الفصل الرابع

تطبيقات المعيار

(١) في النظريات الفيزيائية

(١) لم تكن كل المناقشة السالفة في هذا الباب إلا تبيانًا لقابلية القوانين الفيزيائية للتكذيب، بحيث تمثل هذه القابلية معلمها المميز ومعيار علميتها؛ لذلك لن تكلفنا النظريات الفيزيائية الآن كبير عناء، وتكفي الإشارة السريعة إلى أن معيار القابلية للتكذيب ينطبق أول ما ينطبق عليها، خصوصًا على تلك التي تعتبر أفكارًا رائدة مبسطة، ولما كانت الجرأة هي روح دعوة بوبر المنهجية التكذيبية، فإن النظريات العظمى الأكثر جرأة، ستكون ذات قابلية للتكذيب أوضح أي ينطبق عليها المعيار بصورة أبسط، وذلك كلما كانت قد دخلت في مخاطرة أكبر مخافة أن تكون خاطئة كلما كان الأمر يبدو بخلاف ما تقول.١

(٢) مثلًا: فرض أرسطارخوس وكوبرنيقوس بأن الشمس وليست الأرض هي القابعة في مركز الكون، أنموذج أمثل على هذا؛ فقد كان فرضًا جريئًا، بل ولا يمكن تصديقه في عهودهما، وصحيح أنه فرض كاذب فقد توصلنا الآن إلى أن الشمس ليست هي مركز الكون بمفهوم أرسطارخوس وكوبرنيقوس، وأن حركة الأفلاك حولها ليست دائرية كما تصورا، لكن بوبر يقول صحيح أنه فرض كاذب، لكن هذا لا يؤثر على جرأة الحدس الافتراضي ولا على خصوبته، فواحدة من أهم نتائجه أن الأرض لا تقبع في مركز الكون، وأن لها على الأقل حركة يومية وحركة سنوية، ولا يزال هذا مقبولًا حتى اليوم، ولكن ليس هذا هو ما يعنينا الآن، وإلا كنا نبحث عن تحقيقها إن ما يعنينا هو جرأة الفرض، وقد كان جريئًا؛ لأنه صادم كل النظريات التي كانت مقبولة في وقته، وصادم الدليل الحسي التجريبي الذي يبدو للوهلة الأولى، وكان جريئًا أيضًا؛ لأنه أخذ بوجود حقيقة كانت مجهولة حتى وقت ظهوره، أو حاول الكشف عنها، وقد وضع كوبرنيقوس عددًا صغيرًا من التنبؤات البسيطة، وفرضه لذلك علمي وقابل للتكذيب.

لكن هذا الفرض لم يكن جريئًا بمعنى آخر هام جدًّا، وهو أنه لا أرسطارخوس ولا كوبرنيقوس اقترحا تجربة نقدية؛ أي اختبارًا مفندًا، بل إنهما لم يقترحا أبدًا أن أي شيء حظِيَ فيما يتعلق بالمظهر البادي، والموقف التقليدي المقبول؛ فقد تركا المظاهر المقبولة كما هي، فقط حاولا أن يعيدا تفسيرها، فلم يبلغا المنزلة العلمية الملائمة لأنهما لم يتنبآ بوقائع جديدة قابلة لملاحظة ذات شأن كبير؛ لذلك فنظريتهما من هذه الناحية لا علمية، مما يعني أنها في جملتها ذات قابلية للتكذيب — وبالتالي ذات قيمة علمية — منخفضة؛ لأنهما لم يأخذا بالبعد المنهجي للقابلية للتكذيب مأخذًا جديًّا،٢ وبالطبع لو أدخلنا هذه النظرية في عملية مقارنة درجة قابليتها للتكذيب بالنسبة للنظريات العلمية الفلكية التي توصلنا إليها الآن؛ أي لو قارنَّاها على أساس علاقات القابلية للاشتقاق والفئة الفرعية وأبعاد النظرية والبساطة، لكانت درجة قابليتها للتكذيب منخفضة للغاية.
ولكنها على أية حال نظرية قابلة للتكذيب أصلًا فهي علمية، إنها اقتراح وجهة نظر إلى الكون جريئة وجديدة أسهمت إسهامًا عظيمًا في تقدم العلم الحديث.٣
(٣) أما مع كبلر، فنجد نظرية ذات قابلية للتكذيب أعلى، فقد مضى إلى ما هو أبعد، كان لكبلر نظرية ميتافيزيقية قائمة إلى حد كبير على نظرية كوبرنيقوس بأن الأرض وجميع الكواكب تدور حول الشمس في مدارات دائرية، غير أن وجهة نظره تأدَّت به إلى عديد من التنبؤات التفصيلية الجديدة عن المظاهر البادية، وفي البداية لم تنطبق تنبؤات على الملاحظات، فحاول أن يعيد تأويل الملاحظات ودفعه تحمسه في البحث عن الحقيقة إلى ترك بعض نظرياتها المفضلة، أي التصور الدائري لمسار الأفلاك، فقد كان الرأي السائد — بتأثير أرسطو — هو أن الحركة الدائرية أكمل الأشكال؛ وبالتالي لا بد وأن تكون حركة الأجسام العلوية دائرية،٤ ترك كبلر هذا الفرض وتوصل إلى فرضه الرائع، فرض المدار البيضاوي أو الإهليجي لمسار الأفلاك، وفي النهاية خرج بقوانينه الثلاثة العظيمة، التي حلت إلى حد ما مشكلة الحركة في نطاق علم الأفلاك، وهي:
  • (١)

    كل كوكب يدور حول الشمس في فلك بيضاوي تقع الشمس في إحدى بؤرتيه.

  • (٢)
    نصف قطر الموجة Radius vector بين الشمس والكوكب، يقطع مساحات متساوية في الأزمنة المتساوية.
  • (٣)
    يتناسب مربع سنة أي كوكب تناسبًا طرديًّا مع مكعب متوسط المسافة بينه وبين الشمس.٥
هذه القوانين تمثل اقترابًا تقديريًّا approximation جيدًا من الصدق، وإن كانت ليست صادقةً تمامًا كأية قوانين علمية، بل وإننا توصلنا إلى مواطن الكذب فيها، غير أنها قابلة للاختبار والتكذيب، وقد اختبرت في ضوء نظريات نيوتن وآينشتين التي تنبأت بانحرافات بسيطة عنها، وقوانين كبلر تبعًا لنظرية نيوتن صحيحة فقط بالنسبة لحركة جسمين، وتفشل في بعض المواضع بصورة طفيفة لو أخذناها كقوانين لحركة مجموعة من الأفلاك وهذه هي التجربة الفاصلة ضد كبلر، بسيطة وطفيفة لكنها واضحة بما يكفي،٦ لإثبات أن نظريته علمية بلا جدال.
(٤) وبالطبع نظرية نيوتن بقوانينها الثلاث تمثل نظرية علمية على الأصالة وبما لا يدع مجالًا للشرح، فيمكن منها أن تستنبط القوانين التي تحكم حركة أية أجسام طالما لها سرعات معينة، وإذا لم تتحرك الأجسام على النحو الذي تنبأت به النظرية فإن هذا سيمثل تفنيدًا لها، وحقًّا أن جميع الأجسام في الماكروكوزم — حتى الآن — تتحرك تبعًا لها، غير أن إمكانية التكذيب المنطقية قائمة فيها على أية حال، خصوصًا أننا نسلم في فلسفة العلم المحدثة بأنه ليس ثمة ما يمنع الأجسام من أن تغير قوانين حركتها، ثم إن النظرية قد تعرضت لتجربة فاصلة واجتازتها، بل لتجارب كثيرة فاصلة واجتازتها؛ فقد وضعت أكثر التنبؤات تفصيلًا لأنواع جديدة من المؤثرات كالانحرافات عن قوانين كبلر، وكانت هذه التنبؤات تقف في وجه أقسى الاختبارات وكان أعظم نجاح للنظرية هو اكتشاف كوكب نبتون؛ فقد حول تهديدًا بالهزيمة إلى انتصار، وتنبأت النظرية بضرورة وجود جسم آخر، وبعد هذا التنبؤ بسنوات، تم اكتشاف كوكب نبتون بالفعل.٧

ورغم هذا فقد أثارت قابلية نظرية نيوتن للتكذيب جدلًا، خصوصًا فيما يتعلق باكتشاف كوكب نبتون، ربما لأن الاستقرائيين يصورون فيها حصنًا منيعًا لهم، ولما كان معيار القابلية للتكذيب أساس نظرية بوبر المقوضة لاستقرائهم، فقد حاولوا تقويض المعيار عن طريق نفي انطباقه على واحدة من أهم النظريات العلمية، إن لم تكن أهمها.

وقد فعل ذلك هيلاري باتنام؛ فقد أوضح أن نظرية نيوتن تتكون من القانون القائل: إن كل جسم «وليكن «أ»» يؤثر على كل جسم «وليكن «ب»» بقوة «ق»؛ أي «ق أ ب» تتجه نحو «أ» وشدتها معامل ثابت عام هو «ﺟ»، هذا مع قوانين نيوتن الثلاثة للحركة، وهي القوانين الأساسية التي تقوم عليها الفيزياء الكلاسيكية، أي:
  • (١)

    يظل كل جسم على حالته من الحركة أو السكون، ما لم يؤثر عليه مؤثر خارجي.

  • (٢)
    تتعادل قوة الدفع (أو كمية الحركة momentum) التي تلزم لتحريك أي جسم مع القوة الواقعة عليه، وتكون في نفس اتجاه هذه القوة.
  • (٣)
    لكل فعل رد فعل معاكس له في الاتجاه ومساوٍ له في المقدار.٨
والآن فإن هذه النظرية لا تتضمن أية عبارات أساسية مفردة، وأية حركة مهما كانت لا بد وأن تكون متوافقة مع النظرية، طالما أنها لا تقول شيئًا عن أية قوى بخلاف الجاذبية، وهذه القوة «ق أ ب» لا يمكن قياسها هي ذاتها؛ وبالتالي لا يمكن استنباط تنبؤات مفردة من النظرية، وكل ما نفعله حين نطبق النظرية على موقف فلكي هو أن نقوم ببعض الافتراضات المبسطة، هي تقديرات أولية تخدمنا كعبارات مساعدة، مثلًا لو حاولنا استنباط مدار الأرض فإننا نضع الافتراضات الآتية:
  • (١)

    لا توجد أية أجسام بخلاف الأرض والشمس.

  • (٢)

    الأرض والشمس موجودتان في فراغ صارم.

  • (٣)
    لا تتعرَّض الأرض والشمس لأية قوى بخلاف قوة الجاذبية المتبادلة بينهما.٩
ومن ربط نظرية الجاذبية العامة مع هذه العبارات المساعدة، يمكن بالفعل أن نستنبط تنبؤات معينة، على سبيل المثال نستنبط قوانين كبلر، ولو حاولنا جعل العبارات المساعدة ١، ٢، ٣ أكثر واقعية، مثلًا بأن تدخل فيها بقية أجزاء النظام الشمس، يمكن أن نحصل على تنبؤات أدق والعبارات المساعدة يمكن أن توضع بصورة أكثر حذرًا لتتفادى أي اعتراض بأنها كاذبة، غير أننا لا نستعملها إلا ضمنًا ولا ننص عليها إطلاقًا، وحساب نيوتن لقوانين كبلر لا تجعل من تلك العبارات المساعدة أكثر من مجرد إشارة سببية إلى ما يحدث، والعلماء بصفة عامة لا يهتمون كثيرًا بهذه العبارات المساعدة، والاهتمام العظيم الذي يوليه العالم لبناء النظرية، يناقض اللامبالاة التي يقدم بها العبارات المساعدة، هذا على الرغم من أن العبارات المساعدة قابلة هي الأخرى للمراجعة ربما أكثر من النظرية، وبعد هذا لا يفوت باتنام التنويه إلى أن التنبؤات لا يمكن أن تأتي من النظرية بمفردها، ولكن من الضروري جدًّا مساعدة تلك العبارات المساعدة وأيضًا العبارات الأساسية.١٠
وينتهي باتنام إلى أن نظرية الجاذبية العامة ظلت لأكثر من قرنين من الزمان مقبولة كحقيقة قاطعة لا تقبل شكًّا ولا جدلًا، وإذا ناقضت عبارات أساسية النظرية، فإننا نرفض أو نعدل العبارات المساعدة وليس أبدًا النظرية، والمثال الواضح على هذا أن العلماء حين تنبَّئوا بمدار كوكب أورانوس على أساس نظرية الجاذبية العامة، وافتراض أن جميع الكواكب هي تلك التي كانت معروفة آنذاك، كعبارة مساعدة، حدث بعض الانحرافات البسيطة في مدار أورانوس عما تنبأ به العلماء، على هذا تنبأ لافيري Leverrier في فرنسا آدم Adam في إنجلترا بضرورة وجود كوكب آخر كي يفسر هذه الانحرافات البسيطة، وبعد سنوات عديدة تم اكتشاف هذا الكوكب بالفعل، إنه كوكب نبتون، واكتشاف هذا الكوكب يمثل تفنيدًا لنظرية نيوتن التي لا تتضمنه، لكن العلماء لم يتفادوا هذا التفنيد بأن غيروا النظرية، بل بتغيير الفروض المساعدة، وقد يقال: إن الأمر الحاسم هو أن نبتون قابل للملاحظة، غير أن باتنام يجيب على هذا بأن الأمر ليس كذلك فهناك نجوم معينة تعرض لسلوك غير منتظم، ويحل العلماء هذا اللغز عن طريق طرح مصادرة وجود تابع، فإذا لم يروا هذه التوابع في التلسكوب يحلون الأمر بمصادرة وجود تابع مظلم لا يمكن رؤيته، والواقع أن معظم فروض العلم لا يمكن اختبارها مباشرةً وهناك توابع كثيرة مظلمة في نظريات العلم.١١
وينتهي باتنام من هذا إلى أن طرح السؤال التالي: لا يمكن أن تشرح نظرية نيوتن تمامًا مدار المريخ، فهل هذا يكذب النظرية أو يجعلها خاطئة؟ ويقول باتنام: إن الإجابة على هذا السؤال لا تكون بالإيجاب إلا بالنسبة لنظرية أخرى، مثلًا بالنسبة لنظرية النسبية العامة لآينشتين، نقول: نعم نظرية الجاذبية لنيوتن تكون كاذبة ولكن بدون هذه النظرية لا نكذب نظرية نيوتن أو نرفضها أو نفندها، لكن فقط نقول: إن مدار المريخ شارد، والسبب غير معلوم.١٢
والنتيجة التي يريد باتنام أن ينتهي إليها من كل هذا هي أن نظرية نيوتن غير قابلة للتكذيب وبالمثل سائر نظريات الفيزياء البحتة، وأن العلماء لا يستنبطون التنبؤات منها ليكذبوها، ولكن ليفهموا الكون، وأنهم حين يكتشفون خطأً يرفضون العبارات المساعدة ولا يرفضون النظرية، ويحاول باتنام أن يبالغ في الإحاطة بنظرية بوبر فيقول: «وقد يقول بوبر إنه لا يصف ما يفعله العلماء، وإنما ما ينبغي أن يفعلوه، فهل ينبغي عليهم تكذيب نظرية الجاذبية العامة؟ إنهم لا يفعلون هذا، ولا يستطيعون فعله، ولا ينبغي أن يفعلوه، وإلا فهل كان نيوتن عالمًا سيئًا.»١٣

نلاحظ أولًا أن فكرة العبارات المساعدة لا تخل إطلاقًا بمعيار القابلية للتكذيب؛ لأن بوبر قد أوضح في كل المواضيع أن النظريات البحتة، التي هي أنساق كلية عمومية، تحتاج دائمًا إلى تعريفات وفروض مساعدة، أما حين ينبهنا باتنام إلى أننا لا يمكن أن نستنبط التنبؤات من النظرية بمفردها بل نحتاج إلى عبارات أساسية، فإنه لا يفعل أكثر من ترديد إجراءات المعيار، ثم إنه انتهى في النهاية إلى أن النظرية لا يمكن أن تكذب إلا بالنسبة لنظرية أخرى، وكان مثاله على هذا النظرية التي تعنينا الآن، أي نظرية نيوتن في الجاذبية العامة، وقال: إنها في حد ذاتها لا تقبل التكذيب ولكن تكذب فقط بالنسبة لنظرية آينشتين، ولنلاحظ أن البحث في رجحان صدق النظرية وفي درجة تعزيزها يكون دائمًا بالنسبة لنظرية أخرى، على هذا النحو:

د «ف أ، م ت» > د «ف٢، م ت»

فبوبر لن يدعو إلى تكذيب النظريات كي يظل العلم سابحًا في الهواء ولكن لكي نتوصل إلى نظريات أفضل، وإذا لم نتوصل إلى نظرية أفضل فإننا لا نملك إلا أن نبقي على النظرية، رغم علمنا بمواطن كذب فيها، أما عن قول باتنام بأن كل نظرية لها توابع مظلمة؛ أي بها مواطن غموض قد تكون مواطن كذب، فهو تأكيد لقابليتها للتكذيب فمعيار القابلية للتكذيب قائم أساسًا على أنه ليس ثمة أية نظرية كاملة تمامًا أو صحيحة أو صادقة فمثل هذه النظرية — المستحيلة — لن تكون قابلة للتكذيب، إذن كل هذه الاعتراضات — أو ما تصور باتنام أنه اعتراضات — لا تمس معيار القابلية للتكذيب البتة، والغريب حقًّا أن يتصور باتنام أنه بهذا ينقد المعيار فضلًا عن أن يثبت فشله.

