ذكرى وتاريخ

أنشدت هذه القصيدة بدار المعارف سنة ١٩٤٥م، بمناسبة احتفالها بمرور عامين على إصدار سلسلة «اقرأ»:

لَسْتِ من شأنه ولا بعضِ شانِهْ
كَبَحَ الشيْبُ والنُهى من عنانِه١
فاذهبي، ما سلا الفؤادُ ولكن
ساقَه يأسُه إلى سُلوانه٢
وبدار الفردوسِ من جانبوا الإثـ
ـمَ، لعجز النفوسِ عن إتيانه٣
قد تولى الشبابُ ريحانةُ الحبـ
ـبِ، فمن لي بالحبِّ أو ريحانه؟٤
آه من حَيْرةِ المشيبِ: سواءٌ
هو في بَوْحِه وفي كتمانه!
إن كتمناهُ قهقه الدهرُ جذلا
نَ، ومدّ الخبيثُ طرفَ لسانه٥
أو أبحناهُ راعنا كلَّ يوْمٍ
شُرُفاتٌ يَهْوين من بنيانه
ورأيْنا الغِيدَ الأماليدَ حُلْمًا
ضَنّ بالملتقَى على وسنانه٦
كلُّ شيءٍ له أوانٌ يوفِّيـ
ـه، وفوْتُ الشباب قبل أوانه٧
كم نَعِمْنا به زمانًا فلمّا
طاح، عشنا في ذكريات زمانِهْ٨
طائرٌ كان إن تغنَّى إلى الرو
ضِ، شجا الحالياتِ من أغصانه٩
عسجديُّ الجناحِ وَدّ العذارَى
لو خَضَبْنَ البَنانَ من ألوانه١٠
وتمنَّى الأصيلُ لو نال يومًا
لمحةَ الحسن من سنا لمعانه١١
أين تصفيقُه؟ وأين مجاليـ
ـه؟ وأين الرخيمُ من ألحانه؟١٢
جالَ في الأفْق جوْلةً ثم ولَّى
هل يعود الشادي إلى جَوْلانهْ؟١٣
ومضى خافقَ الْجَناح ولم يتـ
ـرُكْ لقلبي منه سوى خفقانه١٤
وحواه الماضي الْخِضمُّ وأبقَى
ذكرياتٍ تطفو على شُطْآنه
مرّةً تستريح شوْقًا لذِكرا
ه، وحينًا نَجِدُّ في نسيانه
أنا عزمي من آل صخرٍ، ورأسي
لَقِيَ الويلَ من بني شَيْبانه١٥
ولنفسي مُنى الشبابِ، وإن أدْ
رَجَ وجهي الشبابَ في أغضانه

•••

ما أُحَيْلَى الصِّبا، فهل لمحةٌ منـ
ـهُ، ومن زَهْوِه ومن ريعانه؟!١٦
بان بالأمس ركْبُه فتطلّعـ
ـتُ، أعُدُّ الطيوفَ من أظعانه١٧
وبدا في طليعةِ الركبِ طيْفٌ
لجَّ منه الفؤَادُ في تحنانهْ١٨
هاج ذِكرَى «دارِ المعارف» والغُصـ
ـنُ رطيبٌ، والعُمُر في عنفوانِه
جَمَعَتْنا روْضًا جَنًى وظلالًا
تتدانى القطوفُ من أفنانه١٩
فشدوْنا عنادِلًا هزَّت الدهـ
ـرَ، وكادت تُلهيه عن حَدثانه٢٠
وصحا الشرقُ ناشطًا يَجْبَه الدنـ
ـيا، وينفي النعاسَ عن أجفانه٢١
وكتَبنا في روْعةٍ وبيانٍ
يُقسمُ السحرُ: إنه من بيانه
من إمامٍ وشاعرٍ وأديبٍ
معجزاتُ الفنونِ طوْعُ بنانه٢٢
جمعتنا «دارُ المعارف» أحرا
رًا، فكُنَّا للعلم من عُبْدانه٢٣
إنّ عُنوانَها جهابذُ مصرٍ
وجلالُ الكتابِ في عنوانهْ!٢٤
مصنعٌ من ثقافةٍ وضياءٍ
كلُّ قُطرٍ يعشو إلى نيرانه٢٥
يُنْضِجُ الْخُبزَ للعقول نَقيًّا
لم يُروَّع بالبخسِ في ميزانه٢٦
كُلّما دار دورةً نهض العقـ
ـلُ، وألقى العتيقَ من أكفانه
طَبَعاتٌ فيها من الحسن طبعٌ
قيمةُ المرءِ في مدَى إحسانه!
وإذا راعك الجمالُ لفنٍّ
عبقريٍّ فاسألهُ عن فنَّانه
نجمع الدرَّ توْءمًا وفريدًا
ثم نأتي به إلى دَهْقانه٢٧
قُلْ كما شئت في مديح «شفيقٍ»
والكرام الثقاتِ من أعوانه٢٨
باعثُ الفِكرِ مثلهُ ناشرُ الفكـ
ـرِ، له فضلُه ورفعةُ شانِهْ
أيُّ نفعٍ للمِسْكِ في حُقَّةِ المسـ
ـكِ، وللمال في يَدَيْ خزانِهْ؟٢٩
ينشَطُ الفكرُ بالذيوع ويزكو
وزَكاءُ اليَنبوعِ في جريانه!٣٠

