رِثَاء أمِين

يبكي الشاعر في هذه القصيدة صديق شبابه الأستاذ محمد أمين لطفي، وكان وكيلًا مساعدًا بوزارة المعارف، وقد أنشدت هذه القصيدة في جمع حافل بدار الأوبر في آخر يناير سنة ١٩٣٦م.

أَتَدْرِي العُلَا مَنْ شَيَّعَت حِينَ شَيَّعوا؟
ومَنْ ودَّعتْ يومَ الرَّحِيلِ وَوَدَّعُوا
بَكَيْنا، فَلَمْ يَشْفِ البُكَا حُرْقَةَ النَّوَى
وَلكِن إذا ضَاق الْفَتى كَيْف يَصْنَعُ؟١
تَهِيجُ بنا الذِّكْرَى، فَيغْلِبنَا الأسَى
وتدرِكنا رُحْمَى الإلهِ فنَخْضَع٢
هو المَوْتُ سَهْمٌ في يَدِ الله قَوْسُهُ
فَلا الحزْمُ يَثْنِيه، ولا الكَفُّ تَدْفَع
نَرُوحُ إلى حاجَاتِنا، وَهْوَ راصِدٌ
وننثرُ من آمالِنا، وهو يَجْمَعُ٣
بِنَفْسِي أمينًا في ثِيابِ شَبَابِه
يَطِير به الأمْسُ الذي لَيْسَ يَرْجعُ٤
أقام كمَا تبْقَى الأزَاهِير لَمْحةً
وزَالَ كما زَال الْخَيالُ الموَدِّع٥
فَقَدْنَاهُ فِقدانَ الكمِيِّ سلاحَه
(وما بين قِيدِ الرمحِ والرمحِ إصْبع)٦
فقدناه، حتى قد فقدنا وجودَنا
فهل بَقِيَتْ إلّا جُفونٌ وأدمع؟
فقدناه، فقْدانَ الأليفِ أليفَه
يصيحُ به في كل روضٍ ويسجَع٧
يسائلُ عنه الأفقَ، والطيرُ حُوَّمٌ
ويستخبرُ الأمواهَ، والطيرُ شُرَّع٨
يَدِفُّ فيحوي الأرضَ منه تأملٌ
ويعلو فيعلو النجمُ منه تطلُّع٩
يظنُّ خفيفَ الدوحِ خَفْقَ جَناحِه
إذا همستْ منه غصونٌ وأفْرعُ
ويحسَبُ تَحنانَ الغديرِ هَديلَه
فَيحبِسُ من زَفْراتِهِ ثم يَسْمع١٠
لقد ملَّتِ الغاباتُ مما يجوسُها
وملَّ صِماخُ الليلِ ممّا يُرَجَّع١١
له أنَّةُ المجروحِ أعيا طبيبَه
وضجَّ لما يشكو وِسادٌ ومَضْجَع
كأنَّ جَناحَيْهِ شِراعُ سفينةٍ
دهتها من الأرواحِ نكْباءُ زَعْزَع١٢
تُضاحِكُهُ الآمالُ حِينًا فيرتجي
ويَجْبَهُهُ اليأسُ العبوسُ فيخْشَع١٣
لدَى كلِّ عُشٍّ صاحباه، وعُشُّه
خَلِيٌّ من الألَّافِ قَفْرٌ مُصَدَّع١٤
عَزاءً عزاءً أيها الطيرُ إنما
لكل امرئٍ فِي ساحةِ العمرِ مَصْرَعُ
فأين من الطير الهديلُ وَوُلْدُهُ؟
وأين من الأملاكِ كِسْرَى وتُبَّعُ؟١٥
طواهم خِضَمُّ لا يُنادَى وليدُه
يطوِّحُهم آذيُّهُ المتدفِّع١٦

•••

رمتني الليالي قبلَ نَعْيِكَ رَمْيَةً
عَرفتُ بها كيف القلوبُ تَقَطَّع١٧
نِصالٌ حِدادٌ قد ألِمْتُ لحَمْلِها
وأعْلَمُ أني هالكٌ حين تُنْزَع١٨
فلما رماني سهمُك اليومَ وانطوتْ
عليه جُنوبٌ خافقاتٌ وأضْلع١٩
أمِنْتُ على قلبي السهامَ فلم يَعُدْ
به بعد خطبِ الأمسِ واليومِ مَوْضِع