المهم حقًّا في هذا النقد هو قوله إن اكتشاف كوكب نبتون يمثل تكذيبًا للنظرية لكن العلماء أبقوا على النظرية من بعده ولم يفندوها أو يرفضوها، وقد ذهب إلى هذا أيضًا الباحث إيمر لاكاتوس، فقد رأى هو الآخر أن قوانين نيوتن في الحركة والجاذبية غير قابلة للتكذيب، وأشار أيضًا إلى كوكب نبتون، وقال: إن العلماء اضطروا إلى إدخاله في النظرية؛ لأنه يستحيل أن يكذبها فالنظرية غير قابلة للتكذيب أصلًا، وتبعًا لهذا، فإن أي تفنيد مزعوم لنظرية نيوتن يمكن إدخاله في نطاق النظرية، تمامًا كما افترضنا في اضطرابات مدار كوكب أورانوس تفنيدًا لها، ثم استطعنا إدخال هذه الاضطرابات في النظرية.

وفي رد بوبر على باتنام ولاكاتوس أكد أن نظرية نيوتن قابلة للتكذيب تمامًا كما أن أبسط نظرية، مثل: كل البجع أبيض، قابلة له، إنها قابلة للتكذيب بنفس المعنى البسيط، أي لمجرد كونها قابلة لعدم التوافق منطقيًّا مع بعض العبارات الأساسية؛ أي لأن لها فئة مكذبات محتملة،١٤ وبالنسبة لما أورده من مكذبات للنظرية لا تكذبها أي اكتشاف كوكب نبتون، فإننا يجب أن ننتبه إلى أن معيار القابلية للتكذيب هو الذي يجعل النظرية قابلة للتطوير والتعديل، وأهم أساليب تطوير النظرية وتعديلها هو طرح الفروض المساعدة، وقد سبق أن أوضحنا الفارق بين الفروض المساعدة والفروض العينية، وأكدنا على الأخذ بالأولى ورفض الثانية، وبالنسبة لافتراض وجود كوكب نبتون لكي يعلل انحرافات مدار كوكب أورانوس البسيطة عما تنبأت به نظرية نيوتن، فهو أنموذج أمْثَل على الفرض المساعد فهو قابل للاختبار بصورة مستقلة، كما أن قابلية نظرية نيوتن للتكذيب زادت به، فكان لا بد وأن نختبر النظرية اختبارًا جديدًا يتمثل في الكشف عن هذا الكوكب، وقد اكتشف الكوكب بالفعل، وهذا الاكتشاف يعد تجربة فاصلة أخرى اجتازتها نظرية نيوتن بنجاح.
إن افتراض كوكب نيوتن كان هو القادر على تعليل انحرافات كوكب أورانوس عن القوانين السابقة، وبفضل هذا الفرض المساعد انقلب التكذيب الخطير إلى نجاح باهر،١٥ وكون نظرية نيوتن قد تخلصت من تكذيب معين عن طريق فرض مساعد، فإن هذا لا يعني أنها غير قابلة للتكذيب، فمنطق التكذيب نفسه هو أول من يرحب بالفروض المساعدة خصوصًا إذا كانت مثمرة وعظيمة كفرض كوكب نبتون.

(٥) أما عن نظرية آينشتين، فقد كانت هي نفسها التي جعلت بوبر يتوصل إلى فكرة معيار القابلية للتكذيب أصلًا، فقد كانت نظرية جريئة جدًّا تختلف في خطوطها العامة اختلافًا كبيرًا عن نظرية نيوتن أو التي كانت في وقتها صادقة صدقًا مطلقًا ولا يفكر أحد في الخروج عنها.

لكن من وجهة نظر آينشتين نجد أن نظرية نيوتن اقتراب بارع من الصدق على الرغم من أنها كاذبة، كما أن نظرية كبلر هي من وجهة نظر نظرية نيوتن اقتراب بارع من الصدق على الرغم من أنها كاذبة، لكن الصدق ليس هو الذي يقرر الخاصة العلمية للنظرية.

فالمهم الآن أن نظرية آينشتين أنموذج أمثل على قابلية النظرية العلمية للتكذيب، وعلى أن هذه القابلة هي أساس منطقها وأيضًا أساس منهجها، فقد اشتق آينشتين من نظريته ثلاثة تنبؤات هامة حول ثلاثة مؤثرات قابلة للملاحظة، وها هنا تجسيد القابلية للتكذيب، واثنان منها لم يكن أحد أبدًا يفكر فيهما قبل آينشتين، وهي كلها تناقض، تنبؤات نظرية نيوتن على قدر ما يمكن أن نقول: إنها تقع في مجال تطبيق هذه النظرية بصورة عامة، وها هنا تجسيد الجرأة التي هي روح القابلية للتكذيب، وقد أعلن آينشتين أن هذه التنبؤات حاسمة، وأن الملاحظات إذا لم تتفق مع نتائج حساباته النظرية الدقيقة فسوف يعتبر نظريته مفندة.١٦

وعلى هذا فقد تعرضت نظرية آينشتين لاختبار دقيق، وفي وقت لم يكن الرأي العام العلمي قد تقبلها تمامًا، وكان الرأي الأرجح أنها لن تجتازه وقد كانت هذه التنبؤات تبعًا لنظرية آينشتين في الجاذبية، وأيضًا نظريته في طبيعة الضوء، فقد أنكر النظرية الموجية ودحض معها افتراض الأثير، وأخذ بالنظرية الجسيمية وتبعًا لها يكون الضوء مكونًا من سيال من الجسميات، وتبعًا لنظرية الجاذبية يكون كل جسمين بينهما قوة تجاذب تتناسب تناسبًا طرديًّا مع كتلتيهما وتناسبًا عكسيًّا مع مربع المسافة بينهما.

ولما كانت النظرة إلى الضوء جسيمية فيجب إذن أن تجذبه الأجسام الثقيلة مثل الشمس، تمامًا كما تجذب الأجسام المادية، جذبًا يحرفه عن مساره الذي كان سيسير فيه لو لم تكن هذه الشمس موجودة، ونتيجة لهذا يمكن أن نحسب أن الضوء المنبعث من نجم مثبت في وضع ظاهري قريب من الشمس يصل إلى الأرض من الاتجاه الذي يجعل النجم يبدو كما لو كان ماثلًا قليلًا عن الشمس، وبعبارة أخرى: إن النجوم القريبة من الشمس تبدو كما لو كانت قد حُرِّكَت قليلًا بعيدًا عن الشمس، وبعيدًا عن بعضها البعض، وهذا شيء لا يمكن ملاحظته في الأحوال الطبيعية، طالما أن هذه النجوم تبدو في النهار غير مرئية بفضل اللمعان الشديد للشمس، لكن يمكن تصويرها فوتوغرافيًّا إبان كسوف الشمس، ولو صُوِّرَت هذه المجموعة من النجوم أثناء الليل — أي أثناء غياب الشمس — يمكن قياس المسافات على الصورتين، وحساب الأثر المتوقع، فكانت حملة آدنجتون إلى جنوب أفريقيا عام ١٩١٩م لتصوير النجوم أثناء كسوف الشمس، ولمقارنتها بصور النجوم أثناء الليل، وتمت المقارنة وحسابات الأثر المتوقع، وكانت تمامًا كما تنبأت نظرية آينشتين.١٧

إذن فهناك مخاطرة كبيرة انطوى عليها هذا التنبؤ، فلو كان الأثر المتوقع غائبًا، فالنظرية ببساطة مرفوضة أي مكذبة أو مفندة؛ لأن التنبؤات المستنبطة منها غير متوائمة مع نتائج معينة للملاحظات التجريبية، وهي في الواقع غير متوائمة مع النتائج التي كان يمكن أن يتوقعها أي شخص قبل آينشتين لولا جرأة آينشتين العلمية الكبيرة.

لقد كانت النظرية النسبية على هذا النحو قابلة بشدة للتكذيب، وقد اجتازت تلك التجربة الفاصلة أو الحاسمة، ومنذ ذلك الوقت مرت النظرية بسلسلة من الاختبارات الأقسى، وقد اجتازتها كلها بنجاح تام؛ ومن ثم أثبتت مادتها وجدارتها بالصمود أمام الاختبارات القاسية، أي حصلت على درجة تكذيب عالية وأصبح صدقها مرجحًا عن صدق نظرية نيوتن.

ولكن لما كان آينشتين عالمًا أصيلًا وحتى النخاع، فقد تبين أن القابلية للتكذيب قائمة في كل نظرية حتى في نظريته هو العظيمة، فقد أعلن أن نظريته ليست صادقة وأنها مجرد اقتراب من الصدق أكثر من نظرية نيوتن، وقد بلغت النزاهة العلمية إلى حد أنه أعطى مبررات هذا فقد وضع رسمًا تخطيطيًّا لعدد من المطالب، التي تحققها النظرية الصادقة فيما أراد أن يتوصل إليه: نظرية المجال الموحد Unified Field Theory.١٨
(٦) وقد فشل آينشتين، مثل كبلر، في التحقيق الكامل لحلمه العلمي أو الميتافيزيقي، وفي هذا السياق — سياق الحلم — لا يعنينا أية بطاقة نلصقها، إننا نلصق البطاقة بعد إنجاز الحلم لنعطي جواز المرور إلى عالم العلم إذا كان الإنجاز قابلًا للاختبار والتكذيب، فقوانين كبلر ونظرية آينشتين في الجاذبية هي نتائج لم ترض أبدًا خالقَيْها اللذين ظلا يعملان لإنجاز حلمهما حتى آخر يوم من حياتهما، ويمكن أن نقول المثل بالنسبة لنظرية نيوتن أيضًا، فهو لم يعتقد أبدًا أن نظرية الحركة في الامتداد التي وضعها يمكن أن تكون شرحًا نهائيًّا مقبولًا للجاذبية.١٩
وبالمثل أيضًا كل عالم أصيل وضع نظرية، لا بد وأن يكون قد تبين أنها ليست كاملة، وأن بها مواطن نقص وخطأ، وفقط لأنها علمية لا بد وأن تكون قابلة للتكذيب فيكذبها العلماء يومًا ما، ويتوصلون إلى الأفضل منها وفي هذا قال آينشتين: ليس ثمة قدر عادل لأية نظرية أكثر من أن تكون فاتحة طريق لنظرية أشمل منها وأوسع، فتكون بالنسبة لها مجرد حالة محددة.٢٠

(٢) في العلوم الزائفة

(١) وبالطبع يعطي علم التنجيم Astrology أنموذجًا أمْثَل على العلم الزائف الذي لا يقبل التكذيب، ولا يقوِّم أي بُعْد من أبعاد التكذيب في أية زاوية من زواياه، إنه علم يبدأ من الافتراض الزائف الذي هاجمه كل العقلانيين — ابتداءً من أرسطو حتى نيوتن — افتراض أن حركة الكواكب لها تأثير على الأحداث الأرضية،٢١ وكما أوضحت مناقشة بوبر لمناهج التحقق والتأييد فإن العثور على ملايين الأمثلة المؤيدة لأية نظرية لا تمثل خلفًا مجالًا absurd أمر هين للغاية، وقد عثر المنجمون على ملايين الأمثلة المؤيدة لنظرياتهم، فلو قلنا: إن مواليد برج القوس سعداء فمن السهل الإتيان بألف شخص آخر ليسوا سعداء ومن مواليد برج القوس، ولكن لطالما أخذ المنجمون وضللوا بما اعتقدوا أنه أدلة مؤكدة لنظرياتهم أي تحقيق لها ونظرًا لغياب البعد المنهجي للتكذيب غيابًا كاملًا من علوم التنجيم؛ لأنها ليست علومًا، فإن المنجمين لا يتأثرون بأي دليل غير مرغوب فيه ولا يلتفتون إليه، إنهم لا يبحثون إلا عن الوقائع المؤيدة لهم، وما أسهل أن يجدوها ومن أجل مزيد من السهولة جعلوا نظرياتهم غامضة ومبهمة بما يكفي لتشويه أو تمويه أو تحطيم كل ما يفندها،٢٢ إنهم لا يستطيعون ويخافون الجرأة والتحديد وتعيين فئة مكذبات محتملة لنظرياتهم؛ لأنهم ليسوا علماء بل دجالين.

وللأسف فإن التنجيم لا يزال قائمًا حتى الآن، بل ويستهوي البعض ولا تكاد جريدة يومية واحدة تخلو منه على الرغم من أنها قد تحوي في ذات الصفحة أحدث الإنجازات العقلية والمكتشفات العلمية، إنه إحدى الأمزجة المريضة للإنسان التي لا يستطيع التخلص منها مهما تقدم.

(٢) المثل تمامًا؛ أي حكم معيار القابلية للتكذيب، ينطبق على علوم الفراسة Phernology التي تحاول وضع قوانين تربط بين شكل الجمجمة وخصائص الشخصية كنظريات جال Gall.
(٣) وثمة علم ثالث يدخل في زمرة هذه العلوم الزائفة، وهو السيمياء أو كيمياء العصور الوسطى، حقًّا هذا العلم قد انتهى تمامًا لكن من المفيد ملاحظة أنه يقوم على أساس قضية وجودية، لكن غير محددة، وهي: يوجد حجر الفلاسفة القادر على تحويل جميع المعادن إلى ذهب، أو يوجد سائل قادر على إعادة الشباب، أو يوجد سائل يشفي من جميع الأمراض،٢٣ وقد سبقت الإشارة إلى أن منطق التكذيب يشترط أن تكون القضية الوجودية محددة وأن القضايا الوجودية غير المحددة ليست علمًا ولا يمكنها أن تقوم بأي دور في العلم٢٤ ومنطقه.

(٣) في الميتافيزيقا

(١) وبالطبع نظريات الفلسفة الخالصة والميتافيزيقا غير قابلة للتكذيب، ولا هي مطالبة بأن تكون قابلة له لا منطقيًّا ولا منهجيًّا؛ لذلك يرى بوبر أن عدم القابلية للتفنيد تدخل في صميم تعريف الميتافيزيقا والنظريات الفلسفية، فهي نشاط محدد بأنه ليس علمًا وأنه متميز عن العلم، ولا يحاول أن يعطينا محتوى إخباريًّا أو قوة تنبؤية عن وقائع العالم التجريبي، إنها تصورات عامة للكون تُعِين على فهمه أو على فهم جانب منه بغير تحديد ولا تعيين، فتتخذ صورة القضايا الوجودية غير المحددة، أو صورة القضايا اللاوجودية أصلًا إذا كانت ميتافيزيقية أو مثالية متطرفة.

