍ
فأبى أن يراهُ لِلسِّنِّ يُحنَى
أنجمٌ أشرقتْ فأطفأها المو
تُ، كما تُطفأ المصابيحُ وهْنَا١٩
ما على الدهرِ لو تريّثَ حِينًا
أو على الدهرِ مَرَّةً لو تأنَّى!
كُلّ يومٍ نرثي ونندبُ حتّى
صار ندبُ الرجال في مصر فنَّا
ورحا الموتِ لا تني تملأ الأر
ضَ ضجيجًا وتنثر الناس طحْنَا٢٠
نَسِيَ الشعرُ في صراع الرزايا
رنَّةَ الكأسِ والغزالَ الأغَنَّا٢١
شغَلتْه مآتمٌ ونعوشٌ
عَنْ هَوى زَينبٍ، وعَن وَعد لُبنى
كم سلَوْنا عَن صاحبٍ بحبيبٍ
فإذا بالحبيبِ يُخلِفُ ظنَّا!٢٢
نتداوى مِن لاعجِ الشوقِ بالشـ
ـوقِ ونطوي أسًى لننشر شَجْنَا٢٣

•••

ماتَ «أنطونُ» وانقَضت دولةُ المجـ
ـدِ، وكانت به تَعِزُّ وتغنَى
وغدا عَبْقِرٌ وواديه أضغا
ثًا، وعادت رَجاحةُ العقْلِ أفنَا٢٤
ورأينا الأقلامَ يَشقُقْن صدرًا
بعده حَسرةً ويقرَعْنَ سِنَّا٢٥
نندبُ الكاتبَ الذي يُرسل القو
لَ قويَّ الأداء مَعْنًى ومَبنَى
لا ترى لفتةً به تجبهُ الذو
قَ، ولا لفظَةً تُخْدشُ أُذْنَا
موجِزٌ زاده الوُضوحُ جمالًا
والتخلِّي عن الفَضالاتِ وزْنَا٢٦
أين ذاكَ الخُلقَ السميحَ؟ كأن لم
يكُ بالأمسِ يملأ الأرضَ حُسنَا
والبشاشاتُ أينَ مِنِّي سناها؟
والأفاكيهُ مِنْ هُناك وهُنَّا٢٧
والسياساتُ؟ والدهاءُ الذي كا
نَ سِلاحًا حينًا وحينًا مِجَنّا؟٢٨
أينَ ذاكَ الصدرَ الذي يحملُ العب
ءَ، عظيمًا، وليس يحملُ ضِغنَا؟٢٩
كم غزتْهُ الخُطوبُ دُهمَ النواصي
وهو أصفى من الصباح وأسنَى٣٠

•••

يا أخي، هَلْ يليقُ أن تدخلَ البا
بَ أمامِي، وأنت أصغرُ سِنَّا!
قِفْ! تأخّر، قد كنت تُعلي مكاني
ما جَرى؟! ما الذي نَبا بك عنَّا؟٣١
كنتَ بالأمس، كنت بالأمسِ رُوحًا
مَرِحًا ضاحِكًا، وصَوْتًا مُرِنّا٣٢
كنت مَعنًى من الشباب وإن
شاخَ، وعزْمًا لم يعرف الدهرَ وهْنَا٣٣
تملأُ الأرضَ والزمانَ حياةً
هادئَ النفسِ وادِعًا مطمئنا
تبذلُ الخيرَ لم يُكدَّر بمنٍّ
وكثير مِنّا إذا مَنَّ مَنَّا

•••

مجمعُ الضادِ كنتَ للضادِ فيه
عَلَمًا يُحسِرُ العيونَ ورُكنَا٣٤
كنتَ مِصباحَنا المنيرَ إذا غمـ
ـمَت سبيلٌ، وطالَ ليلٌ وجَنَّا٣٥
كنتَ يومَ الجِدالِ بالحُجَّةِ البيضا
ء تمحو سحائبَ الشكِّ وكنّا٣٦
عِفّةٌ في اللّسانِ صَيّرت الأيـ
ـيَامَ تشدو بمدحِك اليومَ لُسْنَا
تبلُغُ الغايةَ القصيّةَ ما أدْ
مَيتَ جُرحًا، ولا تعمدتَ طَعنَا٣٧
كلُّ قِرْنٍ لدى النضال يرى فيـ
ـكَ لمعنى الوفاء للحق قِرنَا٣٨

•••

حَسْرتَا للفتى إذا قارَب الشوْ
طَ طوتْهُ المنونُ غَدْرًا وغَبْنًا٣٩
كلَّما مدّ للكمالِ يديهِ
صَدَّ عنهُ الكمالُ كِبرًا وضَنَّا٤٠
إنْ قَوِينا عَقْلًا ضَعُفْنا جُسومًا
ورأينا في الموتِ بُرءًا وأمْنَا٤١
وشئونُ الحياةِ شتَّى ولكنْ
حُبُّنا للحياةِ أعظَمُ شأنَا
لو يعيشُ الإنسانُ عُمْرَ السُّلحفا
ةِ لأغنَى هذا الوجودَ وأقنَى٤٢
ما الذي نرتجيه والْعُمْرُ طَيفٌ
إنْ فَتحْنَا العينين بانَ وبِنّا؟٤٣
نحنُ في هذه الحياةِ ثِمارٌ
كُلُّ شيءٍ إن أدْرَكَ النضْجَ يُجْنَى٤٤