•••

يا ابن «متري» بلغتَ مدحي، وهذا
منزلُ النجمِ، أو قريبُ مكانه
صُنتُ شعْري عن أن يهونَ وبعضُ الشـ
ـشِعْر يَسعى لذُلِّه بهوانه
يصْغُرُ الفنُّ حينما تصغُر النفـ
ـسُ، وينحطُّ من رفيع قِنانه٣١
إن شِعْري أجرُ النبوغِ فما بضـ
ـضَ لغير المُجيدِ في مَيْدانه٣٢

•••

أشفيقٌ، سِرْ بالشبابِ حثيثًا
أملُ الشرقِ في يَدَيْ شُبّانه!
قد قرأنا في «اقرأ» صحائفَ أَبْدَتْ
صفحاتِ الربيعِ في إبّانِهْ٣٣
نَهضَتْ بالشريفِ من لغة الضا
دِ، وجاءت بالسحر من تِبيانه٣٤
فهناءً «دارَ المعارف» لا زِلـ
ـتِ منارَ الحِجا ومجلَى افتنانه٣٥
لقِيَ الشرقُ في ذَراكِ مَلاذًا
مُذْ بَعَثْتِ الحياةَ في أوطانه٣٦

هوامش

(١) النهى: العقل. عنانه: مقود الفرس.
(٢) سلا: نسي.
(٣) دار الفردوس: الجنة.
(٤) ريحانة: رائحته الطيبة والريحان نبات ذو رائحة جميلة.
(٥) جذلان: فرحان.
(٦) الأماليد: ناعمة الخد. وسنانه: نائمة.
(٧) أوان: وقت. يوفيه: يعطيه حقه.
(٨) طاح: سقط وولى وراح.
(٩) شجا: طرب. الحاليات: المظهرات حلاوة وعجبًا.
(١٠) عسجدي: ذهبي. خضبن: دهن أيديهن بالحناء.
(١١) الأصيل: الوقت بعد العصر إلى المغرب.
(١٢) الرخيم: الرقيق.
(١٣) جال: طاف.
(١٤) خافق الجناح: مضطرب مرفرف.
(١٥) آل صخر وبني شيبان: أسماء لقبائل عربية.
(١٦) ريعانه: قوته وفتوته.
(١٧) الطيوف: الأخيلة. أظعانه: أسفاره ومشيه.
(١٨) لج: تردد.
(١٩) جنى: ثمار. القطوف: العناقيد.
(٢٠) عنادلًا: طيور يقال له: الهزار صوتها حسن. حدثانه: أحداثه.
(٢١) يجبه: يستقبل.
(٢٢) طوع بنانه: منقادة له.
(٢٣) عبدانه: خاضعين له.
(٢٤) جهابذ: عظماء.
(٢٥) قطر: الناحية والجانب. يعشو: هنا بمعنى يقصد.
(٢٦) يروع: يفزع. البخس: النقص.
(٢٧) التوءم: اثنان في بطن واحدة. فريدًا: واحدًا. دهقانه: تاجر الجواهر.
(٢٨) شفيق: هو شفيق نجيب مترى صاحب دار المعارف في ذلك الحين. الثقات: أهل الثقة.
(٢٩) المسك: الطيب. حقة: المكان الذي يوضع فيه.
(٣٠) الذيوع: الانتشار. ذكاء: نماء. الينبوع: عين الماء.
(٣١) قنانه: مكانته العالية، أعلى الجبل.
(٣٢) بض: رق ولان، استجاب.
(٣٣) اقرأ: هو اسم سلسلة كتيبات تصدرها دار المعارف. إبانه: أوانه.
(٣٤) لغة الضاد: اللغة العربية.
(٣٥) منار الحجا: منار العقل. مجلى: موضح.
(٣٦) ذراك: ظلك. ملاذًا: ملجأ ومأوى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١