ويضرب بوبر مثالًا على الصورة الأولى — الوجودية غير المحددة — بحتمية كانط الميتافيزيقية٢٥ التي ترى أننا لو عرفنا كل مقتضيات الحياة السيكولوجية والحياة الفسيولوجية، وأيضًا كل متغيرات البيئة، فسنستطيع التنبؤ بكل تفصيلات السلوك الإنساني، وبنفس الدقة التي نتنبأ بها بخسوف القمر أو كسوف الشمس، ونحن لا نستطيع هذا التنبؤ بمستقبل السلوك حتى الآن، فقط لأننا لم نعرف بعدُ كل مقتضيات وعوامل الحاضر، ويمكن أن نضع منطوق هذه النظرية على الصورة الآتية: «يوجد وصف صادق لحالة هذا الإنسان الحاضر، يكفي تمامًا — في حالة ارتباطه بالقوانين الطبيعية الصادقة — للتنبؤ بكل تصرفاته المستقبلة.»٢٦ وكما هو واضح، فالنظرية تتخذ شكل القضية الوجودية غير المحددة، وبالتالي غير القابلة للتكذيب في حد ذاتها، أي بما هي غير محددة.
وثمة قضايا فلسفية أكثر تطرفًا، ليست وجودية أصلًا، على رأسها النظرية المثالية Idealism التي ترى العالم التجريبي بأسره مجرد فكرة في الذهن أو حلم أو تصور.
وأيضًا الإبستمولوجيا اللاعقلانية، التي انتشرت في الفلسفة الحديثة، خصوصًا في القرن الثامن عشر، فمنذ أن أوضح كانط أن العقل الإنساني غير قادر على استكناه الأشياء في ذواتها things-in themselves، والفلاسفة لا يرون أمامهم إلا طريقين: إما أن نتخلَّى تمامًا عن حلم استكناه الأشياء في ذواتها، وإما أن نحاول معرفتها عن طريق آخر غير طريق العقل، وطالما أننا لا نستطيع التخلي عن هذا الحلم، فلا يبقى أمامنا إلا اتباع الوسائل اللاعقلية، مثل الغريزة أو العاطفة أو إلهام الشعراء،٢٧ لكن نحن أنفسنا أشياء في ذواتها، فإذا استطعنا التوصل إلى معرفة أنفسنا معرفة داخلية فورية بواسطة تلك الوسائل، استطعنا بالتالي التوصل إلى معرفة الأشياء في ذواتها وكيف تكون، وعلى هذا استشرت الوسائل اللاعقلانية في المعرفة.
ويضرب بوبر المثال على هذا بفلسفة آرثر شوبنهور Arthur Schopenhour (١٧٨٨–١٨٦٠م) فقد سارت على هذه الحجة: نحن إرادة، لكننا أشياء في ذواتها، إذن فالإرادة بدورها يجب أن تكون هي الشيء في ذاته،٢٨ وشوبنهور مثالي هاجم المذهب المادي وأكد أنه من المستحيل حل اللغز الميتافيزيقي وكشف سر الحقيقة بفحص المادة أولًا ثم فحص الفكر ثانيًا، بل يجب أن نبدأ بما نعرفه مباشرةً وعن كثب، أي يجب أن نبدأ بأنفسنا، وعلى نهج الميتافيزيقيين في اعتبار العقل صورة الواقع، انتقل شوبنهور من القضية: نحن بوصفنا أشياء في ذواتها إرادة، إلى القضية: العالم بوصفه شيئًا في ذاته هو إرادة، أما بوصفه ظاهرة phenomena فهو فكرة، إذا كان الفلاسفة قد اتفقوا على أن جوهر العقل هو الإدراك والفكر، فإن شوبنهور يؤكد على أن جوهر العقل هو الإرادة، الشعورية واللاشعورية، وإذا كان العقل يبدو أحيانًا موجهًا للإرادة، فإنه في هذه الحالة دليل يقود سيده، فنحن لا نريد شيئًا لأننا وجدنا أسبابًا تستدعي ذلك، بل إننا نوجد أسبابًا له لأننا نريد، إن الإرادة هي علة كل شيء، علة الرغبات والأهداف والطموح والصراعات، وهي — لا العقل — التي تشكل الشخصية، بل وأيضًا الجسد؛ لأن الحياة ذاتها ليست إلا اسمًا مبهمًا غامضًا للإرادة،٢٩ إذن: «العالم إرادة» ومثل هذه القضية لا يمكن اختبارها ولا تكذيبها ولا تفنيدها بأية صورة من الصور، فمن أين السبيل إلى استنباط أية تنبؤات منها أو أي أخبار عن وقائع العلم التجريبي؟
المثل تمامًا هو حال كل النظريات الفلسفية، وثمة أمثلة أخرى واضحة يمكن أن ترد في هذا السياق؛ لأنها لا تعدو أن تكون صورًا أخرى لمذهب الإرادة Voluntarism هذا عند شوبنهور، فليس صحيحًا — في رأي بوبر — أنه مذهب متروك أو قابع في تاريخ الفلسفة كما يبدو، بل الصحيح هو أنه متخفٍّ تحت أسماء عدة هي موضات الفلسفة المعاصرة، مثل فلسفة نيتشه والفلسفة العدمية عمومًا والفلسفة الوجودية على وجه الخصوص، وهي تقوم على أساس أننا بالملل والسأم نعرف أنفسنا بوصفنا لا شيء، فالأشياء في ذواتها هي اللاشيئية أو العدمية Nothingness، هذا المنطوق تمامًا كمنطوق مذهب الإرادة: بالإرادة نعرف أنفسنا كإرادة، فالأشياء في ذواتها هي الإرادة، وهي الأخرى تمامًا منطوق اللاعقلانية، لنا خبرات لا عقلية، أو فوق عقلية super-rational نخبر بها أنفسنا بوصفنا أشياء في ذواتها، وبهذا فنحن لدينا معرفة بالأشياء في ذواتها، أو كمنطوق المثالية: العالم هو حلمي، أو الحتمية الميتافيزيقية: الحاضر يحوي المستقبل، فهو يحدده تمامًا، كلها — كما هو واضح — نماذج مثلى على النظريات غير القابلة إطلاقًا للاختبار ولا التكذيب ولا التفنيد.
(٢) القضايا التحليلية، قضايا العلوم الرياضية والمنطقية، غير قابلة للتكذيب، أي التفنيد٣٠ التجريبي، ولكنها قابلة للتفنيد المنطقي ففي اتساقها مبرر كافٍ لقبولها، وفي تناقضها الذاتي مبرر كافٍ لرفضها، وقضايا العلوم الزائفة يجب أن ننحيها جانبًا ولا نفكر إطلاقًا في أي رفض أو قبول لها أو مفاضلة بينها، غير أن الأمر مختلف بالنسبة للميتافيزيقيا فلا الاتساق يكفيها؛ لأنها ليست تحصيلات حاصل، ولا من الممكن تنحيتها جانبًا، وبوبر بالذات فيلسوف يؤكد على أن الفلسفة الخالصة والميتافيزيقا من أهم مناشط العقل، فمن أين لنا بالمعيار الذي يحكم هذا المنشط الهام، وهو لا يقبل تعزيزًا أو تكذيبًا أو تفاوتًا في درجات القابلية للتكذيب توضح النظريات التي ينبغي أن نفضلها على غيرها والنظريات التي نأخذ بها أو نتركها!

بعض الفلاسفة يعتبرون النظرية غير القابلة للتفنيد، هي هكذا لأنها صحيحة وصادقة وبالطبع هذا خطأ، ليس فقط لأنه يتناقض مع منطق معيار القابلية للتكذيب، ولكن لأنه يتناقض مع أي منطق، فالنظرية ونقيضها يمكن أن يكونا كلاهما غير قابلين للتفنيد، وبالطبع يستحيل أن يكونا كلاهما صحيحين، مثلًا الحتمية واللاحتمية، المثالية والواقعية، العقلانية واللاعقلانية، كلها نظريات غير قابلة للتفنيد، وتبعًا لقاعدة: المنطق الصوري، قاعدة عدم التناقض لا يمكن أن تكون النظرية ونقيضها صحيحتين؛ وبالتالي لا بد من قبول قاعدة منطق التكذيب، بأن القضية غير القابلة للتفنيد ليست بالضرورة صادقة، بل قد تكون صادقة وقد لا تكون، وهذا يبرز أكثر أهمية التساؤل المطروح: كيف يمكن المفاضلة بين النظريات الميتافيزيقية والفلسفية وهي غير قابلة للتفنيد؟ فبوبر فيلسوف وله موقف محدد، فعلى أي أساس يأخذ ببعض النظريات الفلسفية ويترك الأخرى؟

وبوبر يجيب على هذا التساؤل بإجابته المعهودة: النقد، المناقشة النقدية والاختبارات النقدية للنظرية الفلسفية، هي الفيصل بين النظريات الفلسفية تمامًا كما هي الفيصل بين كل النظريات، ولكن في العلم الطبيعي يكون النقد بالنسبة لوقائع العالم التجريبي، أما في الفلسفة والميتافيزيقا فالنقد يكون بالنسبة للمشكلة التي تحاول النظرية حلها، وفي ضوء موقفها problem – situation وعلاقات النظرية بهذا الموقف.

(٣) لقد ورد في الفقرة الأولى خمسة أمثلة للنظريات الفلسفية: الحتمية الميتافيزيقية والمثالية واللاعقلانية ومذهب الإرادة والعدمية، وقد تم اختيار هذه الأمثلة بالذات؛ لأن بوبر تمامًا يناقضها ويأخذ بأضدادها، مما يعني أنه قد توصل إلى الحكم بخطأ هذه النظريات أو على الأقل بضرورة رفضها، وإلا لما أخذ بأضدادها.

فهو لاحتمي واقعي عقلاني، وبخصوص مذهب الإرادة فهو يؤمن باستحالة التوصل إلى معرفة كاملة بالعالم بكل خصوبته وثرائه، فلا الفيزياء ولا أي علم آخر يمكنه أن يصل بالمعرفة إلى آخر المدى، حتى يصل إلى الأشياء في ذواتها؛ لذلك لا يمكن أن تكون صياغة المذهب: «العالم إرادة» محققة لهذا الهدف؛ لأنه هدف مستحيل، أما بالنسبة للعدميين الوجوديين الذين يركزون على ضيقهم وسأمهم وضجرهم (وأيضًا ضيق الآخرين وسأمهم) فبوبر يتعاطف معهم؛ لأنهم لا بد أن يكونوا صُمًّا وعميانًا وأيضًا أشياء بائسة فقيرة، وإلا لما تحدثوا عن العالم كما يتحدث الأعمى عن روائع الفنون التشكيلية والأصم عن موسيقى موزارت،٣١،٣٢ والآن على أي أساس رفض بوبر هذه النظريات، وهي غير قابلة للتفنيد؟ رفضها على أساس المعيار الذي طرحه لحل المشكلة، أي على أساس نقدها في ضوء موقفها وفي ضوء المشاكل التي حاولت حلها، على أساس البحث فيما إذا كانت قد حلت هذه المشاكل أصلًا أم فشلت، وهل حلتها حلًّا أفضل من حلول النظريات الأخرى؟ وهل حلتها فعلًا أم فقط أبدلت المشاكل بمشاكل أخرى؟ وهل الحل بسيط وهل هو مثمر؟ وهل ناقضت نظريات فلسفية أخرى، تحتاجها لحل المشاكل الأخرى؟٣٣

إن النظرية سواء علمية أو لا علمية فلسفية أو لا فلسفية، طالما تكفلت بحل مشكلة مطروحة، فإنها تضع نفسها هدفًا لمثل هذه التساؤلات النقدية، أي للمناقشة العقلانية.

ولنبدأ بالمثالية، مذهب باركلي على الخصوص، والمآل الذي آلت إليه فلسفة هيوم، إذا نظرنا إليها على ضوء موقفها وموقف المشكلة التي تصدت لحلها؛ لوجدناها مغالية ومتطرفة كثيرًا عما أراده باركلي أو هيوم، كما يوضح تأكيد باركلي المستمر على أن نظريته في الواقع على تمام الاتفاق مع الحس المشترك السليم، فهل صحيح أن الحس المشترك السليم يرى أن العالم التجريبي مجرد فكرة أو حلم؟ وإذا حاولنا فهم موقف المشكلة التي دفعتهما إلى هذه النظرية لوجدنا أن باركلي وهيوم قد اعتقدا أن كل معارفنا ترجع إلى الانطباعات الحسية وإلى ارتباطاتها بواسطة صور الذاكرة، وقد قادهما هذا إلى اتخاذ المثالية وهيوم بالذات اضطر إلى الأخذ بها على مضض فهو لم يصبح مثاليًّا إلا لأنه فشل في محاولته رد الواقعية إلى معيطات الحس، وعلى هذا يكون معقولًا تمامًا أن ننقد مثالية هيوم بأن نظريته الحسية sensualistic في المعرفة والتعلم خاطئة وغير ملائمة، وأن ثمة نظريات أخرى في المعرفة والتعلم أكثر ملاءمة؛ لأنها لن تؤدي إلى نتائج مثالية غير مرغوب فيها،٣٤ وبوبر يأخذ بإحدى هذه النظريات تلك التي تجعل الحس الخالص مستحيلًا أصلًا، ثم تجعل للتجربة دورًا متواضعًا، فهي لا تؤدي إلى النظرية العلمية، ولكن فقط تساعد في اختبارها ومحاولات تكذيبها، إنها تجريبية متبصرة، مثمرة حقًّا ولا تؤدي إلى أية نتائج غير مرغوب فيها.
ومع هيوم يمكن أن نجد نقد اللاعقلانية أيضًا، فقد تسللت اللاعقلانية إلى الفلسفة مع هيوم حين رأى أننا نتعلم في الواقع بواسطة استقراء بيكون، ورأى أيضًا أن هذا الاستقراء يستحيل تبريره عقلانيًّا، ولكنه تصور استحالة تجنبه فلم يملك إلا الإبقاء عليه، فكان بهذا لاعقلانيًّا،٣٥ غير أن النقد العقلاني يحتم رفض كل ما لا يمكن تبريره تبريرًا عقلانيًّا، كما يحتم رفض موقف هيوم المتناقض؛ وبالتالي الأخذ بالعقلانية كما أخذ بها بوبر.
ويمكن أن نوجِّه مثل هذا النقد لحتمية كانط الميتافيزيقية، فهي الأخرى تناقضت مع نظريات فلسفية أخرى أخذ بها كانط لحل مشاكل فلسفية أخرى، مما يجعل علاقات النظرية بموقف المشكلة في جملتها غير مرضية؛ لأن اقتناع كانط الجوهري والحقيقي كان باللاحتمية، فقد افترض أن الحرية — أي اللاحتمية — خاصية تتميز بها إرادة جميع الكائنات العاقلة، وإلا لما استقامت نظريته الأخلاقية وأخذه بمبدأ الواجب،٣٦ أكد كانط على حرية الإنسان، غير أنه تصوَّر أن حتمية ظواهر الطبيعة هي نتيجة consequence لنظرية نيوتن لا يمكن تجنبها فاضطر إلى الأخذ بالحتمية الميتافيزيقية، وهذا التناقض يمثل نزاعًا بين فلسفة كانط النظرية وفلسفته العملية، ولم ينجح أبدًا في حل هذا النزاع بصورة ترضيه،٣٧ على هذا النحو يكون نقد الحتمية الميتافيزيقية بوصفها نظرية فلسفية؛ إذ لا يصح مثلًا نقدها بأنها غير محددة فنقول: إن كانط كان لا بد أن يحدد بدقة ما هو هذا الوصف الذي يمكننا من التنبؤ بالسلوك، ولا يقول: إن هذا الوصف يوجد أو يمكن أن يوجد فحسب؛ لأن هذا يعني أننا نريد من كانط أن يجعل نظريته في صورة عبارة وجودية محددة أي نظرية تجريبية علمية،٣٨ مثل هذا النقد خاطئ؛ لأننا يجب أن ننقد النظريات الفلسفية بوصفها فلسفية غير قابلة للتكذيب أو التفنيد، وننقد النظريات العلمية بوصفها علمية قابلة للتكذيب والتفنيد، فأسلوب النقد الفني المختص بالعلم، أي الاختبار ومحاولة التكذيب، لا يصلح مع الميتافيزيقا، لكن يصلح معها أسلوب النقد العقلاني كما يصلح مع أي نشاط معقول، ويستطيع أن يكفل لها معيارًا للحكم على النظريات والمفاضلة بينها، ويكفل لها أيضًا التقدم بمعنى السير من حلول إلى حلول أفضل وأصوب، لكن لن يكفل لها أي تفنيد ولا هي تقبل أي تفنيد، وهذا هو ما يميزها ويحفظها حية متجددة على الدوام قابلة للبحث في كل لحظة، وقابلة أيضًا للإضافة والتعديل والتطوير وإعادة الصياغة بحيث لا تصل إلى نهاية، فاكتشاف مشكلة فلسفية يمكن أن يكون شيئًا نهائيًّا يحدث مرة واحدة ويظل إلى الأبد مقبولًا لكل العصور، ولكن حل المشكلة الفلسفية لا يمكن أن يكون نهائيًّا، ولا يمكن أن يقام على دليل نهائي ولا على تفنيد نهائي، فقط يمكن أن يقام — ويجب أن يقام — على الاختبارات النقدية لموقف المشكلة وللافتراضات التي سلَّم الحل بها، ولمختلف الطرق التي يمكن بها أن نعيد الحل من جديد.٣٩
(٤) نعم، يعرف بوبر النظريات الفلسفية بأنها غير قابلة للتفنيد، وهو يعاملها ويتفلسف على هذا الأساس ولكن في بعض الأحيان يسيطر عليه نزوع الفلاسفة إلى التعميم والنظرة الكلية فيؤكد أن معيار القابلية للتكذيب يميز العلم ويحكمه في كل أطواره حتى في الأطوار البدائية الأولى، حيث نجد النظريات الفلسفية التي مهدت للنظريات العلمية، على سبيل المثال نظرية بارمنيدس، فهو لم يكن فيزيائيًّا كأسلافه الأيونيين على الأقل، غير أن بوبر يراه أبا الفيزياء النظرية البحتة؛ فقد وضع أول نظرية مضادة للطبيعة Anti-Physicat كما تبدو للحس المشترك ومعارضة للخبرة الحسية، ويمكن أن نصفها بأنها آخر الأنساق الاستنباطية القبل فيزيائية Last pre-physical deductive system، وقد مهد تكذيبها من ناحية إلى نظرية ديمقريطس الذرية؛ إذ وجد ديمقريطس نفسه ملزمًا بتلافي نقص بارمنيدس بإنكار الحركة، فأبقى على نظرية بارمنيدس فيما يتعلق بالذرات نفسها، فهي لا يطرأ عليها أي تغيير، ولكن فسر الحركة البادية بأنها إعادة ترتيب للذرات، أيضًا نظرية فيثاغورث أدت إلى مثل هذا، فهو ارتفع عن المادة بأَسْرِها ووضع نسقًا فرضيًّا استنباطيًّا يحاول تفسير كل شيء على أساس القوانين الرياضية، وعبر سلسلة من التطورات أصبحت نظرية بارمنيدس نفسها أساس تصور آينشتين للكون حيث لا نجد أي تغير يحدث في كتلة الكون block-universe ثلاثي الأبعاد الذي أضاف إليه البعد الرابع: الزمن، أما نظرية ديمقريطس فهي بداية لأعظم إنجازات العلم: فرض الذرة، وكان نسق فيثاغورث أول من علم علماء الطبيعة التعبير باللغة الرياضية وأنها كافية تمامًا، ولا شك أن استخدام اللغة الرياضية الدقيقة أهم أسباب تقدم الفيزياء٤٠ … المهم أن بداية العلم كانت نسقًا فلسفيًّا يمثل أولى حلقات سلسلة طويلة من الأنساق، كل حلقة منها كانت تحسينًا لسابقتها، وعلى أساس قاعدة معيار القابلية للتكذيب، نجد أن السبب الأساسي في هذه التحسينات هو وقائع معينة من الخبرة كذبت النسق السابق أو السلسلة السابقة، ومثل هذا التفنيد التجريبي للنسق الاستنباطي أو لمعقباته يحث على بذل الجهد في إعادة بنائه، وبالتالي يفضي إلى نظرية جديدة مطورة، تحمل كل دلائل سابقتها، بالإضافة إلى التحرر مما فندته الخبرة، وصحيح أن هذه الخبرات أو الملاحظات اتخذت في البداية صورة فجة للغاية، لكنها خطوة خطوة أصبحت حاذقة بارعة، تمامًا كما أصبحت النظريات بدورها — خطوة خطوة — أكثر حذقًا وبراعة، وأقْدَر على تعليل تلك الملاحظات الفجة القديمة.٤١

والآن يمكن بشيء من التجاوز أن نقبل من بوبر رأيه بأن قواعد المعيار تحكم مسار التطور العلمي في كل مراحله، ولكن لا يمكن أن نقبل ولا أن نفكر في أن المراحل الأولى، هي نفسها قابلة للمعيار، حتى ولو كانت تمهيدًا للعلم؛ لأن هويتها الفلسفية تمنع ذلك وإلا تناقض بوبر مع نفسه، لعل نظريات بارمنيدس وديمقريطس وفيثاغورث تطورت إلى نظريات قابلة للتكذيب — وعبر طريق التكذيب — لكن هي نفسها غير قابلة له، وإلا فلماذا هي حية باقية حتى الآن وموضوع دراسة يهتم به بوبر أكثر من غيره، تمهيدها للعلم — القابل للتكذيب — أحد إشعاعاتها الكثيرة، ولا يعني أنها هي ذاتها قابلة له، وبوبر بلا شك أول من يوافقنا على هذا.