•••

أأنسَى أمينًا، والشبابُ يَحُفُنُّا
جديدًا، وروضُ الودِّ بالوُدِّ مُمرِعُ٢٠
بأرضٍ إذا غَصَّ النَّهارُ بِغَيْمِها
فوجهُ أمينٍ أينما لاح يَسطَع٢١
نَسيتُ به أهلي، ويا رُبَّ صاحبٍ
أبرُّ من ابن الأم قلبًا وأنفع
يغالبني شوقٌ إلى الفنِّ رائعٌ
ويجذِبُه مَيْلٌ إلى العِلم أرْوَع
نروحُ ونغدو لاهِيَيْنِ، ولم نكن
نخاف رزايا الدهرِ أو نتوقَّع٢٢
ونضحَكُ للدنيا اللعوبِ وزُورِها
ونمرَحُ في زَهْوِ الشباب ونرتَع
وكنا نرَى الأيامَ أحلامَ نائمٍ
فأيقظنا منها الأليمُ المُرَوَّع٢٣
وكانت غِناءً كلُّها ثم أصبحت
وليس بها إلَّا الرثاءُ المفَجِّع٢٤

•••

أتذكرْ إذ نمشي إلى الدرسِ بُكْرَةً
بِنُوتِنْجِهامٍ، تستحِثُّ فأُسرع؟٢٥
وقد حجب الشمس الضبابُ كأنَّما
تلا الليلَ ليلٌ عاكرُ اللونِ أسْفَعُ٢٦
بلادٌ كأنَّ الشمس ماتت بأُفقِها
فظلَّتْ عليها أعينُ السُّحْبِ تَدمَع
كأنَّ المصابيحَ الخوافقَ حَوْلَنا
سيوفُ وَغًى في ظُلمةِ النَّقْعِ تلمَع٢٧
كأنَّ بياضَ الثلجِ يُنْثَرُ فوقَنا
صحِيفتُك البيضاءُ بل هي أَنصع
تُناقِلني حُلْوَ الحديث كأنَّه
وقد رقَّ معناه الرحيقُ المُشَعْشَع٢٨
خِلالٌ كريماتٌ أرقُّ من الصَّبا
وأنضرُ من وَشْي الرياضِ وأضْوع٢٩
وَلِعتْ بها عُمْري، وأكْبَرْتُ ربَّها
وإني بأخلاقِ الكرامِ لمُولَع٣٠
وقد كنتَ عفَّ النفسِ واللفظِ والنُّهى
فلا الرأْيُ مأفونٌ ولا القولُ مُقْذِع٣١
تكُدُّ كما كدَّ النِّمالُ، وترتوِي
زُلالًا من العلم الصحيح وتكْرَعُ٣٢
فتًى طَلَب الدُّنْيا كَرِيمًا فنَالَها
ولَيْس له فيها سِوَى المجْدِ مَطْمعُ
وسَعْيُ كَبيرِ النَّفْس للنَّفْسِ مُكْبِرٌ
وسَعْيُ صَغِيرِ النَّفْسِ للنَّفْسِ مُخْضِع
وأعْظَمُ أخْلَاقِ الفَتَى هِمَّة الفَتى
وعَزْمٌ حَدِيدُ النَّصل لا يَتَزَعْزَعُ
إذَا وَفَّقَ اللهُ امْرأً في طِلَابِه
دَنَا الصَّعْبُ، وانْقَاد العَسِير المُمَنَّعُ
قَنَعْنا بما دُونَ القَلِيل، ولَمْ تَكُنْ
بِغَيْرِ جَلِيلات المَطَالب تَقْنَع
وعُدْتَ وفي يُمْنَاكَ أَسْمَى شَهادةٍ
وأشْرفُ عُنْوان لمِصْرَ وأرْفَع
رَسمتَ لشُبَّانِ البِلَادِ طَرِيقَهُمْ
فَأَبْدَعْتَ فيما قَدْ رَسَمْت وأبْدَعُوا
ومَنْ طَلَب الْمَجْد المَنِيعَ فَما له
سِوَى سِيرَةِ الأبْطَالِ في النَّاس مَهْيَعُ٣٣