•••

يا أخي، هل تُجيبُ إن هتف الشو
قُ حبيبًا صِدْقَ الوفَاء وخِدْنَا؟٤٥
إن أكنْ فيكَ دانِيَ القلْبِ بالأمـ
ـسِ، فروحي لروحِك اليوم أدْنَى٤٦
أتراني إنْ حان حَيْني قَمينًا
أن أرى فِي ذَراك ظِلًّا وسَكْنَا٤٧
نَمْ قريرًا، فإنَّ في ضجعةِ القبـ
ـرِ سَلامًا للعاملين ويُمْنًا٤٨
وجَدَ الساهرُ المجدُّ وِسادًا
ورأى الطائرُ المحلِّقُ وَكْنَا٤٩
إنْ يكنْ في الحياةِ مَعنًى مِن الصفـ
ـوِ فَما للحياةِ بَعْدَكَ معْنَى

هوامش

(١) أنا: أصدر أنينًا. أنَّى: أين.
(٢) تضنى: تتعب.
(٣) ريا: مرتوية. المعاطف: الجوانب. لدنا: لينة.
(٤) عضب: كالسيف. الشباة: حاد الطرف.
(٥) زغب: صغار. والزغب هو أول ما يغطي جلد صغار الطيور بعد فقسها.
(٦) أخنى: أتى عليه وأهلكه.
(٧) قوارع: نوازع ودواهي. زعازع: زعزعة الشيء.
(٨) أعرت: أقرضت. الثكلى: التي فقدت ابنها، جفنا: جفن العين. يقصد عينًا دامعة.
(٩) النوادب: الباكيات على الميت الذاكرات لمحاسنه.
(١٠) الواله: المحب الحيران. الشجى: الحزين. المعنى: الذي يقاسي.
(١١) وأدت: دفنت. أرتجي: أرجو وآمل.
(١٢) أخلاءه: إخوانه. أوفى: أخلص. أحنى: عطوفًا.
(١٣) مهامه البيد: الصحراء الممتدة الواسعة.
(١٤) خضم: البحر ذو الأمواج المرتفعة. يغشى: يغطي.
(١٥) ظعون: أسفار. سليل الطين: المخلوق من الطين والمقصود سيدنا آدم عليه السلام.
(١٦) الصفائح: الألواح. رهنًا: مرهونًا يقصد موجودًا باقيًا.
(١٧) حطامًا: متكسرًا ومتحطمًا. نجادًا: حمائل السيف. جفنًا: غمد السيف.
(١٨) ريع: خاف وفزع.
(١٩) وهنًا: ضعفا.
(٢٠) رحا: المطحنة.
(٢١) الرزايا: المصائب. الأغنا: الذي يعيش في الأرض المعشبة المليئة بالشجر.
(٢٢) سلونا: نسينا.
(٢٣) لاعج: شدة. شجنا: حزنًا.
(٢٤) عبقر: صاحب وادي الجن الذي ادعى العرب وجوده. أضغاثًا: أحلام لا يصلح تأويلها لاختلاطها. أفنا: ضعف في العقل والرأي.
(٢٥) يقرعن سنا: يضربن ضرسًا كناية عن الحسرة.
(٢٦) الفضالات: النواقص.
(٢٧) البشاشات: طلاقة الوجه وسروره. سناها: ضوؤها. هنا: للتقريب.
(٢٨) مجنا: الدرع الواقي.
(٢٩) العبء: الحمل الثقيل. ضغنًا: حقدًا.
(٣٠) دهم النواصي: سود الرؤوس. أسنى: أكثر ضياء.
(٣١) نبا: بعد وجافى.
(٣٢) مرنًّا: له رنين مسموع.
(٣٣) شاخ: كبر وهرم. وهنًا: ضعفًا.
(٣٤) مجمع الضاد: مجمع اللغة العربية والفقيد كان عضوًا به. يحسر: تكل العيون من كثرة التطلع إليه.
(٣٥) غمت: اسودت. أظلمت. جنا: أظلم.
(٣٦) وكنا: متمكنا.
(٣٧) القصية: البعيدة. ما أدميت: ما أسلت دمًا.
(٣٨) قرن: ند.
(٣٩) غبنا: ظلما.
(٤٠) ضنّا: شُحًّا وبخلًا.
(٤١) برءا: شفاء. أمنًا: أمانًا.
(٤٢) أقنى: أعطى.
(٤٣) نرتجيه: نأمله ونريده. طيف: خيال. بان: ظهر.
(٤٤) يجنى: يحصد ويجمع.
(٤٥) خدنا: صديقًا.
(٤٦) داني: قريب.
(٤٧) قمينًا: جديرًا. ذراك: كنفك. سكنًا: إقامة.
(٤٨) قريرًا: هادئًا ساكنًا. في ضجعة: في وضع جنبه على الأرض. يمنًا: بركة.
(٤٩) وكنا: عُشًّا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١