(٤) في التحليل النفسي

(١) ومن وجهة نظر معيار القابلية للتكذيب لا يختلف التحليل النفسي من الناحية المنطقية العلمية عن التنجيم أو السيمياء أو أي علم آخر زائف.

(٢) والتحليل النفسي Psychoanalysis هو مصطلح يُطْلَق على نسق من النظريات السيكولوجية، ومنهج لعلاج الاضطرابات العقلية العصبية، وهو يتميز بنظرة ديناميكية لجميع أوجه الحياة العقلية: الشعور واللاشعور، مع تأكيد خاص على ظاهرة اللاشعور، وبواسطة أسلوب فني للفحص والعلاج، منقح ومطور وقائم على استخدام التداعي الحر المستمر.٤٢
ويرتبط التحليل النفسي باسم الطبيب النمساوي سيجموند فرويد Sigmund Freud (١٨٥٦–١٩٣٩م) فهو مؤسسة، وإن أعقبه علماء آخرون أضافوا الكثير مما لم يقُله فرويد، وأيضًا رفضوا الكثير مما قاله، أهمهم كارل يونج وألفرد أدلر، وكارين هورني، وأوتورانك، وهاري ستاك سوليفان، وأريك فروم.
أما عن نظرية فرويد فتقوم على أن الشخصية تتكون من ثلاثة نظم أصلية:
  • الهو ID: وهو نظام الشخصية الأصلية، ويتكون من كل ما هو موجود وموروث سيكولوجيًّا ومنذ الولادة: كالغرائز ويسميه فرويد الواقع النفسي الحقيقي؛ لأنه لا يتأثر بالدوافع المكتسبة.
  • الأنا Ego: يقوم بالتعاملات المناسبة مع العالم الموضوعي الخارجي، متميزًا عن الهو بأنه يفرق بينها وبين الأشياء التي توجد في العالم الداخلي، فهو الجهاز الإداري للشخصية الذي يسيطر على منافذ الفعل والسلوك، ويختار من البيئة الجوانب التي يستجيب لها، ويقرر الغرائز التي سوف تشبع والكيفية التي يتم بها ذلك الإشباع، وهو يحقق أهداف الهو ولا يحبطها لأنه يستمد قوته منها.
  • الأنا الأعلى Super-ego: الممثل الداخلي للقيم التقليدية للمجتمع والأخلاق والمثل العليا، ما يمثلها للطفل والده ثم مدرسوه ثم الشخصيات الاجتماعية والتاريخية العظمى، وكما تفرض عليه بواسطة الثواب والعقاب، وهو مثالي ينزع إلى الكمال، ووظائفه الأساسية هي:
    • كف دفعات الهو، وبخاصة ذات الطابع الجنسي والعدواني.
    • إقناع الأنا بإحلال الأهداف الأخلاقية محل الأهداف الواقعية.
    • العمل على بلوغ الكمال فيعارض الهو الأنا معًا؛ إذ لا يحاول إرجاء إشباع الغريزة فحسب كالأنا، بل يحاول الحيلولة دون الإشباع على الدوام.
وهذه النظم الثلاثة ليست دمى تحرك الشخصية، بل مجرد أسماء لعمليات سيكولوجية مختلفة لا تتعارض بل تعمل متآزرة تحت قيادة الأنا.٤٣
وقد شبَّه فرويد العقل بجبل من الجليد يمثل الجزء الصغير الطافي منه على سطح الماء منطقة الشعور، والجزء الأضخم الباقي هو اللاشعور، حيث توجد الدوافع الحقيقية للسلوك، وما يهم علم النفس حقيقة.٤٤
(٣) واتخذ التحليل النفسي مع ألفرد أدلر اتجاهًا جديدًا مستقلًّا، يرتبط بالحركة الاجتماعية التي عظمت في أواخر القرن الماضي، رافضة للتصور الفيزيقي الحيوي الخالص للإنسان، ومؤكدة أنه أساسًا نتاج المجتمع الذي يعيش فيه، فالإنسان شخصية اجتماعية أكثر منها بيولوجية، فانشق أدلر عن فرويد لقصوره عن تصوير المؤثرات الاجتماعية وأسس علم النفس الفردي Individual Psychology وهو علم نفس الفروق الفردية، أي علم البحوث النسقية لهذه الفروق ومقاييسها،٤٥ وقد عمل أدلر في الحرب العالمية الأولى كطبيب في الجيش النمساوي، وبدأ يهتم بعد الحرب بإرشاد الأطفال وتوجيههم، وأنشأ أول عيادة للتوجيه في مدارس فيينا، كما كان له الفضل في إنشاء أول مدرسة تجريبية في فيينا تطبق نظرياته في التربية.

وقد ناقض اتجاه فرويد بتأكيد الجنس، وأيضًا اتجاه يونج القائل بالأنماط، وقال هو بالحوافز الاجتماعية كمحرك أول لسلوك الإنسان، وأكد اهتمامات الإنسان الاجتماعية وأهمية المتغيرات الاجتماعية، وساعد على تنمية مجال علم النفس الاجتماعي، فالإنسان في نظره كائن اجتماعي أولًا وقبل كل شيء، ولكنه يتفق مع فرويد ويونج في افتراض طبيعة فطرية تشكل الشخصية.

ومن أعظم إسهامات أدلر فكرة الذات الخلاقة؛ إذ تمثل الذات عنده نظامًا شخصيًّا وذاتيًّا للغاية يفسر خبرات الكائن العضوي ويعطيها معناها، فالذات تبحث عن الخبرات التي تساعد على تحقيق أسلوب الشخص الفريد في الحياة، وإذا لم توجد هذه الخبرات في العالم فإن الذات تحاول خلقها، والسمة الثالثة التي تميزه عن التحليل النفسي التقليدي هي تأكيده لتفرد الشخصية، فقد اعتبر كل شخص صياغة فريدة، وكل فعل يصدر عن الشخص يحمل طابعه وأسلوبه الخاص.٤٦
ونظريته في الشخصية اقتصادية تقوم على مفاهيم أساسية قليلة هي:
  • (١)

    الأهداف النهائية الوهمية: وهي القيم والمثل العليا والطموح، وهي تجعل توقعات المستقبل تحرك الإنسان أكثر من خبرات الماضي.

  • (٢)

    الكفاح في سبيل التفوق: وهو الغاية النهائية.

  • (٣)

    مشاعر النقص والتعويض: وهي أساسًا النقص الجسدي، لكن أدلر طورها لتشمل مشاعر النقص بصفة عامة، الفيزيقي والسيكولوجي، وقد بالغ فيها مبالغة تجافي الواقع وافترضها قائمة في كل شخصية، وأنها ليست علامة على الشذوذ بل سبب كل ما يحققه الإنسان من تحسين، أما إذا تطرفت فإنها تصبح عقدة نقص، أو عقدة تفوق تعويضية إذا تطرفت في الاتجاه المضاد.

  • (٤)

    الاهتمام الاجتماعي.

  • (٥)

    أسلوب الحياة أي مبدأ النظام الذي تمارس بمقتضاه شخصية الفرد وظائفها.

  • (٦)

    الذات الخلاقة.

كما عني أدلر بالوراثة والخبرة وأثر الذكريات المبكرة على تكوين شخصية الإنسان.٤٧

ونلاحظ أن نظرية أدلر ذات طابع مثالي مسرف في تصور الإنسان؛ لذلك فهي أفضل النظريات التحليلية نسبيًّا.

(٤) وبوبر حين ينقد يبذل قصارى جهده، ويتحامل بكل ثقله وبكل الأثقال الممكنة على موضوع النقد وعلى الرغم من سيطرة التحليل النفسي على المناخ العلمي في فيينا إبان نشأة بوبر، فإنه خالف تلك العادة، ولم يبذل جهدًا كبيرًا في نقد نظريتَي فرويد وأدلر، واكتفى بالإشارة إلى أن المعيار لا ينطبق عليهما، وأنهما ليسا علمًا، ربما لأنهما أضعف وأقل من أن يستحقا أي نقد أكثر.