•••

وقد كنت فُيْ كُلّ المَناصِبِ سَيِّدًا
تَزِينُك في الدُّنْيا خَلَائِقُ أَرْبَع
فَحزْمٌ كما تَرْضى العُلَا، وتواضُعٌ
وعَزْمٌ كما تَرْضَى العُلا، وتَرَفُّعُ٣٤
لَكَ البسْمَةُ الزَّهْرَاءُ تَلْمَعُ كالضُّحَى
وتُدْفِئ مِنْ قَلْبِ الجَبَانِ فَيَشْجعُ
حَرِيصٌ على وُدِّ الصَّدِيق كأنَّما
مَوَدَّتُه العَهْد الذِي لا يُضَيَّع
إذا قَرأ الأوْرَاقَ للرَّأْيِ فاتّئِدْ
فقَدْ قَرَأ الأوْراق للرَّأْيِ أَلْمع
وإن صَدَعَتْ بالحُكْم يومًا شِفَاهُهُ
فَلَيْس بغَيرِ الْحَقِّ والعَدْلِ تَصْدَع٣٥

•••

عَجِبْتُ لصَدْرٍ ضَاق بالدَّاء حِلْمُه
وأَرْجَاؤُه مِنْ شَاسِع البِيد أَوْسَعُ٣٦
مَرِضْت، فقُلْنَا: مَشْرَفِيٌّ بِغمْده
تَوارَى، ونَجمٌ عنْ قَليلٍ سيَطْلُع٣٧
ولَمْ نَدْرِ أنَّ الْمَوْتَ باسِطُ كَفِّه
إلى الغُصْنِ في ريْعَانِه وهو مُونِع٣٨
وأنَّ النَّوَى الْحَمقَاء شَدَّتْ رِحَالَها
وأَنَّ أمِينَ الرَّكْبِ للبَيْن مُزْمِعُ٣٩
وأنَّ المَعَالِي والمكَارِمَ والحِجَا
سيَضْمَنها قَفْرٌ من الأرْضِ بَلْقَع٤٠
وأنَّ قَضَاء اللهِ حُمَّ، فمَا لَنَا
مَحِيصٌ، ولا مِمَّا قَضَى اللهُ مَفْزَع٤١
إذا بَرَعَ الطِّبُّ الحدِيثُ فَقُلْ لَهُ:
يَدُ المَوْتِ أَمْضَى مِنْ يَدَيْك وأَبْرَع
وإنَّ الفَتى ماضٍ وماضٍ طبيبُه
وعائدُه مِنْ بَعْدِه والمُشَيِّع

•••

أمينُ، وظِلُّ الْمَوْتِ يَفْصِلُ بيْنَنَا
سَبَقْتَ، وإنِّي عَنْ قَلِيلٍ سأَتْبِع٤٢
ونَرْجع للْحُسْنَى كَمَا كَانَ عَهْدُنا
فَلَا نَشْتَكِي هَمًّا ولَا نَتَوَجَّع
وما مَاتَ مَنْ أبْقى ثَنَاءً مُخَلَّدًا
وذِكْرًا يُسَامِي النَّيِّراتِ وَيفْرَع٤٣
إذا ذَهَبَ المِسْكُ الذَّكِيُّ فَإنَّه
يَزُول وَيَبْقَى نَشْرُه المُتّضَوِّع٤٤