فليس التحليل النفسي ولا علم النفس الفردي علومًا على وجه الإطلاق، وليس لهما من السمة العلمية أي نصيب؛ لأنهما ببساطة نظريات غير قابلة للتكذيب إطلاقًا، وليس لها أية فئة مكذبات محتملة، فليس ثمة أي سلوك إنساني يمكن أن يعارضهما؛ وبالتالي ليس ثمة أي سلوك إلا ويمكن تفسيره وفقًا لمصطلحات هاتين النظريتين، والمثال الذي يضربه بوبر على هذا هو رجل يدفع بطفل إلى الماء بقصد إغراقه، ثم رجل آخر يضحي بحياته محاولًا إنقاذ الطفل، كل من هذين السلوكين المتناقضين يمكن تفسيره بنفس السهولة وفقًا لمصطلحات نظرية فرويد، وأيضًا وفقًا لمصطلحات نظرية أدلر، فتبعًا لفرويد يمكن أن نفسر موقف الرجل الأول بأنه يعاني من الدوافع المكبوتة، مثلًا بإحدى مركبات عقدته الأوديبية أو النزوعات العدوانية، أما الرجل الثاني فنفسر سلوكه بنفس الدوافع المكبوتة ولكنها في حالة إعلاء وتسامٍ، وطبقًا لنظرية أدلر نجد الرجل الأول يعاني من شعور بالنقص سبب له الرغبة في إثبات جرأته على ارتكاب جريمة ما، ونفس الشعور بالنقص سبب للرجل الثاني الرغبة في إثبات جرأته على إنقاذ الطفل،٤٨ على هذا النحو نجد النظريات التحليلية دائمًا يمكن تطبيقها، دائمًا يمكن تأكيدها، تفسر كل شيء وتشرح كل شيء، ولو جاء رجل ليؤكد أنه لم يشعر إطلاقًا بعقدة أوديب ولم يصدر عنه أي سلوك ينم عنها — وهذا ما لا بد أن يؤكده أكثر من ٩٩٪ من الأسوياء — فلن يعتبر التحليليون هذا تفنيدًا لنظرياتهم، بل على الفور سيتملصون من هذا التكذيب بأن عقدة أوديب مكبوتة في اللاشعور، والنظرية بهذا غير قابلة للاختبار، وبالتالي غير قابلة للتكذيب؛ إذ يمكن على هذا النحو إدخال كل الأحداث الممكنة وكل الوقائع الممكنة وكل النماذج السيكولوجية الممكنة في نطاق هذه النظريات، بل وكتأكيدات لها، وعلى حد تعبير بوبر: «فور أن تفتح عينيك ترى حوادث مؤكدة في كل مكان.» وامتلأت الدنيا بإثباتات وسيل لا ينقطع من تحقيقات النظرية، وأيًّا كان ما يحدث فهو دائمًا يؤكدها، وبهذا ظهر صدقها جليًّا واتضح أن المنكرين قوم لا يريدون أن يروا الصدق الجلي أو رفضوا أن يروه بسبب عقد مكبوتة لديهم، لم تحلل بعدُ، لكنها تصرخ طلبًا للعلاج،٤٩ وهذه القدرة الظاهرية على تفسير كل شيء وأي شيء بَدَتْ في نظر العوام معلمًا على قوة النظرية الفائقة، لكنها من وجهة نظر معيار القابلية للتكذيب تبدو نفس سبب ضعفها الحقيقي الشديد وخوائها التام، فالنظرية تشرح كل شيء وتفسر كل شيء؛ لذلك تعجز عن التنبؤ بأي شيء، ولا يترتب عليها — أو على الغالبية العظمى من أجزائها — نتائج تجريبية، كما يستحيل أن نجعل مثل هذه النتائج تترتب عليها، فعلى سبيل المثال يستحيل اشتقاق أية فروض تجريبية من غريزة الموت؛ لذلك تظل باقية في غياهب الظلام الميتافيزيقي ولا يكون لها أي معنى بالنسبة للعم، والتنبؤ مقدمًا بما سوف يحدث هو مهمة النظرية العلمية، غير أن قصور نظرية فرويد عن تقديم قواعد علاقية يمكن بها الوصول إلى أي توقعات محددة لما سوف يحدث — أي تنبؤات — هو أوضح من أن يناقش،٥٠ ولو كانت قادرة على التنبؤ بحدوث أحداث معينة، لأصبحت الأحداث الممكنة خارج التنبؤ مكذبات محتملة للنظرية، ولكانت بهذا علمية، لكن النظرية التحليلية عاجزة عن التحديد والتعيين والتنبؤ؛ لأنها محضر أفكار فضفاضة أقرب شبهًا بالأساطير البدائية، وملاحم فرويد الحماسية عن الهو والأنا والأنا أعلى لا يمكنها أن تدَّعي السمة العلمية أكثر مما تدعيها الأساطير التي جمعها هوميروس خلال تجواله فوق الأولمب،٥١ فقد تجنب أية معالجة كمية لمواده التجريبية المتهافتة، ولم يصل إلى النتائج بواسطة استدلال منطقي واضح، وما نجده في كتاباته هو النتيجة النهائية لتفكيره بدون المادة الأصلية التي يعتمد عليها؛ لذلك يستحيل تكرار أي من بحوثه بأي من الثقة الثقة٥٢ وإمكانية الإعادة، إعادة الاختبار واسترجاع الوقائع التجريبية المعززة أو المكذبة شرط أساسي في منطق التكذيب.
وبعدُ لا ينكر بوبر أن فرويد وأدلر رأيا أشياء معينة صحيحة، وأن بعضًا مما يقولانه له أهمية ويمكن أن يطور بحيث يلعب يومًا ما دوره في علم نفس قابل للاختبار والتكذيب، كما تطورت بعض من نظريات الميتافيزيقا البارعة ولعبت دورها في الفيزياء القابلة للتكذيب،٥٣ وأيضًا ينوِّه بوبر إلى أن اختلاف أدلر عن فرويد هو في صالح الأدلرية؛ إذ تلافى موطن نقص خطير لفرويد حين أكد على أهمية النظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًّا، على الرغم من أن فرويد لم ينظر إلى هذا أبدًا كتفنيد لنظريته أو كتحدٍّ لها؛ لأن الأبعاد المنطقية والمنهجية للعلم — أي الأبعاد التكذيبية — لا وجود لها البتة في نظرياتهم لأنها ليست علمًا.
(٥) ونفس مناهج التحليليين وأساليبهم في ممارسة عملهم، لم تكن هي الأخرى من العلم في شيء، وكما هو معروف، فإن فرويد على الرغم من دراسته لمناهج العلم الدقيقة لم يستخدم الأساليب التجريبية أو الملاحظة المضبوطة في دراسته للعقل الإنساني، ولم يقم بأية تجارب سيكولوجية مضبوطة ولم يجمع الوقائع ويحللها كميًّا كما كان يفعل علماء النفس الآخرون في القرن التاسع عشر، وكتاباته الكثيرة لا تحوي أي جدول مخطط أو اختبار تشخيصي أو صورة من صور التقييم الموضوعي للشخصية، وكل نظرياته قائمة على الوقائع والخيالات التي كانت ترويها له شخصياته المريضة،٥٤ وبصفة عامة نجد كل اللاتحليليين يُجْمِعون على أن التحليل النفسي علم زائف بسبب القصور الشديد في إجراءاته المنهجية، وأن التحليليين لا يعنيهم الأمر حين يصاب الباحث بخيبة أمل،٥٥ أي إن البعد المنهجي للتكذيب لا أثر له عندهم البتة!
ويضرب بوبر مثالًا على قصور إجراءاتهم المنهجية بواقعة خبرها هو نفسه، فقد اتصل بوبر بألفرد أدلر وتعاون معه في عمله الاجتماعي بين الأطفال والشباب في مناطق الطبقة العاملة بفيينا، حيث أقام أدلر عيادات الإرشاد الاجتماعي، وحدث أن قدم بوبر لأدلر تقريرًا عن حالة لم تبدُ له أدلرية بالذات؛ أي لعله لم يجد فيها مركبات نقص، لكن أدلر لم يجد صعوبة في تحليلها على ضوء نظريته عن مشاعر النقص، وبمنتهى الثقة رغم أنه لم ير حتى الطفل، فأبدى بوبر اندهاشه، فكيف يثق أدلر من هذا وهو لم ير الطفل؟ فأجاب أدلر أنه فعل ذلك نتيجة آلاف التجارب السابقة التي اكتسبها، فلم يملك بوبر إلا أن قال وبهذه الحالة تصبح تجاربك آلافًا وواحدة،٥٦ فلعل تجارب أدلر السابقة كانت كلها على هذا النمط وعدها جميعًا إثباتات لنظريته، فكل حالة يدركها المحلل سيفسرها على ضوء نظريته، بدلًا من أن يعتبرها اختبارًا لها، وتفكير التحليليين بهذا أقرب شبهًا بالتفكير الدوجماطيقي المناقض للتفكير النقدي، فقد اتخذوا نظرياتهم بدجماطيقية، وراحوا يؤولون كل الأحداث أيًّا كانت كي تتفق معها، ولا يمكن أن نجد عندهم ما نجده عند العلماء الحقيقيين ذوي الاتجاه العلمي الأصيل؛ أي النقدي، من اختبار النظريات ومحاولات تكذيبها، ومن الناحية الأخرى فقد أوضح بوبر أن الاتجاه الدوجماطيقي وثيق الاتصال بالرغبة في تحقيق القوانين والبحث عن تطبيقاتها وتأكيداتها، وأنه اتجاه العلوم الزائفة،٥٧ إن التحليل النفسي — بصورته التي طرحها مؤسسوه — هو من رأسه حتى أخمص قدميه علم زائف، ببساطة ليس ينطبق عليه معيار القابلية للتكذيب.
(٦) ويؤكد بوبر على هذه السمة اللاعلمية من إقرار لفرويد بأنه إذا أقر أي شخص بأن معظم أحلامه التي تفيد في التحليل ترجع بأصولها إلى افتراضات النظرية التحليلية، فليس ثمة أي اعتراض يمكن أن يثار في وجه النظرية التحليلية، ومن أن فرويد عقَّب ببساطة على هذا بأنه ليس ثمة أي شيء يمكن أن ينتقص من قدر النظرية التحليلية.٥٨
غير أن كل أقوال فرويد وكل وقائعه وكل خصائص أبحاثه تبرهن على أنه ليس من طبيعة العلماء في شيء، فها هو ذا يصدر حكمًا قاطعًا يصدِّر به أحد كتبه بأن نظريته قائمة على عدد لا يحصى من الملاحظات، وأن أحدًا لا يستطيع أن يكرر هذه الملاحظات على نفسه أو على الآخرين، ويصل إلى حكم مستقل عن التحليل النفساني!٥٩ وما هكذا تكون أحكام العلماء على نظرياتهم.
وثمة واقعة يرويها بوستمان Postman في كتاب له عن سيرة فرويد (١٩٦٢م)، خلاصتها أن روزنتسفايج Rosenzweig قد أرسل له عام ١٩٣٤م رسالة عن نتيجة محاولته لدراسة الكتب دراسة تجريبية أيدت نظرية فرويد، فرد فرويد عليه بأنه لا يستطيع أن يعطي قيمة كبيرة لهذه التأييدات؛ لأنها تقريرات قائمة على ثروة من الملاحظات الموثوق بها، غير أن الملاحظات تجعلها معتمدة على التحقق التجريبي، وأضاف فرويد قائلًا: لتهدأ بالًا فإنها لا تضر!٦٠ إذن فهو يرى أن نظريته أعلى من التحقق التجريبي، وليست في حاجة إلى تجارب تؤيدها فضلًا عن أن تختبرها وتكذبها، ويعلق إيزنك على هذا بأننا لا يمكن أن نجد نظرية تكون محطًّا للانتباه العلمي، وفي الوقت ذاته تقطع بحسم وإمعان كل صلة بينها وبين الاختبارات التجريبية على هذا النحو، ولا حتى علوم التنجيم والفراسة.٦١
وبقي أن نعرف أن هذه النظرية التي يراها واضعها قاطعة قطعًا لا ترقى إليه إلا تحصيلات الحاصل، ليست لها أية صلة بأية معطيات تجريبية إلا التعبيرات اللفظية والسلوكية الصادرة عن المرضى أثناء علاجهم مجرد أقوال عصابيين، يسجلها فرويد بعد ساعات من سماعها مما يجعلها هي نفسها ليست دقيقة، ثم إنه لم يحاول التيقن من أقوال مرضاه بأي شكل من الأشكال، ولا حتى عن طريق معارف المريض، وكان يعتمد فقط على ثقته في التداعي الطليق،٦٢ والكارثة أنه خرج من أقوال المرضى بنظريات يعممها تعميمًا لتوضيح طبيعة الشخصية السوية قبل المريضة! وهذا هو السبب في أن نظريته أظهرت الطبيعة الإنسانية وكأنها مرادفة لأبشع صور الانحراف والجنوح والعصاب بل والذهان، بحيث إن نظرية فرويد إذا صحَّت فلا بد أن يكون الإنسان السوي شاذًّا، وكما هو معروف فإن نسبة فرويد رغبات شهوانية شبقية تدميرية للطفل الصغير، وتأكيده الرغبة في المحارم والجنسية المثلية للجميع، وعمومًا تفسيره لسلوك الإنسان على أساس الجنس فقط، كل هذا روَّع ذوي الحس المرهف، وجعل نظريته تلقى النقد المرير بل والاحتقار والازدراء كما لم يحدث لأية نظرية أخرى باستثناء دارون، لكن فرويد تحدى المجتمع والرأي العام تحديًا لا يقوى عليه إلا الأبطال الصناديد، وإذا كان دارون قد وجد هكسلي وآخرين ليقفوا بجواره، فإن أحدًا البتة لم يقف بجوار فرويد، بل انصرف عنه أخلص أصدقائه وزملائه، والمرء لا يملك إلا الإجلال والإكبار لهذا الرجل الذي تحمَّل الأمرَّين: ابتداءً من احتقار المجتمع والحرمان من أي تشجيع أو تأييد علمي وإغلاق الأبواب في وجهه وانصراف الجميع عنه سواء الأصدقاء أو التلاميذ (خصوصًا في الفترة ما بين عام ١٨٩٦م وعام ١٩٠٦م)، وانتهاءً بالتضحية بفرض الكسب المادي، وكل ذلك لم يزده إلا إصرارًا على مواصلة النظرية التي تراءت له وهو يحاول جاهدًا مخلصًا استكناه ذلك المجهول الكثيف: النفس، وليس ذنبه أنه لم يدرك أن عبقريته الخلاقة أحْوَج إلى الموهبة الفنية الأدبية، وليس إلى الاتشاح بوشاح العلم، فأين هو من رواد آخرين — كرينيه ديكارت مثلًا — اتخذوا شعارًا لهم «عاش سعيدًا مَن أحسن التخفي.» أو «التقية ديني ودين آبائي.» ولكن على الرغم من أن كل هذا حقائق تاريخية مُسَلَّم بها، فإن المحلل النفسي أريك فروم ينتقده قائلًا: «كان فرويد مشبعًا بروح حضارته لدرجة لم يتمكن بها أن يتجاوز حدودًا معينة أقامتها هذه الحضارة، ولقد أصبحت هذه الحدود نفسها حدودًا لفهمه حتى للإنسان المريض؛ فقد أعجزته عن فهم الفرد السوي والظواهر اللاعقلانية التي تعمل في الحياة الاجتماعية.»٦٣ لكن لم يصب فرويد تمامًا، فليست الحدود الحضارية هي التي أعجزت فرويد عن فهم الإنسان السوي، بل قصور إجراءاته المنهجية هي التي أعجزته، واعتماده فقط على أقوال المرضى، ثم إنه صاحب أول نظرية في تطور الشخصية، ومع ذلك نادرًا ما درس الأطفال،٦٤ ولعله اقتصر على ملاحظة أطفاله الستة!
ولنلاحظ أن الخطأ الكبير في الاقتصار على فحص المرضى يشمل كل التحليليين، فسيكولوجية يونج تقوم هي الأخرى على النتائج الإكلينيكية أكثر منها على البحث التجريبي؛ لذلك رفضها التجريبيون الصارمون كما رفضوا نظرية فرويد.٦٥
وحتى أدلر — مؤسس الاتجاه الاجتماعي الذي ينتصر له فروم — قد أجرى هو الآخر معظم ملاحظاته التجريبية في المجال العلاجي، وكان معظمها يقوم على إعادة بناء الماضي كما يتذكر المريض، وتقدير السلوك الراهن والحكم عليه على أساس التقريرات اللفظية للمريض،٦٦ وهذا هو السبب في نقد باتريك ملاهي له من أنه سطحي، وافترض أن مشاعر الضعة والعجز هي ذات أهمية أساسية في جميع الأطفال بدون أن يرى أن الأطفال الذين يربون في محيط صحي لا تثقلهم مشاعر كهذه،٦٧ فلو كان أدلر درس الأسوياء كما درس المرضى لما افترض أن مشاعر النقص والتعويض أساسية في بناء الشخصية الإنسانية، وأيضًا نجد المرضى وعلاجهم هم اهتمام كارين هورني الأول، واهتمام هاري ستاك سوليفان الوحيد، ومن هذا الاهتمام يتطرقون إلى نظريات عن الشخصية بما هي شخصية.

(٧) وفي هذا الصدد — صدد التأكيد على اهتمام المحللين بالمرضى فقط، وبطريقة تمثل قصورًا في إجراءاتهم المنهجية — يبرز تساؤل هام: ماذا عن الوقائع الإكلينيكية؟ المحللون لهم عيادات يستقبلون المرضى فيها، ويعالجونهم بواسطة نظريات التحليل، بل ويشفونهم في بعض الأحيان، وهاري ستاك سوليفان — على وجه الخصوص — حقَّق نجاحًا عظيمًا في هذا الصدد، أليست الحالات الإكلينيكية تمثل وقائع تجريبية تربط النظرية بالعالم الإخباري ربطًا اختباريًّا، فتمنحها السمة العلمية؟

في الرد على هذا اعترض بوبر بشدة على جدوى أسلوب الملاحظات الإكلينيكية وقال: إن هذه الملاحظات التي يعتقد التحليليون ببدائية وسذاجة أنها تؤكد نظرياتهم، لا تفعل ذلك أفضل من التأكيدات اليومية التي يقابلها المنجمون في ممارساتهم.

فالملاحظات الإكلينيكية، شأنها شأن الملاحظات الأخرى، هي وقائع تفسر في ضوء النظريات وليس أسهل من أن نفسرها بطريقة تجعلها تؤيد النظريات، وأيضًا ليس أسهل من أن تقتصر فقط على جميع الملاحظات التي تؤيد النظريات، وقد سبق أن أوضح بوبر كل هذا أثناء مناقشة الاستقراء والتحقق، وثمة افتراض عام — من الناحية الأخرى — يوجه لمحاولة التحليل النفسي تأكيد نظرياته بهذا الأسلوب الإكلينيكي، وهو أن المعالج الذي تدرب في إطار النظرية يجد نفسه متحيزًا أثناء ملاحظاته، فيجمع فقط ما يعتقد أنه مرتبط بالنظرية ولا يلتفت إلى غيره، وهذا الاعتراض ليس إلا تأكيدًا لنظرية بوبر الميثودولوجية العامة، بالنسبة للتحليل النفسي.

لقد أصبح من الواضح الآن — من منطق التكذيب — أن السند الحقيقي يكون فقط من تلك الملاحظات التي تشكِّل اختبارات قد تجتازها النظرية وقد لا تجتازها؛ أي محاولات تفنيد، ويجب أن نتفق أولًا على الملاحظات التي إذا لوحظت ستشكل تفنيدًا للنظرية، وكما فعل آينشتين على سبيل المثال الواضح، ولم يحدث أبدًا أن اتفق التحليليون على معايير محددة تعين بعض الاستجابات الإكلينيكية التي إذا حدثت يمكنها أن تفند تشخيصًا محددًا لهم، فضلًا عن أن تفند النظرية التحليلية بأكملها، بل وإن نظرية التناقض الوجداني عندهم، وأيضًا اللاشعور، تجعل مثل هذه المعايير مستحيلة.٦٨
من الناحية الأخرى، هل بحث التحليليون مدى تأثير نظرياتهم ذاتها على الاستجابات الإكلينيكية للمرضى، فضلًا عن محاولة التأثير الواعية على المريض، باقتراح تأويلات معينة لحالته،٦٩ إن الأثر الأوديبي لأشد ما يكون فعالية في حالة العلاج بواسطة التحليل النفسي، والأثر الأوديبي Oedipus Effect هذا مصطلح قدمه بوبر في «عقم المذهب التاريخي» ليشير به إلى تأثير النظرية أو التنبؤ على الحدث الذي تشرحه النظرية أو تتنبأ به، أو إلى تأثير المعرفة عامة على الموقف المتصل بها، سواء كان هذا التأثير من شأنه أن يساعد على وقوع الحادث أو على منعه،٧٠ والأثر الأوديبي بهذا يشير إلى صعوبة تنفرد بها العلوم الإنسانية دون العلوم الطبيعية، حيث لا نجد مثل هذا التأثير، فلنفترض مثلًا أن علماء الاقتصاد أعلنوا تنبؤًا بأن سعر أسهم معينة سوف يأخذ في الارتفاع على مدى ثلاثة أيام، ويبلغ ذروته في اليوم الثالث، ثم يهبط بعدها، فمن الواضح أن كل من له صلة بالسوق سيبيع أسهمه في اليوم الثالث، فتهبط أسعارها في هذا اليوم ويكذب التنبؤ، وقد أوضح بوبر أن أثر التنبؤ قد يتطرف إلى حد خلق الحادث الذي يتنبأ به خلقًا، ويتسبب في منع وقوع حادث قد يكون آتيًا لا محالة لولا هذا التنبؤ،٧١ ولنلاحظ أن استخدام بوبر لهذا المصطلح مشروع؛ لأن أسطورة أوديب تشير إلى الرجل الذي نبذ ابنه بسبب نبوءة بأنه سيقتله، فنشأ أوديب لا يعرف والده، لكن قتله في النهاية، ولعله لولا النبوءة لما نبذ الرجل ابنه ولتربَّى في كنفه ولما كان ليقتله، فلعل واقعة القتل النهائية بسبب النبوءة أصلًا، فلماذا أغفل التحليليون أن فروضهم قد تؤثر على مرضاهم، وهذا التأثير يمثل دورانًا يوضح هو الآخر أن ممارساتهم الإكلينيكية لا تؤيدهم بحال؟
على كل هذا لا ينبغي أن نعتدَّ بالنتائج الإكلينيكية للتحليل، لا سيما وأن الأمراض السيكولوجية التي لا تعود إلى أية أصول عضوية، مجرد أوهام تسيطر على المريض، ولنلاحظ أن التحليليين — وعلى رأسهم بالطبع فرويد — رجال ذوو شخصيات قوية وقدرات خلاقة — وإن كان خلقًا غير علمي — لذلك يمكن أن نرجع شفاءهم لمرضاهم إلى جاذبيتهم الشخصية ومواهبهم الذاتية وليس بالطبع إلى قواعد علمية ثابتة متواترة، ومن أين القواعد أو القوانين العلمية، والتحليل النفسي ليس من العلم في شيء، كما أثبت معيار القابلية للتكذيب.٧٢

(٥) في النظرية الماركسية

(١) ومن أبرز حصائل المعيار حصيلة تطبيقه على النظرية الماركسية، فهي أقوى وأهم النظريات الفلسفية التي وُضِعَت من أجل الاشتراكية، أي من أجل تحقيق نظام اقتصادي اجتماعي عادل يقوم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، منعًا من استغلال أقلية من الملاك لأكثرية عاملة.

ولعل أهمية النظرية الماركسية — دونًا عن سائر النظريات الاشتراكية والتي سُمِّيَت بالاشتراكيات الطوباوية — إنما تأتي مما تدَّعيه الماركسية من خاصية علمية، فقد أراد كارل ماركس K. Marx (١٨١٨–١٨٨٣م) أن يكون عالم التاريخ الذي يدرسه ويفهمه ويحلله، فيستطيع التوصل إلى القانون الحتمي الذي يحكمه، والذي يمكننا بالتالي من التنبؤ بما سيكون تبعًا لطبيعة العلم ووظيفته، وكما هو معروف اصطنع ماركس المادية الجدلية Dialictic Materialism، ليصل إلى القانون الحتمي الذي ارتآه يحكم التاريخ، وهو قانون: صراع الطبقات الذي يتطور تطورًا جدليًّا من مرحلة إلى أخرى، مثلما تطور من مرحلة الإقطاع إلى مرحلة البرجوازية، وعلى أساس هذا القانون تنبأ ماركس بأن التطور التالي والمحتوم سيكون انقلاب التاريخ من البرجوازية إلى المرحلة الاشتراكية، ولكن البرجوازية ستحاول عرقلة وتعويق مسار التاريخ في تقدمه المحتوم نحو الاشتراكية؛ لذلك فمن الضروري أن يتحد العمال لإقامة ثورة دموية عنيفة، تقهر البرجوازية وتحقق الاشتراكية بقوة السلاح، فقط كي تخفف آلام الوضع وتقصرها، وتختصر الفترة التاريخية المطلوبة للوصول إلى المرحلة الاشتراكية، وإن كانت هذه المرحلة هي النهاية المحتومة على أية حال لمراحل التطور الاقتصادي.٧٣

(٢) ولا ينكر بوبر أن ماركس واحد من أعظم أقطاب الفكر البشري، وأنه حاول مخلصًا أن يطبق المنهج العلمي العقلاني على أكثر مشاكل الحياة العملية إلحاحًا، وكونه لم ينجح إلى حد كبير، فإن ذلك لا يلغي قيمة محاولته، ويؤكد بوبر أننا لا يمكن أن نجد أي علم اجتماعي قبل ماركس، وأن جميع الكُتَّاب المعاصرين — وهو منهم — يدينون لماركس، حتى وإن لم يشعروا بذلك، وأن ماركس قد تميز بعقل مفتوح وإخلاص نادر، وأن رغبته كانت متأججة لمساعدة المقهورين، فبذل خلاصة حياته قولًا وفعلًا من أجل تحسين أحوالهم، وأن اهتمامه كان عظيمًا بالفلسفة والعلم الاجتماعيين.

إلا أن بوبر مع تسليمه بهذا انهال بنقد قاسٍ عنيف على النظرية الماركسية من كل صوب وحدب، فلم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وفندها بالبراهين المنطقية المسهبة، والمناقشات الفلسفية المطولة الدقيقة المتأنية، وقد يبدو غريبًا أن نعرف أن نقد بوبر للماركسية يتضاءل بجواره، نقده للاستقراء أو حتى للوضعية المنطقية والفلسفة التحليلية اللغوية، فقد رأى فيها أنموذجًا للمنهج التاريخي historicism أي الذي يرى أن التاريخ يسير في مسار محتوم، يمكن قولبته في مراحل أو أنماط أو إيقاعات؛ ومن ثم يمكن التنبؤ به، وقد راح بوبر في مناقشات مستفيضة يثبت أن هذا المنهج عقيم لا يؤتي ثمرًا، وأن الخطأ سمة كل حججه بلا استثناء، سواء كانت مؤيدة للتشبه بالعلم الطبيعي أو معارضة لهذا؛ لأن التاريخ محكوم في تطوره بنمو المعرفة العلمية، ومن المستحيل منطقيًّا أن نتنبأ بهذا النمو؛ ومن ثم يستحيل التنبؤ بمسار التاريخ، وحقًّا أن المذهب التاريخي معروف منذ أفلاطون وهيراقليطس وهيزيود، وفكرة اليهود عن مآل شعب الله المختار، وفيكو وبوسويه وكوندرسيه وهيجل وغيرهم، غير أن ماركس بالذات — نظرًا لأثره العظيم — قد ضلل معظم ذوي العقول النيرة حين جعلهم يعتقدون أن الأسلوب العلمي لتناول المشاكل الاجتماعية هو النبوءة التاريخية، فماركس هو المسئول عن الأثر المدمر للمنهج التاريخي،٧٤ وانتقد بوبر أيضًا تبعية ماركس لأفلاطون وأرسطو وهيجل، دعاة المجتمع المغلق بأيديولوجية محددة لا تقبل ليبرالية ولا ديمقراطية ولا تبادل آراء ولا حتى محاولة التوصل إلى حل أصيل مرن لمشكلة ملحَّة، فالمفروض أن الأيديولوجية التي حدَّدوها سلفًا هي أسلوب حل كل المشاكل، وانتقد أيضًا ما تنطوي عليه الماركسية من نزعة يوتوبية غير مشروعة؛ لأنها نظرية كلية hilism تفترض أنها بضربة واحدة — هي الثورة الدموية — ستقلب التطور التاريخي إلى المرحلة اليوتوبية، ويرى بوبر أن الإصلاح مثل النقد يجب أن يكون جزئيًّا مراحليًّا قائمًا على أساس هندسة اجتماعية جزئية تتعامل مع المؤسسات الاجتماعية كل على حدة، بل وكل من مشكلات المؤسسة الواحدة على حدة، بالأسلوب الذي يناسبها هي وليس بأسلوب كلي محدد سلفًا، فمثل تلك الاتجاهات الكلية التي تريد الإصلاح بضربة واحدة قاصمة فاصلة، يستحيل أن تصلح شيئًا أو أن تؤدي إلى شيء، وقد تؤدي إلى دمار وخراب شامل، ثم إن النزعة الكلية الاجتماعية مستحيلة منطقيًّا؛ لأن التحكم الكلي مستحيل منطقيًّا، فكل تحكم جديد في العلاقات الاجتماعية من شأنه أن يخلق مجموعة جديدة من العلاقات الاجتماعية التي تحتاج هي بالأخرى إلى التحكم فيها، وهكذا في سلسلة بغير نهاية،٧٥ ولما كان ماركس مجرد مفكر تاريخي فلم تتضمن نظريته أية تكنولوجية اجتماعية، ولينين نفسه أعلن أن الحزب الشيوعي بمجرد أن تولى السلطة لم يجد في النظرية الماركسية أية تكنولوجية أو خطط للإصلاح الاجتماعي، فكل بحوث ماركس الاقتصادية كانت مكرسة لخدمة نبوءته التاريخية، بل وأكثر من هذا فإن ماركس نفسه قد أكد تأكيدًا على التعارض بين منهجه وبين أية محاولة لإقامة تحليل اقتصادي يهدف إلى التخطيط العقلاني٧٦ لحل المشاكل الجزئية، كما راح بوبر في مناقشات مطولة ينقد الفكر اليوتوبي الذي يعني تصور نهاية العالم وخاتمة تطوره، ويوضح ما يقف أمامه من استحالة منطقية، ونقد أيضًا الدعوة إلى العنف الدموي التي مجدتها الماركسية ويوضح استحالة التقاء العقلانية التي تعني الاعتراف بأني قد أقطع في الخطأ مع الدعوة إلى العنف، والتضحية بجيل الثورة من أجل أجيال لم تأتِ بعدُ وقد لا تأتي،٧٧ كما نقد بوبر أيضًا نظرية فائض القيمة، وأوضح أنها خاطئة تمامًا تغفل عوامل أساسية في الإنتاج وفي قوانين البيع والشراء، وعلى الرغم من الرأي الشائع بأنها أهم نظريات ماركس، فإن بوبر حللها تحليلًا يوضح أنها لا ضرورة لها إطلاقًا، وأن الماركسية تصبح أقوى وأفضل لو حذفنا نظرية فائض القيمة منها، وأساس كل هذا نقده للقيمة العلمية الماركسية ومنطقها المادي الجدلي، باختصار نقد بوبر الماركسية نقدًا مدمرًا من كل موضع وكل زاوية يمكن منها النقد، «وليس من السهل أن يدرس أحد نقد بوبر للماركسية ويظل على اقتناع بمبادئها أو حتى على تعاطف معها؛ لذلك يرى الماركسيون فيه أبرز وأهم نقادهم المعاصرين، وأن حججه أقدر الحجج وأقواها، وأنها تضم كل ما يمكن أن يقال في نقد الماركسية.»٧٨

(٣) ولكن هذا البحث مَعْنِي بزاوية واحدة من نقد بوبر للماركسية، وإن كانت أساس كل الزوايا الأخرى، وهي الخاصية العلمية للنظرية، وذلك على ضوء الحل المطروح لمشكلة تمييز المعرفة العلمية، بعبارة أخرى: هل ينطبق معيار القابلية للتكذيب على النظرية الماركسية فتكون بهذا علمًا، أم لا ينطبق فتكون «لا علم»، أم أن الأمر بخلاف هذا وذاك؟

إن النظرية كما وضعها ماركس، هي نظرية علمية لأنها قابلة للتكذيب، فقد كانت محاولة جريئة وضعت في صورة مقدمات يمكن أن نشتق منها نتائج هي تنبؤات، تمثل عبارات أساسية جديدة، يمكن مقارنتها بالعبارات الأساسية التي تنقل متغيرات الواقع التاريخي الخارجي، غير أن الوقائع كذَّبت كل تنبؤاتها فلا بد من الاعتراف إذن بأنها كاذبة وتركها إلا أن أتباعها لم يعترفوا بهذا، وظلوا على تمسك بها، فحطموا بذلك القاعدة المنهجية بضرورة قبول التكذيب، واتخذوا خططًا تحصينية immunizing Strategy تحمي نظريتهم من أقوى التفنيدات؛ لذلك أصبحت بصورتها الراهنة «لا–علم»، أو كما يسميها بوبر: عقيدة دوجماطيقية مقواة Reinforced dogmatism: أو حلمًا ميتافيزيقيًّا اقترن بواقع قاسٍ.
وقبل أن نناقش التنبؤات التي كذبت، نلاحظ أن هذا ليس كل ما في الأمر، فلو واجهنا مجمل النظرية بمجمل منطق المعيار لوصلنا إلى نتائج في غاية الخطورة، ولكننا لا نستطيع الآن التصدي لهذه المواجهة ودفاع الماركسيين ورد بوبر لدفاعهم … إلخ، فالحيز المتاح للماركسية ها هنا لا يسمح بهذا،٧٩ ويكفينا أن المعيار أصدر الحكم بأنها كاذبة.
(٤) والآن كيف أصدر المعيار هذا الحكم؟ فعل هذا على أساس ما طرحه من قاعدة منطقية دقيقة تقول: إن أي تناقض بين التنبؤات التي نشتقها من النظرية، أي بين ما تخبر به، وبين الوقائع التجريبية للعالم الواقعي، يعني أن النظرية كاذبة، وسيوضح بوبر كيف تناقضت الوقائع التاريخية مع كل ما أنبأت به النظرية الماركسية:
  • (أ)

    تنبأ ماركس بأن الطبقات ستُخْتَصَر إلى طبقتين: البرجوازية والبروليتاريا؛ لأن البروليتاريا ستبتلع الحرفيين والصناع والفلاحين والتجار، وتنكمش البرجوازية، مما يزيد من التناقض وحدة الصراع الطبقي، فينهار النظام البرجوازي وتجيء الاشتراكية.

    غير أن هذا لم يحدث وليس من المحتمل أن يحدث، ومهما تقدمت الصناعة لن تختفي طبقة المزارعين بالذات، وقد أوضح بوبر أن التطورات التاريخية بعد ماركس لم تسفر عن طبقتين، بل عن الطبقات الست الآتية: البرجوازية – كبار ملاك الأراضي – الملاك الآخرين – العمال الزراعيين – الإداريين والفنيين – العمال الصناعيين.

  • (ب)

    تنبأ ماركس بأن انتصار البروليتاريا ومجيء الاشتراكية، سيتبعه حتمًا المجتمع اللاطبقي، وليس هذا ضروريًّا، فقد تنشأ الصراعات داخل البروليتاريا وتقسمها إلى طبقات، فسوف يقفز إلى السلطة قادة الحركة الثورية، ويشكلون طبقة الحكام الجديدة، وهذا نوع جديد من الأرستقراطية، أو على الأقل البيروقراطية.

  • (جـ)

    تنبأ ماركس بأن الشيوعية ستبدأ في أكثر الدول المتقدمة تكنولوجيًّا، وبالذات إنجلترا وألمانيا، وحدث عكس هذا، فقد بدأت في روسيا المتخلفة، والتي استبعدها ماركس.

  • (د)

    قام ماركس بتحليل دقيق للأنظمة الاقتصادية عبر التاريخ، وتوصل إلى تناقضات في صميم كل نظام اقتصادي، تحمل عوامل فنائه، فانتهى إلى حتمية فناء البرجوازية أو الرأسمالية ومجيء الاشتراكية.

ولكن الرأسمالية التي عرفها وحلَّلها ماركس هي رأسمالية عدم التدخل Lassez faire دعه يعمل؛ أي الرأسمالية الحرة حرية مطلقة ولا تسمح بأي تدخل أو فرض قيود، ومثل هذه الرأسمالية قد اختفت فعلًا، ولكن لم تكن الاشتراكية هي البديل الوحيد الذي حل محلها كما تنبأ ماركس، ففي معظم البلدان حل نظام الرأسمالية الخاصة المقيدة، والتي يسميها بوبر بالديمقراطية التدخلية Democratic Interventionism والتي يفضِّلها ويحبِّذها كثيرًا، ولم تتحقق نبوءة ماركس بصورة تقريبية إلا في روسيا فقط،٨٠ حيث نجد الدولة هي فعلًا التي تملك كل وسائل الإنتاج، غير أن روسيا لا تعدو أن تكون سدس الكرة الأرضية، وهذا يعني أن انهيار رأسمالية عدم التدخل لم يؤدِّ إلى الاشتراكية بل إلى فترات تاريخية أخرى يتداخل فيها النظام السياسي مع النظام الاقتصادي للدولة، وتتدخل الحكومة القائمة في الصناعات الخاصة بالتوجيه والإرشاد وإصدار القوانين والمنع والتحريم ومنح التسهيلات وحماية حقوق العمال وشملهم بالضمانات والتأمينات الاجتماعية، والتأمين ضد البطالة، بل وأصبح للعمال في إنجلترا بالذات وفي بلاد أخرى كثيرة، حق الإضراب وإجبار أصحاب رءوس الأموال على رفع أجورهم، والسويد أبرز الأمثلة على هذا، فهي التي قامت بأولى الخطوات الحاسمة في هذا الطريق، حيث حددت عدد ساعات العمل بثمانٍ وأربعين ساعة في الأسبوع.٨١
لقد تنبَّأ ماركس بأن التناقض سيتزايد بين مصالح العامل ومصالح الرأسمالي وسيستحيل تمامًا التوفيق بينهما، مما سيعجِّل بانهيار الرأسمالية؛ لأنها لا يمكن أن تتحسن أو تتطور، بل لا بد أن تنهار، لكن ماركس عاش حتى رأى بعض الإصلاحات في أحوال العمال والتوفيق بين مصالح البروليتاريا ومصالح البرجوازية، ولم يرَ في هذا تفنيدًا لنبوءته أو نظريته، بل رأى فيها إيذانًا بانهيار الرأسمالية، وليس هناك مبررٌ عقلي لهذا، وليس هناك ضرورة منطقية تجعل انهيار الرأسمالية يعقب التعديل التدريجي والحلول التوفيقية،٨٢ والمهم أن تزايد تدخل الدولة، وتزايد نطاق احتمالية الحل السلمي — وهو الأمر الواقع الآن — يكذب نبوءة ماركس بأن الاشتراكية هي البديل الحتمي والوحيد والذي لا بديل سواه لانهيار الرأسمالية التي عرفها، رأسمالية عدم التدخل.

ويكذب أيضًا نبوءته بأن البؤس سيتزايد.