هوامش

(١) النوى: الفرقة والبعد. حرقة النوى: لذعتها.
(٢) تهيج: تثور.
(٣) راصد: مترقب بنا الدوائر ينتهز الوقيعة. نثر الآمال: تشعبها وتعدد مناحيها.
(٤) بنفسي أمينًا: أي أفدي أمينًا بنفسي.
(٥) الأزاهير: جمع الأزهار. ويضرب المثل في القصر بأعمارها.
(٦) الكمي: الشجاع.
(٧) الأليفان من الحمائم: الذكر والأنثى. تسجع: تغرد نائحة.
(٨) يقال: حوم الطائر: وذلك إذا دوم في طيرانه. شرع: أي مجتمعة حول الماء لتشرب.
(٩) يقال: دف الطائر: وذلك إذا مر فوق الأرض. ويحوي الأرض … إلخ أي: يحيط تأمله بجميع ما على الأرض وذلك لقربه منها في طيرانه.
(١٠) تحنان الغدير: خرير مياهه. هديل الحمام: سجعه. زفراته: أنفاسه.
(١١) يجوسها: يذهب خلالها ويجيء. الصماخ: خرق الأذن حيث تنحدر منه إليها المسموعات. الترجيع: ترديد الصوت في الحلق.
(١٢) دهتها: أصابتها. الأرواح: الرياح. والنكباء الريح تنحرف عن مهبها. الزعزع: الريح العاصفة.
(١٣) تجبهه: تواجهه بما يكره.
(١٤) قفر: خال. مصدع: أي قد تفرق جمع ساكنيه وتشتت شملهم.
(١٥) الهديل: فرخ من الحمام كان على عهد نوح يقال إنه مات عطشًا. كسرى: لقب لملوك الفرس. تبع: لقب لملوك اليمن.
(١٦) الخضم: البحر. الآذي: الموج.
(١٧) يشير بهذا البيت والأبيات الثلاثة بعده إلى خطب (الشاعر) في ابن له انتزعه القدر من بين يديه ناشئًا صغيرًا، ورحل عنه في نوفمبر ١٩٣٥م عن عشرين عامًا.
(١٨) النصال: جمع نصل. وهو حديدة السكين والسيف والرمح. حداد: حادة.
(١٩) انطوت عليه: انضمت عليه. وخافقات: مضطربات همًّا وحزنًا.
(٢٠) ممرع: مخصب معشب.
(٢١) بأرض: يقصد بلاد الإنجليز وقد اشتهرت بغيومها واحتجاب شمسها.
(٢٢) رزايا الدهر: أرزاؤه وما يصيب به مما يعيا بحمله الإنسان.
(٢٣) المروع: المفزع.
(٢٤) المفجع: الموجع المؤلم.
(٢٥) بكرة: أول النهار. نوتنجهام: إحدى مدن إنجلترا. وكانت فيها الجامعة التي تلقى فيها الشاعر والفقيد علومهما. تستحث: تحفزني للإسراع وتستنهضني.
(٢٦) الأسفع: الأسود المشرب حمرة.
(٢٧) الخوافق: المضطربة. الوغى: الحرب. النقع: الغبار تثيره الحرب.
(٢٨) الرحيق: أطيب الخمر وخالصها. المشعشع: الممزوج منها. وهو أشد أثرًا ولعبًا بالرءوس.
(٢٩) الصبا: ريح باردة منعشة. وشي الرياض: ألوان زهرها المختلفة. أضوع: أكثر رائحة وأذكى.
(٣٠) ولعت: أغرمت وشغفت بها.
(٣١) المأفون: الضعيف الفاسد الرأي. المقذع: المفحش.
(٣٢) الزلال: العذب الصافي. تكرع: تشرب.
(٣٣) المهيع: الطريق البين الواضح.
(٣٤) النهى: جمع نهية. وهي العقل، وسمي العقل بها؛ لأنه ينهى عن كل مرذول قبيح.
(٣٥) صدعت بالحكم: نطقت به وجهرت.
(٣٦) البيد: جمع بيداء، وهي الفلاة الواسعة. يشير إلى موته بعلة الصدر ويعجب كيف أن صدره الرحب لم يتسع لمثل هذا الداء.
(٣٧) المشرفي: السيف، منسوب إلى المشارف، وهي قرى من أرض اليمن، وقيل: من أرض العرب تدنو من الريف. غمد السيف: جفنه.
(٣٨) ريعانه: اكتماله وتمام قوته. مونع: قد أدرك ونضج.
(٣٩) النوى: الفرقة، ويريد بها الموت. الرحال: جمع رحل، وهو ما يوضع على الراحلة. شد الرحال: كناية عن الأهبة للرحيل. أمين الركب: هو الفقيد. مزمع: عازم.
(٤٠) الحجا: العقل والفطنة. البلقع: التي لا أنيس بها.
(٤١) حم القضاء: وقع. ما لنا محيص: أي ليس لنا عنه محيد ولا منه مهرب. مفزع: أي مكان نلجأ ونفزع إليه فنتقي به ما وقع.
(٤٢) ظل الموت: حجابه.
(٤٣) يسامي: يباريها في السمو والرفعة. النيرات: الكواكب المضيئة المشرقة. يفرع: يعلو.
(٤٤) الذكي: الذي تسطع رائحته. نشره: ما ينبعث عنه من رائحة طيبة. المتضوع: المنتشر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١