نبوءة ماركس التي تحققت فعلًا هي اختفاء رأسمالية عدم التدخل، ولنلاحظ أن تدخل الدولة قد يؤدي إلى البيروقراطية، ومن إنجازات ماركس أنه حذَّر من هذا، وأيضًا تنبأ بأن اتحاد العمال لإقامة الثورة سيؤدي إلى الاشتراكية، وهذا ما حدث في روسيا ولكن بصورة تقريبية جدًّا؛ لأن طبقة المثقفين التي اعتبرها ماركس بورجوازية، كانت من أهم عوامل نجاح الثورة.٨٣
لكن منطق التكذيب يعلمنا أن مثالًا واحدًا نافيًا أهم من ملايين الأمثلة المؤيدة، فما بالنا لو كان الأمر مثالًا واحدًا مؤيدًا في مقابل العديد من الأمثلة المكذبة؟ أي إن النتيجة المنطقية التي يجب أن ننتهي إليها هي أن تنبؤات ماركس كاذبة؛ وبالتالي تكون نظريته خاطئة، ومحاولته العبقرية لأن يستخلص النبوءات المستقبلة من الوقائع المعاصرة له قد فشلت،٨٤ ويقول بوبر: إن السبب الأساسي في هذا هو عقم المذهب التاريخي الذي اتبعه ماركس؛ لذلك يمكن أن نقول: إن معيار القابلية للتكذيب، ها هو ذا يقدم حجة جديدة تضاف إلى حجج بوبر الكثيرة على عقم المذهب التاريخي، وقبل هذا يقدم أقوى وأهم نقد للماركسية قُدِّمَ حتى الآن، كما يعترف الماركسيون المتطرفون أنفسهم، فقد أصبح من الواضح الآن أن بوبر على حق تمامًا حين يسم النظرية الماركسية بأنها عقيدة دوجماطيقية مقواة Reinforced Dogmatism؛ فقد كانت علمية غير أن كذبها قد ثبت، والتكذيب يرمي إلى استئصال النظريات الكاذبة ونبذها باكتشاف مواضع الخطأ والضعف فيها،٨٥ غير أن المأخوذين بها لم يستأصلوها أو ينبذوها، بل أبوا الاعتراف بكذبها المبرهن بمنطق العلم، وصمموا على استمرار الأخذ بها، مخالفين بذلك منطق العلم وأيضًا منهجه؛ إذ أعادوا شرح كل من النظرية والدليل ليجعلوهما متوافقين معًا، بحيث تصبح النظرية غير قابلة للتكذيب — أي لا علمية — والماركسي الآن لا يمكنه أن يفتح جريدة دون أن يجد في كل صفحة منها دلائل تؤكد تفسيره للتاريخ ليس في الأخبار فحسب، بل وفي أسلوب عرض الأخبار الذي يكشف عن التحامل الطبقي للمحررين، ويبدو هذا فيما لم تقله الجريدة بالطبع، والنظرية بهذا ينهال عليها سيل لا ينقطع من التأكيدات، ومن يرفضها فهو يفعل ذلك لأنه ضد مصالح طبقية، والنظرية الماركسية بكل هذا فقدت سمتها العلمية،٨٦ وأصبحت دوجماطيقية تماثل التفكير العصابي.

إن الماركسية — بما هي علمية — نظرية كاذبة، وإذا شاء أنصارها فيمكنهم الانصراف عن العلم وعن السمة العلمية، وحينئذ لن يستطيع معيار القابلية للتكذيب التطاول على نظريتهم، وسيسقط كل النقد السابق، وسنعتبرها نظرية فلسفية، مجرد تأويل للتاريخ وتصوُّر يوتوبي لمستقبل البشرية، ولا تنطوي على علاقة ضرورية منطقية بالواقع؛ وبالتالي لا تنطوي على أي إلزام بالأخذ بها كي نفهم هذا الواقع، وتصبح فقط محلًّا للنقاش الفلسفي النقدي، غير أن أتباع الماركسية لا يصممون على الأخذ بها فحسب، بل وعلى الأخذ بها بوصفها نظرية علمية وصادقة، بل وإنها النظرية العلمية التاريخية الوحيدة — والتي تحوي جماع التناول العلمي للتاريخ — إنها بحق أصبحت عقيدة دوجماطيقية مقواة.

(٦) في التاريخ والعلوم الاجتماعية

(١) والآن، لقد كانت النظرية الماركسية محاولة لعلمنة التاريخ ولم تنجح، لعلها نجحت في أن تكون أقدر نظرية فلسفية طُرِحَت حتى الآن؛ لوضع أيديولوجية عامة للنظام الاشتراكي، ولعلها النظرية الفلسفية الوحيدة التي خرجت إلى عالم التطبيق الفعلي، ولعلها قادرة على تزكية الأمل في اليوتوبيا الموعودة للكادحين؛ حيث لا يقدم البروليتاري إلا ما يستطيعه في الوقت الذي يجد فيه كل ما يريده، ولكنها لم تنجح في وضع نظرية علمية للتاريخ كما أثبت معيار القابلية للتكذيب، فهل هذا المعيار يعني استحالة وضع نظرية علمية في التاريخ أصلًا؟ الواقع أن بوبر يجيب على هذا التساؤل بالإيجاب، ويصر أن مبحث التاريخ لا يمكن إطلاقًا أن يكون علمًا.

(٢) فحقًّا أن المعيار قد أوضح أن عالم العلوم الطبيعية يضع الفرض من عنده، ثم يحاول أن يفسر في ضوئه الوقائع، وحقًّا أيضًا أن بوبر يصر على أن الأمر هكذا تمامًا في العلوم التاريخية، فالمؤرخ يضع الفرض من عنده ليؤول في ضوئه الأحداث التاريخية، غير أن هناك اختلافًا كبيرًا بين طبيعة العلمين؛ وبالتالي بين طبيعة الفرضين.٨٧
فموضوع علم التاريخ أحداث منفردة نهتم بأسبابها وبتفسيرها وبنتائجها، وهي بهذا تناقض العلوم الطبيعية والبيولوجية، فهي علوم تعميمية لا تهتم بأية أحداث مفردة، بل بالقوانين العامة الكلية التي تحكمها، وكلما تقدَّمت هذه العلوم سارت أكثر نحو السمة العمومية، حتى تجد نظريات العلوم البحتة التي تهدف إلى توحيد العلوم نفسها وليس فقط الوقائع، والتاريخ يماثل هذه العلوم في أنه يفترض ضمنًا قانونًا عامًّا، ولكنه يختلف عنها في أنه يحاول أن يفسر في ضوئه الحدث المنفرد المطروح للدراسة، فإذا فسرنا مثلًا أول انقسام لبولندا عام ١٧٧٢م؛ لأنها لم تكن لتستطيع أن تقاوم قوة اتحاد روسيا وبروسيا والنمسا، فإننا في هذا نفترض ضمنًا القانون العام في جيشين متساويين تمامًا في جودة التسليح والقيادة، إذا امتاز أحدهما في عدد الرجال، فلن يفوز الآخر، وهو قانون يمكن أن نصفه بأنه قانون في سوسيولوجية القوة الحربية، وإن كان غير ذي أهمية كبيرة لعلم الاجتماع،٨٨ لكن الذي يهمنا الآن أنه قانون عام، لكن وُضِعَ أصلًا لتفسير حدث واحد منفرد هو انقسام بولندا عام ١٧٧٢م، والقوانين العمومية المستخدمة في مختلف التفسيرات التاريخية لا ترتكن في مجموعها إلى مبدأ موحد، فليس هناك وجهة للنظر في علم التاريخ، وفي أحوال محددة جدًّا نتوصل إلى مثل هذه الوجهة بتحديد معنى للتاريخ وقصره على جانب واحد، كأن نقول التاريخ العسكري أو تاريخ التكنولوجيا أو تاريخ الرياضيات، وبعض وجهات النظر نتوصل إليها بأفكار عمومية مسبقة تماثل القوانين الكلية، لكنها تفتقر إلى المبررات والأسانيد العقلية الكافية، كأن نقول: إن المهم في التاريخ هو «الرجل العظيم» أو «المبدأ الأخلاقي» أو «الظروف الدينية».٨٩
ومثل هذه النظريات التاريخية — ويفضل بوبر أن يسميها أشباه نظريات quasi theories٩٠ — تختلف في خصائصها تمامًا عن النظريات العلمية القابلة للتكذيب؛ لأن وقائع التاريخ الموجودة لدينا محدودة لا يمكن أن تعاد أو أن ننجزها كما نشاء؛ أي لا يمكن اختبار النظرية التاريخية، خصوصًا وأن هذه الوقائع نفسها قد جُمِعَت تبعًا لوجهة نظر سالفة، فمصادر التاريخ لا تحتوي إلا على الوقائع الملائمة لنظرية سالفة، هي نظرية المؤرخ الذي أرَّخها، وطالما أنه ليس هناك أية وقائع أكثر متاحة لنا، فيستحيل إذن أن نختبر تلك النظرية السالفة أو أن نحاول تكذيبها.٩١
على هذا يستحيل أن يكون التاريخ علمًا؛ لأنه يستحيل أن يضع نظريات قابلة للاختبار والتكذيب؛ لذلك فبوبر يطلق على النظريات التاريخية، كمقابل متميز للنظريات العلمية اسم تأويلات Interpretations، فالقاعدة هي أنه لا يمكن التوصل إلى نظرية قابلة للتكذيب، ويمكن لوقائع تاريخية معينة أن تلائم تأويلات عدة، لكن من المستحيل الحصول على وقائع ومعطيات أكثر تمثل تجربة فاصلة كتلك التي تكذب النظريات الفيزيائية مثل نظريات كبلر أو نيوتن، فالمؤرخ يرى أن الوقائع تناسب تأويله هو فقط؛ لذلك لا يمكن أن نقول إن الوقائع التاريخية التي أوردها المؤرخ هي دليل يؤيد نظريته، حتى ولو كنا لا نملك أية وقائع سواها؛ لأن هذا دوران منطقي، فهو لم يجمع إلا الوقائع التي تكون جديرة بالجمع تبعًا لنظرياته، وقد يتبنى مفكر تأويلًا يقول: إن التاريخ يسير نحو مزيد من الحرية ويتخذ من تحرير العبيد تأييدًا لنظريته، وقد يتبنى مفكر آخر تأويلًا آخر يقول: إن التاريخ يسير نحو مزيد من العبودية، ويتخذ من التفرقة العنصرية تأييدًا لنظريته، وهذان التاريخان لا يتنازعان بل هما مكملان لبعضهما، فهما تاريخ منطقة واحدة هي الولايات المتحدة الأمريكية، فقط منظورًا إليه من زاويتين مختلفتين،٩٢ وليس هناك أي تأويل حاسم ونهائي؛ لأن التاريخ ليس له أي معنى محدد، ويؤكد بوبر بشدة على أن التاريخ ليس له أي معنى محدد.٩٣
وهذا لا يضرنا، بل إنه يفيدنا كثيرًا؛ لأن كل جيل له مشاكله واهتماماته وطموحاته الخاصة؛ وبالتالي يجب أن يكون له الحق في أن ينظر إلى التاريخ ويعيد تأويله بأسلوبه الخاص، المكمل لأساليب الأجيال السابقة، فالتاريخ ليس له معنى، لكن يمكن أن نجعل له معنى، مثلًا معنى يمثل القيم العليا والدروس المستفادة وهو ليس له نهاية، ولكن يمكن أن نفرض عليه نهايات وغايات هي الطموح والأهداف المنشودة، فمثلًا يمكن أن نؤول تاريخ القوة العسكرية على أنه الحرب من أجل المجتمع المفتوح ومن أجل تحرير العقل ومن أجل الحرية والعدالة والمساواة، ومن أجل التحكم في الجرائم الدولية،٩٤ أي الحروب.
ويؤكد بوبر أننا ندرس التاريخ أصلًا؛ لأننا نهتم به ونريد أن نتعلم منه شيئًا عن مشاكلنا، والتاريخ لا يمكن أن يؤدي هذين الغرضين إلا إذا كان محكومًا بتأويل موضوعي نعرض في ضوئه المشاكل التاريخية من منظورنا الخاص، فنحن ملزمون بمثل هذا العرض لنرى اتصال مشاكلنا بالماضي ومسارها عبر التاريخ، لنرى إمكان تسييرها نحو التقدم، والتأويل هو الذي يتحدث عن نفسه، ويوضح مميزاته ومدى خصوبته وقدرته على توضيح وقائع التاريخ، وتوضيح المواضع التي يهتم بها؛ وبالتالي قدرته على توضيح مشاكلنا اليوم، ولما كنا حتى في الفيزياء، بكل رصيدها الضخم المتنوع من الوقائع، نحتاج مرة ثانية لوقائع جديدة كي نختبر نظرية قديمة، أصبح من الواضح استحالة التوصل إلى تأويل واحد لوقائع تاريخية معينة ومحددة سلفًا، لكن ليست كل التأويلات التاريخية على قدم المساواة، فهناك تأويلات لا تتفق مع السجلات المقبولة، وهناك تأويلات تحتاج إلى كثير من الفروض المساعدة كي تتفادى التكذيب بواسطة السجلات الموجودة، كما أن هناك تأويلاتٍ تكون قادرة على ربط وشرح عدد أكبر من الوقائع التاريخية، وهي بذلك تكون تأويلات أفضل، وعلى هذه الأسس — التي تكون الصورة العامة المبهمة لقواعد معيار القابلية للتكذيب الدقيقة الحاسمة — يمكن أن نحقق تقدمًا في ميدان التأويل التاريخي وإن كان لا يمكن أن نجعله علمًا قابلًا للتكذيب.٩٥

(٣) ولنلاحظ أن بوبر لم يتحدث إلا عن تأويلات الوقائع، أو وجهة النظر التي يؤرخ في ضوئها المؤرخ أحداث التاريخ ذاتها، ولم يتحدث عن الأحداث والوقائع ذاتها، في حين أن مسارها هو علم التاريخ ذاته تبعًا للرأي الشائع.

والواقع أن بوبر يرى أن علم التاريخ بهذا المنظور الشائع هو خرافة، فليس هناك أي عرض موضوعي للتاريخ يروي أحداثه كما وقعت بالفعل،٩٦ فالتاريخ كما يتحدث عنه الناس ببساطة ليس له وجود، فهم يظنون؛ لأنهم يتعلمون في المدارس أن تاريخ الجنس البشري ليس تاريخ الفن ولا تاريخ الشعر ولا تاريخ حمى التيفوس ولا تاريخ العادات والتقاليد الاجتماعية، بل هو تاريخ القوة العسكرية، تاريخ الحروب والغزو وقيام الإمبراطوريات وسقوطها، ليس هذا هو تاريخ البشر، بل فقط تاريخ جانب واحد منه هو القتل الجماعي والجرائم المروعة والسفاحين الذين يقدمون كأبطال عظام، ويبرر بوبر وضع مصطلح التاريخ على القوة العسكرية بالذات بالمبررات الآتية:
  • (١)

    لأنها تؤثر على كيان أكبر عدد من الناس أكثر من أي جانب آخر.

  • (٢)

    الإنسان يعبد القوة، وهذه أقبح صفة فيه.

  • (٣)
    القوة السياسية العسكرية هي التي تملك زمام كل نواحي الحياة؛ وبالتالي تملك تسجيل التاريخ، ومؤرخون كثيرون كتبوا، فقط خضوعًا لأوامر الحكام.٩٧
فلماذا نتصور إذن أن علم التاريخ شامل لتطور الكائن العضوي الاجتماعي كله، ويؤكد بوبر أن هذه الفكرة أصلًا صادرة عن نظرة حدسية إلى تاريخ البشرية باعتباره تيارًا هائلًا يشمل التطور الإنساني كله، «ولكن مثل هذا التاريخ لا يمكن كتابته، فكل تاريخ مكتوب هو تاريخ لجانب ضيق من جوانب هذا التطور الكلي، وهو على أية حال تاريخ ناقص جدًّا حتى فيما يتصل بالجانب الجزئي الناقص الذي اختير موضوعًا للوصف.»٩٨ وبصرف النظر عن أن التاريخ — كما سلف — مقصور أساسًا على الجانب السياسي العسكري، فإنه ليس هناك أي إنسان أكثر أهمية من الآخر، ولا أي جانب في الحياة أكثر أهمية من الآخر، فالتاريخ الحقيقي للبشر ليس تاريخ القوة السياسية العسكرية ولا تاريخ الفن، ولا تاريخ العلم، بل تاريخ حياة البشر بكل طموحاتهم وكل آلامهم ومعاناتهم ومشاكلهم وأحلامهم، وبالطبع مثل هذا التاريخ لم يُكْتَب ويستحيل أن يُكْتَب،٩٩ فضلًا عن أن يمثل علمًا.

(٤) إذن التاريخ لا يمكن أن يكون علمًا قابلًا للاختبار والتكذيب، غير أن العلوم الاجتماعية أمرها جد مختلف؛ إذ يؤكد بوبر تأكيدًا على إمكانية دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية قابلة للاختبار والتكذيب؛ ومن ثم قابلة للتقدم، وذلك على أساس نظرية بوبر بوحدة المناهج، فالعلوم الاجتماعية — تمامًا مثل العلوم الطبيعية — يمكنها أن تستخدم منهج طرح الحدوس الافتراضية ومحاولة تكذيبها عن طريق إخضاعها للاختبارات العملية العلمية القاسية، أي منهج المحاولة الخطأ، أي المنهج النقدي الأساسي لكل العلوم، ويؤكد بوبر أن ظواهر الحياة الاجتماعية تعطي الوقائع التجريبية التي تمثل مادة التكذيب التجريبي لتلك الفروض أو المحاولات؛ ومن ثم يمكن أن تصبح علمًا.

غير أن الأمر الواقع هو ما يسمى بمشكلة العلوم الإنسانية؛ أي عجزها عن استخدام منهج مشترك، وعن التوصل إلى نظريات قابلة فعلًا للتكذيب بدرجة عالية؛ ومن ثم عجزها عن أن تكون ذات طبيعة تقدمية تماثل طبيعة العلوم الفيزيائية.

وإذا سألنا بوبر عن سبب مشكلة العلوم الاجتماعية وكيف السبيل إلى حلها؛ لوجدناه يؤكد أن العلوم الاجتماعية لم تتوصل حتى الآن إلى منهج عام مشترك بسبب الآثار المدمرة لأرسطو وهيجل وسائر أنصار المذهب التاريخي من ناحية، ومن الناحية الأخرى بسبب فشل هذه العلوم في إخضاع النواحي الاجتماعية للموضوعية العلمية بسبب الأيديولوجيات الكلية العقيمة، فبعض علماء العلوم الاجتماعية غير قادرين بل ولا يرحبون بالحديث بلغة مشتركة.١٠٠
والطريق الوحيد المفتوح أمام العلوم الاجتماعية هو أن تنسى كل شيء عن النزعات الكلية والنبوءات التاريخية واسعة النطاق، وأن تحيط بالمشاكل المطروحة فعلًا وكل واحدة على حدة، وبواسطة المنهج النقدي التكذيبي، ووظيفة العلوم الاجتماعية بهذه النظرة ستكون دراسة النتائج غير المقصودة بل وغير المرغوبة للسلوك، بدلًا من التنبؤ بما سيجيء حتمًا، وهذه الوظيفة ستجعلها تضع التنبؤات المشروطة القابلة للتكذيب بدلًا من التنبؤات الواسعة النطاق غير القابلة له،١٠١ وقد سبق أن أوضح بوبر أن الطبيعة التكذيبية للنظرية تعني الطبيعة المانعة، التي تنفي حدوث حوادث ممكنة مما يعني إمكانية وضع القانون العلمي في صورة نافية، وهو هنا يوضح أن العلوم الاجتماعية بهذه الوظيفة ستستطيع التوصل إلى مثل هذه القوانين أو الفروض النافية، ويعطي أمثلة على هذا: ألا يمكنك فرض الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية وتقلل في الوقت نفسه من تكاليف المعيشة? «ألا يمكن تحقيق العمالة الكاملة دون أن يتسبب ذلك في حدوث التضخيم؟» لا يمكن في المجتمع ذي التخطيط المركزي أن يؤدي نظام الأثمان فيه نفس الوظائف الرئيسية التي تؤديها الأثمان القائمة على المنافسة، «أو مثلًا» لا يمكنك أن تستجدَّ إصلاحًا سياسيًّا دون أن تزيد بذلك من شدة القوى المعارضة، إلى درجة تتناسب تقريبًا مع مدى هذا الإصلاح، أو «لا يمكن أن تقوم بثورة دون أن ينشأ عنها اتجاه رجعي»،١٠٢ وهذه الوظيفة أيضًا ستجعل التطبيق — أي التكنولوجيا — يعقب المعرفة الاجتماعية كما يعقب المعرفة الطبيعية، ويلخص بوبر رأيه بأن التكنولوجيا الاجتماعية المطلوبة هي التكنولوجيا التي لها نتائج يمكن اختبارها بواسطة الهندسة الاجتماعية١٠٣ الجزئية، المناهضة للتغيير الكلي، كالتغيير الماركسي مثلًا.
وإذا اعترض أنصار سوسيولوجية المعرفة Sociology of Knowledge بأن مشكلة العلوم الاجتماعية ليست في أنها لا تتوصل إلى نتائج تطبيقية عملية، وإنما في أنها تتعامل مع مشاكل معقدة متداخلة في الميادين الاجتماعية والنفسية والسياسية، فإن بوبر يرد عليهم بأن كل المشاكل والوقائع المعرفية معقدة ومتداخلة، والمهم أن الباحث يبحث من وجهة نظر معينة مبتدئًا بفرض قد توصل إليه، فعليه أن يختار الفرض القابل للتكذيب كي يضمن استمرارية التقدم، أما التطبيق العملي فهو لا يعادي المعرفة النظرية بل هو حافز لها.١٠٤
١  K. P., Replies., p. 978.
٢  Ibid, pp. 978-979.
٣  Ibid, p. 979.
٤  د. ماهر عبد القادر محمد علي، فلسفة العلوم الطبيعية، ص٨١.
٥  Penguin Dictionary of Science, p. 211.
٦  K. P., Replies., p. 979.
٧  Karl popper in: Bryan Magee, Modern British Philosophy, p. 70.
٨  Penguin Dictionary of Science, p. 225.
٩  Hilary Putnam, Corroboration of Theóries, in the Philosophy of Karl Poppernual, p. 225.
١٠  Ibid, p. 226.
١١  Ibid, p. 227.
١٢  Ibid, p. 227.
١٣  Ibid, p. 227.
١٤  K. P., Replies., p. 987.
١٥  Ibid, p. 986.
١٦  Ibid, p. 980.
١٧  K. P., C. and R., pp. 35-36.
١٨  K. P., Replies., p. 980.
١٩  Ibid, p. 980-980.
٢٠  K. P., C. and R., p. 32. “The Passage is quated from it”.
٢١  Ibid, p. 38.
٢٢  Ibid, p. 37.
٢٣  Ibid, p. 196.
٢٤  انظر الفصل الأول من هذا الباب، فصل «معيار القابلية للتكذيب» القسم الأول، فقرة ٤، وأيضًا الفصل الثاني، القسم الرابع، حيث نناقش هذا بدقة وشمول أكثر.
٢٥  انظر الدراسة الشاملة لمبدأ الحتمية وأصوله وتطوراته وتاريخه ودوره في العلم كتابنا المذكور «العلم والاغتراب والحرية: مقال في فلسفة العلم من الحتمية إلى اللاحتمية».
٢٦  Ibid, pp. 193–196.
٢٧  Ibid, p. 193.
٢٨  Ibid, p. 193.
٢٩  د. أحمد معوض، أضواء فلسفة شوبنهور، مكتبة النهضة المصرية، سنة ١٩٦٦م، ص١٠٠–١٠٤.
٣٠  لنلاحظ أن التفنيد Refutation حكم عام يطلق على أية نظرية، أما التكذيب Falsification فهو التفنيد التجريبي المختص بالعلوم الطبيعية، المتميز عن التفنيد المنطقي.
٣١  K. P., C. and R., 194-195.
٣٢  كيف ينظر بوبر هذه النظرة القاصرة إلى الفلسفة الوجودية، له أن ينزع منزع الفنانين المتفائلين والشعراء الحالمين ويركز على جماليات العالم وروائعه، ويغمض عينيه عن وقائعه السخيفة المملة المضجرة، وعن أن الإنسان مهجور في هذا الكون، ولكن ليس له أن ينظر إلى الوجودية على أنها فقط تهتم بهذا، وينسى جانبها المشرق الوضيء المتمثل في أنها تتخذ من هذا معبرًا كي تنزع عنه الارتباط بالعالم المشل للإرادة، وتؤكد على حريته وذاتيته وفردانية التجربة الإنسانية وأهمية الاتخاذ الحر للقرار، وأهمية الاختيار والضرورة الحتمية المطلقة لرفع أية وصاية عن الإنسان تعيق ممارسته الأصيلة الحرة للحظة واحدة من حياته، وتحيله عبدًا ينفذ مشيئة الأوصياء عليه لا مشيئته هو، فتضيع حياته هدرًا وتستحيل إلى مجرد صدى لحياة الأوصياء، نعم فلاسفة كثيرون قد تغنوا بالحرية وأكدوا عليها، لكن لم يحدث أبدًا أنْ طابَقَ أحد بين وجود الإنسان وبين حريته كما فعل الوجوديون على العموم وسارتر على الخصوص، لماذا ينسى بوبر قول سيمون دي بوفوار الشهير: حرية فرد واحد أهم من موسم حصاد القمح ومن أسعار البورصة؟ هل ثمة تمجيد للإنسان أكثر من هذا، وماذا نريد من الفلسفة الإنسانية أكثر من أن تمجد الإنسان؟ أفيشين هذا التمجيد إحساسهم الواقعي بسخافات الحياة وبالعدمية؟ كلا يا بوبر، ليس الوجوديون صمًّا وعميانًا وفقراء وبؤساء يستحقون الرثاء، بل هم أعظم الناس وأجدرهم بالاحترام؛ لأنهم الأقدر على الاستقلال والأقوى والذين لا يخافون الحرية الكاملة بكل مسئولياتها الرهيبة، ولا يدانيهم أي ضعف يشعرهم بالاحتياج إلى حماية الآخرين، كل هذا بغير الدخول في مناقشات جمالية توضح كيف فجَّرت الوجودية المذاهب الحديثة للفن التشكيلي، أو مناقشات سياسية توضح كيف أكدت الوجودية الحرية والليبرالية التي ينتصر لها بوبر، أو مناقشات في ميادين أخرى كثيرة من شأنها أن توضح أن الوجودية خير معبر عن ذروة التقدم الإنساني بمفهومه الفردي، على الأقل في القرن العشرين.
٣٣  K. P., C. and R., p. 199.
٣٤  Ibid, p. 199.
٣٥  Ibid, p. 200.
٣٦  انظر: إيمانويل كانط، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة د. عبد الغفار مكاوي، مراجعة د. عبد الرحمن بدوي، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، سنة ١٩٦٥م، خصوصًا ص١٠٧-١٠٨.
٣٧  K. P., C. and R., p. 199.
٣٨  Ibid, p. 198.
٣٩  Ibid, p. 200.
٤٠  For details See: K. P., C. and R..
٤١  Ibid, pp. 79-80.
٤٢  Penguine Dictionary of Psychology, revised by Harvey Wallerstein, Penguin Books, London, 1975, p. 230.
٤٣  هول، لندزي، نظريات الشخصية، الترجمة العربية، ص٥٣–٥٧.
٤٤  هذا بالطبع تعريف سريع ومبتسر للتحليل النفسي، ثمة عرض أوسع له وتتبع لتطوراته مع التالين لفرويد، وهذا في كتابي «تيارات الفكر المعاصر»، وهذا طبعًا من منظور فلسفي نقدي، لتحديد دورها في بنية العقل الحديث، وسيحمل هذا الكتاب مناقشات أوفى وأعمق وأشمل للتحليل النفسي.
٤٥  Penguin Dictionary of Psychology, p. 134.
٤٦  ك. هول، وج. لندزي، نظريات الشخصية، ص١٦٠–١٦٢.
٤٧  المرجع السابق، ص١٦٢–١٧١.
٤٨  K. P., C. and R., p. 35.
٤٩  Ibid, pp. 34-35.
٥٠  ك. هول، وج. لندزي، نظريات الشخصية، ص٩٦.
٥١  K. P., C. and R., p. 38.
٥٢  ك. هول، وج. لندزي، نظريات الشخصية، ص٩٥.
٥٣  K. P., Replies, p. 985.
٥٤  ك. هول، ج. لندزي، نظريات الشخصية، ص٨٠-٨١.
٥٥  H. J. Eysenck and G. D. Wilson (ed.), The Experimental Study of Freudian Theoreis, p. 7.
٥٦  K. P., C. and R., p. 35.
٥٧  Ibid, p. 50.
٥٨  Ibid, p. 38.
٥٩  سيجموند فرويد، معالم التحليل النفساني، ترجمة د. محمد عثمان نجاتي، ص٣٠.
٦٠  H. J. Eysenck and G. D. Wilson, The Experimenlat study of Freudian Theories, Foreword P. Xii.
٦١  Ibid, the same page.
٦٢  ك. هول، ج. لندزي، نظريات الشخصية، ص٩٥-٩٦.
٦٣  أريك فروم، الخوف من الحرية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٩٧٢م، ص١٦.
٦٤  ك. هول، ج. لندزي، نظريات الشخصية، ص٦٩.
٦٥  المرجع السابق، ص١٤٧.
٦٦  المرجع السابق، ص١٧١.
٦٧  باتريك ملاهي، عقدة أوديب في الأسطورة وعلم النفس، ترجمة جميل سعيد، مراجعة أحمد زردة، ص٣٧٥.
٦٨  H. J, Eysenck and G. D. Wilson, The oxperimental Study Presian Theories, p. 7.
٦٩  K. P., C. and R., p. 38.
٧٠  كارل بوبر، عقم المذهب التاريخي، ترجمة د. عبد الحميد صبرة، ص٢٣.
٧١  المرجع السابق، ص٢٣–٢٥.
٧٢  نلاحظ أن بوبر فيلسوف علم، لا يعنيه إلا البحث في السمة العلمية للنظرية؛ لذلك فنقده للممارسات الإكلينيكية منصبٌّ فقط على ما تعنيه هذه الممارسات بالنسبة للخاصة العلمية، لكن لا بد وأن نضيف إليه النقد السيكولوجي لأسلوب التحليليين في العلاج من أنه يعقِّد مشكلة التشخيص تعقيدًا ضخمًا، وأصبح على المعالج أن يتجاوز الأعراض ذاتها سعيًا وراء الصراعات الداخلية مما يجعل المرض النفسي مرهونًا بوجود قوى من العسير التحكم فيها أو ضبطها، كما أنه يستغرق وقتًا طويلًا يصل إلى خمس سنوات يترك المريض فيها نهبًا للمرض، كما أن هدف العلاج نفسه فاشل وخاطئ، فهذا الهدف هو التعرف على سبب العقد، فماذا لو عرف المريض السبب وظل يعاني من المرض، لم يعد المعالجون الآن يختلفون في أن التحليل كأسلوب للعلاج قد انتهى، وقدمت السلوكية البدائل للتفكير العلمي، فأحلَّت البحث التجريبي محل أساطير فرويد، والتعلم والخبرة محل القوى الداخلية العمياء التي تعمل داخل الإنسان فلا يملك لها ردًّا، وقد أصبح العلاج النفسي الحديث متميزًا عن أسلوب فرويد بأنه لا يغوص في أسرار تكمن وراء المرض وتسبب أعراضه، بل يعتبر المرض هو ذاته أعراضه، ويقتصر عمل المعالج على معالجة هذه الأعراض، وبتعبير أدق على تعديل سلوك المريض بحيث لا تظهر فيه هذه الأعراض المرضية غير السوية، انظر: د. عبد الستار إبراهيم، العلاج النفسي الحديث قوة للإنسان، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، سنة ١٩٨٠م، ص١٨، ١٩، ٢٤، ٦٧.
٧٣  انظر في تفصيل عرض النظرية الماركسية، وأصولها الاجتماعية والفلسفية، كتابنا: الأصول الفلسفية للفكر السياسي الحديث، اليمين الليبرالي واليسار الاشتراكي (تحت الطبع).
٧٤  Karl Popper, The Open Society and its Enemies, Vol, 11.
٧٥  كارل بوبر، عقم المذهب التاريخي، ترجمة د. عبد الحميد صبرة، ص١٠٣.
٧٦  Karl Popper The Open Society and its Enemies, Vol, II, p. 79.
٧٧  K. P., C. and R., pp. 355–363.
٧٨  Maurice Cornforth, Open Society and Open Philosophy: A Replay to Dr. Karl Popper Refutations of Marxism, Laurence and Wishart, London, edition, 1972, p. 5.
٧٩  انظر في تفصيل هذا كتابنا: الفكر السياسي الحديث، اليمين الليبرالي واليسار الاشتراكي.
٨٠  كتب بوبر هذا عام ١٩٤٥م، قبل انتشار الحركات الشيوعية والاشتراكية في بعض البلدان الآسيوية الأخرى كالصين وآخرها أفغانستان، وأيضًا في شرق أوروبا وبعض البلدان العربية مثل سوريا والعراق واليمن، وبعض البلدان الأفريقية مثل أثيوبيا، وعلى العموم هذه مسألة كمية لا تنفي الفكرة الأساسية لبوبر.
٨١  Karl Popper, The Open Society and its Enemies, Vol. 11, p. 129.
٨٢  Ibid, pp. 143-144.
٨٣  Ibid, p. 181.
٨٤  Ibid, p. 181.
٨٥  كارل بوبر، عقم المذهب التاريخي، ترجمة د. عبد الحميد صبرة، ص١٦٣.
٨٦  K. P., C. and R., p. 35-36.
٨٧  Karl Popper, the Open Society and its Enemies, Vol. 2, p. 248.
٨٨  Ibid, p. 251.
٨٩  Ibid, p. 252.
٩٠  سبق أن اشترط بوبر في الوقائع أو العبارات الأساسية اللازمة لاختبار النظرية والحكم عليها أن تكون قابلة للاسترجاع.
٩١  Ibid, p. 53.
٩٢  أفلا نلاحظ أننا يمكن أن نجد في شمولية الجدل ما يعصمنا من هذه الوجهات الجزئية للنظر التي يطرحها بوبر الآن.
٩٣  Ibid, pp. 254–257.
٩٤  Ibid, p. 255.
٩٥  Ibid, p. 253–255.
٩٦  Ibid, p. 255.
٩٧  Ibid, pp. 253–257.
٩٨  كارل بوبر، عقم المذهب التاريخي، ترجمة د. عبد الحميد صبرة، ص١٠٤.
٩٩  Karl Popper, the Open Society and its Enemies, Vol, II, p. 257.
١٠٠  Ibid, p. 209.
١٠١  For details see: K. P., C. and R., pp. 120–135. and also pp. 336–346.
١٠٢  كارل بوبر، عقم المذهب التاريخي، ترجمة د. عبد الحميد صبرة، ص٨٢-٨٣.
١٠٣  Karl Popper, The Open Society and its Enemies, p. 210.
١٠٤  Ibid, p. 210.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١